الفصل 7

13 0 00

كنت أذهب كل خميس إلى جيرود، أنزل عند باب الدكان فيتلقاني أبي متهلِّلاً، أقبّل يده منحنياً أحسّ أنني في قمة البهجة والحرية فيضمني لاهفاً، وأتحرك نحو الدار فأرى الناس يخاطبونني بلقب "أستاذ" (هكذا منحنا الناس لقب أستاذ نحن أبناء ذاك الجيل لأننا صرنا نلبس البنطال والقميص والجاكيت وننتعل الأحذية ونحمل الكتب) وأُفاجأ بأخواتي يجرين نحوي إلى مدخل الحارة دامعات العيون عانقنني ويقبّلنني، وأدخل الدار فيتقدّم الجميع نحوي بحفاوة.

وأعود صباح السبت متأخِّراً أصعد الرابية متوجِّساً متخاذلاً وأطرق الباب فيستقبلني سليم مفجِّراً عينه السليمة يكاد يبتلعني بلا ملح، ويمسكني من يدي بقسوة ويسلمني لبوّاب غرفة المدير فأقف ذليلاً حتى يأذن لي المدير. ينظر لي من وراء طاولته عبر نظاراته السميكة مقطِّباً ويقول منتهراً:

- اذهب وأحضر وليَّ أمرك.

- أبي في جيرود.

- قلتُ لك: اذهب.

وأمشي نحو الباب الخارجي أجرّ قدميّ مأفوناً وإذا بالبواب يناديني "أمين السر يطلبك" يقول لي "أبوخلدون" وكان ذا وجه سمح "انتظر سأشفع لك عند المدير" ويخرج من غرفة المدير هامساً "وافق على ألا يتكرر التأخير. ادخل يريد أن يراك" وما إن أطلّ من الباب حتى يستل المدير خيزراتة القصيرة قائلاً في هجوم لاهب "افتح يدك" أفتح يدي فتلسعني خيزرانته تجعلني أثني يدي وأكوِّر كفي أنفخ فيهما قسرياً. ينتهرني مزمجراً من جديد "افتح يدك" ويكمل أربع ضربات نجلاء على كل يدٍ ترسم خطوطاً حمراء لاذعة، وكأن بيني وبينه عداوة وكأنه يتشفّى مني.

ويتكرر تأخّيري في الأسبوع التالي، وتتكرر محاولة الطرد، ثم عقوبة الضرب، إلى أن يملّ أحدٌ منا ويظلّ الأمر عندي سرّاً لا أبوح به لأحد. في أحد الأسابيع أصرّ المدير على زميل لنا من جيرود اسمه "اسماعيل" أن يحضر وليَّه لتدنّي مستواه الدراسي وتكرار تأخره، وكان أبوه ظالماً فتوسّل إلى جاره في البيت الذي يسكنه أن يتقمّص شخصية الأب. سأله المدير:

- أنت ماذا تفعل؟

- فلاح.

- ألا تأخذ هذا البغل ليعمل معك؟ إنه لا يدرس ولا يكتب الوظائف.

فاندمج الجار بشخصية الأب ولطم إسماعيل على وجهه ووبخه ليُثلج صدر المدير وعندما خرجا من غرفة المدير تشاجرا. قال اسماعيل محتجاً بغضب:

- تضربني أمام المدير؟

- لأنك سوّدتَ وجهي.

كان شاب كفيف البصر يعتمر الطربوش من أبناء المنطقة يبدو أنه طالب في الثانوية الشرعية بدمشق يقف على باب المدرسة من الخارج ويجتمع الطلاب الأكثر مهارة في النحو والإعراب يتنافسون معه عبر الفتحة من الداخل. غالباً ماكان يبزّهم.

أول ثلاثة كتب قرأتها تباعاً في تلك المرحلة (هاملت) لشكسبير، وديوان ابن زيدون وكتاب "شعلة النفس" للشاعر والفيلسوف الباكستاني "محمد إقبال" وفي كلِّ مرة يقول لي الطالب المشرف على الإعارة "هذا كتاب صعب. اختر كتاباً أسهل".

في بداية العطلة الصيفية ما إن دخلت الدار حتى التمّ حوالي الأولاد وقال سعيد بنبرة ذعر "تبعوه يجرون وراءه يضربونه من خلف بالبلطة الصغيرة الحادة (النَّجَق)" عقَّب خير "هرب منهم إلى زقاق بيت الدبس المغلق، وهناك حاصروه" عقَّبت خالتي مريم "المسكين لم يكن له علاقة بشيء وجميع الناس يقولون إنه طيب" وقالت امرأة عمي "ياولداه إنه في نحو الثلاثين".

منذ سنوات اشترى شابٌ من بيت النعانسة مصباح جَيْب كهربائياً (بيل) وجلس في زاوية حارتهم ليلاً يجرِّبه لاهياً يحرك ضوأه على الجدران والأبواب فخرجت فتاة من بيت الفرخ رشيقة القوام خضراء العينين شقراء فأضاء (البيل) وجهها ثوان معدودات بشكل اختلفوا فيه بين أن يكون عفوياً أو مقصوداً، لكن ابن عمها تصدّى له واشتبك معه في شجار أدى إلى مقتله. ونعب البوم فوق العائلتين وألهبتْ نار الثأر وسفك الدماء قلوبهم، ثارالنعانسة ورابطوا لأيٍّ من آل الفرخ فلم يظفروا إلا بأبي الفتاة وهو في نحو الخامسة والخمسين طيبٌ خلوق وضرَّجوه بالدم وأردوه قتيلاً. وازداد اللهيب في القلوب فما إن يقع قتيل من إحداهما حتى تثأر له الأخرى وعندما بلغ عدد القتلى خمسة حاول بعض الرجال العُقلاء أن يصلحوا بينهما لكنهما كلاهما رفضا الاستجابة، وكان آخرهم هذا الصريع. ولم ينج من العائلتين سوى سجين استطاع الدرك أن يقبضوا عليه فحُكم بالأشغال الشاقة المؤبدة.

قضيتُ وقتي في العطلة الصيفية مع سعيد وخير بركوب الدراجة، نجول في الشوارع، ونذهب إلى البرية نأكل القثاء ونشوي عرانيس الذرة ونسبح في بركة "أبونزيه" وتعلمتُ قيادة الدراجة النارية بدون علم اسماعيل، لم يكن في جيرود سواها وهي من النوع الضخم، وعلمني السائق "أبوستي" على قيادة السيارة الشاحنة الكبيرة وكان لنا نصفها.

كانت المواسم تبدو أبهج أيامنا وكأنها العيد، بيد أنني كلما نظرت إلى الحصادين في مزرعتنا بشفاههم اليابسة والغبار يعشش في عيونهم ومعهم عمي ومحي الدين يحصدون القمح أحسّ من أعماقي بشقائهم وأنهم يمنحون الناس الرغيف مجبولاً بعرقهم، وإذا كانت حياة معظم الناس تذهب سدى فإن هؤلاء هم الذين يصنعون الحياة ويعبرون عن وجودهم بالفزعة خاصة أيام الحصاد. أعجبتُ بفكرة "الفزعة" الجميع يحصدون معاً في أرض أحدهم حتى ينتهوا فينتقلون إلى أرض أخرى، إن الروح الجماعية تملأهم بالحماسة والإلفة. أقبلت عليهم فسمعتهم يرددون وراء أحدهم:

أحسستُ هبَّة نشاط تفيض من دواخلهم على زنودهم السمراء، وتقطيبة حواجبهم تدفع كلاً منهم أن يحاول التفوّق على الآخرين. وأحسست رنَّة حزن في مخزونات نفوسهم يعطرها الأمل بمابين أيديهم من قمحٍ كالذهب الخالص، وأرغفة تخرج من التنور ساخنة تهبهم وتهب أولادهم الحياة والطمأنينة. رفع أحدهم أُضمومة زرع ولوّح لي بها يهتف "هي شميلتك" همس في أذني أحدهم قائلاً "قل له: أبشر" قلت "أبشر" قال: "وجب عليك أن تقدم له هدية بما أنه اختارك أنت"

وشدّ محي الدين حِمْل الزرع ووضعه مع أحدهم على الحمارة، ومضينا أنا وسعيد وخير نرجده إلى أرض البيدر، وكالعادة نرى في طريقنا امرأة فقيرة نشتري منها العلكة (اللبان) والسكاكر بحزمة من الزرع. وكان أبرز ما يلفتُ نظرنا يومياً إنْ في الذهاب أو الإياب "غرامُ الحمير" يلتقي بالمصادفة حمار بأتان في أحد المنعطفات فيحرن الحمار ويرفع رأسه وينهق نهيقاً مرّاً، وتحرن الأتان فاتحة بين قائمتيها الخلفيتين مرخية رأسها تعلك لعابها، وينقسم الأطفال العابرون إلى فريقين تلقائياً وكل منهما يشجع أحد العاشقين، لكنّ أصحابهما يفرقونهما بالعصا تكاد تشوي كفليهما، إلا إذا كان أحد صاحبيهما طفل فإن الحمل ينقلب على الأرض ويستنفر العابرون.

وتغدو البيدر قبة ذهبية فتبدأ مرحلة الدرس، يفرش محي الدين الزرع ويربط جرّارة النورج بنير الفدان فنجلس عليه نحسّ بانزلاق النورج وهسيس الزرع كأننا نعيش حلماً رخيما، وتبدأ مرحلة ذري الخليط على ماكينة الذري في الليل تفصل التبن عن القمح ومحي الدين يوزّع الأدوار. كنا نحن الأطفال نتناوب على جمع القمح من تحت الماكينة ثم يعبّأ بالأكياس وينقل إلى الدار. أما أمي فكانت تنتهرني وتوبخني لا تريد أن أعرّض نفسي للغبار ولهيب الشمس، ولكني كنت أحسُّ بالنقص إن لم أكن كبقية أولاد العائلة فأتمرّد عليها.

كان الناطور يمرّ على الدارسين في البيادر بقربة ماء لها مشرب من القصب، يتناوله كل منهما ويضع فمه عليه ويمتص حتى يرتوي. رأيت عَرضاً رجلاً يضع على المشرب طرف كوفيته البيضاء وعندما ارتوى ظهرت عليها تلك الديدان الرفيعة الصغيرة التي تعيش في المستنقعات (البلاعيص) فامتنعت عن الشرب، لكنني تعرّضتُ لسخرية الآخرين.

عندما يصيح المؤذن لصلاة الظهر يغدو الجوّ لاهباً وتشتدّ الهاجرة ويتوقف العمل، وتؤخذ الدواب إلى النهر لتروي ظمأها. تمتد الاستراحة طيلة فترة ما بين الصلاتين (الظهر والعصر)، ثم يُستأنف حتى أذان المغرب. ونشاهد يومياً فصلاً من مسرحية يتكرر على أطراف البيادر. يبحث الأولاد الزعران عن حمارة، ويقودون حمار أم إبراهيم الطليق، ويحثّونه لينزو عليها فتهاجمهم بالعصا "حتى ينحلَّ ظهره يا أبناء الحرام".

أما موسم الزبيب فله بهجته، يرحل الفلاحون إلى الكروم في شتى الجهات فتغدو جيرود خاوية وكانت العائلة ترحل إلى البرية بأكملها ماعدا إسماعيل يعمل في الدكان وتُنقل آنية الطبخ والبسط والفرش واللحف ودِلال القهوة المرة، وينتصب بيت الشعر الأسود على الشرفة، ويزورنا عدد من الأقارب يساعدوننا بقطاف العنب وفرط العناقيد، وكانت "منى" تغني أبياتاً من العتابا، تتبعها بأهازيج عن موسم قطاف العنب.كان الطعام يتركز على "البرغل بالبندورة" وكل بضعة أيام "كرش الجمل" وخوان الثريد. كان يعيش معنا شابٌّ "على البركة" جميل يرتدي ثياب الرجال ويساعد في أي عمل مادام جائعاً حتى إذا أكل تراخى وامتنع عن الحركة. مرة تربع وراء الإناء الكبير المليء ببقايا اللحم والعظام والثريد واندفع يأكل حتى وصل الطعام إلى حلقومه وإذا به يختفي. بعد دقائق رأيناه واقفاً على أطراف المزرعة يركع وينتصب كالصوفيين ويردد "الله الله" هائماً في سبحات الإشراق.

في العام الدراسي 1951 - 1952 صرت في الصف السابع. ألغي القسم الداخلي فخصّص لي جدّي في داره غرفة فرشها لي أبي فرشاً جيداً أقمتُ فيها ترافقني خالتي مريم ومعها نور الدين ابن أختي الكبرى لتعنى بشؤوني، وكانت تعاملني بمنتهى اللطف والحنان. كانت خالتي لاتتقن إلا طبخة واحدة "البرغل" ولاتروي سوى حكاية واحدة تكررها على نور الدين مساء كل يوم حتى ضجر منها وكانت تردِّدها على مسامعنا عندما كنا أطفالاً صغاراً هي "ابو سرحان" تبدأها بعبارة "جْدَيّْ جْدَيّْ "نعم سيدَيّْ" وهي حكاية جَدْي ذكي يحتال على ذئب شرس.

كان جدي وجدتي متخاصمين، عندما عاد جدي من الأرجنتين رفضته جدتي فاقتسما الدار وكان لها نصفها وأقاما جداراً فاصلاً. تزوّج جدي بضع مرات وتزوّجتْ جدتي أكثر من مرة، وكلاهما فشل في زواجه فعاش جدي في داره وحيداً وهي أقامت في دارها مع بيت خالتي واستمرت القطيعة حتى توفيّ جدي. ومنذ قدمتُ للدراسة كنت إذا زرتُ جدي غضبتْ جدتي وخالتي، وإذا زرت جدتي وخالتي غضب جدي، كنت إذا أزمعتُ زيارة أحدهما أتقدم نحو باب داره وأنا أتلفّت يمين يسار متوجساً، حتى أختي الكبيرة "غير الشقيقة" كانت تعاني المعاناة نفسها تتسلل إلى دار جدها بالخفاء لتنظفها وتعنى بها. كنت شغوفاً بزيارتها في دارها القريبة التي تعيش فيها مع زوجها وأولادها، وأمرح مع زوجها وقد كان طيّباً مرحاً. أما خالتي فكانت منذ دخولي لزيارتها تشم رائحة رأسي وتكشّر وتقودني إلى الحمام صاغراً. كانت هي وجدتي تدخلان الحمام منذ الضحى وحتى الأصيل تتناولان الفطور والغداء فيه، وكان طعامهما الدائم المفضل الكشك المعجون بقليل من الماء المزيّن ببضع حبّات من الزيتون، وكنتُ أنسلّ هارباً عندما يغطي الصابون عيونهما، وأنقطع عن زيارتهما اتقاء للوم والتوبيخ أسبوعاً أو أسبوعين.

كان يوم الثلاثاء الأول من العام 1952 يوماً عصيباً على العائلة. في هذا اليوم زُفَّت الشقيقة الكبرى لشاب من عائلة معروفة بعد خلاف بين العائلتين دام أكثر من عامين، وفيما تولّت أمرها "الماشطة" أم يوسف ولم يكن في جيرود سواها تزين العرائس وتغني في الأعراس قمتُ بتزيين الليوان بالمصابيح الكربائية والشرائط الحريرية والطنافس، وجلست الشقيقة على كرسي في مكان عال كأنها الأميرة وبدأت النساء يتواردن للفرجة؛ كانت ليلة الزفاف في جيرود هي الفرجة الوحيدة للنساء وبخاصة البنات، ورابَط سعيد وخير وأولاد العائلة على باب الدار يمنعون دخول الأطفال فوق الثامنة، وجلستُ مع أبي ورجال العائلة في المضافة.

وما إن وصلت أصوات زفة النساء قادمات ليأخذن العروس حتى اخضلّت عينا أبي فتهرّب وكلفني أن أنزّل العروس بحسب العادة المتبعة. وضعوا في يدي ليرة ذهبية وقيل لي "قدمها لها على عيون الناس، وقل لها لاتحملي هماً يا أختي مادام أبوك وأخوك "أنا" على قيد الحياة. وعندما تقدمتُ نحوها أخذتْ تنشج بالبكاء وحولها جميع نساء العائلة يبكين إلا أمي الصامدة. وإذا بي أنشج أنا الآخر وألقي عليها الليرة الذهبية وأهرب بصمت وانقباض إلى البيت القبلي، حتى إذا خرجتْ بها زفّة النساء أحسستُ أنها اقتُلعتْ من قلبي. إنها تكبرني بأربعة أعوام ورغم أن علاقتي بها كانت في معظمها مشاكسة وشجاراً كانت هي الوحيدة التي تُعنى بلباسي وهندامي لأن أمي كانت دائماً مشغولة بالخياطة والتطريز. كنت إذا اشتبكت معها تتغلّب عليّ فأقتل "دبوراً" وأمسكه من جناحيه وألوِّح به فتهرب مني مولولة، وأتبعها من غرفة إلى غرفة. في الحقيقة لم أشعر بقيمتها إلا بعد أن تزوجتْ وتركتْ فراغاً سحيقاً في نفسي وفي نفوس العائلة. لقد كانت ريحانةَ البيت وبهجتَه.

في هذا العام قرر أبي إنشاء محرك لضخ المياه في المزرعة فاعترض عمي ولم يكن في الحقيقة سوى واجهة لأن القرار الفعلي بيد إسماعيل. أبي يرى أن مصدر رزق العائلة يعتمد على إنشاء الأقنية وبخاصة في الغوطة قد انقطع بسبب هبوط سوية لمياه الجوفية وانصراف معظم أصحاب الأملاك الزراعية إلى إنشاء محركات قال أبي بصرامة:

- يجب أن نبحث عن مصادر رزق بديلة وليس أمامنا سوى هذا المشروع نسقي أرضنا منه بعدد قليل من الساعات ونبيع الباقي الساعة بأربع ليرات سورية.

- يامحمد. إنه مشروع مكلف سيرهقنا ويراكم علينا الديون.

- وما البديل؟ انظر إلى مشروع أبونزيه يدر عليه الذهب يبيع الماء على مدى أربعٍ وعشرين ساعة، وكم من الأراضي حوالينا يتمنى أصحابها سقايتها.

- وما الضمانة أن يتوفر الماء في مشروعنا على مدى أربعٍ وعشرين ساعة كأبي نزيه؟

- لابدَّ من المجازفة ياهزيم.

- مجازفة؟

- لولا المجازفة كنا الآن نعيش على الكفاف في أرض لاتكاد تؤمن لنا البرغل والطحين ودار كزرائب الحيوانات.

وتشبّث كلٌّ برأيه بيد أن أبي فرضه أمراً واقعاً وعقد اتفاقية لحفر البئر. وبدأ العمل بحدوده القصوى فسكتَ عمي على مضض وبدأت بذرة خلاف استقرّتْ في الدواخل.

جلست في البوسطة على مقعد يجاور النافذة وتماهيت في شخير محركها وهي تتخطى الطريق المتعثرة بين القطيفة وجيرود أحلم بالدراجة والبرية والمزرعة والسباحة أتوقع أن تتجمع حولي أخواتي ينظرن إليّ بفرحة كفرحة العيد، أتوقّع أخباراً جديدة يرميني بها سعيد وخير، أتمنى ألا تكون مأساوية.. أتمنى أن أوهب جناحين أطير بهما وأهبط عند شجرة المشمش وسط دارنا وقد بسقت وفردت أغصانها.

وتوقفتِ البوسطة في الرحيبة بجانب (باسعيد) لينزل بعض الركاب. يقال إن (باسعيد) هو أحد صحابة رسول الله (ص) مات هنا ودفن هنا وشُيَّد الناس له مقام تعلوه قبة وأهل الرحيبة يقدمون له النذور. ويُعتقد أن اسمه الحقيقي (أبوسعيد) وعندما يتوسّلون إليه يخاطبونه (أباسعيد) ثم درج على الألسن باسم (باسعيد).

لست أدري كيف دخلت البوسطة جيرود ووجدتُني أترجل منها بجانب باب الدكان، تناولت من المعاون محفظة ثيابي، وهربتُ من أشعة شمس حزيران (يونيو) اللاهبة أستظلّ بفيء الدكان فوجدتُ مُعطي وحيداً. استقبلني بابتسامة في غضونها ما يدعو إلى الوسواس قال بفتور: "الحمد لله على السلامة" ولم يزِد كلمة واحدة. سألته مشدوهاً:

- ماذا يامعطي؟

- لاشيء لاشيء.

- مالي أرى الدكان خاوية؟

فمطّ شفتيه، وبدت عيناه كأنهما زاغتا. سألته بضيق.

- أين أبي؟

- في الشام يحاول أن يشتري بضاعة للدكان.

- معطي شكلك لايعجبني. قل الحقيقة.

- خذ الدراجة ضع محفظتك عليها.

وعندما وصلت إلى باب دارنا الخارجي المفتوح دائماً طرق مسامعي وأنا أمضي نحو الداخل صوت امرأة عمي تصيح على الملأ ساخطة:

- كلامكم القاسي انصب على رأسه كالحجارة ياولداه أين هو الآن؟ في أي أرض؟

- تدافعين عنه ياسفيهة؟ ألايخجل من نفسه وقد صار أباً لثلاثة أولاد؟

- الرجل إذا زنى كالسيف إذا انحنى.

- إخرسي يافاجرة.

وأمسكها عمي من طوقها وأطاح بها على الأرض وهي تولول وغادر الدار غاضباً. تجمع الأولاد حواليّ وكأن عيونهم تقول لي "انظر ماذا حلّ بالعائلة" قبّلتُ يد أمي وعانقتها. سألتها" ماذا يجري؟" قالت مكشرة مستنكرة:"لا أعرف" وأشاحت غاضبة. قالت لي أختي الكبرى: "هكذا كما ترى امرأة عمي تبارك تشن علينا هجوماً منذ الصباح" تقدمت نحو بيت عمي وجدت امرأة عمي تبارك متقوقعة على نفسها تبكي وامرأة إسماعيل تحتضن ابنها الصغير مندحرة في الزاوية مقهورة صامتة وابنتها تلتصق بها مذعورة. لم يرفع أحدٌ منهم نظره ولم يلتفتْ إليّ. وتقدّم مني سعيد فقلت له ساخراً هامساً:

- صار العرب عربين يا سعيد.

- أي نعم.

ورأيتُ التحفُّز في عيني خالتي مريم وأختي الكبرى وأمي تطلُّ من علٍ كأنها محايدة رغم أنني لا أستبعد أنها في خضم المعركة. أدركتُ أن العائلة على برميل من بارود، ورحتُ ألملم سقط الألسن لأعرف الحقيقة. إسماعيل غادر جيرود إلى دمشق ليعمل "مناظراً" في مصلحة الريّ، والعمل في الدكان شبه متوقِّف ومُعطي يساعد أبي وحيداً وقد كان يعمل معاوناً لإسماعيل وهو صديقه ومستودع أسراره. معطي شاب خلوق مهذب يدخل دارنا مثل واحد من أبناء العائلة، وهو من عائلة محترمة؛ أبوه كان ثرياً وهو ابن ضرة ضاع بعد موت أبيه وأمه فضمه إسماعيل صديقه إلى العمل عندنا. كانت علاقتي بمعطي مثل علاقة أخ أصغر بأخ أكبر. كان يعاملني بمودّة، وهو الذي علمني ركوب الدراجة العادية وعندما كبرت صار يعاملني بندِّية يبصِّرني بخفايا علاقة الرجل بالمرأة في ترَّهاتٍ وراءها شابٌّ عازبٌ مأفون لايملك شيئاً سوى دارٍ متواضعة يقيم فيها ويعقد سهرات المرح مع إسماعيل وعدد من أصدقائهما. ولا أمل له في خطبة أو زواج، ولكن من حقه أن يحلم ويتصوّر المرأة على هواه.

إسماعيل زوجتُه هي فتاة الدار ورغيفها لايُضاهى أنجبت خمسة أولاد ماتت ابنتها الثانية بلسعة عقرب، وماتت الرابعة بمرض مفاجئ، وبقي لها ابنها البكر سعيد وابنتها البكر وابنها الصغير، وهي نشيطة حيوية تقوم بمعظم الأعمال البيتيَّة منذ الصباح وما يكاد المساء يأتي حتى تصل إلى قمة الإنهاك. فعنَّتْ لإسماعيل أيامُ المراهقة وهو وسيم مترف أيقظتها فيه امرأة فريدة الجمال تعيش معظم أوقاتها وحيدة لأن زوجها كان كثير السفر تحرَّشتْ به واستفزّتْه فغرق معها في ذاك البحر اللجب بحر آدم وحواء وطفق يزورها كلّ يومٍ في الخفاء يحمل إليها الهدايا بلا حساب فتهيّئ له الأطايب على الغداء أو العشاء وتنتظره متأهبة بالعطور واللباس الجذاب، وأخذ توبيخ أبي يتصاعد شيئاً فشيئاً وهو يرى إسماعيل يتهرب من أداء واجباته. وذات يوم فوجىء بنقصٍ في بعض المواد وفي غلّة الدكان فثارت ثائرته، ولم يكن سوى معطي الذي يبقى وحيداً فيها معظم الوقت،كنت أيام العطل أبقى معه لتسجيل الديون لأنه كان أمِّيّاً. وُضع معطي في دائرة الاتهام، وحوصر فاضطر دفاعاً عن كرامته الجريحة أن يبوح لأبي بسرِّ مغامرات إسماعيل التي لايعرفها سواه. شنّ أبي على إسماعيل هجوماً صاعقاً، وقامت القيامة وبدأت الاشتباكات بين الأسرتين، وصارتِ الأصوات تعلو وبدأت تصل إلى مسامع الجيران، وامتلأ جو العائلة بالقتامة والنكد والتوتر والنزالات اللسانية اليومية خصوصاً بين خالتي مريم وامرأة عمي تبارك، فانفرد عمي بأبي وقال له "وصلنا أنا وأنت إلى هذا العمر يامحمد ولم يوجه أحدنا للآخر كلمة جارحة. تعال يا أخي نقتسم مابيننا على بركة الله وهديه" وحانت النتيجة القاصمة للظهر.

كانت القاعدة في جيرود عندما يقتسم الإخوة إرثاً أو شراكة، يقسم الكبير الحصص ويختار الصغير مايشاء. فاقتُسمت الأواني النحاسية ودِلال القهوة، واختار أبي القسم الخارجي من الدار "السلملك" واختار الدكان وجميع الأعمال التجارية ومشروع المحرك وحمل معها الديون، واختار كرم العنب وجزءاً من الأرض السليخ وبقي لبيت عمي حقل الكرمة الصغير، وبقيّة الأرض السليخ.. وعلمتُ أن السبب الذي جعل الدكان خاوية أن كل مافيها وكل ما جاء به أبي من بضاعة ديناً لعدد من التجار في دمشق ابتلعته مشروع "المحرك" وأن انقطاع الأمل بها هو ظهور منافسين من بعض التجار الدمشقيين الذين أخذوا يرسلون مندوبين عنهم ويتعاونون مع عملاء آخرين من جيرود لتوزيع البضائع على الدكاكين الصغيرة مباشرة ولشراء الإنتاج الزراعي وبيع البذار. وكان الخبر الأكثر قسوة أن شركة "شلّ" غضبت لأن إحدى شركات المحروقات المنافسة تفوّقت علينا فسحبت وكالتها من أبي وسلّمتها لشخص آخر.

بُني جدار يفصل بين دارنا ودار عمي، وتحولَّت المصطبة المقابلة لليوان إلى مطبخ متواضع، وحُفر بئر رُكِّبت له مضخة وسط الدار. صارت الدار في عيوننا مسخاً بيد أننا نحن الأولاد وعلى الأخص أنا وسعيد وخير كنا منذ البداية نبدو مثل المراقبين التعساء الذين يملأ قلوبهم الأسف والمرارة فتمردنا على تلك المقاطعة وظلتْ علاقة كلٍّ منا بطرفي العائلة على حالها وكأننا لسنا معنيين.

كان مشروع المحرك في اللمسات الأخيرة: البئر، وحفرة المضخة، وغرفة المحرك وتمديدات الأنابيب وبناء مصنع الماء (المسبح) وكانت الصناديق الخشبية وفيها المحرك والمضخة ملقاة في الغرفة. عشتُ فرحاً غامراً أن صار عندنا مسبح وأن أمامي عطلة صيفية طولها أربعة أشهر بحالها رغم كلّ المنغصات الأخرى. قال أبي لمحي الدين "رافق أنور السرداح أثناء تركيب المحرك والمضخة وتعلم منه كل شيء لأنك ستكون مسؤولاً عن تشغيله والعناية به، فدفعني الفضول أن أتابع كمتفرّج شغوف يفتح عينيه وذهنه.

ودار المحرك، وتدفّق الماء النمير على المسبح غزيراً بخرير منغوم على إيقاعات ضربات المحرك يبتلعُ مافي النفوس من إحن ووساوس وقلق على الديون، وصفّقنا وكأن واحدنا يملأ كيسه من الفضة، ونُحرت ذبيحة لسائر الذين ساهموا في الإنجاز.

فرغتِ البئر من الماء بعد أربع ساعات فأوقف أنور المحرك، وقال لمحي الدين "شغِّلْه بعد ساعة واحذر أن تعمل المضخة بدون ماء حتى لا تمتلئ الأنابيب بالهواء وتضطر أن تنفِّسها، ولملم عدّتَه وركب دراجته وانطلق. جلس أبي في الزاوية غير قادر على الكلام والأسف يلفح ملامحه. اقتربتُ منه وقلت مواسياً:

- أربع ساعات بعد ساعة وقوف واحدة لابأس يا أبي.

- الاتكال على الله.

وأطلق تنهيدة حارة من صدره ووقف يتمشّى، يخرج ساعته من جيبه ويفتحها ثم يطبقها ويعيدها يحاول استباق الزمن، وانتهت الساعة فأشار لمحي الدين أن يشغِّل المحرك. شمّر محي الدين عن ساعده وهمّ بالمحرك لكن المحرك استعصى عليه ولم يستطع تحريكه شعرة واحدة رغم مايبذله من عنَتٍ ومشقة ورغم قوته البدنية. في المحرك ساعد يجب أن يُرفع بدقّة حتى تدور العجلة الكبيرة على نفسها في الفراغ مسرعة عندها يُنَزَّلُ الساعد فجأة فيُقلع المحرك لكن محي الدين لم يعرف ضبط الساعد فاستعان بخالد ابن عمه وكان متين البنية هو الآخر فلم يفلحا وجلسا يلهثان. قال أبي ساخطاً:

- أحضروا أنور حالاً.

- أبي أنا أشغّل المحرك.

- تستطيع؟

- نعم.

- خلِّ محي الدين وخالد يساعدانك.

- وحدي أبي.

- شرِّف.

قالها بغضب ووقف حائراً. وماهي إلا لحظات وإذا بالمحرك ينطلق بإيقاعاته الرتيبة. نظر إليّ أبي بإعجاب وقد فرد الفرح أسارير وجهه، وهرعنا جميعاً إلى المسبح نمتّع أعيننا بمنظر الماء يتدفق مندفعاً على مدى يزيد على المترين. وعبارات إعجاب تقول"ما شاء الله. ماشاء الله" وأعفي محي الدين ولبستُ المهمة وحدي راضياً معتزاً بنفسي أضبط الوقت بساعة اليد التي أهدتني إياها أمي عندما حصلتُ على الشهادة الابتدائية.

بعد ثلاثة عشر يوماً بالتحديد أفقتُ صباحاً وما إن تحركتُ حتى نخر الألم ظهري كوقع السكين. هرعت إليّ أمي مذعورة، وضرب أبي كفاً بكف. وجيء بطبيب البلدية فحصني وقال "ليس لك علاج سوى الراحة" وأعطاني دواءً مسكناً. غرقتُ في النوم وغطّتْني أمي حتى قمة رأسي، فاستفقت على رائحة البخور وأم محمود تضع يدها على رأسي وتتثاءب وتمتم بكلمات غير مفهومة. رفعتُ الغطاء وقلت بهياج:

- ماذا تفعلين؟ أبعدي يدك عني.

- حتى يُلبسك الله ثوب العافية يا نور عيني.

- ألم يفحصني الطبيب؟

- الأطباء لايفهمون ولا يؤمنون بالله.

- أنت كفى. ابعدي عني.

قلتها بغضب متشنجاً. حاولت أمي أن تهدئني فرفضت، فقالت أم محمود بانكسار "الله يهديك" وانصرفتْ.

صباح السبت الثلاثين من آب (أوغسطس) 1952 جاء عيد الأضحى مسخاً اقتلع البهجة والحبور من نفوسنا. وهيهات أن يغني أيُّ شيء عن ذياك العيد عيد الأضحى الذي غار في أعماقنا وظلّتْ صورته مرسومة في أحلامنا. حضّرت أمي بمساعدة أختي خزنة وخالتي مريم المأكولات والحلويات وأضافت عليها أقراص الحليب، وأخذ ساعد المهباج يرقص بيدها بإيقاعات أثارت دهشة السامعين، وفاحت رائحة القهوة المرة المعطرة بالهيل، وأعلن عن مضافة مفتوحة وعزِّ أثيل.

وفيما بدأ المعايدون يتوافدون ومحي الدين يقوم بواجب الضيافة فوجئنا بعمي وإسماعيل يدخلان المضافة ويتعانقان مع أبي ويجلس الثلاثة والدموع تنهمر من عيونهم مدرارة أمام الرجال الذين بدا التأثُّر واضحاً على ملامحهم. لقد كان فرحاً هجيناً لكنه خفف من وطأة الضيق والإحساس بالقهر.

جلستُ في البيت القبلي سارحاً مغموماً أتمسّك بذكريات آخر رمضان، كانت دارنا ليلة عيد الفطر تضجّ بالأقارب ويمتلئ المطبخ بالنساء يسهرن حتى الفجر يُحضِّرن الحلويات، وأقراص الطابع التي يزيّنها (القالب) بالخطوط وتدهن بالسمن العربي، ويُخبز الرُّقاق وتوضع مع العجين حفنة من الحبَّة السوداء تزين الرغيف وتجعل له نكهة خاصة، وتُطبَخُ (منزَّلة) حب الفاصولياء المزدانة بقطع اللحم مع مرق البندورة، ويقدم إلى جانبها الأرز المفلفل المطهو بالسمن العربي وتبسط مائدة للمعايدين وسط المضافة يأكل كلٌّ منهم بضع ملاعق بحسب العادة.

كنا نحن الأطفال نستيقظ قبل طلوع الشمس على صوت المهباج ورائحة القهوة المرة ونرتدي ثيابنا الجديدة ونقبّل أيدي أمهاتنا ونتهيَّأ في الحرملك نتظر قدوم عمي من صلاة العيد فنهرع إليه نقبِّل يده ثم نلج المضافة ونقبل يد والدي ويبدأ العيد.

الثلاثون من آب (أوغسطس) يعني أنني على وشك الاشتباك بالعام الدراسي الجديد 1952/1953 بدتْ لي إطلالته مثل عاصفة رعدية وقفتُ أمامها مأخوذاًُ، صرت في الصف الثامن ولكن لم يخطر لي سوى فكرة واحدة أن أترك الدراسة وأنصرف للمساهمة في أعباء العائلة، انتفضت أمي واستنكرت قائلة بحدة تشبه الرعب:

- لا وألف لا. يجب أن تذهب، خذ معك مؤونة من البرغل وأدبِّر لك ما أستطيع من المصاري. مستقبلك يابني. لنخسر كلّ شيء ولا نخسر مستقبلك.

وقال أبي بأسى:

- الشدّة تصنع الرجال يا ابني

ولكن أيّة شدة؟ العائلة تحتاج إلى مصروف يومي فكيف لي أن أفكر بنفقات الدراسة جلست أنا وسعيد في البيت القبلي هروباً من هاجرة (آب اللهاب) التي تشوي الأبدان إلى الشاي والكعك. قال سعيد متذمِّراً تذمّر من يعتدُّ ويتباهى أنه غدا رجلاً:

- جاء موسم البطاطا، وسنغرق في الطابوسة، أبي اتفق مع أحد التجار في الشام ليشتري البطاطا من جيرود والعطنة والناصرية ويشحنها له. كلفني أنا بتعبئتها وغداً يجب أن أذهب إلى العطنة. سآخذ معي محمود، وأبحث عن شخص آخر.

- كم ستدفع له أجرة.

- أربع ليرات في اليوم.

- أتحفظ السرّ؟ أنا أذهب للعمل معك.

- جهّز نفسك عند طلوع الشمس.

قضينا خمسة عشر يوماً نعمل ونتسلى ونضحك ولا نحسّ كيف ينتهي اليوم. وتقاضيتُ ستين ليرة سورية أحسستُ أنها ثروة ملأت قلبي بالفرح. أعطيتُ أمي عشرين ودسست في جيبي أربعين. سألتني أمي مندهشة:

- من أين؟

- أتشكين بي أنني سرقتها؟

- أقول لك من أين؟

وعندما أعلمتُها شدَّت على قبضتيها وأسنانها، وخفضت رأسها، وجمدتْ في عينيها دمعتان وقالت بأسى عميق:

- ليتني مت وما سمعت.

ركبت البوسطة صباحاً ووصلت إلى النبك قبل بدء الدوام بيوم واحد ودخلت حارة بيت جدي أمشي على الأرض مرحاً. رآني أبناء أختي فاطمة "النبكية" أُطلّ من مدخل الحارة فهرعت مريم إليّ تعانقني وخفّتْ خديجة تخبر أمها. غرفتي ماتزال على حالها في بيت جدي دخلت مع أختي وجلست كامداً منكسراً. سألتني:

- مالك أخي؟

- أرسلتني أمي رغماً عني.

- أخي أنت في قلوبنا، لا تبتئس وإنما تعوّد على الفقر مثلنا تجد فيه متعة مثلنا.

جدي مايزال على طراحته يجبل (التنباك) العجمي بالدبس ويدخن الأركيلة تاركاً العالم كله وراء ظهره، رحّب بي وانتصب مبتهجاً فأحسستُ من حركته أن بصره ازداد ضعفاً. قالت أختي إنه يعمل إسكافياً في زاوية الحارة رافضاً بإباء أن يقبل معونة من أحد وهمستْ بحذر "قرر أن يبيع جزءاً من أرض المليطة لابن أخيه" وخلال يومين أصبحتْ - فعلاً - غرفته الخاوية تزدان بالمواد التموينية.

كان عامي حافلاً بحدين: حدّ السعادة وحدّ التعاسة، وإذا كان للفقر متعة فإنه حدّ المتعة. كانت أختي أسوة بالأسر الفقيرة في النبك تشتري من اللحامين بقايا العظام، تعبئها في صفيحة من التنك فيضعها الخباز في بيت النار فتخرج في الصباح مشعشعة بالدهن أداماً للبرغل نأكله ونستطيبه.

وحدّ السعادة إذا كانت السعادة تنبني على الالتزام بحضور الدوام الصباحي والمسائي في المدرسة، وعلى الاهتمام بالدراسة وكتابة الوظائف وما تبقى من وقت في خِلطة الفتيات. أحسّ بالنقر على باب غرفتي كل مساء ويندفع الباب إلى الداخل وتدخل فاطمة ويسرى ترافقهما أحياناً فتاة أخرى. إنهن جميعاً يكبرنني بين عامين وأربعة وطرحتْ يسرى مرة موضوعاً قَرَأتْه في إحدى المجلات عن "قبلة الحب" وكيف تزيد الوزن. جيرود ليس فيها بائع صحف ومجلات، ومثل هذه اللقاءات مستنكرة، لكنها في النبك مباحة مادامت في حدود الكلام المهذَب وحسن الطويّة. بدوتُ بينهن شديد الحياء كالأبله ولست على ثقة أن كلامهن عارضٌ أو مُتَعَمَّد كما أرى في يسرى كيف يتورَّد خداها كلما خطفتْ عينا أحدنا من عيني الآخر نظرة كأنها صُبابةٌ عطر. وأحسستُ أنني رغم ميلي إليها لا أحبها ولا استنكرها لأن حالة البؤس التي أعيشها تحرِّم عليّ متل هذه الأحلام.

عندما عدت إلى جيرود خلال عطلة الربيع فوجئت بانفصال خزنة وزوجها وأولادها عنا، وبأبي متمدّداً على الفراش يعاني من ألم شديد في بطنه. وقفتُ أمامه هلعاً فنظر إلي بعينين تنبضان بالعجز والاستغاثة، أمسكت يده وقبلتها فوضع يدي بين راحتيه والدمع يكاد ينفر من عينيه، وقال شاكياً أسيان:

- أنذرتنا الوكالة بالحجز على المحرك ياابني لأننا قصرنا عليها بالدفع، وأنذرنا المصرف الزراعي بالحجز على الأرض إن لم نسدد القرض الموسمي.

وفي المساء اشتد عليه الألم وصارت أمي تبلّ منشفة صغيرة بالماء الساخن وتضعها على بطنه فيحس شيئاً فشيئاً بالارتياح. وراح يغني بصوت شجيٍّ جريح ملون بلون الحزن بيتاً من الشعر المحكي ورد في تغريبة بني هلال على لسان الزيناتي خليفة:

سيَّجتْ حول الدار خوفي من العدا تاري ما سياج الدار غير رجالها

وقال بضياع:

- أشتهي الرمان عندكِ رمان يا أمينة؟

- لا

وإذا بخالتي مريم تنهض وتخرج تسعى من دار إلى دار حتى عادت ببضع رمانات بأنواعها: الحامض والحلو واللفّان فرطتها وقدمتْها له فجلس هادئاً يزدرد حبات الرمان والارتياح يصبغ ملامحه. يقولون في جيرود إذا اشتهى المريض والوحمى طعاماً يجب أن يقدَّم لهما. وثمة مثل يقول "أطعموا البنات قبل الواحمات" وفجأة وضع يده على بطنه وصاح "آخ" وارتمى على قفاه وصارت أنفاسه لهاثاً سريعاً متلاحقاً وقال متهالكاًً "أين هزيم؟" وتحرّكتْ أخواتي يخبرن عمي. قالت أمي لخالتي مريم محتقنة "كله من الرمان يامريم" ودخل عمي لاهفاً. قال أبي "تعال يا هزيم أريد أن أبلِّغك وصيتي قبل أن أموت" وَجَّهَهُ عمي نحو القبلة، وتحلقتْ حوله أخواتي باكيات متشنِّجات، وأخي فيصل يراقب بعيني صقر جريح وأنا أقف فوق رأسه مشدوهاً ضائعاً أحسّ بسفالة الحياة التي جعلت هذا الطود يهوي هويّاً. قالت أمي لأخواتي هامسة مقطبة "اخرجن من هنا أو أقفلن أفواهكنّ " وقالت لي "اذهب وأحضر طبيب البلدية. هيا أسرع " فقال أبي " لا. لاتذهب، غداً خذوني إلى الدكتور نديم الحصني " طبيبه المفضل وصديقه من أيام السفربر يراجعه كلما أحسّ بالألم. قالتْ أمي محتجة "نديم الحصني؟ لم يُفدكَ بقشرة بصلة، ماله طبيب البلدية كل الناس يشيدون به وهو صديقك وامرأته صديقتي" فشدَّ على أسنانه وقد عادت إليه نوبة الألم، وجاء طبيب البلدية الشركسي مع زوجته التركية. كان كثيراً مايسهر عندنا وكانت زوجته تسيطر عليه بشكل لافت جعل بعضهم يفسر أن لها ممسكاً شديداً عليه أذلَّته به. شمَّر عن ساعديه وفحص بطن أبي وصدره بالسمّاعة ثم راح يتلمّس مصدر الألم في بطنه وقال بعد تفكير "التهاب في الكبد" وكتب وصفة دواء للكبد ودواء مسكن ذهبت إلى دمشق مبكِّراً وأحضرته له. وبعد أن شرب الدواء خفَّ عنه الألم وجلس بيننا هادئاً مستكيناً.

كانت تلك شارة البداية جعلتنا نفاجأ أننا هوينا إلى القاع فعشش في عيوننا ضرب من الذلِّ جعلنا نترنح وكأنّ كلاً منا فقد صوابه، فوجئنا أننا صرنا فقراء وموردنا شحيح، لباسنا أوشك أن يهترئ، وطعامنا صار لماماً. صرنا نأكل خبز الشعير وماتيسر من الأدام. وفيماكان معظم الناس في جيرود قبل تلك الفترة بسنوات يأكلون خبز الشعير كنا من القلة الذين يأكلون خبز القمح. صرنا نشتري التمر وكان رخيصاً نستعيض به عن الخبز والأدام صرنا كالآخرين انكسرت نفوسنا وانسدت آفاق الأمل في عيوننا، فشمرتِ الوالدة عن ساعديها ورسمت على وجهها ابتسامة صمود وكبرياء غير قادرة على محوِ الألم والتعاسة منها واندفعتْ تعمل في الخياطة والتطريز منذ الصباح وحتى منتصف الليل وغدتْ مصدر معيشتنا الوحيد.. وراحت تشجعنا وتحضُّنا على الصبر حريصة أن نبدو أمام الناس وكأننا مانزال نتربع على تلك القمة التي غدت شبحاً هزيلاً، حريصة ألا يعلم بما نحن فيه أحد. تقول:

"إذا كان الإنسان أصيلاً فإن القليل يغنيه عن الكثير والشكوى لغير الله مذلة"

فحفزتني أن أشمر عن ساعديّ وأزرع قطعة أرض سليخ في بداية المزرعة مساحتها (دونم - ألف متر مربع) أشجاراً مثمرة من سائر الأنواع وقيل لي تستطيع أن تزرع تحت الأشجار البندورة والكوسا والباذنجان والقثاء خلال عامها الأول. وخلال أيام أزهرتِ النبتات وعُقد الثمر فيها، وعندما بدأتُ القطاف لم أكن أتصور هذه الغزارة. أخذتُ قسماً لأمي فقالت متهللة "الحمد لله لقد طُرحت فيها البركة" وأبيع المتبقي على باب الدكان التي غدت رفوفها خاوية، وأعطي النقود لأمي للمساهمة في مصروف البيت.

توقّفَتْ سيارة أمام باب الدكان وترجَّل منها رجل في نحو الستين من العمر طويل مهيب وسيم يرتدي لباساً عربياً أنيقاً (قمباز) وعلى رأسه طربوش أحمر. سألني عن أبي ونفض الغبار بمنديله عن الكرسي وجلس.

- أبي في الدار مريض.

- هل يزوركم بديع؟

- يزورنا أحياناً.

- قل لوالدك أبو بديع يسلم عليك.

ونهض واقفاً وحياني بإيماءة من يده وركب السيارة وأشار للسائق أن يتحرك وانصرف أم بديع بنت خالة أمي، وبديع كان واقعاً في حبِّ امرأة يقال إنها جميلة جداً من أسرة فقيرة في جيرود، أراد أن يخطبها فرفض أهله وقاوموه فترك البيت وراح يعمل سائقاً على سيارة أجرة، يزورنا بين فترة وأخرى يشكو أمره لأمي وكانت تتعاطف معه وتعده أن تصالحه مع أهله وترافقه لزيارة أهل خطيبته. علّمني بديع على قيادة السيارة، وصارت بيننا صداقة. أخبرتُ أمي عن زيارة أبيه فقالت "ما أشدَّ تكبّر هذا الرجل " بعد يومين زارنا بديع وقال لأمي ممتعضاً:

- حاول أبي أن يفسد علاقتي مع أهل خديجة فلم يستطع.

- لاعليك أنا سأقنع أمك.

- هي التي تحرّض أبي.

- إذا قنعَتْ ينتهي الأمر.

- جئتُ لأقدم خاتماً لخديجة وبعض الأساور لتكون خطبتنا رسمية. أرجوك تفضلي معي أنت بسعر والدتي.

استقبل أهل خديجة أمي بحفاوة بالغة وقبّلت خديجة يدها على أنها خالة العريس ففوجئتُ بقوامها الرشيق وعينيها الزرقاوين وشعرها الخرنوبي ووجهها الناصع البياض المشوب بحمرة لامعة على الخدين والشفتين. أدهشني أن أرى في جيرود مثل هذا الجمال، وأدركتُ معنى أن يتهالك بديع عليها ويجازف بمقاطعة أهله وهو شابٌّ أسمر رشيق القوام وسيم. ألبسها الخاتم والذهب وقُرئتِ الفاتحة، وأحسستُ أن كلاً من الخطيبين يحلِّق في الفضاء.

ذات يوم طلبتْ أَخواتي من الوالدة أن تطبخ لنا الكوسا فاشترينا قليلاً من الأرزّ المكسّر وأوقية من اللحم (200غرام) وأكملتْ أمي الحشوة من البرغل، ومازال القهر الخفي يتراكم في عيني الوالد يزيد في استفحال مرضه. كان عضواً في غرفة الزراعة، وعضواً في غرفة التجارة، ولكن هذه العضوية لم نكن نجني منها سوى دفع الاشتراكات والوجاهة التي هي تنفيع لا انتفاع، حتى الوجاهة على علاتها صارت خابية. إنه مجتمع متخلّف لاتضامن فيه ولا تعاون، وأنا أعني بهذا التشريعات والنواميس التي تنظم المجتمع، كالتأمين الصحي والتأمين على الحياة ليكون سنداً للمتعثرين الذين حالهم تشبه حالنا يستحيل فيها قبول الإحسان وأي ضرب من ضروب المساعدة المالية. مجتمعنا يتباهى بالصدقة والإحسان، وثمة من ينفق على البيوت المستورة بسخاء، ورغم انها توجهاتٌ تنمُّ عن نوايا صادقة لكنها ليست أساليب علمية ناجعة لأنها تمتهن إنسانية الإنسان وتجعله يحس بالضعف والخوَر أمام المحسنين والمتصدِّقين. وجمدت في عيني أبي دمعتان دقيقتان، قالتْ أمي مواسية:

- المال يروح ويجيء يا محمد. سلامة الذي جناه والقادر أن يجني أكثر منه. أتسمع مني؟ لماذا لانبيع كل مامعي من ذهب، ونبيع النحاس، عندنا الكثير ونسدّد جزءاً لوكالة المحركات نسكتها وجزءاً للمصرف؟ علمتُ أنهم يمكن أن يحولوا القرض الموسمي إلى قرض طويل الأجل.

- النحاس ياأمينة؟ من أجل الفضيحة؟ وكم تبلغ قيمة الليرات التي معك؟

- عندي رأي آخر نبيع دار (الكراج) هي مقفلة متروكة تسرح فيها الفئران والجرذان

- هذا رأي صائب ثم إننا نحتاج أيضاً لبذار القمح والشعير. غداً غداً أبحث عن مشتري.

- ألف من يتمناها.

زرت خزنة في بيت زوجها محي الدين الذي ورثه عن أبيه وهو بيت قديم متآكل.

قالت لي باكية:

- منذ مرض أبي عافاه الله وغادر بيت عمي الدار لم يجد أمامه سوى محي الدين ينتهره ويشتمه، ومرة ضربه بالحذاء ومحي الدين صابر صامت. لم يردّ في وجهه بكلمة واحدة، اعترضتُ لأبي مرة وتوسّلتُ إليه أنا خزنة التي يعزني ويدللني، فصرخ في وجهي وطردنا أنا وزوجي وأولادي ومنعنا من دخول الدار.

ونهنهها البكاء، قلتُ:

- أبي ياخزنة. أنا الآخر لا أستطيع أن أفعل معه شيئاً سوى الصبر.

- مسكينة أمك ياأخي كم تعاني من مرضه وشتائمه.

عدتُ إلى النبك بعد انتهاء العطلة، وصرت ألتقي أحيانا ببديع يزورني ويرافقني لزيارة بيت خالته. كان يحس بالقلق والاضطراب وكان عبد الرحمن ابن خالته يمازحه يزيد من انفعاله، وتعمَّقتِ العلاقة بيني وبين بديع.

قال لي جدي ذات يوم "لاأستطيع النوم ياجدي خذ نقوداً واشترِ لي من دكانة متري ليتراً من النبيذ" وضعتُ النقود في جيبي وأنا في غاية القلق، وخرجت من الغرفة متردِّداً "دكانة متري في ساحة المخرج. ماذا لو أخبر أبي أحدُ أصدقائه أنه رآني أخرج من الخمارة وبيدي قارورة نبيذ؟ أبي يضع المعاصي كلها بكفَة وشرب الخمر بكفة أخرى".

أحسستُ بالإشفاق على هذا العجوز الذي يزيد عمره على الخامسة والتسعين ومازالتْ همته عالية، تقدمت نحو دكانة متري أتلفَّتُ حواليّ متوجساً، واندسستُ فيها واشتريت القارورة ولفَفْتُها بجريدة، ووقفتُ على الباب أتلفّت يميناً ويساراً ثم اندفعتُ خارجاً كمن يزج نفسه في أتون لاهب.

كانت أيامي تجرح وتداوي فتعلمتُ كيف أقتنص السعادة اقتناصاً. وعادت الفتيات يزرنني وعادت أحاديث الحبِّ والغرام وعادت تلك التي أجبرت قلبي على الخفقان تستفزني كمن يستلهم النار من الخشب الرطيب. زارتني مرة وحيدة، بدا عليها الارتباك وتوهّج الخدين، وجلستْ وصوت أنفاسها ينغرز في أذني متسلِّلاً إلى مشاعري يتصارع معها. لبثنا صامتين لحظات وكانت ترفع نظرة ساجية متهالكة إلى عينيّ ثم تطرق متغضِّنة، وفجأة انجذبتْ وغادرت الغرفة محتقنة.

كنت أرى في الحارة أم جميل امرأة في حدود الخامسة والخمسين تدخل البيوت ومعها صرة ثياب تبيعها، وكان جدي يستضيفها يقدم لها بعض الطعام والشاي. وذات يوم عدتُ من الدوام المسائي فألفيت ابنة أختي تشير لي بإلحاح أن أمها تريدني قالت أختي ذاهلة:

- أتدري ماذا فعل جدك؟ تزوّج أم جميل.

صُعِقتُ أول الأمر. فقال عبد الحميد هازئاً "ألا تخجلون من الناس أن يتزوج جدكم بلا عرس؟" كان جدي يسخِّن الماء في إبريق صباح كل يوم، ويضعه بين ركبتيه ليغسل يديه ووجهه، وكنت ألحُّ عليه أن أصبّ له فيأبى بإصرار. ومنذ هذا الصباح صارتْ أم جميل تسخِّن له الماء وتصبّه علي يديه. في الصباح زارتني فاطمة وحدها بادياً عليها التوتر والاضطراب. سألتها:

- مالك فاطمة؟

- أحبك. أحبك من أعماق قلبي، أحبك حباً مقدساً أتمنى أن تكون أخي.

واخضوضلت عيناها بالدموع. وراح صدرها يعلو ويهبط. قالت:

- نحن ثلاث أخوات وليس لنا أخ. دائما أحس بالنقص. الآن يجب أن نتآخى أنا وأنت، موافق؟

- بكل تأكيد.

- امشِ معي.

مشيت معها هائماً كالسحابة يزجيها الريح. اختارتْ بيت أختي وهيّأت جمعة من نساء الحارة وبعض رجالها، جرحت يدها وطلبت مني أن أجرح يدي، وحكت يدي بيدها ليختلط دمي بدمها فعرتْني رعشة سرت في كل بدني. صافحتْني فاطمة بيد قبضت على يدي بإحكام، ووضعنا يدينا فوق المصحف، وقالت:

- أنت أخي بعون الله والخائن يلعنه الله.

أحسستُ برهبة هزت كياني، وقلتُ

- أنت أختي بعون الله والخائن يلعنه الله.

قُرئت الفاتحة، وارتسمت فرحة على وجهها خرجتْ من أعماقها تبلَّلُها الدموع. قال عبد الحميد هازئاً "وهل ينقصك الأخوات؟ عندك ستة لايستطيع الجمل أن ينهض بهنّ"

في الصباح رأيتُ جدي يقف عند رأسي يوقظني لاهفاً:

- قم انهض.

- ماذا ياجدي؟ صباح الخير.

- هربتْ أم جميل. أخذت أمتعتها وهربت.

- هربت!؟ هل سَرَقتْ شيئاً ياجدي؟

- لا ياجدي لا.

وجلس قبالتي قلقاً ساخطاً، ثم وقف، ثم جلس، ثم ترنّح، ثم قال:

- ابحث عنها، وأعدْها ولك ماشئتِ. مستعدّ أن أسجّل لها قطعة أرض.

- ولكن أين أبحث عنها ياجدي؟

- تحت الأرض. أعدها ولك عندي ماتشاء.

- وإذا كانت قد غادرتِ النبك؟

هبّ واقفاً مهتاجاً:

- مالي أراك تنشِّف البحر؟ لاتريد أن تذهب؟ هل أبحث عن شخص آخر واترك حفيدي ينام حتى الضحى؟

وهم بالخروج منفعلاً:

- جدي. أنا ذاهب.

وذهبتُ إلى بيت أختي وعندهم بعض الأقارب فابتسموا جميعاً مندهشين. قال عبد الحميد هازئاً:

- اذهب وابحث عنها لعلها حبلى تخبئ لك في بطنها خالاً وانتم ليس لكم أخوال.

فغرق الجميع بالضحك. قال أحدهم:

- اطلب منه مصروفاً لعملية البحث. اطلب مئة ليرة على الحساب.

وقال آخر:

- نسمع بجهل ابن الأربعين والخمسين لكننا لم نسمع بجهل ابن الخامسة والتسعين.

مضت ثلاثة أيام بلياليها وجدي ينتظر أن تعود أم جميل. صار يجبرني على السهر معه ويغني العتابا بصوته الحزين. قال لي مرة بفلتة لسان "جسمها ساخن ياجدي" وانتهى العام الدراسي ولم ييأس جدي، ودعتُه وسافرتُ وكنت الوحيد الذي نجح في الصف الثامن من الدورة الأولى من أبناء جيرود.

كم ينغِّص علينا نحن الإخوة أن ليس لنا عمات ولاأخوال نلجأ إليهم في ساعات الضَّنْك ليس لنا سوى عم واحد وخالة واحدة نحبهما ونعزّهما. وهناك امرأة جارة (خديجة الحبقة) كنا نناديها (عمتي) ونزورها، ورغم أنها كانت تحبنا وتعطف علينا وكنا نبتهج بها لكنها من حيث لانشعر لم تدخل قلوبنا كعمنا وخالتنا الحقيقيين وعندما كبرنا عرفنا أنها عمة (مستعارة) وكنا ننادي (محمد علي) خالي ونبتهج به ونحن نعلم أنه ليس بخالنا لأنه جيرودي وأمُّنا نبكية.