الفصل 4

13 0 00

في دمشق سار الموكب المهيب وملأ الشوارع متجهاً نحو "القدم" ترفرف فوقه الرايات وسار في مقدمته رجالات سورية، وأخذ الناس خيّالة و(بيادى) مشاة يزحفون نحو الركب، ينضمون إليه في كتلة إنسانية نابضة كالقلب الواحد تكبر وتكبر، إنهم يشاركون بتجديد حياتهم الكاسدة المتآكلة الملأى بالفوضى ليكون على رأسهم رجل مقدس من نسل النبي الهاشمي محمد بن عبد الله (ص).

انتحى بوعلام بمحمد ليسيرا على الأطراف وراح يهمس في أذنه يدلّه على من يستطيع أن يرى من كبار الشخصيات: هاشم الأتاسي، الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، فارس الخوري، ساطع الحصري، ويعرّفه بأهميتهم، واحداً واحداً، ومكانة الأمير فيهم "لقد صرتَ يامحمد رجلاً ذا شأن. مكانة تستأهلها بجدارة فحافظْ عليها "

وتدفق الناس إلى ساحة المحطة الواسعة وتفرّقوا جوقات جوقات يقرعون الطبول بعضهم يرقصون بالسيف والترس وبعضهم يدبكون على صوت المزامير وحطّت عند المدخل الرئيس كتلة سراة القوم تفوح منهم المهابة والرصانة وشرع بعضهم يُخرج ساعته خلسة من جيب صدّارته ينظر إليها ويعيدها. فهمس بوعلام في أذن محمد "أترى ما أبهى هذا المنظر؟ إن الناس يكادون يطيرون فرحاً. انظر إلى أميرنا إنه الأكثر وقاراً بين الأكابر" وزعق فجأة صفير بابور النار (القطار) قادماً من بعيد فخفض الناس رقابهم كأنهم يعبرون نفقاً سقفه واطئ صامتين وكأنما لم يبق فيهم سوى اللهفة على العيون، وراحت صفارة (البابور) تكرر أصواتها الحادة المنغومة بإيقاعات تنبض بالفرح وساد السكون وانساحت النظرات تترقب قدوم البابور يشنفون آذانهم بصوت العجلات تصطك على السكة. وأطل البابور وكأنه ملأ الفضاء بصفيره الحاد المتماوج، وما إن توقّف حتى سعى "الكبار" نحو الأمير الذي أطلّ بعباءته الحريرية وعقاله (المقصّب) وقوامه الرشيق ووجهه الأسمر النحيل الذي يفيض منه النور المقدّس ولفّ ذيل عباءته على يده ورفعها يحيي الجميع بتلويحة كريمة فتدافع الناس كموجة البحر الهائجة يهفون إلى التمتع بطلعة ابن رسول الله لولا أن الجندرما تصدَّوا لهم بالقوة العارمة والعبوس والخيزرانات تلذع ماتطاله.

واتجه موكب الأمير نحو دمشق وشدّ بوعلام محمد هامساً "دعنا في الخلف" وأخذت الغيوم تتشابك في السماء وتتصادم فيقدح البرق ويجلجل الرعد، وتساقطت خيوط المطر على الدنيا سخية. قال الناس:

- اللهم زِدْ وبارك.

- هذه على وجه الشريف.

- اللهم اجعل قدومه خيراً وبركة.

وجلس محمد وبوعلام في مضافة الأمير يشنفان آذانهما بخرير المطر الذي يعمّر القلوب بالتفاؤل والأمل. قال بوعلام:

- ليس مستحبّاً أن تعود إلى جيرود اليوم.

- أنام في الخان وأعود غداً بإذن الله.

- تعود غداً؟ لست مضطراً إلا إذا انقطع المطر. وتنام في الخان؟ لا والله. هنا ستنام هنا.

وفي جيرود أخذ المطر يهطل من السحب المتجهّمة كأنما تصبّه مراجل ذات أفواه واسعة كأفواه الأغوال، وشرعت السيول تتحدَّر من أودية "جبل الدخان" واندفع الرجال يغوصون في الطين ليدعّموا السِّكر الذي وسعت فيه قبائل الحردون والثعالب وبنات آوى والجرابيع تحفر أوكارها فعجز عن صدّ السيول الدافقة وتآكل من بعض جوانبه فاخترقته أصابع السيل وصاح صائح من كبار السن نزق محروق القلب "العَليق لاينفع وقت الغارة يا أوباش" وقال بأسى "رحمك الله يا محمد باشا كان يأمر الناس بترميم هذا السدّ كل صيف" وداهمتِ المياه القرية واقتحمتها متخذة طريقها إلى الأحياء المنخفضة تتغلغل في شوارعها وأزقتها وتتلوّى كالأفاعي تلج البيوت الطينية فيتداعى بعضها وتنهار سقوفها الخشبية، ويصمد بعضها الآخر حتى حين

وتابع ماتبقى من السيل انحداره ليصبّ في الملاّحة.

تأهّب الناس عن بكرة أبيهم صاروا كتلة واحدة انصبّت فيها الأحاسيس الفردية كما تنصبّ الجداول في بحيرة، واندفع أصحاب النخوة من الشبان والرجال الذين بُنِيَتْ أجسامهم بناءً صلباً يعرِّضون أنفسهم للخطر لإنقاذ النساء والأطفال وكبار السن، وعَمَّر الرعب القلوب بالإيمان سادرة كانت أم وَرِعة وشبح الموت يرجفُ حواليهم فوحدّهم الذعر ومزجهم بعضهم ببعض وأصبحت الحياة عزيزة غالية.

كان أهل جيرود أيام القحط يصطادون الجربوع السمين الذي ينتهي ذيله بذؤابة ويسمونه (أبو شرابة) يشوونه ويأكلونه، وكانوا عندما يداهمهم الجراد تمضي النساء إلى البرية تفرد كلٌّ منهن منديل رأسها تصطاده به ثم يجمعونه بالأكياس ويشوون قسماً منه يأكلونه طازجاً ويسلقون كمية وافرة يخزنونها في بيت المؤونة بدل الطحين والبرغل.

راح هزيم يدور على نفسه مضطرباً حائراً والماء يرتفع في الغرف حتى بلغ الركبة رغم علوِّ الدار عن سوية أرض القرية، وأخذت مريم تلطم كفّاً بكف تردِّد بقلق وهلع "محمد أين محمد؟ ماذا جرى لمحمد؟ " فصاح هزيم غاضباً:"تبارك مريم لاتتركا فراشاً ولا بساطاً ولامخدة على الأرض. ضعوها في مكان مرتفع" ورفع (القزمة) واندفع يحفر ثقوباً في الجدران ليخرج الماء منها كيلا تتزعزع أساساتها وتتساقط السقوف.

ظلت الأمطار متواصلة يومين كاملين تهدأ وتشتدّ كمن فقد اتزانه وصار بعض الناس ينامون واقفين لكثرة ما بذلوا من جهد ومشقة، يسعى بعضهم إلى بعض في زوايا الأحياء كمن يحتمي بأهله وجيرانه يتشاورون حتى إذاما أصيبوا بنكبة تلقّوها جماعة وقال هزيم "ياإلهي خفف عنا. إننا مانفتأ نتخلّص من مصائب الحرب حتى تداهمنا مصائب السيول. يا إلهي إننا لانسألك ردّ القضاء ولكنْ نسألك اللطف فيه"

في صبيحة اليوم الثالث نهض الناس فوجدوا أديم السماء يتجلى بزرقته الحميمية صافياً بريئاً كقلب الطفل، وهبّت الرياح المتقلّبة تلفح أغصان الأشجار العارية وسهول القمح والشعير الخضراء التي برزت من بساط الأرض كألسنة العصافير. ومضى كلٌّ إلى حاجته.

وفي دمشق ودّع محمد الأمير وفيما أخذ يتهيّأ للمغادرة وخرج بوعلام يودعه أعطاه جريدة عليها صورة الشريف الأمير فيصل ومعلومات ضافية عنه.

وفي جيرود في المضافة العَامرة بالرجال تألّقت النار متصاعدة من الشيح والقيصوم وجذور الشوك البري البنية المتينة وحمل زَعَلُ الملقط وجلس بجوار الموقد يلملم الأعواد الشاردة يحاذيه فاضل وأبوحسين وجلس في الطرف الثاني محمد يدخن الأركيلة يحاذيه هزيم، ووضعتْ أمام الرجال الصواني المزدانة بأطباق الزبيب والجوز و(القطائف) المقلية المحشوة بالقشدة، والبقلاوة والعوامة التي أحضرها محمد معه من دمشق، وراح محمد يقصّ عليهم مشاركته في الموكب المهيب الذي استقبل الشريف وكأنه يعيش حكاية من تلك الحكايات العظيمة عن الملوك والعظماء، يصغون إليه وكأنها دنيا جديدة أقبلت عليهم رائقة مقدسة من حيث لايشعرون تحتويهم بشعثهم ووعثهم، بفقرهم وغناهم، بأحلامهم وأوهامهم.. وتذكر محمد الجريدة أخرجها من جيبه وأعطاها لهزيم "خذ هزيم أَرِهِمْ صورة الأمير ثم اقرأ لهم ما كُتِبَ عنه" وأخذوا جميعاً يتناوبون على رؤية صورة ابن رسول الله يتباركون بها ويعلِّقون عليها بخشوع، ثم قرأ لهم هزيم "هو فيصل بن حسين بن علي يرجع نسبه إلى بني هاشم قبيلة النبي (ص) فرددوا بتقى وورع "صلى الله عليه وسلّم"وتابع هزيم "ولد في الحجاز في مدينة الطائف التابعة لإمارة مكة المكرمة في العشرين من أيار عام 1883" فقاطعه أبوحسين بدهشة:

- هو أصغر منك ياهزيم.

- نعم يا أبوحسين بعامين.

ووَقَرَ محمد في قلوب الرجال جالساً فيهم شامخاً، لقد غدا من خاصة الأمير من رجاله المعدودين، غدا زعيماً طالعاً بثقة وثبات متفرِّداً من جميع مَن يعرفون باستقبال ابن سول الله، غدا واحداً من رجالات أكابر الشام يرمقونه بعيونهم ويطبقون جفونهم عليه. إنه ابن قريتهم الوحيد القادر على انتشالهم من الفاقة والعِوَز وما أكثر ماتحين الفاقة والعوز، وضعوه في مقام أعلى يفاخرون به عموم رجال الديرة الذين تفوَّق عليهم بدرجات، واغتبطوا أنهم رجاله الأقربون الأكثر ولاء له واعتزازاً به.

وأطلَّ العام الجديد أبيض ناصعاً والثلج يتناثر على الدنيا يغمرها بالطهارة والنقاء يتراكم ويزداد تراكماً خلال أسبوع والناس محشورون حول المواقد أو في معاصر الدبس يتحلقون حول المراجل الكبيرة التي تلتهب النار تحتها، يمدّون أيديهم يصطلون وكلٌّ منهم يلحس رغوة الدبس مستمتعاً، وعندما سطعت الشمس صار الثلج بارتفاع يزيد على الشبر قال هزيم "هذا الثلج بشارة خير. إنه خميرة للأرض يزيد في خصوبتها وفي خيراتها " وصعد الناس إلى سطوح المنازل الطينية يحملون المجارف الخشبية يجرفون الثلج الذي يُثقِل أحمالها ويعرِّضها للبلل والتلف ويهيلونه على الأزقة وساحات الدور يكوِّمونه فيسعى آخرون يفتحون الطرق للعابرين بمجارفهم، وفي دار العائلة اعتلى مسعود وعيدو السطوح، واندفع هزيم وأبو علي يشقون الطرقات.

أخذ الثلج خلال يومين يبرغل (يصير ذرات بحجم حبيبات البرغل) وسعت الصحون إلى الزوايا النظيفة تملؤه وتمزجه بالدبس، وتقدم صحوناً ملأى لمن ليس لديهم كروم عنب. وانتصف كانون الثاني (يناير) وجلس الرجال في المضافة يشربون البابونج فقال محمد باعتداد الزعيم ذي الفكر الثاقب: "ياهزيم الوقت لايرحم اقترب موعد الزِّبار (تقليم الكرمة) "وأردف فاضل "والحمَّر" (هو دواء لزج أسود اللون تدهن به براعم الكرمة لوقايتها من الدودة الخضراء) وطرق آذانهم صوت امرأة تستغيث وإذا بمريم تطل جذلى لاهفة قائلة "هزيم بشارة عندك وضعت تبارك صبياً وجهه كنور الصباح" وقبل أن تقفل راجعة ناداها محمد ووضع في يدها مجيدياً فضياً، وركن هزيم تفيض من عينيه وشفتيه دهشة المفاجأة والشعور بالانتصار وأخذت العيون تطوِّقه بنظرات التعاطف والمودة وأخذت الكلمات تتراشق عليه "مبروك. مبروك ياأبو اسماعيل. مبروك ياأبواسماعيل" يطلقون على المولود اسم جده حسب التقاليد فصافحه محمد وقبّل شاربيه، ومنذ الصباح أقام عرساً بهيجاً لأول مولود ذكر في العائلة، وذُبحت الذبائح حتى لام هزيم أخاه "لماذا كل هذا الإسراف يامحمد؟" ومحمد يشمَّر عن ساعديه بين المدعوين ويعد كرات اللحم بالأرز ويدسها في فمه لامبالياً بل جعله الفرح كمن يستظلّ شجرة وارفة.

في الصباح اعتلى الرجال رواحلهم واتجهوا إلى الغوطة، وصار اسماعيل شغل تبارك الشاغل وعطَّر جوّ العائلة بالبهجة والجمال. وقبيل إطلالة الربيع مضى محمد على الزرقاء إلى دمشق قاصداً دارة الأمير فاستقبله بوعلام وحيداً في المضافة. سأله:

- وحدك؟ أين الأمير؟

- خيراً.

- زيارة وسؤال عن خاطره.

- الأمير في السرايا.

- متى يعود؟

- قم معي لترى.

كان الناس يشكلون في ساحة "المرجة" والمداخل المؤدية إليها عراضات في مجموعات قادمة من حيِّ الميدان، والصالحية، وساروجا، والعمارة، وباب البريد، وباب الجابية. ومن الضواحي القريبة: المزة وكفرسوسة وداريا، وعربين، ودوما، وتل منين يرقصون ويهزجون ويرفعون الرايات وهتافاتهم الصاخبة تخترق الأجواء.

كانت صبيحة السبت السابع من آذار (مارس) 1920/ الأول من جمادى الآخرة 1338هـ وعلية القوم ينصِّبون الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على سورية قال محمد لبوعلام:

- ليتك أخبرتني لآتي برجال من جيرود وجوارها.

- أنا لم أكن أعلم حتى آخر الليل أمس.

وأطلَّ الملك من شرفة السراي يحيط به أوائل الرجال. ووضع طرف عباءته على يده ورفعها يردّ التحية فارتفعت وتيرة الحفاوة أكثر قال بوعلام "أماكفانا؟ تعال نشرب القهوة وندخن الأركيلة في قهوة مسمار" في المقهى كانت همهمات أخرى من رجال لامبالين ألسنتهم مولعة بالتعليق من أولئك الذين علّمتهم الحياة بقسوتها وغدرها أن يشكّوا بكل شيء حتى بشروق الشمس وغروبها.

- جاؤونا بملك جاهز فصلّوه على قدّنا كما تفصّل السراويل والأثواب.

- غدروا بأبيه فوَهَبونا له تعويضاً.

- "إن الملوك إذا دخلوا قرية جعلوا أعزة أهلها أذلة"

سارع محمد إلى جيرود، جمع الناس، وذُبحت الذبائح، وأقيمت حلقات الدبكة، وحلقات الرقص بالخناجر. وصُبغت الأغاني بصباغ الولاء للملك والهتاف باسمه وحياته. قال هزيم لمحمد هامساً:

- لماذا كلّ هذا التبذير يامحمد؟

- سورية كلها تحتفل.

- وهل سيعوضنا الملك هذه الخسارة يا أخي؟

قال محمد مازحاً:

- كأنك لست راضياً عن تنصيب الملك ياهزيم.

- لست راضياً ولا غاضباً يا أخي ولكني لست متفائلاً به ولا بغيره. لقمة عيشي مجبولة بدمي وعرقي. قال ملك قال.

في اليوم التالي جاءت الأخبار من دمشق أن صاحب الجلالة شكّل وزارة برئاسة ابن حمص العريق هاشم الأتاسي وضم إليها أبرز الشخصيات الوطنية: علاء الدين الدروبي، ورضا الصلح، والدكتور عبد الرحمن الشهبندر، والأميرالاي يوسف العظمة، وفارس الخوري، وجلال الدين زهدي، وساطع الحصري، ويوسف الحكيم. وأنشأ جيشاً قوياً ووعد أن يحكم البلاد بالعدل والإنصاف على أنقاض الخلافة العثمانية التي طغتْ وتجبَّرتْ، وجَنَتْ على نفسها فانهارت بين عشية وضحاها كما ينهار بناء داخله سخام وخارجه رخام.

وجاء محمد بالعمال يهدمون الدار إلا من غرفة يقيمون فيها مؤقتاً وبالبنائين يحضّرون حجارة الأساسات ويصبون اللبن، وبالنحّاتين يجهزون الحجارة التي اقتلعوها من الجبل، يصقلونها لواجهة الدار وللقناطر، وراح يتابعهم والويل لمن يتلّكأ أو يتهاون.

وأخذ هزيم يتحدّر بعد صلاة الصبح إلى البرِّية (في جيرود يقولون عن الأرض الفلاة: البرية، وعن الأرض المسوَّرة: البستان) يستصلح الأرض بصبر وجبروت بقوة بعثها الله فيه. يحفر خندقاً عرضياً شبراً شبراً يزيل الطبقة (النجيلية) عن السطح ويستخلص جذور الأشواك التي تتغلغل فروعها في الباطن يخزنها وقوداً لإشعال النار، وينقّي الأرض من الحجارة ويحمل الحجارة والحصا يكوِّمها عند مشارف الأرض، ويمهّدها، فجعل منها شرفة تطل على فضاء البرية الرحب، فرشها بالحصا والرمال وطلاها بالطين وبنى جداراً على حافتها بارتفاع ذراع ليحمي "اسماعيل" من السقوط وبنى على طرف الشرفة خيمة (عرزال) من الحجر والطين بثلاثة جدران مفتوحة على البرية حَفَرَ فيها الطيقان وسَقَفَها بأغصان الشجر، واختار قطعة مستصلحة بدأ يهيِّؤها لغراسة أشجار الكرمة.

في العصرية أخذ الرجال يتواردون على دار محمد تشدّهم رائحة القهوة المرة المنعشة ودقات المهباج بإيقاعها الجذاب وأبو علي يرفع المدقة ويهيلها بإحكام وحواليه دِلال القهوة، ومسعود يضع الأركيلة أمام محمد الذي يتربّع في الصَّدر ودخلت خزنة بنت العامين ترقص على كتفيها ضفيرتان مزينتان بخيوط حريرية حمراء. قال محمد متهلِّلاً "أهلاً أهلا أهلاً" وهي تتقدم منه بخطوات متعثِّرة وألقت بنفسها على صدره عانقته وقبّلته فضمَّها بشغف وأجلسها في حضنه فقالت بشموخ ساخطة:

- أبي أبعد الأركيلة إنني أكره رائحتها.

- على عيني ياحبيبتي. مسعود خذ الأركيلة.

عرض عليها فاضل من مجلسه قطعة سكر فلم تأبه بها. قال "خزنة تعالي خذيها هذه لك" رفعت كتفيها بإباء، ألقاها على الأرض بجانبها، أشاحت عنها، تناولها مسعود وقدمها لها، قالت بأنفة "خذها أنت" أعادتْ خزنة ذكرى جدتها التي ورثت منها اسمها وكبرياءها وشموخها، وعزَّزت قيمة مريم عنده فاضطجع على الأرض وسرعان ماوثبت عليه وركبت وصارت تضربه تعامله على أنه حمارتها.

انفضّ الساهرون بعد العشاء ودخلت النساء، واتكأ محمد في زاوية الغرفة يشعر كأنّ فيها نقصاً يعجز عن إدراكه؛ هزيم وتبارك غرقا في النوم بإحدى الزوايا يتوسطهما اسماعيل الصغير، وخزنة نامت في الزاوية الأخرى، ومريم قرفصت بجانبها تكبو؛ مريم هذه لم يكن ينغِّص حياته سواها ولولا خزنة فليست لها أية فائدة، هي امرأة صادقة شفافة كلوح البللور، طيبة القلب تفيض منها الطيبة إلى حدّ السذاجة، والأمانة إلى حدّ النقاء، ولكن ليست عندها مهارة النساء في شغل السنارة ولا في التفنن بترتيب الغرفة لاتعرف من الطبخ سوى الأكلات القديمة التي لاتحتاج إلى تفكير، ولا نَفَس لها في الطعام كسواها من النساء. نظر عَرَضاً إلى إسماعيل ابن أخيه الذي أحبّه من صميم قلبه لكنه يتوق إلى أن يرزق بولد ذكر لتكتمل حياته أهذا هو سبب انقباضه؟ تمدَّد في مكانه وغرق في النوم.

حلً شهر أيار وحان قطاف المشمش فأزمع أن يرسل هزيم مع الفَعَلة إلى الغوطة، وكلف فاضل أن يساعده في مهمته. وفي المساء قبل أن يرفضّ الاجتماع شده فاضل إلى خارج الغرفة وهمس قائلاً ملمِّحاً:

- هزيم يامحمد هيّن لين مع الفعلة.

- ولكنه أخي يافاضل.

- على عيني. وهو بسعر أخي أيضاً. لماذا لا تذهب معنا أنت؟

- أنا لن أتحرك من الدار حتى أراها قائمة بهيَّة كالعروس.

في غرفة لاترى الشمس ولاتكاد تتسع لأكثر من (طُرَّاحتين) محشوّتين بالرقاع ووسادتين من سَقَط المتاع على أطراف حي الميدان في منطقة نهر عيشة غرق محي الدين في النوم منهكاً بعد يومٍ عصيب من العمل بالحفريات. هو ينام على إحداهما والأخرى لأخيه عبد الرحمن الذي تطوَّع في الجيش الفرنسي ولا يأتي إلا لماماً. محي الدين معلمه يحبّه ويقول "لاحاجة لمراقبة محي الدين فهو جادٌّ حيُّ الضمير يعمل بكل قوته منذ الصباح وحتى المساء لايتذمَّر ولا يتلكّأ وعمله دائما نظيف متقن" وفي عزِّ الليل فتح عبد الرحمن الباب بحذر واندس في الغرفة ووضع عُلبة (بسكويت) صغيرة قرب وسادة محي الدين ونام بكامل ثيابه، وعندما صاح المؤذن لصلاة الفجر استيقظ محي الدين والغرفة ماتزال معتمة وعندما لمس (البسكويت) عرف أن أخاه نائم على (طراحته) فتقرّى الطراحة بيده وتأكّد ومضى إلى المسجد.

في الصباح تسلل بائع الحلاوة إلى عبد الرحمن وهمس في أذنه كلاماً لم يسمع محي الدين كلمة منه ومضى إلى عربته وقبل أن يغادر الحي تفاجأ محي الدين بعبد الرحمن يعانقه متشنجاً ويضع على الوسادة كيساً قماشياً صغيراً، ويلقي سيدارته إلى الأعلى لتسقط في النهر، ومضى مبتعداً.

لم يكن عبد الرحمن يوماً راضياً عن انتسابه إلى الجيش الفرنسي لكنّ اللقمة على مرارتها لم يكن قادراً على الحصول عليها، صار له راتب وكان ينوي أن يساعد أمه بجزء منه يزورها في جيرود أو يرسله إليها مع محي الدين.

أحسّ محي الدين أن ساعة رهيبة تتربّص به كالأفعوان فاغراً فمه، وقعد اليوم عن العمل معتكراً كئيباً حتى سمع من الناس أثناء صلاة الظهر أن الثوار فجروا قطاراً على طريق دمشق - درعا وقضوا على عدد من الجنود الفرنسيين بين قتيل وجريح. ازداد وسواس محي الدين ومنع القلق عنه السكينة والهدوء، وبعد صلاة العشاء تسلل إليه بائع الحلاوة، وهمس في أذنه "البقية في حياتك يامحي الدين. أخوك عبد الرحمن سقط شهيداً لكنه قام بعمل كبير مع رفاقه. لايجوز يامحي الدين الحزن على الشهيد بل الفرح لأن مثواه الجنة"وانسل بائع الحلاوة واختفى في الظلام فانكفأ محي الدين على نفسه وراح ينتحب نحيباً مراً، ثم رنّت كلمة "شهيد" التي فاه بها بائع الحلاوة في وجدانه فقرأ الفاتحة على روحه بخشوع، وكم عزَّ في نفسه أنه لايحفظ من القرآن إلا الحد الأدنى الذي يساعده على إقامة الصلاة، ثم قبع في زاوية الغرفة يشعر أنه غدا وحيداً وأن الوحدة بدأت تثّاقل على صدره تجعله ضيقاً يكاد يعجز عن التنفّس. إذاً فقد آخر عزيز على قلبه فقد أخاه الأصغر الذي كان يملأ الدنيا حيوية ومرحاً، فقد عبد الرحمن.

وجد محي الدين نفسه غير قادر على احتمال الوحدة فجمع ثيابه في صرة وتفاجأ بأن في الكيس الذي تركه أخوه ليرة ذهبية وبضع غروش سورية فضمه وعاد ينشج باكياً، ثم نهض واشترى بضع رقاقات لأمه ومضى نحو جيرود.

صحيح أن الثورة السورية الكبرى التي قامت برئاسة سلطان باشا الأطرش بين عامي (1925 - 1927) ضعضعت فرنسا وكبّدتها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد لكن الفرنسيين أخذوا يضاعفون قواتهم العسكرية، وأخذوا يزدادون شراسة وفتكاً غدو وحوشاً كاسرة. وهاهو العام 1933 قد دخل ومازالت فرنسا تقدم الوعود وتنكث بها، ومازالت الاشتباكات بين الفرنسيين والثوار تلتهب وتخبو.

دخل محي الدين دار أمه الصغيرة المتواضعة فوجدها وحيدة وعندما رأته تهلَّلَت وهرعت إليه تعانقه بحرارة والدموع تنفر من عينيها:

- أين أنت يامهجة قلبي؟ أين أخوك عبد الرحمن؟ لماذا ليس معك؟

- عبد الرحمن ياأمي شهيد شهيد.

قالها بصوت متفكّك وشفتين مرتجفتين وتصدى لعيني أمه الضائعتين:

- أخي مات في معركة ضد الفرنسين.

فصاحت الأم بأعلى صوتها "ويلي"وراحت تنفش شعرها وتلطم على خديها وتنتحب باكية وتعدّد "حرمني الدهر منك سنين فقلت إلى حين. والآن قطعوك من قلبي ومهجتي. آه يازينة الشباب" وسيطر عليها النحيب، وراح محي الدين ينتحب هو الآخر. وسعى الناس إلى دارها يستطلعون وأقعت النساء وتجمَّعن يشاركن بالنحيب ودخلت تبارك وانضمت إليهن تندب على فقدها ابن أخيها. ووقف الرجال يحوقلون ويقرأون الفاتحة، وجاء زوجها الحاج صالح، وأقيم للشهيد عزاء لائقاً تبرع فيه محمد بذبيحتين.

في النبك كبرت الطفلتان ونَهَدتا وتبلورت فيهما الأنوثة، صارتا صبيتين تلفتان النظر، وبلغت عاتكة السادسة عشرة وأمينة الرابعة عشرة فتضاعف همّ خديجة. لم تعد مشكلتها تأمين لقمة العيش، وإنما تركَّزت على ماهو أقدس من الحياة نفسها وهو المحافظة على العرض والشرف. وحان النصيب، والنصيب لايُرَدّ.

زوَّجَتْ عاتكة لعسكري خيّال في الجيش الفرنسي من أصل نجدي، وأمينة لشاب من المنطقة يعمل في الطّينة. عاتكة انسجمت مع زوجها والتقيا في ميولهما الدينية، أما أمينة فاختلفت مع زوجها الذي كان جلفاً غير قادر على استيعاب إقبالها على الحياة، واستعر الخلاف وأدى إلى الطلاق بعد أن رُزقا بطفلة.

راح محمد يذرع داره الجديدة يتلمس أحلامه التي أصبحت حقيقة واقعة. فتحة الباب الخارجي الواسعة التي يستطيع الفارس أن يدخلها راكباً وهي من الحجارة البيضاء المصقولة، وباب من الخشب الملبّس بصفيح من التوتياء تتوسطه خوخة لعبور الرَّاجِلين، وحلقتان نحاسيتان للطارق إحداهما كبيرة على الباب الكبير والأخرى صغيرة على الخوخة، ومدخل على غرار مدخل دارة الأمير يحيى، ولئن كان أقلّ بهاء فهو يلبي بعضاً من الطموح، إنه على شكل ليوان فتحته إلى الجنوب فيه قنطرة حجرية وفيه مصاطب لجلوس المنتظرين وفي مواجهة المدخل باب المضافة العربية الواسعة المفروشة بالسجاد ومدارج الصوف المضغوط (اللباد) ومساند محشوة بالقش، وفي صدرها موقد لتسخين القهوة المرة وإعداد الجمر للأركيلة، وتزدان المضافة بدِلال القهوة المرة من النحاس المحفور وبالأراكيل وزير لشرب الماء، وعلى يسار الداخل إلى الدار غرباً رمانتان زرعهما أبوه واحدة عند ولادة هزيم والأخرى عند ولادته كانتا في الدار القديمة فحافظ عليهما وحفر لكل منهما حوضاً رصفت جوانبه بالحجارة وفي الجنوب غرفة للضيوف ذوي الشأن مفروشة بالكنبات سميت (البيت القبلي) تليها إلى اليسار غرفة للنوم والجلوس سميت (البيت الوسطاني) وُضع فيه سرير نحاسي، ولها باب ينفتح على (السلملك) قسم الرجال وباب على الليوان في (الحرملك) قسم النساء وفيه قنطرتان حجريتان. وعلى طرفه المقابل باب غرفة مريم، وفي الشرق غرفتان لهزيم، وفي القسم الأوسط من الدار حُفرت بئر رُكّب عليها كباس يدوي لإخراج الماء وتخزينه على السطح وتوزيعه على المطبخ ذي الشكل المستطيل عرضه أربعة أمتار وطوله ثمانية تفصله قنطرتان حجريتان عن قسمه الداخلي وفيه التنور ومواقد الطبخ. وعلى اليسار بحرة صغيرة يصبّ فيها ماء (الكبّاس)، وبُني حمام مفروش بالبلاط حدرانه وسقفه من الخشب المحفور المزين، وفي مدخله (مشلح) لتبديل الثياب.

أمر محمد بذبح ثلاثة أكباش وُزِّع أحدها على الفقراء وأُولم بالآخرين ودُعي عدد من الأقارب والأصدقاء، وجلس في المضافة مع هزيم وحيدين آخر السهرة. قال محمد بحرقة وكأنه يغص بالفرحة:

- كلَّفتنا كثيراً هذه الدار ياهزيم.

- فرحتك بها تساوي الكنوز الذهبية.

- ولكنها أنهكتنا، كسرت ظهرنا، ولم يبق في بستاننا إلا الحطب.

- مصرية الدار والزواج ييسرها الله سبحانه وتعالى، ويعوضها يا أخي.

وجلس محي الدين مكتئباً بين أمه والحاج صالح سألته أمه بحنان:

- محي الدين مالك يا ابني ياروحي.

- هل غسلت لي ثيابي؟

- ثيابك جاهزة من أمس. ولكن لماذا؟

- أحس بضيق في صدري.

- فرّج عن همك ياروح أمك.

- يجب أن أبحث عن عمل.

تدخّل الحاج صالح مهدِّئاً:

- ياابني الخير كثير والحمد لله.

- ياعمي أنا لا أستطيع أن أعيش بدون عمل. أحس أنني (أطقّ)

- بيت عمتك ياابني يشغّلون القريب والغريب. اقصدهم.

- ألا يعرفون أنني بحاجة إلى عمل؟ أنا لا أحبّ أن أستعطف غير ربي.

- ومن أين لهم أن يعرفوا ياولدي؟

قال الحاج صالح باعتداد:

- دعني أكلم أبو اسماعيل ابن عمتك فهو صديقي.

في المساء طُرق باب الدار فاندهش الرجال "الباب مفتوح" فنهض عيدو بخفة وخرج وهو يصيح: "تفضل" وإذا ببوعلام يدخل مبتهجاً، ألقى التحية فوقفوا جميهاً يرحبون به. جلس وشرب القهوة وقال:

- بعثني الأمير.

- خيراً؟

- كل الخير لكنه يريدك لأمر هام.

- متى؟

- الآن.

- الآن!؟

- وطلب مني أن آتيك بنفسي.

تبادل الرجال نظرات حائرة لكن محمد تهيّأ وامتطى الزرقاء وتحرك مع بوعلام باتجاه دمشق. قال الأمير:

- اجلس يامحمد. أمس كنت عند رئيس الوزارة وكان حاضراً وزير الأشغال وأمين العاصمة وبعض رجال الدولة. سمعتهم يريدون أن يحرِّروا مجرى نهر بردى بفروعه السبعة من نبعه إلى مصبّه لكثرة ما يتراكم فيه من الوشل وبقايا الأغصان المكسَّرة وصار يفيض على البيوت ويسبب الخسائر الفادحة للناس، النهر لم يعد يطاق على وضعه الحالي. رأيتهم حائرين في مَن يكلفون بهذا المشروع الضخم يريدون أن يبدأ العمل الآن في أول أيار وينتهي قبل نهاية أيلول قلت لهم أمهلوني حتى الصباح أدلكم على رجل قادر جدير فما رأيك؟

قال محمد يختزن الفرحة والرهبة في قلبه:

- أنا لا أخيِّب ظنك أفندم.

- المشروع كبير جداً والمهلة قصيرة يامحمد.

- أنا حاضر أفندم.

- يعوزك مئات العمال.

- ما أكثر العاطلين عن العمل.

- وهل أنت قادر أن تحمل بطيختين بيد واحدة؟ أن تجمع بين العمل عندنا في الضيعة وبين هذا العمل؟

- لماذا يد واحدة أفندم؟ وأخي هزيم؟ ومجموعة من المساعدين الأكفاء؟

ثم أطرق محمد يفكر، وواجه الأمير بعينين قلقتين:

- فرنسا هي التي تحكمنا أفندم.

- البلد بلدنا يامحمد ونحن أهلها المقيمون فيها وسيأتي يوم ترى فيه الجيش الفرنسي يركب البحر عائداً إلى بلده لأننا لن نتركه يستقرّ. لقد ذكرتني يامحمد بجدي عبد القادر عندما قاوم الفرنسيين في "معسكر" مدينة أهلنا وأجدادنا بالجزائر.

- ولكن يا أفندم ما إن نسمع بتشكيل وزارة جديدة حتى نسمع بحلّها.

- الوطن يا محمد ليس لهذه الوزارة ولا لتلك. الوطن لأهله أنا وأنت وهؤلاء الناس الذين ولدوا فيه. محمد؟ هل أفهم من كلامك أنك متردّد؟

- لا أفندم. اعذرني أنا مستعد.

- إذاً على بركة الله.

وصاح المنادون، وهبّ الناس إلى دار محمد قادمين من عدد من قرى القلمون ومنطقة دوما ونُظِّمت القوائم خلال يومين كاملَين أنجزها هزيم وخالد وحسن وفاضل وأبوحسين. وطلبوا أن يراجعهم واحد من أهل كلِّ قرية بعد ثلاثة أيام. وعقد محمد جلسة عمل مع معاونيه لوضع خطة يُقرَّر فيها تحديد عدد الورشات وعدد العمال في كل ورشة، وتوزيع الورشات على أماكن العمل من نبع بردى وحتى نهاية كل فرع من فروعه، وتقاسم المعلمون مهامّ العمل على أن يأخذ زعل في العشرين من أيار (مايو) عدداً من النساء وبعض الرجال إلى ضيعة الأمير لقطاف المشمش وإعداد القمر الدين ويأخذ الحاج صالح يساعده.

قبل أذان الفجر اعتلى محمد صهوة الزرقاء ودخل على الأمير في مضافته وأَطْلَعَهُ على الخطة. فأعجب بها وقال:

- عفارم محمد. خذها الآن إلى معالي يوسف بك الحكيم وزير النافعة ليعرضها على دولة رئيس الوزراء هاشم بك الأتاسي، ولا تبدأ بالعمل مالم تأخذ موافقة خطية.

- وسلفة مالية وافية أفندم. وسأضع شرطاً آخر أنني أنا الذي يدفع أجور العمال بعد أن ننجز مرحلة من العمل لامحاسبيهم ولا موظَّفيهم.

- أحسنت يا محمد.

وزوّده الأمير بكتاب يكفله فيه.

قبل أذان المغرب وصل محمد إلى داره رافعاً رأسه فوجد جماعته ينتظرونه قال لهم "تهيّأوا" واندس في غرفته وأطبق الباب وأعطى مريم كيساً من النقود وقال محذِّراً "هذا الكيس ملآن بالمصاري. خبئيه واحذري أن يعرف به أحد وإلا قطعت لسانك" وما إن خرج إلى جماعته حتى وضعته تحت فراشها والهواجس تنغل فيها.

تجمّع الناس على باب الدار يلوِّحون لزعل هامسين:

- أبومحمد حَمَام لمّا غراب؟

- حمام حمام.

ومضوا باتجاه بيوتهم يردّدون "حمام حمام" يكاد واحدهم يرفرف بجناحيه ويطير كما يطير الحمام، وجاء الحاج صالح بمحي الدين ليسجلَّه مع العمال فرحب به محمد وهزيم وعندما عاد إلى البيت ضمته أمه وقبَّلته قائلة "لولا حزني على عبد الرحمن لأطلقت زغرودة تصل إلى الغيوم".

على مدى مسيرة بردى من النبع إلى سائر مراحله وفروعه: التكية، الوادي، الهامة، دمر، الربوة، المزة، داريا.. ارتفع صخبُ العمال وانتشرت أغانيهم ذات الإيقاعات السريعة ملء الفضاء تضاهي زقزقة العصافير وصيحات (القيقان) غربان الزرع ذات اللون الأصهب والحواشي السوداء على أغصان أشجار الحور البلدي والرومي.

اكترى محمد بيتاً واسعاً في منطقة العمارة وضع في قسمه الداخلي مريم وخزنة وتبارك وأم إبراهيم "العشِّيّة" وخصَّص قسمه الخارجي مضافة للراحة وعقد جلسات العمل وأحاط به مسعود لإعداد الأراكيل، وأبو علي لإعداد القهوة وطلب من عيدو أن يضع الفرس في الخان ويبقى معها، وشرع يقوم بجولات عمل مفاجئة في أوقات مختلفة من اليوم وحيداً، وكان المهندس فوزي بك من وزارة النافعة يصاحبه في معظم جولاته فأُعجب فوزي بخبرته وحيويته وإخلاصه للعمل وانعقدت بينهما صداقة متينة ووعده فوزي بك أن يسعى إلى تعيينه خبيراً في مصلحة الريّ. قال له:

- وهل ترى عندي صبر على الوظيفة يا فوزي بك؟

- خبير يُستدعى للاستشارة والإشراف على العمل ياأبوقاسم. أنا أحببتك يارجل، أحببت فيك ذكاءك وإخلاصك في عملك وقدرتك على قيادة الرجال.

- وأنا أحببتك وأعجبتُ بعفة نفسك، وطيبتك، وخبرتك الواسعة.

ودعاه فوزي يوماً إلى بيته في حيّ القصاع وجلس معه بجانب البحرة ووضع أمامه مائدة عامرة بالسلطات والأطايب، وفاحت رائحة الكبّة المشوية. وما إن قال فوزي "تفضل" حتى فتح محمد قرصاً مشوياً فانساب منه شحم الخروف على سترته فأخذت منه السترة عمة فوزي ووضعت ورقة نشّاف على بقعة الدهن ومررت عليها (المكواة) فشربت الدهن. سأل محمد نفسَه "أَاِذا علَّمتُ مريم هذا فهل تعرف كيف تتصرف؟ هل تعرف أن تعدَّ سفرة كهذه؟ ماذا أفعل إذا زارني فوزي أو رجل من أمثاله؟" سأله فوزي:

- مالك سارحاً يا أبو قاسم؟

- هي الحياة يافوزي بك.

أخذت الأموال تنثال على محمد كرذاذ المطر. يعطيها لمريم تضعها في أكياس وتدسّها تحت الفراش وتجعل من بعضها مخدات وتخبِّئها تحت رأسها وتثبت مفتاح الغرفة في عقصتها تقفلها بإحكام كلما خرجت منها ولو إلى الحمام.

كان محمد يدلِّلُ خزنة وقد أصبحت صبية في الثالثة عشرة يشتري لها ماتشاء من لباس وزينة وحلويات، وصار هزيم يأخذ معه إسماعيل وقد بلغ الخامسة عشرة يدرِّبه على العمل وعلى كتابة القوائم.

كان إسماعيل طفل العائلة المدلل وقرة عين تبارك التي ما كانت ترفع نظرها عنه كانت تخاف عليه من هبة النسيم؛ عندما بلغ الثامنة وُضع في المدرسة فبدت عليه علائم الذكاء والتفوق وصار يتقن اللغتين العربية والفرنسية، وفي العام 1930 أكمل دراسته الابتدائية فأزمع الأب والعم أن يبعثاه إلى دمشق لمتابعة دراسته الثانوية لكن تبارك جُنَّ جنونها. أصرت بعناد وشراسة ألا تبعده عن عينها. الغربة؟! دمشق؟ ليعيش بعيداً عن عينها وهو وحيدها ومهجة قلبها، ومسوِّغ وجودها في هذه الدنيا؟ حاولوا إقناعها بلا جدوى. فزمجر محمد وغضب، بيد أن هزيم قال مسلِّماً بالأمر الواقع " لاحول ولاقوة إلا بالله".

في النبك أوشك الصيف أن ينصرم وخديجة ماتزال حائرة في أمرها وأمر أمينة قال لها الناس عن العمل في نهر بردى وقالوا إنهم مايزالون بحاجة إلى المزيد من العمال والعاملات. سألت أمينة:

- أتذهبين إلى الشام؟

- كما تشائين يا أمي. وابنتي؟

- نتركها عند أختك عاتكة.

- هل ترضى؟

- لِمَ لا؟ اسأليها.

أخذ محمد يعيش حياته بطولها وعرضها، وقد زاغ بصره وهو شاب وسيم يمشي على الأرض وكأنه الحصان ويحسّ كلما لاحت له مريم كأن حياته الشخصية حجر أصم، أحسَّ أنه صار رجلاً مرموقاً في جميع الأوساط. وبينما كان يقوم بجولة رأى بين العاملات صبية في مقتبل العمر أخذ يراقبها عن بعد وعن قرب أينما تحركتْ فدخلت قلبه. قال له المسؤول عن ورشتها وهو من النبك "هذه نبكية جاءت اليوم مع أمها. أبوها هرب مع عدد من أبناء النبك من التجمّع وهاجر معهم إلى الأرجنتين، وأمها من عائلة محترمة لكن ما أجبرها على العمل هي وابنتها عزّة نفسها، وحياتها الظالمة وحظٌّها العاثر".

عندما يصوِّب الرجل عينيه إلى عيني المرأة يحسّ عن كثب ما إذا كانت تعتدُّ بكرامتها وتتمسك بأخلاقها، ويدرك أنها تؤدي عملها بإباء وشمم قادرة أن تحمي نفسها من الانزلاق إلى ماتضعف فيه النساء. فاستقرّت تلك الشابة في قلب محمد، وسرى حبها في دمه رغماً عنه. وفي الليل أصابه خيالها بالأرق فانتصب جالساً في سريره وأخذ ينظر إلى مريم الغارقة في نوم عميق. صحيح أنه يحبّ مريم وهي سيدة فاضلة لكنها امرأة منغلقة ليست قادرة على استيعاب وضعه الاجتماعي، أو حاجات نفسه تنهض منذ الفجر لتقيم صلاة الصبح في وقتها وتنصرف لبعض شؤون بيتها حتى تعتلي الشمس درج الأفق فتصلي الضحى ثم تصلي ركعات من (القضاء) كي تسدد ديونها إلى الله والرسول من المهد إلى اللحد.ثم تعود إلى العمل في البيت؛ أيّ عمل وكيفما كان حتى تحين صلاة الظهر فتقيمها، ثم تقيم صلاة العصر، ثم المغرب، ثم العشاء. وفي الليل تنعكف على صلاة قيام الليل وغالباً ما تغرق في النوم وهي ساجدة، إنها لاترى من حياتها إلا وجهاً واحداً هو الاستنفار الدائم للصلاة والتشبُّث بالعبادة والتمسك بالمسبحة كأنها عجوز ستينية، تنفر منه حتى لا ينتقض وضوؤها، وعاد خيال تلك الفتاة يزرع النار في أعصابه.

في الصباح داهمها بلا مقدمات وسألها:

- مااسمك؟

- أمينة.

- متزوجة؟

- مطلقة.

- أتتزوجينني؟

أطرقتْ أمينة وتماسكتْ تحاول السيطرة على نفسها من هول المفاجأة. المعلم محمد أكبر من حلمها بكثير لكنها تسمع من الآخرين أنه متزوج وعنده أولاد. قارنته بذاك الجلف طليقها: أين الطين من القمر؟! تُرى أهو صادق في طلبه؟ وتابع محمد بضيق:

- مالك؟ ألا تتكلمين؟

- أنا حائرة.

- حائرة؟

- وخائفة.

- لمَ الخوف؟

أطرقتْ وكادت تهرب مضطربة مرتبكة، إن مثل هذه الفرصة لاتتكرر. تابع منتهراً:

- تكلمي يابنت.

قالت محتجة غاضبة:

- أنت معلمنا وتستطيع أن تغضب منا وتوبخنا وتطردنا من العمل، أمّا عندما يتعلّق الموضوع بالخطبة والزواج فإني أرفض.

- ترفضين؟!

ومضت إلى عملها مبتعدة عنه، وتركته مشدوهاً حائراً. ما أجمل أن تكون المرأة بهذا الكبرياء! وشدَّ على أسنانه "أنا لا أحبُّ المرأة الخانعة التي تبدو مغلوبة على أمرها تهشّ عليها فترفرف بأجنحتها كالدجاجة" وعاد يراقبها فوجدها تقفز على الأرض كقبرة، ترمقه بطرف عينها وتحاول أن تتظاهر باللامبالاة: "يبدو أنه سباق بيننا وكلٌّ يحاول أن يلوي ذراع الآخر. ولكن لا. يجب أن تكون زوجتي " داهمها قائلاً بصرامة محملقاً:

- أمينة. يجب أن تكوني زوجتي.

قالت بدهشة مخفية إعجابها:

- بأيِّ حقٍ تجبرني؟

- أنا أحبك.

- هكذا؟ بلمح البصر؟

- نعم. بطرفة عين.

- أنت تحبني، ولكن ألم يخطر ببالك ماهو رأيي فيك؟

- أنت تحبينني.

- أنت مغرور.

كشرِّ غاضباً محتداً وقال:

- أهكذا يجب أن نلعب لعبة القطِّ والفأر؟ أنا أكره البنت الماكرة.

وتابع بحسم:

- قولي باختصار: نعم أولا.

أطرقت، وقالت بحياء وارتباك:

- نعم.

قال بحماسة:

- وأنا سأجعلك ملكة الملكات.

- وأنا ساجعلك سيّدَ الرجال. ولكن اخطبني من أمي.

ومضت مبتعدة تكاد تطير من مشاعر غامضة، أبرز ما فيها حبٌّ مداهم، لايعرف الإنكار ولا المواربة وفرحٌ يفوح من قلبها كالعطر. وسرعان مافاحت رائحة الحب في أوساط العمال والعاملات، فانتحت خديجة بابنتها وانقضَّتْ عليها متوترة:

- أتمنى من الله أن أقبرك وأرتاح منك يافاجرة.

- ماذا فعلت حتى تنعتينني بهذه الصفة؟

- فعلتِ ماتستحقين عليه قطع الرقبة، هيا أسرعي قبل أن تشوينا نار الفضيحة. سنترك العمل هنا ونحاول البحث عن عمل في مكان آخر، وإن لم نجد فإني أفوض فيكِ أمري إلى الله

وداهم هزيم أخاه والغيظ يرجف على شفتيه، انتحى به جانباً وقال له:

- هل اختل عقلُك ومات فيك الشرف والخلُق يا محمد؟ أتسطو على بنات الناس اللائي وضعهن الله تحت يديك ليحصلن على لقمة عيشهن؟ يالها من نذالة يامحمد!

قال محمد محتجاً مضطرباً:

- كفى هزيم. أنت تبالغ كثيراً. أنا لم أسئ إليها.

شدّ هزيم على أسنانه وقال بحرقة وأسف:

- وألسنة الناس التي لم تعد تتحرك إلا لتلهج بهذه ال.. بهذه ال.. بهذه السفالة؟

- سامحك الله ياهزيم. لو قالها غيرك لهشَّمتُ رأسه.

- هذا فجور.

- هزيم قررت أن أتزوجها.

- أنت سفيه يجب أن نحجر عليك، وزوجتك؟ مالها زوجتك؟ ألأنها امرأة تقية تطيع الله وتؤدي ما عليها من فرائض؟

- إذا كانت هي التي حرَّضتك فسأقصّ لسانها ياهزيم.

- محمد. أنت تعرف أن مريم تسلِّم أمرها إلى الله، لاتشكو ولا تلهج بشكوى.

- هزيم. أنا سأتزوج هذه البنت، وإذا أردت أن تخسرني فافعل ماشئت.

أطرق محمد وهو يصطدم بأخيه للمرة الأولى في حياته؛ هزيم يكبره بثماني سنوات والعلاقة بينهما علاقة زاخرة بالعطف والمحبة والاحترام. قال هزيم متأثِّراً مسلِّماً:

- اللهم لاحول ولاقوة إلا بالله.

وازداد إصرار خديجة على الرفض، وحجتها: الغربة، والضرة، والأولاد، وفارق السن الذي يزيد على عشرين عاماً. محمد في الرابعة والأربعين وأمينة في الثالثة والعشرين، ولكن محمداً ليس ممن يتراجعون عن قرارهم، وأمينة يبدو أنها أشدُّ عناداً، وأخيراً رضخ التقيان الورعان: الأخ، والحماة، وافقا على مضض حفاظاً على السترة، وسارع محمد فعقد قرانها، وكتب كتاباً شرعياً، وسجلها على اسمه في سجلات الأحوال المدنية قبل يطرأ طارئ. وتنفَّس بارتياح، وأصرّ عليها أن تترك العمل فوراً بيد أن خديجة رفضت. سألها:

- ماذا نفعل بأمك؟

- أنا باقية معها.

- أصبحنا زوجين يا أمينة.

- على الورق.

- أتعنين أنك تريدين عرساً..؟

- لا يامحمد.

- معنى ذلك أنك تريدين أن أشتري لك ثياباً جديدة، وعقداً من الذهب. أنا مستعد.

- أنا لا أطلب منك شيئاً لكني لن أدخل دارك إلا بشكل يليق بك أنت وبكرامتك.

- الدار جاهزة يابنت الحلال.

- لا. هذه دار مستأجرة. لا أخطو خطوة واحدة إلا إلى دارك المسجلة على اسمك.

- آه ما أشد عنادك يا أمينة.

- وأنت آه من تسرّعك وهروبك من عقلك.

- طيب كيف أترك العمل هنا ونحن على أبواب تسليمه؟

- نؤجلها.

- وتظلين مع أمك تقيمان في الورشة.

- لأجل عينيك نعود إلى النبك، وعندما تنتهي من عملك تذهب أنت وأخوك وبعض أقاربكم وتأتي بي إلى جيرود.

- مصرة؟

- مصرة.

- ولو أدى بنا عنادك إلى القطيعة؟

- ولو إلى قطع الرأس.

- تجازفين بي يا أمينة ولا تخشين أن أدير لك ظهري؟

- إنك لا تستطيع الفكاك مني مهما قلت.

- تهدِّدينني؟ من ذا الذي يستطيع منعي؟

- حبُّك لي.

- ما أشدّ مكرك! تسيطرين علي ومئات العمال يتهيّبون أن يرفعوا نظرهم إلى وجهي.

- انت رجلي وأبي وأمي وكل أهلي.

- إذن ابقي هنا وأنا أوصي رئيس ورشتك بك.

- أبقى هنا؟ كما تشاء. توصي رئيس ورشتي بي؟ لا. لا يامحمد أرجوك.