الفصل 8

13 0 00

في مطلع العام الدراسي 1953/1954 صرت في الصف التاسع واضطررت أن أتأخّر عن المدرسة خمسة عشر يوماً ناوياً أن أترك الدراسة، إلا أن الوالدة أصرت أن أتابع دراستي فذهبتُ إلى النبك وأقمتُ في بيت أختي فاطمة مصطحباً معي نصيباً من البرغل والبطاطا، وبعض سلال البيض اشتريتُها من جيرود وحملتها معي لأبيعها في النبك لأن سعرها أغلى من سعرها في جيرود.

صهري عبد الحميد مَنْ ينظر إلى وجهه الذي صبغته الشمس بسمرة داكنة على بشرة بيضاء، ويلمس نَفْرةً أولية غير سليقية في ردة فعله مع الآخرين فرضها عليه عمله في رعي المواشي منذ نشأته.. لا يتوقَّع ما يراه فيه من مرح ودُعابة. أسرتُه كانت من الأسر الموسرة في النبك بما يملكون من قطعان الغنم والمعزى قوامها خمسة أخوة من أشداء الرجال يعيشون في البراري والقفار وفي (العزيب) المكان البعيد المنعزل لرعي ماشيتهم وحمايتها من الذئاب، ويتقنون العزف على "الِمجْوِز" ذي البوقين وصناعته من القصب البري والذي لاتستقيم (الدبكة) في القلمون إلا به. وعائلته "الطيب" هي من أكبر عائلات النبك عدداً وجميعهم يمتازون بطيب النفس والكرم التلقائي.

عندما حصلتُ على الشهادة الابتدائية زارنا في جيرود وأهداني (ثِنْياً) جَدْياً عمره عامان وفي اليوم التالي لوصوله أردت أن أريه كيف أقود الدراجة النارية. قلت له "اركب خلفي" فركب " تمسّك بحديدة المنصب جيداً" ويبدو أنها كانت مكسورة وأبى أن يتمسك بصبي. كان يرتدي (قمبازاً) حريرياً وكوفية سوداء فوقها عقال غليظ على غرار رجال النبك. أقلعتُ بالدراجة ومضيتُ في شارع تدمر، وعند آخره كلّمته فلم يجب، هززتُ الدراجة فأحسست أنه ليس ورائي. عدتُ إلى الدكان حائراً فوجدتهم يضحكون وهو واقف بينهم. قالوا "أنت أقلعت وهو انزلق على الأرض واقفاً" في اليوم التالي طلبوا مني أن آخذ الجدي إلى البرية ليرعى الحشيش حتى يظلّ لحمه مكتنـزاً لأن أبي سيذبحه ليولم به بمناسبة نجاحي.

ربطته من قرنيه الصُلبين ليسلسَ قيادُه واقتدته يرافقني سعيد. في البرية قال عمي "أطلقوه لاتخافوا لن يهرب سيرتع بالعشب الكثير" بعد حوالي الساعة سلح الجدي قال عمي "خذوه حالاً ليراه بيت التيناوي - جيراننا وهم خبيرون في المواشي يقتنون قطعاناً كثيرة - لكن الجديَ حرن. قال عمي "احملوه لاتهملوه" إن الطريق بين البرية والدار يستغرق على الماشي خمساً وأربعين دقيقة فاستغرق معنا مايزيد على الساعتين نحمله فيسلح علينا بسخاء يلوِّثنا من أعلانا إلى أدنانا. نقف، نتذمَّر، نفكر بأن نتركه مكانه ونمضي، وأتمنى لو أنني لم أنجح ولم أحصل على هذه الهدية التي هي أسوأ من لعنة، لكننا نعود فنحمله ونتابع طريقنا. وصلنا إلى الدار فصاحت بنا أمي "اتركوه وادخلوا الحمام حالاً" أما الجدي فمن عجبٍ أن إحدى نساء بيت التيناوي شرَمَت أذنه حتى سال منها الدم فشفي "لاعافاه الله"

في بيت أختي فاطمة غرفتان اثنتان إحداهما فيها أواني الطبخ وسَقَط المتاع والأخرى للنوم والجلوس واستقبال الزائرين وفي الزاوية سريري وتحته متاعي وكتبي. أمضيتُ فترة من أجمل فترات حياتي مع عبد الحميد وابن أخيه "جمعة" الذي كانت ضحكته على رأس شفته وكان على أحد جانبي وجهه أثر حرق يشوِّه الحاجب والعين والجفن الأسفل، أما أمه فإنك تراها للوهلة الأولى فلاحة بسيطة بلباس زري عندها عدد من الأولاد منهم من شبّ عن الطوق ومنهم صغار يسرحون في بيتها لكنها تحمل الشهادة الابتدائية وتجيد اللغة الفرنسية واللغة العربية والحساب وتحاول تعليم أولادها فلم يفلح منهم فوق الابتدائية أحد.

عبد الحميد كان لامبالياً باع ماتبقى من مواشيه تباعاً وصار يعمل معظم وقته بتعبيد الطرق في النافعة ليؤمن مصروف العائلة وكانت أختي كريمة تؤثر على نفسها وأولادها. في الليل ينام أفراد الأسرة جميعاً متراصفين ويتدثَّرون بلُحُفٍ شبه مهترئة يسجون فوقها بساطاً من الشعر. كان معظم الزوار من النساء وبخاصة الفتيات، وعبد الحميد يمازح الجميع فتنطلق ضحكات جمعة وأنا أتأمل هذه الأجواء الحميمية. وثالثة (الفاطمات) أختي بالتآخي تزورنا يوميا وحيدة أو مع بعض صديقاتها نتحدّث في أيِّ شيء.

وجاءت عطلة الربيع فشددتُ الرحال إلى جيرود لزيارة أهلي. لقد أصبحتُ في السابعة عشرة من العمر، ذاك السن الذي طالعني بالنكسات والهموم. أتخيًّل أبي على فراش المرض يتوسَّل إلى الله "خذ كل ما أملك وأعطني الصحة والعافية وبيتاً من الشعر في بادية قفراء" دخلتُ الدار فطالعتني ثلاثُ مفاجآت: الأولى أن أبي يدخل الدار على متن الإكديشة ويترجل عنها لايعاني من أيِّ مرض. والثانية أن الإكديشة ولدت مهرة دهماء تتقافز حولها. والثالثة أن شاباً من الحارة الشرقية اسمه "مصطفى" سلّم علي بحرارة وأخذ رسن الإكديشة من أبي وخرج بها تتبعه المهرة. قالوا لي إن أبي سلّم المزرعة لمصطفى وأبيه يقدم لهما البذار وماء السقاية ويعطيهم ثلث الموسم مقابل عملهم، وإن مصطفى هو الذي يشغِّل المحرك.

رأى أبي أسئلة كثيرة في عينيّ فقال لي إنه ذهب منذ شهرين إلى دمشق ترجَّل من البوسطة ومشى باتجاه المرجة وما إن تجاوز منطقة بين الحواصل إلى المناخلية حتى عصف في بطنه المرض عصفاً شديداً فقرفص عند الجدار. قال" في تلك اللحظة تمنيتُ من الله الموت" وقالتْ أمي "حاولت أن أذهب معه وألححتُ عليه فأبى" وتابع: "رآني شمس الدين المالكي. وقف إلى جانبي ودقَّق النظر إليّ وقال مأخوذاً:

- أبوقاسم!؟

- أهلكتْني معدتي يا أبوعدنان.

- قم معي قم.

وأخذني إلى عيادة الدكتور موفق ابن أخيه أبو الخير وهو مختص بالأمراض الباطنية من أمريكا، فحصني وقال لي اشتر هذا الشراب "ثمنه ثلاثمائة وخمسة وأربعون قرشاً " وامتنع عن الأكل نهائياً واشرب كل ساعة كأساً من الحليب طوال النهار وراجعني بعد أربعين يوماً. قالت أمي "ولم يعد يشعر بأي وجع" سألتُه ماذا قال عن مرضك؟ أجابني برشاقة "حماوة مصارين"

ذات مساء نادتني أمي وهي ترتدي ثياب الخروج. أمي في البيت ترتدي الزيَّ النبكي هي وأَخَواتي وعند الخروج ترتدي الزيّ الدمشقي التقليدي الأسود وترخي على وجهها جانباً واحداً من الغطاء قد ترفعه في أيّ مكان وأيّ وقت لتشعر الآخرين أنه مجرد زيٍّ لا تقوقع وحرج. قالت باهتمام:

- هيا امشِ معي لنسلِّم على بديعة وندعوها على الغداء.

- من هي بديعة؟

- أخت بديع جاءتْ لتزور خطيبة أخيها، وهي مثلك في الصفّ التاسع.

يبدو أن أمي أقنعتْ والدة بديع بالموافقة، ووالدته أقنعتْ والده، وجاءتْ بديعة للزيارة على سبيل المجاملة. خرجنا من البيت على رِسْلِنا. وهاهي أمي تبادر إلى القيام بواجب القرابة متابعة مساهمتها في توطيد العلاقة بين أسرة عادل واسرة خطيبته مزهوَّةً بمرافقتي، وعلى بساطة هذه الزيارة وعفويتها فاجأني القدر بحواء، وأيُّ حواء!

في زاوية الغرفة وقفتْ حواء مع النساء للتحية فارتقتْ فوق أكتافهن بطولها الفارع وعنقها كعنق المهاة، ملفوفة القوام، بارزة النهدين، حوراء العينين وشعرها الكستنائي ينسدل على كتفيها كأطياف الحرير. تمسح وجهَها سمرة ناعمة يتوهج فيها خداها وشفتاها اللعساوان بحمرة رقيقة من صُنْع الله. تلقي على ماحولها نظرة حالمة سادرة تنبئ أنها بينهنّ وردة مؤتلقة في حضن نبتة من شوك المُرار.

نظرتُ إليها متفاجئاً أحس أنها تشدني إليها تنتشلني من واقع أعيشه بين الناس، أصبحتْ في الحال حواء البكر في حياتي. على أية حال كانت سهرة سقيمة انتهت بدعوة بديعة وخديجة على الغداء وتأكيدها أن تأتيا منذ الصباح.

في الصباح انهمكت أمي وأخواتي تعاونهن خديجة بإعداد (الكبّة) وجلست ردحاً من الوقت مع بديعة منفردين في باحة الدار نتسامر كطالبين يتحدث كلٌّ عن أساتذته وزملائه وأصغيت لها وهي تصف بإعجاب مدرستها الفخمة (مكتب عنبر) القريبة من بيتها. ثم انتقلنا إلى الحديث عن الأغاني والموسيقا واتفقنا كلانا على حب أغاني محمد عبد الوهاب وبخاصة أغنيته "افتكرني".

جررتُها للحديث عن الكتب والمجلات، فحاولتْ في البداية أن تذكر أسماء بعضها، وعندما سألتُها بحذق عن مضامينها أطرقتْ بخجل، فرفعتُ رأسي معتداً متفوِّقاً. ثم رفعتْ رأسها وجرَّتْني إلى الحديث عن السينما فبدوتُ أمامها كالأميّ، أوكذاك البدوي الذي وصفه ابن عبد ربه في "العقد الفريد" كيف قدم من الصحراء الى الحاضرة لأولِّ مرة في حياته ففوجئ بعرس راح ينظر إليه مبهوراً مشدوهاً لأنني بكل بساطة لم أكن قد شاهدتُ فيلماً سينمائياً واحداً حتى ذاك الوقت.انتصبتْ بديعة في جلوسها وقد حققتْ انتصارها الساحق عليّ وبدا كأنها ترمقني بإشفاق.

في الصباح قررنا زيارة المزرعة فسبقتنا خديجة وأخواتي سيراً على الأقدام وتبعناهن أنا وبديعة على دراجتين. بدت بديعة هُجْنَة في قرية معظم أترابي فيها من الشبان لايعرفون قيادة الدراجة، وكانت الشابات تمشي واحدتهن في الطريق منكسة رأسها منكمشة إلا من عينين فضوليتين دائبتين فإن اصطدمتا عَرَضاً بعيني رجل توهَّجَ خداها ونفضَها الحرج والارتباك وهربت لتنجو بنفسها.

غذَّت بديعة السير في تلك الطريق الترابية المتقلقلة هاربة مثل ظبية؛ هذه الحال جعلتني في البداية أحمل باعتداد مسؤولية حماية رفيقتي التي شرعت تجاريني وتهزُّ أعطافها، وانطلقنا صبيّاً وصبيَّةً يخطوان خطوتهما الأولى على تخوم الشباب يشعران أنهما في قلب قلعة حصينة أسوارها عالية تفصلهما عن العالم من حولهما. ولم يعد أيُّ شأن للعينين والشفتين والحاجبين تماهى كل منا في الآخر في دفق إنساني غامض ومحبب وهذا التماهي جعل كلاً منا لايتصرَّف وفق رغبته وإنما يعبِّر عما في نفسه تعابير لاتفسير لها، ولاعلاقة لها بالعقل والمنطق، ولا بالعاطفة. كَدَّتْ بديعة على دراجتها تسبقني متحدية فأبيت أن أجاريها استهانة بتحديها وتابعتُ الطريق وراءها متَّئِداً، وعند المنعطف الأخير المطلِّ على مزرعتنا تظاهرتْ بالوقوع عن الدراجة وانكبتْ فوقها لعلها أزمعت أن تختبر مشاعري. تقدمتُ منها ببطء وسألتُها "مالك بديعة؟ هل أصابك شيء؟" ظلت منكمشة على نفسها صامتة قلتُ رافعاً وتيرة اللهفة "مالك بديعة تكلمي" أحسسْتُ أن ماتقوم به ليس سوى ضرب من ضروب التعبير عن الذات وتوكيدها، لكنها (بديعة) ظلت مستكينة على حالها. خطر لي أنها تريد أن أمسكها من عضديها وأوقفها، لكن مجرد الخاطرة حعلتني أعاني من رعشة أوقعتني بشباكها الحريرية، ثم صارتْ الرعشة رهبة وإحساساً بالمسؤولية فاخترتُ أهونَ الحالات. وضعتُ يدي على شعرها وهززتُها وقلتُ بشيء من الحدة "بديعة ماالأمر؟ تكلمي" وقفتْ تشيح بابتسامة مكر متحاشية لقاء العيون وامتطتْ الدراجة برشاقة وتقدمتني فوصلنا مع وصول أخواتي وخديجة.

رحَّب بنا مصطفى وسألني:

- هل تريدون شيئاً؟

- لا. شكراً.

وتوارى دفعاً للحرج. وقفنا على تخوم البئر والماء يصلُ إلى حافةِ حفرة المضخة فتراجعت بديعة وخديجة مرتهبتين، وفجأة ومن حيث لا أشعر خلعتُ ثيابي وألقيتُ بنفسي في الماء فسمعت وأنا في الهواء صوت شهقات مذعورة. غطستُ في الماء ثم خرجتُ إلى سطحه فرأيتُ بديعة تفغر فمها مصعوقة. وصاحتْ بي "اخرج. هل تستطيع أن تخرج؟"

قطر البئر خمسة أمتار، وعمقها اثنا عشر متراً، وارتفاع الماء فيها يزيد على ثمانية أمتار أي أنني قفزت من علوِّ خمسة أمتار عن سطح الماء دون أن أفكر بالخروج ودون أن أفكر أننا في أواخر شهر شباط (فبراير) والطقس بارد.

سبحتُ وشرعتُ أستعرض مهاراتي ببعض الحركات وبديعة مشدوهة خائفة تتلفتُ حواليها ذاهلة حائرة حتى تسلقتُ أنبوب الماء الذي يصل بين قعر البئر والمضخة (قطره خمس بوصات) بصعوبة ومكابرة إلى أن بلغتُ حفرة المضخة، ثم صعدتُ عبر الدرج وتقدمتُ نحوها بين البنات وقد تلوَّث جسمي بالصدأ.

نظرت إليَّ بديعة مأخوذة معجبة ضائعة وأخواتي مزهوات وهرعن يساعدنني أن أنظف جسمي من الصدأ وأنشفه وأرتدي ثيابي وأنا أرتجف من البرد مرتعداً. قالتْ بديعة بنزق وحدة "أنت مجنون!" فابتسمتُ متباهياً بجنوني. ثم قالتْ بحنان وقلق "لقد اصطبغتْ وجنتاك وشفتاك باللون الأزرق" قلتُ لامبالياً بلسان تقلقله الرجفة وتقلقل فكيّ "لاعليكِ. عندي الدواء " وشددتها من يدها واندفعتُ أجري بين شجيرات العنب فتبعتْني تحاول أن تجاريني في الركض، أو تقف وراء شجيرة كبيرة من شجيرات العنب الدربلي قائلة "هل تستطيع أن تمسك بي؟" فلم آبه لتحديها، بل ألقيتُ عليها نظرة استهزاء أثارتْ حفيظتها فاندفعتْ تضربني بالحجارة تتوقع أن أتحاشى مرتبكاً لكنني تلقّيتُ الحجارة بجسمي أينما وقعتْ مستخفاً فانتفضتْ ثائرة عاجزة عن الظفر بوسيلة استفزاز، ثم تسللتْ إليّ من الخلف ودفعتْني ناوية أن تطيح بي فلم تستطع. ثم تراجعتْ مبتعدة عني واندفعتْ نحوي تنقضُّ عليَّ متوثِّبة كالوعلة فخلَّيْتُ عنها وإذا بها ترتمي على الأرض سابحة باسطة يديها فنكأتِ القروح كفّيها ومرفقيها وركبتيها. شدتْ على أسنانها تقاوم الألم والبكاء قائلة بضيق وقهر "يبعتلك حمى" أحسستُ بخطئي الفادح وتسرّعي بأن أخليتُ عنها وسببت لها أن تطيح على الأرض فتقدمتُ منها قائلاً "أعتذر. سامحيني" وحملتُها من عضديها أساعدها على الوقوف، وما إن وقفتْ حتى انهالتْ عليَّ تلكمني بعصبية وتبكي وأنا مستسلم لعلهاّ تطرح مافي نفسها من توتر وتصفو.. ثم توقَّفتْ وتراجعتْ وشعَّتْ من عينيها نظرة عداء حادة اصطدمتْ بالشعاع المتناثر في عيني واستدارتْ عني، وفجأة علا نهيق حمار من الحقل المجاور يجأر بغلظة وسلاطة ويترجّع ويتقطَّع بشهيق عصبي ساخط فاندفعنا كلانا في ضحك أخذ يحتدُّ ويزداد حدة.

أكلنا "تبولة" وعندما رأت بديعة الحمارة طلبت أن تركب عليها فركبت خائفة والبنات يساعدنها، ثم ترجلت وركبت خديجة تطلب المساعدة، وراحت تتظاهر بالخوف وتولول ولولة مصطنعة، فتركتهن لأرى مصطفى وأطّلع منه عن أحوال المزرعة. وعندما عُدْتُ اقتربت مني خديجة وهمستْ في أذني منزعجة "أتدري ماقالت لي أختك أمام بديعة؟ قالت مالك تتدللين؟ هل نسيتِ أن برذعة الحمارة آكلة من جنوبك؟ "

في اليوم التالي ذهبنا إلى "الملاحة" بناء على طلب بديعة في رحلة سياحية على دراجتينا بتؤدة وسلاسة على طريق ترابية أقل وعورة من طريق الأمس. نتهادى بلا أية تحديات وقَدَما كلٍّ منا تتحركان على دواسة الدراجة حركة منغومة وكأننا غدونا كتلة واحدة من شقَّيْن وكل منا يركزُّ نظره إلى الطريق أمامه وكأنه يرى الآخر بعين قلبه حتى صرنا في محاذاة غيضة من شجر السرو والصنوبر الهرمة الباسقة مفروشة بالحشيش اليابس تصارع البقاء عبر السنين في قلب ذاك البلقع ذي الماء الأُجاج الممتد حوالي الملاحة. ترجلنا وجلسنا على كومة حجارة سألتْني:

- أراك تحبّ الريف.

- جداً. وأنتِ؟

- أتمنى لوكانت عندنا مزرعة كمزرعتكم.

وقفزتْ فجأةً تصرخ مذعورة وارتمتْ على صدري تحتمي بي بولاء واستسلام"دخيلك"

لم أجرؤ أن أطوِّقها بيديّ، وربما لم يخطر لي ذلك وإنما وضعتُ يدي على قمة رأسها لأبعث فيها الطُّمأنينة وصوبتُ عينيّ فرأيتُ سحلية تهرب بعيداً متلوّية متلاعبة بذيلها فحملتُ حجراً وضربتُها بعصبية فاندستْ بين الحجارة في كومة أخرى هاربة. حاولتُ اللحاق بها فاعترضتْني بديعة مأخوذة قائلة "اتركها أرجوك" ومنحتْني نظرة تتلألأ بالإعجاب والولاء حتى بدا لي كأننا نتبادل نظرة صدامية حازمة لكنه صِدامٌ منعش لذيذ. ثم مالبثتْ أن تنبَّهتْ لتهافُتِها عليّ فلملمتْ شعاع عينيها وأشاحتْ بخجل وانكماش، ثم مشتْ إلى جانبي نحو الدراجتين فامتطى كلٌ دراجته وتبعتْني نحو ضفة البحيرة الرملية.

جلستُ على الرمل ودعوتُها إلى الجلوس فأبت بعناد. قلت لها "من المستحيل أن يعيش مخلوق من مخلوقات الله على هذا الرمل ذي الملوحة الشديدة. اجلسي. لاتخافي "فجلستْ متوجسة جلوس من يتأهب للوثوب عند أية نأمة، وقالتْ من حيث لاتشعر "لاأخاف وأنا معك" فتغلغلتْ بي نشوة دافئة، ومتعة أن يكون لك تابع هو هذه المهاة المشتعلة حيوية وجمالاً وحباً صامتاً؛ حبّاً راسخاً متمكناً من النظرة الأولى وإلى أبدِ الآبدين. واندفعتْ أنامل كل منا إلى الرمل المشبع بالرطوبه، وكلٌ يخطّ اسمه ويتفَنَّنُ في إجادته، ثم شرع كل منا يخطّ اسم الآخر، ثم محونا أسماءنا ونهضنا واقفين وقد بدأتْ الشمس تخطو متجاوزة منتصف النهار.

مشينا هائمين وكل يجرُّ دراجته باتجاه طريق العودة، وعند باب الإدارة التقينا عَرَضاً بالحارسِ المناوب أبوفارس ذي الوجه الجهم الطافح بالطيب والشنبين الكثين المنتصبين. لاقاني بحفاوة ولهفة وصافحني بحرارة ودعاني مع رفيقتي إلى مكتب الإدارة أبو فارس من أصدقاء أبي المقربين، وكان من رفاقه في (السفربر) طلبتْ بديعة منه ورقة وقلماً فقدمها بترحاب واندفع يُعدُّ لنا الشاي. قالتْ:

- تعال نتسابق في الخط. أنت تكتب بيتاً من الشعر وأنا أكتب مثله

- أنا حاضر.

قلتها متحدِّياً وأمسكتُ بالورقة والقلم فلم يخطر ببالي سوى بيت جميل بثينة:

لقد ثبتتْ في القلب مني محبة كما ثبتَتْ في الراحتين الأصابع

فأحسستُ أن أصابعي ترتجف. أبعدتُ الورقة والقلم قائلاً " اكتبي أنتِ " فكتبتْ برشاقة بيت أبي تمام:

نقِّلْ فؤادك حيث شئتَ من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأولِ

وقدمتْ لي الورقة والقلم تتحداني بتواضع ومكر. كتبتُ البيت بعناية وقلت:

- انظري خطي أجمل من خطك.

- بل خطي هو الأجمل

وأبو فارس ينظر إلينا بمودة وإعجاب خفيّ فقدمتْ له الورقة قائلة "احكم بيننا عموه" توقعتُ أن يعتذر لأنه أمي. لكنه ضيَّق فتحة عينيه وسألها "أيها خطك وأيها خطه؟" فمدتْ أُنملتها الرقيقة وأشارتْ له "هذا خطي وهذا خطه" فعاد أبو فارس يضيِّق فتحة عينيه ويركزّ نظره متَّخِذاً سمتَ الحَكَم الرصين، وأشار بيده إلى خطها قائلاً "هذا أجمل"حاولتُ أن استخفَّ بحكمه لكن بديعة انطلقتْ تصفق بحرارة مبتهجة بالانتصار رميتُ أبا فارس بنظرة لوم راغ عنها. وعند خروجنا استوقفني وهمس في أذني يسوِّغ موقفه قائلاً "رسول الله (ص) عليه وسلّم قال "رِفْقاً بالقوارير"

في اليوم التالي سافرتْ بديعة دون أن أراها أو أودِّعها. علمتُ بالخبر من أمي فانزويتُ في غرفتي مندحِراً أقاوم مشاعر الإخفاق التي أضرمتِ النار في صدري. تبعتني أمي إلى الغرفة ووضعتْ يدها على كتفي قائلة باعتداد تقاوم أسى دفيناً أبرق برقاً خابياً في عينيها:

- يجب أن تنساها يابني. صحيح أنها تلائمك وأنها ابنة إحدى قريباتي لكن مرض أبيك ووضعنا المادي المتردّي يوجب علينا ألا نتقدم لخطبتها.

- لكني أشعر أنها توافق يا أمي.

- لا أهمية لموافقتها. أبوها ثريّ وأنفه شامخ، وأمها أكثر غطرسة.

وأردفتْ بصرامة ورباطة جأش قائلة:

- عليك أن تنساها، مازلتَ في أول الطريق، ستحظى بمن تكون الأقرب إلى قلبك منها. إذن؟ انتهى كلُّ شيء؟ كانت حلماً، كانت واحة. مضت تتابع دراستها في مكتب عنبر، وعدتُ إلى النبك لأتابع دراستي.

ذات يوم جمعة دخل أحد الأطفال إلى بيت أختي وقال لي "في بيت خالتك فتاة تنتظر أن تراك" وكانت بديعة. وقف كلٌّ منا في وجه الآخر وكأن تياراً كهربائياً يسري فيه ثم تصافحنا.

- أراكِ في النبك.

- جئت مع أهلي لقضاء يوم الجمعة.

- يالها من مفاجأة!

- سارّة أم..

- سارة مذهلة. ماهذا الكلام "أم"؟

بدت خالتي كأن عينيها يمتزج فيهما الصبر بالانزعاج بالمودة. قالت"اجلسا سأعد لكما الشاي" وإذ خرجت قالت بديعة هامسة باهتمام "أريد أن نركب دراجتين من ساحة المخرج نحو مبنى الهاتف الآلي" شربنا الشاي بالكؤوس المذهبة التي لاتخرجهما خالتي إلا في المناسبات العزيزة، واستأجرتُ دراجتين من عند "مستو" في ساحة المخرج وتقدمتُها على طريق حمص بين السيارات العابرة جيئة وذهاباً حتى وصلنا إلى مبنى الهاتف الآلي ثم رجعنا نجرّ دراجتينا ونتحدّث في أيّ شيء ليتوغَّل كلٌّ منا في الآخر أكثر، حتى وصلنا إلى غيضة السرو بجانب الطريق فدخلناها. سألتني:

- ما هواياتك؟

- المطالعة والسباحة وركوب الخيل. وأنت؟

- حضور السينما وسماع الموسيقا والأغاني.

- أرى أننا لانتفّق.

- هذا افضل. لأن كلاً منا يتأثر بالآخر فيكسب منه هوايات أخرى

ولذنا تلقائياً بالصمت نتمشّى بين شجرات السرو وكل يلفّ ذراعه حولها، وكأن حواراً أخذ يتلألأ على نظرات العيون يقول أشياء تُدرَك بالحس لا بالعقل. وقالت بحياء ورّد خديها أردفتْه بلامبالاة:

- جاءت امرأة تخطبني لابنها. قالتْ لها أمي "بديعة بنت مدرسة مدللة لاتعرف شيئاً من شؤون البيت ماتزال تنتظر من يعدّ لها الشاي لتفطر" أجابتها المرأة "نعدّ لها الشاي أول مرة وثاني مرة فتقوم بإعداده في المرّة الثالثة" وكلمتها أمي عن جهلي في شؤون الطبخ وغسيل الثياب وتنظيف البيت فأجابتها "الخاطبة" الإجابات نفسها.

- ولكن ألا ترين هذه الصفات ضرورية للزوجة؟

- الضروري هو القناعة بالخطيب.

- يعني أنه لم يعجبك؟

- لم أره أبداً.

- لماذا؟

فأجابتني بحدة واستنكار.

- لأنني لاأريد أن أتزوج ولأن أسئلتك سخيفة. هيا أريد أن أعود إلى البيت.

- غضبتِ مني؟

- بل جُرِحت.

وأمسكت بدراجتها، امتطتها فتبعتُها. سلمتُ الدراجتين وأوصلتها إلى دارها الفخمة على طريق السراية بصمت، وودّعتها بصمت. وأمضيت ليلتي شارداً كئيباً أستعيد كل ثانية من لقائنا ألوم نفسي لماذا لم أعدها بالخطبة مجرَّد وعد على الأقل، لكنّ حالتي وحالة أهلي التعيسة جعلتني كالأبكم الأصمّ. في اليوم التالي همس في أذني أحد زملائي في المدرسة قائلا:

- محمود الشيخ وأحمد عزو وشريف اللحام قرروا أن يرابطوا لك ويشبعوك ضرباً.

- ماذا فعلتُ لهم؟

- قالوا إنك تتحرش ببنات النبك بوقاحة واستهتار.

- ولكنها قريبتي.

- يقولون إنك غريب. احذر، أقول لك احذر. إنهم جادون، هؤلاء زعران يبحثون عن المشاكل.

أنا لستُ غريباً؛ أبو الخير ابن عم أمي من شباب النبك الذين يُعتدُّ بهم ذهبت إليه في الحال وحدّثتُه بماسمعت فقطّب حاجبيه واستشاط غضباً وقال: "ليفعلوها إن كانوا رجالاً. والله إن حاول أحدٌ منهم أو من غيرهم الإساءة إليك لأفقأنّ عينيه" وتابع بحماسة " سأطلب آباءهم الآن. إذهب ولا تُقِمِ الموضوع من أرضه" مضيتُ نحو بيت أختي أشعر بالانتصار والامرح وأقول في نفسي إذا حظيتُ ببديعة أكون مثل من يقنصها من أفواه السباع. وقال لي عبد الحميد "حسناً فعلت ولكن لا تنسَ أننا بيت طيب نأكل رأس الأفعى. إنك أيها الماكر وقعتَ في هوى بنت من أجمل بنات النبك وأهلها من أهم عائلات النبك وأوقعتَها في هواك" في اليوم التالي رأيتُ عَرّضاً في باحة المدرسة أحد الذين بعثوا إليّ يهددوني وإذا به يتحاشاني منكسراً متظاهراً أنه لم يَرَني.

قبل انتهاء الدراسة بشهر خَوى جيبي من النقود فتركتُ المدرسة وعدت إلى جيرود وانصرفتُ للدراسة على طريقتي أسهر معظم الليل، وأنام معظم النهار لأعوِّض ما أستطيع عن انقطاعي المبكر. وكل يوم يناديني أبي في الصباح:

- امشِ معي إلى المزرعة لتشغِّل المحرك.

- أنا مشغول بالدراسة.

- وهل بدراسة هذا اليوم تصبح قاضياً؟

وحان موعد الامتحان فمضيت إلى دمشق خفيف الجناح متزناً كهدهد وأنا أحلم برؤية بديعة منكسر النفس لأن استعدادي للامتحان لم يكن كافياً.

في دمشق ومنذ أول يوم خرجتُ من الامتحان ركبت باص مدحت باشا وترجلتُ في الموقف الأقرب لبيت بديعة، وانسابت قدماي نحو باب بيتها الفخم. وضعتُ يدي على زر الجرس متهيِّباً. فُتح الباب وإذا بها في مواجهتي قلت:

- مرحباً.

- أهلا وسهلاً كيف كنت في الامتحان؟

- لابأس. بديع هنا؟

- تفضل تفضل وأدخلتني على غرفة الضيوف.

دقائق وجاء بديع متهلَّلاً ودخلت بديعة ومعها رفيقتها عرّفتني بها. وإذا بعبد الرحمن يدخل هو الآخر قادماً من النبك. خرجتْ بديعة ورفيقتها وأشارت لي من خصاص الباب أن أخرج وألّحَتْ فأصبتُ بالحرج وتخاذلت.

منذ اليوم التالي أخرج من الامتحان وأترجل من الباص وأتسلَّل إلى حارتها ماراً من أمام بيتها الفخم متهيِّباً متمالكاً نفسي أسلَّط نظراً محتشماً حذِراً إلى النوافذ فأراها مغلقة. أتوقف أمام الباب ويغْلي إصبعي في يدي، وأهمّ أن أضعه على زر الجرس وإذا بقلبي يخفق بشدة في صدري فأسمع صوت لهاثي يعلو ويهبط ولعلي سمعتُ صوت سعال ما فتسللتُ أحثُّ الخطا إلى خارج الحي ألتقط أنفاسي وأتوغلُ متفشِّياً في الناس. لو طرقتُ الباب وفوجئتُ بها تفتحه فماذا أقول لها!؟ هل أسأل عن بديع؟ وماذا يُقال عن لَجاجَتي؟

دأبتُ يومياً على هذه الحال بين مدخل بيتها ومدرستها معتمداً على المصادفة أن تهيئ لي فرصة اللقاء وصوت عبد الوهاب يتجلّى في أعماقي بأغنية (افتكرني) وخيالها يلوح ونحن على دراجتين نمخر عُباب زمن عقيم وحياة عاقر حتى انتهى الامتحان وأعترف أنني أزداد ضعفاً أمام هذا الحبّ الورطة، جباناً خائباً وما جُبني وخيبتي إلا ما أنا فيه، وعدتُ إلى جيرود أقطِّع وقتي بالسباحة والصيد والحلم المضني ببديعة حتى أعلنت نتائج الامتحان ولم أجد اسمي بين الناجحين، صُعِقتُ ولجأتُ إلى بيت خزنة جلست عندها كئيباً منقبضاً. سألتني بلهفة:

- مالك أخي؟

- لم أنجح.

- وليكن. تنجح في العام القادم بإذن الله. افرد حاجبيك وألقِ الهموم عن ظهرك ياحبيبي.

وقضيت بقية النهار مع سعيد ربيع نتمشى بعيداً عن عيون الناس. دخلت الدار في المساء تتحاشاني العيون مشفقة وأتحاشاها محتقناً. ولمحت في عيني أمي نبضاً خابياً من المرارة، وفي عيني أخواتي أسى وتعاطفاً، وفي عيني أبي سدوراً ولامبالاة أحسستُ أنني منبوذ وقضيتُ ليلة من أتعس ليالي حياتي.

في صباح اليوم التالي ذهبت إلى النبك لأراجع المدرسة يرافقني سعيد ربيع. بلَّغني المراقب النتيجة: إكمال معدل بستين علامة أي أنني بحسب النظام أمام حلَّيْن: اختيار مادتين أعيد الامتحان بهما وأكون قادراً على تعويض الستين علامة، أو اختيار إعادة الدورة بكاملها.

قلتُ للمراقب "لن أعيد الدورة، سأختار مادتي الأخلاق والتشريح علامتي في كلٍّ منهما أربعون أدرسهما بجد وتركيز لأحرز سبعين علامة في كلٍّ منهما على الأقلّ وأحقِّق النجاح. قال المراقب معترضاً مستهجناً:

- هذه مغامرة غير مضمونة. يجب أن تختار إعادة الدورة.

- أنا مصرّ.

قال سعيد "وستسمع هذا التسفيه من كل الناس، أعطني ورقة وقلماً" وجعل النتيجة إكمال معدل باثنتي عشرة علامة ثبّتَها على الورقة قائلاً "دعِ الأمر لي أنا أبلِّغ الناس" وعدنا إلى جيرود وأنا لا أسامح نفسي على هذه الكذبة السفيهة.

سعيد ربيع من أصدقاء الطفولة شقيٌّ مغامرٌ منذ صغره يعيش مع أسرته في فقر مدقع لا يملكون سوى دار قريبة من دارنا متآكلة متداعية، وأثاثٍ رثّ، وحمارٍ يعمل عليه أبوه حوّاجاً يسافر إلى مضارب البدو، وسعيد يعمل أحياناً في الحفريات مرغماً للمساهمة في تأمين رزق العائلة.

بعد حصوله على الشهادة الابتدائية انتسب إلى الكلية الشرعية في قسمها الداخليّ المبيت والطعام وثمن الكتب والدفاتر فيها مجاناً وفوقها أربع ليرات في الشهر كان سعيد يتواطأ مع بواب المدرسة ليذهب أحياناً إلى السينما وكان عندما يغادر المدرسة يخبئ الطربوش في كيس ورقي وقبل أن يدخل المدرسة يضعه على رأسه. ذات فجر برده شديد قارس صبّ الماء في طرابيش المعلمين، وعندما وضعوها على رؤوسهم انهالَ الماء على رؤوسهم ورقابهم فبلَّلها وحدثتْ ضجة، وعندما اكتشفوا أنه الفاعل طُرِدَ من المدرسة فعملَ حارساً في إحدى الصحف اليومية.

ذهبنا مرة إلى المعلقة في جيرود مع بعض رفاقنا وهو الوحيد فينا الذي كان يحضر الأفلام السينمائية ويحدثنا عنها، تسلقنا المنحدر الصخري الذي يؤدي إلى بابها الواسع ببالغ الصعبوبة وقلوبنا تخفق من الذعر والرهبة مخافة الانزلاق والسقوط، نستغرب كيف يتسلّقها الرعاة بقطعانهم ويأوون فيها اتقاء لبرد الشتاء القارس. وعندما وصلنا حمل سعيد ربيع عصا وولج المغارة الصغيرة الجانبية يضرب الجدران منادياً "شلبوبا شلبوبا" يقلد أحد الممثلين المصريين الكوميديين، فانقضَّتْ عليه الخفافيش وطيور الحمام البري مطلقة هديراً مدوياً فجثا على الأرض وخبّأ وجهه يصرخ "دخيلك ياأمي" ونحن نضحك ساخرين. ثم تسلقنا الصخور إلى جُرف بحجم الليوان فوق هيكل المعلَّقة يسميه الناس "باب الهوا" وجلسنا نتمتع بالنسائم الباردة المنعشة في عزّ الحرّ بشهر آب (أوغسطس).

انعزلتُ في جيرود خلال العطلة الصيفية أستعد للامتحان وأهفو أن أذهب إلى دمشق علّني أرى بديعة. وجاء موعد الامتحان، أقدم المادة وأخطو عبر الأحياء القديمة أجوس حول بيتها وحول مكتب عنبر وسوق الحميدية وأقف عندما أسمع "افتكرني افتكرني" من أيِّ مذياع والخيبة تزداد في نفسي حتى هويتُ إلى قعر اليأس، رغم هذا لم يفارقني خيالها إلا عندما أُعلنت نتيجة الامتحان وكانت الرسوب "لأول مرة في حياتي" كانت النتيجة قاصمة للظهر جعلتني أحسُّ أنني خسرتُ بديعة وفقدتها إلى الأبد. جلست في دار خزنة ضائعاً وإذا بأمي قادمة تسأل عني. قالت بعينين صاعقتين وتكشيرة أسى "رسبت؟" وخرجتْ.

صار عمر المهرة الدهماء فوق العام. فأعلنت أن هذه المهرة لي وبدأتُ منذ الصباح في تطبيعها. تعلَّمت منها أن في الحيوان أَنَفةً يأبى أن يكون مطيّة رخيصة لولا قهره وإجباره. حاولتْ أن تطيح بي عدة مرات فصبرتُ عليها حتى استسلمت. علموني أن أقدم لها الماء والعلف بنفسي، وأن أُطعمها بيدي بضع حبات من الزبيب وقِطَعٍ من (الكعك) وإذا بها في اليوم الثاني ترفع رأسها عندما تراني وتصهل مرحبة، وإذا ما أطلقَ عنانُها تتقدم نحوي تشمّني صرنا صديقين حميمين أركبها وأمضي بها إلى المزرعة وأطلق لها العنان فتخُبُّ طواعية تجعلني أرى دائرة الأفق حوالي ترقص جذلى وأضغط عليها بركبتيّ وأشدّ الرسن وأرخيه فتنطلق قوائمها متسارعة تسبح في الهواء تذكرني بقول المتنبي:

قفزتْ بي إلى التاريخ جعلتني أتزنر بسيف يماني وأشهر بيمنايَ رمحاً رُدينياً وبيسراي ترساً من الجلد والحديد، جعلتْ لحياتي طعماً آخر، وكان شريكنا أبو مصطفى يرشدني كيف أحافظ على علاقتي بها. "الخيول شديدة الحساسية مرهفة كلما عاملتَها برهافة ولين مالتْ إليك أكثر" أصبحتْ مثل عشيقة يزداد وفاؤها مع طول العشرة، واشترى أبي بقرة (معشِّرة) موعد ولادتها في الربيع وأصبحتِ العائلة في مرحلةِ انتعاش كالظامئ يبلُّ ريقَه بجرعة ماء فاتر.

كان من رواد المضافة الدائمين في الخمسينات اثنان: الأول سَبْتي القبيسي عراقي يقيم في جيرود أليفٌ ضئيل الجسم منمنم الوجه إذا أطبق فكّيه بدا حنكاه مفخوتين لأنه بلا أسنان وأضراس يلتفّ بعباءته ويجلس في الزاوية بلا حراك، إذا صبّت له القهوة أو الشاي شرب وقال "دايمة" وإذا بسطت المائدة أكل النزر اليسير وقال "دايمة" وإذا كانت المضافة خالية أركن إليه فيحدِّثُني باللهجة العراقية عن بلدته القبيسة وعن العراق. ابنه محمد تعلَّم في إحدى المدارس الدينية بدمشق وعندما تخرج عيّنته وزارة الأوقاف إماماً في مسجد العطنة، وابنته زوَّجها لشاب في جيرود من الحارة الشرقية. والجليس الثاني أبو سمعون وهو في حدود السبعين منتصب الظهر متين البنية يتحدّثُ في المضافة عن أمجاده في المصارعة عندما كان يسافر لطلب الرزق ويشهد مَنْ رافقوه على كلامه. أمه يقال إنها بلغت المئة وخمسين سنة وإنها شهدتْ غزو ابراهيم باشا شقيق محمد علي باشا لسورية ومروره بجيشه من جيرود. يقال نبتَتْ لها أسنان جديدة فقال الأستاذ هي ليست أسناناً جديدة لكن لثتها انحسرتْ فظهرت عظام فكيها أبو سمعون لايأكل البرغل فسميّ القط الكبير "الجِدّ" باسمه لأنه لا يأكل البرغل هو الآخر وقد بدأ الهرمُ يذبل عينيه وعيني "أم سمعون" لكنهما مازالا على رأس عائلة الهررة أبنائهما وأحفادهما صائدي الفئران ينتشرون في دارنا وأحياناً يرافقنا بعضهم إلى المزرعة. كنت أُحضر لهم كمية من بقايا اللحم مقطعة ليسهل عليهم قضمها، وكلما ألقيْتُ قطعة يقنصها "ابوسمعون" ويجري هارباً مندساً في زاوية غير مرئية فيحذو حذوه الآخرون وإذا تركتُ لهم اللحم كله يهبّون إليه دفعة واحدة ويشتبكون فيما بينهم بشجار شرس بالزعيق والمخالب والأنياب فيطرد الكبارُ الصغارَ وأنا أتأمل في غريزة القطط إنهم مثل اللصوص لايأكلون إلا في الخفاء، وكم أرى مثيلين لهم بين الناس. وكان لأخي فيصل قطته الخاصة يُعنى بها ويطعمها بيده فتراها تتبعه أينما ذهب وكان لا ينام في الفراش إن لم تنمْ معه. ذات مساء كان نائماً على فراش بقرب عتبة البيت الوسطاني فسمعت أمي وأخواتي صوت القطة تشخر مهتاجة وتتعارك مع شيءٍ ما، اقتربوا وإذا بها تتصدى لعقرب يتقدم نحو فيصل تحاول أن تقتله بمخالبها فقتلته أمي.

في النهار أقضي الوقت في المزرعة آخذ معي فيصل وأخواتي وفي معظم الأوقات يزورنا سعيد وخير وبعض أولاد العائلة للعب والسباحة وقد غدت المزرعة أرحب علينا وأكثر التصاقاً بنفوسنا من دورنا الثلاثة التي تحدّرت من دار واحدة. عندما تنزل الأخت الصغيرة إلى المسبح وقد تعلَّمتِ السباحة وأتقنتْها ينزل معها أخوها وأحد أولاد أختها ويرابط بقية الصبيان حوالي المسبح حراساً صارمين.

توزَّعتُ أنا بين عدد من الاتجاهات: قبل مغادرتي النبك أعطاني عبد الحميد بندقية صيد قديمة مخلّعة تعمل على "البارود الأسود وكبسولة التقليد" أحكمتُ ربط نصلها على الأخمص بسلك معدني لأتصيّد بها حوالي المزرعة رغم ما أُعاني من بلادتها أحشوها بالبارود والخردق ثم أضغط على الزناد فيندفع (الديك) ويضرب (الفالة) وقد أنتظر عدة ثواني حتى تخرج الطلقة فتهزّ كتفي وتدفعني إلى الخلف وأُعطي الصيد لأخواتي يشوينه ويتمتّعن بأكله ثم أخبئها في غرفة المحرك. ذات يوم أطلقتُ النار على طير هبط في مزرعة الجيران، جهزتها بسرعة وتبعته أبحث عنه صعدت الجدار وأطللتُ عليه وإذا به مصاب في جناحه. صوّبتُ البندقية نحوه فجمدت عيناه على عينيّ بنظرة ألم واسترحام وذعر. تراجعتُ وتوقّفتُ عن التصيّد أياماً وامتنعتُ عن أكل لحم الصيد نهائياً.

عندما كنت في نحو الرابعة أهداني أحد أصدقاء العائلة زوجاً من الأرانب. علموني كيف أمسكها من أذنيها كي أحملها،كنتُ ألاعبها أتمتع بنعومة وبرها الفضي الحريريّ. وأخذتْ الأرانب تتكاثر وتنتشر في فناء الدار الداخلي، وتحفر بمخالبها أخاديد في باطن الأرض وتفتح نفقاً إلى بيت الجيران تدخل وتسرح وتعبث على هواها فضجر الجيران يحتجون لأنها تقضم نباتات الزينة. وذات يوم ذبَح أهلي أرنباً أمام عينيّ فامتنعتُ عن أكل الأرانب حتى اليوم.

في ساحة مشروع الماء نربط الإكديشة والمهرة والبقرة ويقدّم لها أبو مصطفى العلف والماء، وفي المساء يعود الجميع إلى جيرود الأولاد ومصطفى وأبوه وتأتي خالتي مريم فنبقى وحيدين ننام على المصطبة الملتصقة بجدار غرفة المحرك، وأنا أضع البارودة تحت رأسي جاهزة لإطلاق النار، أحسّ بمسؤولية من يضطلع بحراسة رزقه ورزق أهله. خالتي مريم ما إن تضع رأسها على المخدة حتى تبحر في عالم النوم اللامحدود، وأنا أبحر في عالم السماء اللامتناهي أراقب المجرة "درب التبانة" التي ترسم طريقاً في السماء من شمالها إلى جنوبها متوهِّجة بذرات من النور اللَّبَنيّ، وأراقب النجوم الخافتة المتضائلة التي لاهويّة لها، والنجوم الشهيرة المتألَّقة تحملق في الفضاء: الدب الأكبر "بنات نعش الكبرى" والدب الأصغر "بنات نعش الصغرى" والشهب النارية التي تنطلق كالسهام الرائشة وما تلبث أن تنغرس في بطن السماء. ومجموعات النجوم الدقيقة المنمنمة بأشعة فضية: الثريا والميزان، ونجم سهيل المتوهج الخفاق فأتماهى في إبداعات الله تملأني مشاعر هي مزيج من الإلفة والرهبة والحنان. ثم أحسّ أنني جزء من هذا العالم أَدَقُّ من حبة خردل. وتدهشني إبداعات المعري التي استلهمها من إبداعات الله، وأندهش أكثر كيف تتفوَّقُ البصائر بوصف دقيق تعجز عنه الأبصار. قال المعرّي:

وتثاءبتُ وغرقت في النوم حتى أيقظني شخير البقرة فاستويتُ جالساً. رأيت من الظلام الهلامي وحشاً أصهب بحجم الكلب يتطاول نحوها وهي تتصدّى له بقرنيها، فاستللتُ البارودة وصوبتُها نحوه وضغطتُ على الزناد فقدح الشرر ساطعاً من الكبسولة محدثاً صوتاً بدا مدوياً في هدأة الليل ورغم أن حشوة البارودة لم تَثُر وَلَّى الوحش هارباً منغمساً في الظلام. قال لي الجيران في الصباح أولاً: هو ذئب رآه بعضٌ يجوس في الليل باحثاً عن نعجة أو معزاة. وثانياً: احمد ربك أنك لم تصبه، لأن الذئب الجريح ينقض على الأقرب إليه يمزِّقُه بأنياب أكثر حدة وفاعلية من الخناجر المجدلية.

في اليوم التالي طلبتْ مني "نزيلة" أم محمد طبخةَ كوسا. أعطيتها فطلبت حشوة فاشتريت لها حاجتها من الأرز واللحم. ولست أدري كيف جاءت من حيث لا أشعر بقدر وطلبت من خالتي مريم أن تحفرها وتحشوها وتطبخها. "نزيلة" أم محمد أسرتها من بؤساء البدو يقيمون في نهاية أرضنا يعيشون من عطاء الفلاحين وبخاصةٍ نحن أقرب الجوار إليهم على أنهم ينطرون المزارع. لايملكون شيئاً سوى غزالتين: "قمر" التي تضاهي القمر بعينيها السوداوين الساحرتين ووجها الأبيض الصبوح الذي عجز لهيب الشمس أن يؤثِّر فيه، و"حميدة" ذات السمرة المشعة والعينين البنّيتين القاتلتين، والشفتين اللعساوين. أشرب القهوة المرة في خيمتهم وتتحرك الفتاتان كلٌّ منهما بقوامها الرشيق وجمالها العربي الأصيل أصالة عتق الخيل. الفتاة البدوية لاتخشى الرجال مهما نفرتْ حمرة الخجل على خديها، وهي ثروة مكنوزة يتقاضى أبوها مهرها عند زواجها يضعه في جيبه ويقدمها لزوجها بثيابها التي ترتديها وكلما كانت أجمل كان مهرها أعلى. لهذا يقول شبان البدو "إن الزواج هو خراب البيوت"

خرجتُ من المسبح مع أولاد العائلة، وعندما ارتديت ثيابي سمعتُ صوت أم محمد تقول غاضبة "طعمي المقرف فكرك مايعرف" منهالة على خالتي باللوم والتقريع، وعندما اقتربت بادرتني قائلة متذمِّرة "انظر. انظر إلى طبخة الكوسا" وإذا بالكوسا مكسرة مخلوطة بالحشوة وكأنها نوع من الشوربة. وتابعتْ أم محمد مستاءة:

- كيف أقدِّم هذا الطعام لعريس قمر وهو رقيب في الجيش!؟

- لا أريد أن أجرح مشاعرك وأقول لك من أين جئت بمتطلبات هذه الطبخة.

- يكثر خيرك ولكن أليس عيباً على الكريم أن يمنّ على من يعطي.

- خالتي ياأم محمد لاتعرف سوى طبخ البرغل السمح.

- لماذا لم تخبرني؟ ظننتُ الفلاليح أفتح عيناً بالطبخ من البدو. ياربي ماذا افعل؟

- اذبحي لعريس ابنتك ديكاً.

- ماعندي غير ديك واحد على دجاجاتي.

في الليل نامت خالتي وبقيتُ وحدي أتأمل في هذا العالم الرومانسي الأخّاذ وأتمتع به. يقول الرومانسيون إن الإنسان يخلق طاهراً بريئاً لأن الطبيعة طاهرة بريئة. أما الآثام والشرور فهي وليدة المجتمعات البشرية.

وغفوتُ فأيقظني صوت دققت فيه وإذا به في أرض جيراننا وثمة لصٌّ يقطف عرانيس الذرة واحداً واحداً. تعلّمتُ من الفلاحين أن منْ ينطر مزرعته ملزمٌ بأن ينطر مزارع الجيران فحملتُ البندقية وتسللت تسلل الصياد نحو حقل الذرة. هنا بدا الصوت واضحاً أكثر، وأنه في الساقية. انبطحت ووضعت البارودة على يديّ وزحفت أتقدم من الصوت كما يزحف الجندي في المعركة وأنا بين الشعور بالنخوة في نجدة الآخرين والرهبة من القبض على لصٍّ قد يكون مسلَّحاً مؤذياً "أهدده بالبندقية واقتاده وأشدُّ وثاقه" شيء جميل أن تقبض على لص، ولاح لي شبح اللص في الساقية يتقدم مني متَّئداً حتى صار على مسمع صوتي. تجمع الدم في رأسي ونبض قلبي بشدة حتى لكأنه استقرّ في رأسي فحاولتُ أن أكتم أنفاسي قدر ما أستطيع وصحتُ بصوت خرق الصمت "شو الزول؟" لكن الشبح لم يأبه بصوتي حركت زناد البندقية وصحتُ من جديد "تكلّمْ وإلا افرغتُ الطلقة في رأسك" فجمد عن الحركة وظلّ أمامي ملء عينيّ، عندها أُصبتُ بما يفوق الإحساس بالهلع، أحسستُ أنني أطير وأتفشّى في الهواء ثم أغدو كتلة لاهبة جمدتْ أمام الشبح "أهو جنيِّ؟" لكن الجن غاضوا في باطن الأرض من عهد آدم" وإذا بالشبح يهزّ رأسه فتصفِّق أذناه وترتطم شفتاه إحداهما بالأخرى تغمغمان، وإذا هو جحش شارد. وتصبب عليّ إحساس كالماء البارد، وفهمت أن صوت قطف العرانيس ما هو إلا احتكاك أذني الجحش بأغصان نبتات الذرة. سخرتُ من نفسي حتى راودتني مشاعر الإشفاق على هذه النفس المتوثِّبة، وطردتُ الجحش خارج حقل الذرة، وقلت لأبوحس في الصباح "أمس طردت جحشاً من حقلكم" قال "رأيت أثر بعر حمار في الساقية وأثر قدميك. شكراً لك".

في اليوم التالي زارتنا الشقيقة الكبرى مع زوجها وابنها الصغير "عاطف" وهو في حدود الثالثة من العمر. فرحنا به جميعاً نتنافس على احتضانه وتقبيله. وقرر الوالدان تناول طعام الغداء في المزرعة وفيما تحركوا في الطريق المعتاد وضعت الصغير أمامي على المهرة وذهبت من طريق "الحباق" المختصر.

طريق الحباق غير مطروق إلا في حالاتٍ فردية، كثير المنعطفات والفروع الجانبية المغلقة ولايتسّع لأكثر من دابّة محمَّلة فإذا تقابلت دابتان لابد أن تدخل إحداهما في فرع جانبي وتنتظر لتفسح الطريق للأخرى. وكان عاطف على صغر سنه يحملني أن أجيبه عن أسئلته التي لاتنتهي. وفي أضيق طريق وقبل الوصول إلى البرية بأمتار قليلة حرنتِ المهرة وأخذتْ تتراجع إلى الخلف، نهرتها فكرَّرتِ المحاولة التفتُّ إلى اليسار وإذا بأفعى غليظة بحجم إبهام غليظة صفراء مرقّشة بنقاط خضراء تلتفُّ على نفسها ملتصقة بنتوءات الجدار. التهبَ رأسي بنار الذعر فاحتضنت عاطف لاشعورياً احتضان اللاهف الحريص وجمدتُ حائراً ماذا أفعل؟ الأفعى لاتتحرك من مكانها، والمهرة غير قادرة على الاستدارة والرجوع وإذ أصبح الاستمرار أمراً مفروضاً فإن انقضاض الأفعى علينا أمرٌ محتمل. نهرتُ نفسي "والحلّ؟" وقررتُ المجازفة اعتماداً على أن الأفعى رغم أنها ماتزال متشبثة بمكانها متربِّصة لاتؤذي من لايؤذيها.فضمَمْتُ عاطف إلى صدري وحضنتُه بيديّ في محاولة لحمايته وضغطتُ بركبتيّ على المهرة وشدّدْتُ الرسن وأرخيته فتسلَّلَتْ بتؤدة عند جوار الأفعى مصابة بالذعر هي الأخرى حتى تجاوزتْها فانطلقّتْ تخبّ.

كان لي عالمي الخاص عالم الفن والأدب والرياضة والصداقة والأصدقاء بمزاجيتهم ومثاليَّتهم وسلبياتهم وإيجابياتهم، وقد جمعنا حبّ الرياضة والأدب ومحاولة الكتابة. قمنا بزيارة رفيق فجلس معنا أبوه يحدِّثُنا عن أمجاده، كان دركياً متقاعداً وفي غمرة الحديث عن فلسطين والعرب واليهود قال ممهداً "ليس في العالم من هو أشدّ مكراً من اليهود" وقال إنه كان مع مجموعة من الدرك رأوا عدداً من اليهود فرابطوا في الخندق وأخذوا يطلقون النار عليهم فيجدون أحدهم يقفز في الهواء كالوعل، وآخر ينبطح على الأرض لاتبدو شعرة منه وتابع قائلاً باعتداد "توهمنا أننا قضينا عليهم" وفيما هممنا بالحركة نهض اليهود جميعاً وأخذوا يطلقون النار علينا" هو اكتفى بهذه الحادثة (الدليل) وهي بلا زمان ولا مكان. سألناه بمكر "أليس عجيباً ألا يخرّوا صرعى وأنتم تطلقون النار عليهم؟" فابتسم ساخراً وقال "كان واحدهم عندما تأتيه الطلقة يقفز في الهواء لتمر من تحته أو ينبطح على الأرض لتمرّ من فوقه" فأغضينا وكتمنا ضحكاتنا وأدركنا الإرث الذي أخذه رفيق عن أبيه.

رفيق أكبر منا بعامين أوثلاثة، وله تجارب (مثيرة) خلال إقامته في عدد من المناطق بسورية ومعظمنا لم يغادر جيرود إلا إلى النبك أو دمشق. عندما نتكلم عن الرياضة يروي لنا كيف حصل على المرتبة الأولى في الجري خلال دراسته بدار المعلمين الريفية في يبرود قال بحماسة "في الدورة الأخيرة في الملعب تقدم عليّ ثلاثة طلاب فسمعتُ أصواتاً تشجعني "رفيق رفيق" فشددت أعصابي ووصلتُ قبل الجميع" ويقول زملاؤه في دار المعلمين "لاعلم لنا أنه كان رياضياً" ونتكلم عن الفتيات وعن الحبّ فيحدثنا باعتباره وسيماً عن فتاة أمريكية من كلفورنيا يراسلها فطلبتْ صورته وعندما أرسلها لها وقعتْ في هواه، وأخذت تدعوه وتلحّ عليه أن يسافر إلى أمريكا فيأبى. يقول له أحدهم مندهشاً "أمريكا؟ سافر ولا تنتظر دقيقة واحدة" فيجيبه بكبرياء "أريد أولاً أن أحرق قلبها. بعدها أفكر" وسأله أحدهم بمكر:

- بأية لغة تراسلها؟

- أنا أكتب بالإنكليزية، وهي بالعربية ليصحح كلٌّ منا أخطاء الآخر.

- ولكني أعرفك تماماً يارفيق، أنت ضعيف جداً باللغة الإنكليزية ولا أظنّ أنك قادر أن تكتب جملة واحدة مفيدة.

فيحوّل رفيق الحديث إلى وجهة أخرى.

كنا نجتمع أحياناً ويقرأ كلٌ منا للآخرين ماكتب ونختلف أيُّنا الأفضل. قال أحمد نجيب "نحن مانزال مشتركين بجريدة (الهدى) منذ كان أبي موظَّفاً في حمص" وطلب أن يختار كلٌّ منا مايشاء ليرسله إلى الجريدة ويكون الأفضل من يُنشر موضوعه، أعطاه كلٌّ منا موضوعاً وأعطيته أنا خاطرة بعنوان (ياقلبي) كتبتُها متأثِّراً أسلوب جبران خليل جبران وبعد أيام وصلت الجريدة ولم ينشر فيها سواها بزاوية (القراء يكتبون) فأخذ زملائي يتداولون الجريدة وراحوا يطوفون بها في المحافل في جيرود يعلنون عن ولادة كاتب. أما أنا فقد تظاهرتُ بالتواضع وشعرتُ أنني صرتُ زميلاً للجاحظ، وابن المقفع، وطه حسين.

على أساسها اتفقتُ مع أحمد نجيب ويحيى بكر أن نكتب رواية مشتركة على غرار البؤساء، وغادة الكاميليا، وتحت ظلال الزيزفون، وحددنا أفكارها وقسمناها إلى ثلاثة أجزاء وراح كل منا يكتب جزءاً. ومن أولِّ اجتماع اختلفنا وتوقفنا. يحيى شاعر اقتصر على كتابة الشعر، وأحمد نجيب عاد إلى كتابة روايته عن مأساة عائلية، وأنا عدت إلى كتابة روايتي عن السفربر وعندما بلغتْ 400 صفحة أعدت قراءتها فلم أجد أنها تعبِّر عما في نفسي فأحرقتُها في التنور عملاً بنصيحة قرأتها لطه حسين"اكتب واحرق ولاتأسف حتى تستقيم لك الكتابة".

بعد سقوط الشيشكلي كثرتِ الأحزاب وأخذتْ تتحركُ، تؤسس جماهير لها وكنا نحن الطلاب بنظرهم خامات بِكر أخذوا يركِّزون علينا ليتناهبونا. كانت تلك المرحلة مرحلةً ذهبية بلغت سورية فيها قمة الديموقراطية بتنوّع الصحف وكثرتها، وتنوّع الأحزاب ونشاطاتها كانت في الحقيقة جزيرة وارفة في القرن العشرين. وكان أعزّ أصدقائي يومها محمد بكار وبازيد عرابي يدعونا أبو رياض - دركي متقاعد طلق اللسان - إلى الحزب القومي السوري والأستاذ فيكتور إلى الحزب الشيوعي، والأستاذ نشأت إلى حزب التحرير الإسلامي، والأستاذ أحمد إل حزب الأخوان المسلمين وخالد جبارة إلى حزب البعث العربي الاشتراكي. مشينا في البداية مع الحزب الشيوعي نحضر اجتماعاتهم السرّية وندفع إشتراكاً أسبوعياً تُقبل فيه "خمسة قروش" حداً أدنى وصاروا يكلفوننا بمهمات سرية تتركَّز على دعوة أعضاء جدد إلى الحزب، وذات يوم جاءنا شاب كان في مؤتمر الشباب العالمي في موسكو يوعّينا.. حدّثنا عن التنافس بين العرب واليهود الذين يسرقون الفولوكلور الفلسطيني وينسبونه إلى أنفسهم، وجهنا له بعض الأسئلة:

- هل يؤمن الحزب الشيوعي بالدين؟

- قال ماركس "الدين أفيون الشعوب" نحن نؤمن بالاشتراكية العلمية.

- هل هناك حزب شيوعي عربي؟

- لا.

- هل يؤمن الحزب الشيوعي بالوحدة العربية.

- نحن حزب أممي نؤمن بديكتاتورية الطبقة العاملة.

كان انتسابنا يحتم علينا أن نتخلى عن أهم مبادئنا وهي "الوحدة العربية" وفيما أخذنا نتناقش في الابتعاد عنهم عقدوا الاجتماع التالي دون أن يدعونا. وبعد جولة في بقية الأحزاب خرجنا برأيٍ موحد "جميع الأحزاب مبادئها سامية لكن المسؤولين عنها انتهازيون يبحثون عن السلطة" ولم يعد أمامنا سوى الحديث عن البنات. كان بازيد يقول "الفقير لايحقّ له أن يحبّ ويعشق أنا ليس في جيبي عشرة قروش أوخمسة عشر لأستأجر دراجة وألاحق البنات" فيجيبه محمد بكار "هذا من ضعفك. من كان قادراً على العشق ولفت انتباه البنات لاتعيقه دراجة"

في الواقع لم يكن رفيق وحده الذي يتبجّح بمغامرته مع البنات، معظمهم كانوا يروون قصصاً كاذبة: محمد عبد الوهاب يقول إن بنت الجيران في دمشق تعلّقَتْ به وروى الكثير ومما قال إنها حاولتْ أن تعطيه "خمساً وعشرين ليرة" فأبى. محمد البوشي قال إنها تهالكتْ عليه وحاولت أن تعطيه ثمن "طقم" فقال لها بإباء "بنطال وقميص يكفيني" أما الذي كان يطنب في الكذب وفي الوصف الدقيق عن علاقاته فهو أحمد نجيب كان له عدد من العشيقات السرّيات: البدوية، والريفية، والمتحضرة دفعة واحدة ويروي تفاصيل لقاءاته بهن، ومن طريف ماكان يقول إنه فتح إحداهن على الأخرى في لقاءات مشتركة. أما أنا وبازيد ومحمد بكار فقد كنا بلا عشيقات وعلاقتي ببديعة لم أحدث أحداً عنها.

بعد انصرافنا عن الأحزاب صار محمد بكار يقول مازحاً "لقد اعتزلنا السياسة" ثم تداعينا وأسسنا "ندوة الينبوع الأدبي" على شكلِ نادٍ مصغر وجعلناها بفرعين: فرع أدبي، وفرع رياضي. وتبرع كلٌّ منا بما عنده من كتب ودفع مايستطيع من نقود، واستأجرنا داراً من غرفتين خصصنا إحداهما مكتبة والأخرى لعقد الاجتماعات.

منذ بدء العام الدراسي 1954/1955 تركت المدرسة على أن أتابع دراستي الخاصة وأنا واثق من نفسي أنني قويّ في المواد الرئيسة " اللغة العربية، والانكليزية، والرياضيات، والفيزياء" وما تبقّى من مواد لايجتاج إلى مدرسة. فتحت دكاناً مع أحد أصدقاء العائلة "ابو زياد" وهو رقيب أول شرطي متقاعد ذو معنويات عالية رغم أنه يمشي على العكاز لأن ساقه مبتورة بحادث، مثقف نسبة إلى أمثاله وهو الوحيد الذي يتابع قراءة الصحف والمجلات في جيرود. دفع كلٌ منا ستين ليرة وقال لي "انا لا أفهم في التجارة، وأنت ابن تاجر ولا أمانع أن تعلمني "

أخذتُ أدير العمل في الدكان وهو يراقبني. دخلتِ الدكان امرأة معها عشر بيضات تريد أن تشتري بهما أرزاً، كشّر أبو زياد مستاءً وأوشك أن يصرفها، قلت "دعها" وأخذتُ البيضات. حسبت قيمتها على ورقة بسعر الشراء، وقدَّرتُ قيمة الأرز بسعر البيع وأعطيتها وأبو زياد يراقب. قلتُ له:

- لقد حققنا ربحاً مضاعفاً. معظم الزبائن لا يملكون نقوداً فيأتونك ليشتروا الأرز والسكر والشاي والزيت والإبر والخيطان وسوى ذلك بالبيض أوالقمح أو الشعير أو البرغل فهل تقفل باب رزق يأتيك حلالاً؟

- يشهد الله أنك تاجر بارع والفضل لأبيك الذي علَّمك على حمل المسؤولية مذ كنت صغيراً.

- لكنني تعلّمْتُ الغش والخداع ولم أعمل به.

- الغشّ والخداع؟

في نهاية الأربعينات بدأتْ زراعة البطاطا في جيرود، وكنا نجمع المواسم من الحقول نعبئها بالأكياس ونشحنها إلى تاجر شريك في دمشق. أرسل التاجر أحد العاملين عنده ليعلِّمنا كيف نعبئ البطاطا في الأكياس فيختار لكل كيس (توجيهة) من أفضل حبّات البطاطا يضعها على الوجه ويسميها "التوجيهة" فاعترضت قائلاً "هذا غشٌّ وخداع" قال لي "الحاج حمدي لايقبل التعبئة إلا بهذا الشكل" وقال لي مهمتُّك أن تسجل الأوزان عن القبان وتحسبها لندفع للزبون قيمتها وحسب، لكني لم أتراجع عن رأيي فاستاء من هذا الصبيّ المزعج وشكاني لأبي قال أبي "هل تريد أن نغيّر عقول التجار؟ دعه يفعل ما يشاء" وكنا نستورد بذار البطاطا ونبيعه للمزارعين. مرة استحقّ علينا مبلغ خمسمئة ليرة وأراد أبي أن يرسلها معي إلى سوق الهال (بالمقارنة مع القيمة الشرائية للَّيرة هذه الأيام تجعلها تساوي مبلغ (130) ليرة أي أن الـ (500) ليرة تساوي (65) ألف ليرة تقريباً. اعترضتْ أمي فعدَّ لي أبي خمس قطع من فئة المئة ليرة قائلاً بحسم "ضعها في جيبك وتحرك إلى البوسطة" أرادت أمي أن تخيط لي جيب سترتي الداخلي "ياابني شوارع دمشق ملأى باللصوص" رفضتْ، فاختار أبي حلاً وسطاً أن تخيط أمي الجيب وتجعل لنهاية الخيط عقدة أمدّ يدي وأسحبها ثم أخرج النقود دون أن يشعر أحد. وكان الحاج حمدي يندهش ولا يكاد يصدِّق وأنا أمدّ له يدي بالنقود. قال أبوزياد بإعجاب "هكذا نجعل من الصبيّ رجلاً".

الفل التاسع

في مطلع العام 1955 كان تلامذة الصفّ الخامس يلعبون كرة القدم في ملعب المدرسة فدخل ابراهيم من أبناء الصف الثالث يلعب معهم. طردوه وهدَّده بشير، فوقف جانباً وراح يضربهم بالحجارة. تبعه بشير وأمسكه وطعنه "بالشبرية" تسع طعنات أودت بحياته، وهرب إلى الجبل. فأُنهِيَتْ خدمات المعلم المناوب "صبري" وبما أنني بلغتُ الثامنة عشرة عُيِّنْتُ معلماً وكيلاً عوضاً عنه بأجر شهري (105) ليرات على أن أعمل بعد انتهاء دوام المدرسة في الدكان مع "أبوزياد" في البداية أحسستْ بوخز الضمير أنني أخذت وظيفة صبري وهو واحد من أصدقائي، قال أبوزياد.

- لاتبالغ بالوساوس أنت لم تسعَ إلى عزله والعمل عوضاً عنه. سرَّحوه وأصبح مكانه شاغراً إن لم تستلمه أنت يسندوه إلى غيرك.

وتابع باعتداد:

- الآن جاء دوري لأقدم لك هذه النصيحة: قرأت مقابلة صحفية مع رئيس وزراء بلجيكا. سألوه "بدأتَ حياتك موظفاً عاديّاً فكيف أصبحتَ رئيساً للوزراء؟" قال "بشيء واحد أذهب إلى عملي قبل موعد بداية الدوام بربع ساعة وأخرج آخر واحد" وتابع أبو زياد قائلاً "الآن تساوينا نصيحة بنصيحة وأنا اتقاضى راتباً تقاعدياً وأعمل عملاً إضافياً وكذلك أنت صار لك عمل رسمي وتعمل عملاً إضافياً" وفعلتْ بي نصيحة أبوزياد فعل السحر، طبقتها في حياتي الوظيفية وعلّمتُها لأولادي.

عندما انتسبتُ إلى الصف الأول كان رشاد يزورني لنكتب الوظيفة معاً وكان راسباً في الصف، وعندما عُيِّنتُ معلماً وكيلاً كان مايزال في الصف الرابع وكان يخاطبني باسمي ويرفض أن يناديني "أستاذ" وكان في المدرسة عدد من أترابي هم الآخرون ينادونني باسمي. أحسستُ أن هيبتي ستهبط إن لم أدافع عنها. وجدت "محمد علي" يحاول العبث بصنبور المياه فتقدَّمتُ منه أحمل العصا "قلت افتح يدك" فرفض قلتها مرة أخرى فرفض باستخفاف؛ إنه في مثل عمري لكن بيننا فرقاً في الشكل والطول، فصفعته على وجهه صفعة جعلت الشرر يقدح في عينيه، حاول أن يتحرك فأطحت به على الأرض بقوة، بعدها صار الجميع يحسبون حسابي.

كان مستوى تلاميذ الصفين الرابع والخامس هابطاً فاتفقنا أن نجري دواماً مسائياً من الساعة الرابعة والنصف وحتى السادسة والنصف ابتداءً من السبت الثامن من كانون الأول، يلقي المعلمون فيها دروساً مجانية في اللغة العربية والحساب. وكان المدير مروان مرحاً يحب الأدب وله محاولات في الكتابة وهو من عائلة دمشقية مترفة مثقفة. ذات مساء غادرنا المدرسة معاً نمشي في شارع الأربعين "عرضه أربعون متراً وطول ألف متر تقريباً" في البداية كانت النجوم تشعّ في السماء ثم مالبثت الغيوم تتشابك كبطون الجبال الهائجة تسدّ علينا آفاق السماء وبدأت العاصفة ترسل برقها الخلبي وترسم خطوطاً حمراء لاهبة بأشكال هندسية متعرجة ومستقيمة يتقاطع بعضها مع بعض في أرجاء السماء، وأخذ رجع الهزيم يملأ الفضاء مجلجلاً. قال مروان برعب قسري "ماهذا يالطيف" إن أبناء دمشق لايرون من السماء ببيوتهم المكتظة إلا نتفاً، كما أن ضوضاء المدينة تبتلع دويّ الرعد. قلت مازحاً:

- هذه صواعق تنصبّ على الناس فمن أصابته أحرقته وجعلته قطعة من فحم.

- هل يُحتمل أن تصيبنا؟

- في طريقها إلينا.

وأخذتُ بين المزاح والجد أصف أهوالها وسوابق كوارثها. ومن عجبٍ أن الخوف يعطل وعي الإنسان مهما كان مثقفاً فأخذ مروان يلتصق بي حتى وصلنا إلى منتصف الشارع ووجب أن نفترق هو يتابع طريقه وبعد خمسين متراً ينعطف يميناً نحو بيته. وأنا أنعطف شمالاً باتجاه بيتي. قلت:

- أستأذنك. تفضل معي إن شئت.

- لا والله. أنت تذهب معي لتتعشّى عندي. أرسلت لي اليوم الوالدة (سفرطاس) ملآن من كلِّ أشكال (الكبة).

وكلما حاولتُ أن أتركه يزداد تمسكه بي، إن الدمشقيين يحاولون بشكلٍ ما أن يَظْهَروا علينا باللطف والحضارة، وقلما تأتي فرصة كهذه الفرصة لنظهر عليهم بالجرأة ومقارعة المخاوف رغم أن مروان كان سلس المعشر محبوباً.

يوم الجمعة وفي هذا الجوّ التشريني المتقلب جاءني خير ابن أختي خزنة يريني دراجته النارية الجديدة وعرض علي أن نذهب للبحث عن الكمأة في (البترا):

- أين تقع هذه البترا؟

- جنوبي إدارة الملاحة.

ركبت وراءه وأخذ كلٌّ منا محفاراً فوصلنا إلى قطعة أرض بعليّة مزروعة شعيراً ماتزال نبتاته المتناثرة صغيرة كوبر الهررة، وشرع خير يراقب الأرض ولستُ أدري كيف يعثر على بقعة منتفخة يغرس المحفار فيها ويخرج الكمأة منها. وأنا أتأبّط محفاري لا أفعل شيئاً سوى الاندياح في السماء الصافية وطيف بديعة ننطلق معاً على دراجتين. وفجأة هبت نسمة غربية فيها لسعة برد تشرينية ومالبث البرق أن طفق يلتمع في الأفق الغربي وطفق الرعد يجلجل والريح الغربية اهتاجت تسوق غماماً مدلهماً نحونا يملأ الكون، وكلنا يعلم أن الريح الغربية هي التي تسوق الغيوم الحبلى بالأمطار الغزيرة إلى جيرود. صحتُ بأعلى صوتي "خير أسرع. العاصفة" وكان على بعد أمتار مني فتحرك مسرعاً نحوي وأخذت الشآبيب ترسل علينا حبات المطر تقرع رأسينا، وما كدنا نصل إلى الدراجة حتى أطبقت علينا الغيوم يكاد البرق يمزِّقها فغدا الجو كأنه الغروب، وانهالتْ علينا حبال المطر يملأ الفضاء خريرها يمزِّقه هزيم الرعد. لم نستطع سوى الانتظار والصبر والتماسك على نفسينا والماء يملأ رأسينا الحاسرين وتتسلل قطراته إلى أعناقتا ولم تبرحنا تلك العاصفة وتتابع طريقها نحو الشرق إلا بعد أن بدا كلٌّ منا للآخر كأنه غاطس في الماء. تحركنا نحو الدراجة والطين يكاد يبتلع أقدامنا فنقتلعها من أحذيتنا التي تكتّل الطين عليها ونحملها ونمشي حافيين وعندما وصلنا إلى الدراجة بدأنا بمشقة جديدة أقسى. رفضت الدراجة السير فجررناها وأخذ الطين يتراكم على عجلتيها يعيقهما عن الدوران. حملناها على أكتافنا بضعة أمتار فأعيتنا ولم نجد من وسيلة سوى أن ننظف العجلتين من الطين ونسير بها بضعة أمتار ونعود لتنظيفها وما وصلنا إلى الطريق الترابية المتينة حتى حان الغروب فركبنا وانطلقنا. وصلنا إلى دار أختي ملطَّخين بالطين من قمة رأسينا حتى أخمص قدمينا، وقبل أن أتابع طريقي أفرغ خير مافي جيبه من الكمأة حبات تزيد عن نصف الكيلو بقليل وأصرّ أن آخذها وحدي.

أسّسْتُ فرقة كشفية ودرّبتُها جيداً وكنت آخذهم غالباً إلى الملاحة وعند غيطة السرو أقسمهم فريقين وأدرّبهم كيف يبحث فريق عن الآخر بواسطة أسهم من الحجارة. هم كانوا يلهون مغتبطين وأنا أتذكر بديعة والسحلية التي جعلتها ترتمي على صدري وكأنها ترتمي على لوح من الخشب، لكم كنت بليداً!.

كنا دائماً نتابع مباريات كرة القدم من الإذاعة يعلقُ عليها مذيع رياضي فلسطيني يتكلم باللهجة المصرية يطلب من المستمع أن يرسم الملعب ويقسمه إلى أربعة مربعات ويصف المباراة حية على الهواء وكأنك تحضرها. في نيسان أُعلن عن مباراة بين فريق شرطة الجيش وكنا نحبّه ونتابع مبارياته ونعرف أسماء لاعبيه، وبين فريق حرس السواحل المصري الجمعة 22 نيسان 1955 في الملعب البلدي. فاتفقنا أنا ومحمد الدبس أن نحضر المباراة في دمشق.

كان الملعب البلدي في منتصف شارع بيروت قبل حيّ كيوان، جلسنا مع الجمهور في الجانب الغربي على بعد أمتار من المنصّة الرئيسة، وفيما كان "جبرا الزرقا" يتقدَّم بالكرة في الجناح الأيمن علتْ هتافات التشجيع ننتظر أن يرسلها قذيفة من قذائفه الصاروخية إلى المرمى مباشرة أو يحوِّلها إلى قلب الهجوم "أواديس" وإذا بعدد من الطلقات النارية يأتي صوتها من جهة المنصّة الرئيسية في تمام الساعة 4:20 بعد الظهر، وتتوقَّف المبارة ورأينا رقيباً أول في شرطة الجيش مصاباً بطلقٍ ناري فاتحٍ ثغرة في حنجرته يحمله اثنان من الشرطة من يديه ورجليه ويمرون من أمامنا. ودخلتِ الملعب سيارةُ إسعاف تشقّ طريقها بين الناس الذين امتلأ الملعب بهم وأخذوا يتماوجون وقد سُدَّتْ جميع الأبواب في وجوههم. انخرطنا فيهم مرغمين تلعب بنا الأمواج البشرية لانرى شيئاً ولا نعرف شيئاً ولم يكن يهمنا سوى أن ننفلت من الملعب ونصل إلى كراج جيرود قبل أن تغادر دمشق آخر بوسطة.

عدنا خائبين لا نعرف من القاتل ومن المقتول حتى وصلنا إلى جيرود وعلمنا من أخبار الإذاعة أن الرقيب يونس عبد الرحيم من الحزب القومي السوري اغتال العقيد عدنان المالكي من قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي. وتمَّ حظر الحزب القومي السوري، وصار أعضاؤه يتخبأون بظلالهم وينكرون انتماءهم إليه. وعيِّن "عفيف البزرة" رئيساً للمحكمة وبدأت سلسلة المحاكمات تذاع على الهواء مباشرة من الإذاعة. كان عفيف البزرة أجشّ الصوت قوي الشخصية وما أذكره من تلك الجلسات محاكمة "الدكتور منير العجلاني" قال له عفيف البزرة "يامنير كيف تقبل أن تشارك في مؤامرة كهذه وأنت عضو في البرلمان، وكنت وزيراً للمعارف في الحكومة السابقة؟" دفع منير التهمة عن نفسه وقال عن الاجتماع الذي حضره مع بعض المتهمين:

- دارهم ما كنت في دارهم.

- كنتَ أستاذنا في كلية الحقوق وكنت تلحُّ على مبادئ الاستقامة والعدالة.

وكانت المحاكمة أشبه بتمثيليات واقعية طريفة ملأى بعناصر التشويق والإثارة.

في نهاية العام الدراسي جمع المدير المعلمين والتلاميذ لإعلان النتائج والإشادة بالمبرِّزين كان أخي فيصل في الصفّ الثاني وكان يتوّقَع أن يحرز المرتبة الأولى كما أحرزها في الصف الأول، وعندما أُعلنت النتيجته أنه نال المرتبة الثانية وقُدِّم إليه الجلاء انفعل وبكى ومزق الجلاء وألقاه على الأرض أمام الجميع وخرج هارباً.

قال لي المدير بانزعاج: "لولا أنه أخوك للقَّنْتُه درساً لن ينساه".

ونجحتْ اثنتان من أخواتي إلى الصفّ السادس وانقطعتا عن المدرسة لعدم وجود مدرسة ثانوية في جيرود. ونجحتْ الصغرى إلى الصف الرابع. أما أنا الذي تشتَّتْتُ بين العمل في المدرسة والدكان ومتابعة المحاكمة وحضور اجتماعات الينبوع الأدبي وممارسة الرياضة فقد رسبتُ مجدداً في امتحان الكفاءة، لكن وقع الرسوب كان أخفّ من ذي قبل لأنه شكلّ عندي نوعاً من بلادة الحسِّ.

في العام الدراسي 1955/ 1956 مضى شهر على بدايته وكلما راجعتُ المسؤول في مديرية المعارف يقول "لا شواغر في القرى المجاورة لجيرود" كانت حاجتي إلى العمل شديدة أدفنُ فيه إخفاقي، كما أن دخل الدكان لم يعد وحده كافياً لتأمين مصروف العائلة.

في غضون الشهر العاشر قيل لي في مديرية المعارف عندنا شاغر واحد في منطقة القنيطرة في قرية اسمها "أم الطيور" على حدود الأرض المحتلة، يقول المتنبي:

وإن لم يكن من الموتِ بدٌّ فمن العجز أن تكون جبانا

وافقتُ ووضعتُ كتاب التكليف في جيبي. في المساء تركتُ الدكان لأبي ليحلَّ محلي مع "ابو زياد" وحزمتُ فراشي بطرد، وبعض الأواني المنزلية بطردٍ آخر ومنها "الصينية المعرقة" التي وافقت أمي على أخذها بشقّ النفس، وجهَّزتْ لي أخواتي محفظة ثيابي. وفي الصباح المبكر تجمهر حولي أخواتي يودعنني. قبلت يد أمي ويد أبي الذي طفرت من عينيه الدموع وانطلقتُ من جيرود إلى "كراج القنيطرة". ركبتُ البوسطة متَّجهاً إلى القنيطرة ملتذّاً بهذه المغامرة مرتاح الضمير لمساعدة الأسرة فإن الحياة لاترحم، منقبضاً لوداع أهلي قلِقاً على أبي. وسرحتُ في فضاء سديميٍّ باهت يتماوج فيه نثار من اللون الزهري وتتفشى فيه سدف الضباب بسدف السحائب يحاكي ما في نفسي من انقباض ورجاء وخفضتُ نظري إلى فيافي الأرض ذات السمرة الداكنة والحجارة السوداء ونهر الأعوج يتلوّى كالأفعوان. وعاد بي الحلم إلى الطفولة أيام المرحلة الابتدائية. أتربّع في باحة الدار وأضع أمامي عدّة السمكري فأصنع ألعاباً من (التنك) لأولاد العائلة وأتمتّع بفرحهم وعربدتهم. ثم أتركها وأضع أمامي عدة الإسكافي أصنع لهم أحذية ما إن ينتعلها أحدهم حتى تتقطّع بعض أجزائها، وقد أضع عدة النجار أصنع لهم ألعاباً خشبية، أو أعدُّ علبة من الورق المقوّى بشكل "صندوق العجائب" يتزاحمون على رؤيتها فأجبرهم أن يتقدموا بالدور، أعرض عليهم صوراً اقتطعتها من بعض الصحف والمجلات أصف لهم الصوة بأسلوب مسجوع كما كان يفعل صاجب الصندوق أنهيها بعبارة "خلص دورك ياسلام" وجهّزت محفظة طبية للإسعاف زوّدتها ببعض السوائل المعقِّمة، وبعض أنواع قطرة العيون وبعض الحبوب الوقائية حصلت عليها من مستوصف البلدة.

ثم رجعت بي الذكرى إلى مرحلة الدراسة المتوسطة أشارك لأول مرة في حياتي بمظاهرة طلابية ضدّ الشيشكلي سدّت آفاق شوارع النبك عندما انقسمت سورية بين الشمال والجنوب وزحفتْ بعض القوات العسكرية من الشمال ورابطت على تلال النبك ومداخلها وقيل إن المدرَّعات تزحف قادمة من القابون وأهالي النبك ساخطون يستنكرون أن تكون مدينتهم ساحة قتال. وتسمع أصواتاً تقول"توجهوا نحو فلسطين وحرروها بدل أن تروِّعوا النساء والأطفال" وبالأمس ازدحمت شوارع النبك ومداخلها الشرقية بالجمهور ينتظرون قدوم الشيشكلي من دمشق ومعه الملك سعود بن عبد العزيز، وجُهز سرادق في ساحة المخرج مزيَّنٌ بالأعلام وصور الرئيس والملك لإلقاء كلمات الترحيب، وهُيِّأتِ الأكباش السمينة للنحر تحت أقدامهما وكُلِّفَتْ مجموعة من الطلاب الرياضيين بالجري أمام الموكب من مدخل النبك. لكن الموكب تابع طريقه ينزلقُ كالحوت الأصم تشعُّ منه (نياشين الرئيس) فارفضّ الجمع كسيفاً وبخاصة الذين نظموا تلك التظاهرة من زعماء حركة التحرير العربي التي أسسها الشيشكلي.

في القنيطرة ركبتُ بسيارة "واسط" قبل الغروب على أن توصلني مع بعض الركاب إلى "أم الطيور" وما إن تحرَّكنا باتجاه المنصورة حتى تشابكتِ الغيوم وأخذتْ تعربد وتنير الدنيا بلمعان البرق المتوهّج، وأخذ المطر يتساقط على الأرض مدراراً يرسم دوائر مائية يكشفها لمعان البرق الفضيّ، وأحاط بنا إطار مدلهمّ يمزجنا برشيش المطر مختلطاً بجعير محرك السيارة، وومضات البرق تكشف بعض الأبقار الجولانية (العكش) التي تغتسل بالمطر بجوار الزرائب وترى أفواهها مفتوحة فتدرك أن خوارها يضيع سدى.

وبدأ رجع السيول يملأ الطريق وأحياناً يُضيّع معالمها فيترجل المعاون وبعض المتطوعين يتقدّمون السيارة يكشفون الطريق بالعصيّ الطويلة حتى وصلنا إلى مكان توقَّفت فيه السيارة وقال السائق بأسف "لم أعد أستطيع التحرك ياشباب فمن شاء منكم الذهاب فليذهب" وأطفئتْ أنوار السيارة وتسلل الركاب منها يخفضون رؤوسهم اتقاء المطر والريح المتقلبة ويندسون في الظلام. بقيتُ وحدي مع السائق والمعاون اللذين التفّ كل منهما بثيابه ولبثا صامتين. ليتني اشتغلتُ في جيرود بالفاعل مع دخل الدكان خيراً لي من هذه المغامرة الأكثر فشلاً من التهوّر. وتماهيتُ في المطر والظلام حتى نبهني صوت من أحد الفَعَلة في خِيَم (النافعة) القريبة. قال الصوتُ مرتفعاً "محمِّد تعال يريدك أبو فاضل" أجابه الآخر"يا الله جييي" خفق قلبي مرحاً لصوتٍ ذي لهجة جيروديّة صميمية لا لبس فيها. ترجلت من السيارة لاشعورياً وداهمتُ الخيمة أطلّ من بابها القماشي وإذا بإسماعيل فاضل وذيب ذياب وأخيه أحمد وآخرين يتحلقون حول صفيحة ترتفع منها ألسنة اللهب يصطلون عليها ويغسلون أيديهم بالهواء. صاح بي أحدهم "من أنت؟ تفضلْ" فدخلت. فوجئوا بي فوقفوا مأخودين ثم تهللوا ثم عانقوني بحرارة واحداً واحداً ثم أفسحوا لي مكاناً للجلوس "تفضل تفضل تفضل" شعرتُ كأنني قضيت على التتر والمغول. قلت:

- أمتعتي لاتزال في السيارة.

- اجلس اجلس.

وأرسل ابو فاضل اثنين لإحضارها وقال "الآن ياشباب طاب السهر حتى الصباح. غداً لا عمل في هذا الجوّ العاصف. تعالوا نشوي اللحم ونعدُّ سفرة العرق" وفيما توزعوا العمل وإعداد السَّلَطة قال أبو فاضل "عندنا سرير شاغر حياك الله" ودارتِ الكأس. وبدأ خالد بالميجانا ونحن نردّدُ معه وصاح ذيب بصوته القويِّ الجميل "أوف" وهبّتِ القلوب تثير الآهات اللاهبة وافتتح ذيب "العتابا" يتبارز مع أخيه خالد ثم تحولوا إلى "الروزنا" ثم "على دلعونا" ثم "جملو جملو ياجملو" يرافقها الرقص بالأيدي كان خالد يصبّ كؤوس العرق فقلَّل في كأس ذيب لاشعورياً وأكملها بالماء فصاح به ذيب غاضباً "قتلتها الله لايعطيك العافية" فذكرني ببيت الأعشى:

دامتْ سهرتنا حتى الصباح وكانت جزيرة خضراء في حياتي. نمتُ على سرير حديدي ونهضتُ على صوت سائق السيارة يناديني وإذا بأشعة الشمس تمتدّ عبر ثقوب السحائب التي راحت تتمزق وتتلاشى. قال"نحن الآن جاهزون للذهاب إلى أم الطيور.

دخلنا أم الطيور بعد الغروب. دورٌ متناثرة غرفها مفتوحة على الخلاء وهبَّ شابان لاستقبالي، حملا الأمتعة ومشيا إلى دار على أطراف القرية قال أحدهما "هذه دار المختار أبو يعقوب" وأشار إلى غرفة في صدر الدار قائلاً "هنا يسكن المدير الأستاذ عطية" ونقر الباب قال صوت عطية "ادخل" فأجابه أحدهما "معنا الأستاذ الجديد ففتح عطيةُ الباب متهلِّلاً ورحَّب بي. عطية شاب أسمر وسيم حليق الشاربين مهذب بيد أن تهذيبه لم ينفِ عنه صلابة ابن الجبل في السيماء ونبرة الكلام. قدرتُ أنه مسيحي وقدرتُ من لهجته أنه من قرى جبل الشيخ" قال وهو يشعل "بابور الكاز" ويعد طعام العشاء "هلكتُ وأنا أكتب لمديرية المعارف وأراجعها أطلب معلماً يساعدني وفي كلّ مرة يعدونني ويخلفون". حاولت أن أساعده في إعداد الطعام فأبى قائلاً "أنت اليوم ضيف" بعد العشاء تقاسمنا جوانب الغرفة وهي واسعة بحجم أربعة أمتار مربعة ونافذتها الخشبية الوحيدة تطلُّ على الوادي. قال عطية "غداً أعرِّفك إلى المدرسة وبعد غدٍ سأسافر إلى الضيعة لأمر ضروري وأعود بعد أسبوع " وراح يغني العتابا وأغاني أخرى لنصري شمس الدين وقال لي إنه معجبٌ بصوته وقال:

- غنِّ، نتسلَّى، ألا تحبّ الغناء؟

- أعفيك من سماع صوتي. يمكن أن أجيد أيّ شيء إلا الغناء.

في الصباح اصطفّ التلاميذ في الباحة المفتوحة على كل الاتجاهات. ووقف على رأسهم عريف المدرسة "عويّد" وهو في مثل سني تقريباً وصاح بهم "استارح استاعد" وراح يؤدي معهم "النشيد السوري" همست في أذن عطية مستنكراً:

- أداؤهم كلّه نشاز وأخطاء لغوية.

- لا تدقِّق. سترى الكثير.

تضم المدرسة أبناء أم الطيور وبعض القرى والمزارع المجاورة وهي مؤلفة من ثلاث غرف الصغرى للإدارة والأخريين واحدة للصفين الرابع والخامس يدرسهما عطية ومعظمهم في مثل سني، والأخرى للصفوف الأول والثاني والثالث يدرسهما إمام القرية وهو لاجئ فلسطيني في حدود الخامسة والأربعين أسمر داكن السمرة يرتدي (بنطالاً وجاكيت) ويضع على رأسه كوفية زرقاء مخططة وعقالاً رفيعاً عيَّنَتْه المعارف بوظيفة "سقّاء" براتب قدره خمس وعشرون ليرة، ويمنحه أهل القرية خلال المواسم مبلغاً عن الإمامية وآخر عن التعليم. رحبَّ بي بابتسامة أسوأ من تكشيرة لأنه يرى أنني سأقطع الجانب الأكبر من رزقه وهيبته. لكنه فوجئ أنني تنازلتُ له عن تدريس الديانة للصفين الرابع والخامس وأسندنا إليه (أنا وعطية) الصف الثالث يعلمه في غرفة الإدارة فاطمأنّ لنا. قال لي عطية:

- هذا صلة الوصل بيننا وبين الناس، وهو يؤمن لنا دعوات الغداء عند وجهاء أم الطيور والقرى المجاورة.

- أراك كالمشايخ الذين يبحثون عن الولائم.

- تمزح؟ سترى.

عند انتهاء دوام اليوم الأول اصطف التلاميذ أمام باب المدرسة يشرف عليهم "عويد" والإمام، ورأيت عويد يشير إلى عدد من الطلاب فينصرفون مسرعين بحركاتٍ لم أفهمها. تحركتُ أنا وعطية صامتين ورأيتُه يبطئ الخطا متَّخذاً طريقاً أبعدلم أفهم غايته لكني سرحتُ في الروابي والتلال السوداء التي تضم في حضنها أم الطيور. قال عطية "أكثر من نصف أهالي القرية من التركمان مستواهم أرقى من مستوى الآخرين وأوضاعهم المادية أحسن، لكنهم لايتقنون الكلام بالعربية إلا التلاميذ والذين أدّوا الخدمة العسكرية. وربعها تقريباً من البدو الذين انصرفوا إلى العمل بالزراعة والربع الآخر من اللاجئين الفلسطينيين" وأشار إلى الغرب قائلاً "هنا تحتنا بحيرة الحولة وكلها واقعة في الأرض المحتلة".

وصلنا إلى البيت فألفينا "عويد" ينتظرنا ورأيتُ بضعة أرغفة من تلك السميكة، وبضعة أطباق من اللبن، وبضع بيضات، وأشار إلى الغرفة والمصباح قائلاً "نظيفة" وإلى جرة الماء "ملأى. هل تريدون شيئاً آخر" فأشار له عطية أن ينصرف. سألتُه:

- من أين كل هذا؟

- من أهل التلاميذ.

- أليس عيباً علينا؟

- هل عندك حلُّ آخر؟ لا أحد يبيع لقمة طعام في كلّ هذه المنطقة.

- وما اهتمامك بالمآدب؟

- لنأكل لقمة طبيخ بين حين وآخر على الأقل حتى لاتجفّ معدتنا وأمعاؤنا. إنها الحياة التي تختارنا ولا نختارها يا صديقي. إنه ناموس الكون الذي ترى أنك فيه حبّة رمل.

وتابع عطية وهو يشعل موقد الكاز (البابور) ويهيئ بعض الأواني "الأهم ياصديقي أنه مفروض علينا أن نكون مرنين رغماً عنا. سأطبخ الآن حب الفاصولياء مع ربّ البندورة ولكن بالزيت بلا لحم وبلا أرز معه" يقال في جيرود إن أطيب الطعام هو طعام البرية، هذا كان شعوري وأنا أشارك عطية بالتهام الطعام.

في اليوم التالي كنت وحدي المدير، وفوجئت بأثلام وبقع حمراء مدماة على رؤوس عدد من التلاميذ القادمين من القرى والمزارع المجاورة. سألتهم عن السبب قالوا إنهم يثبتون شفرة الحلاقة بعود ويبلّون رؤسهم بالماء ويحلقون بلا صابون حتى لايُطردوا من المدرسة.

تقف حائراً أمام هذه الظاهرة: أتسخر؟ أتشفق؟ أم تعجب بهذه اللهفة وهذا الحرص على متابعة الدراسة؟ يقطعون المسافات بين الأشواك والصخور المدببة حفاة لايثنيهم هجير الصيف ولا عواصف الشتاء عن حضور دوام المدرسة. إنها طفولة مسحوقة من وجهة نظر مَن يراقبهم لكنها عندهم طفولة (بطولية أو رجولية) يفرضون عليك قسراً أن تحبَّهم وتحترمهم وتعمل بكلِّ ما في وسعك لتعليمهم والأخذ بيدهم.

أشيع في القرية منذ اليوم الأول أنني "المعلم الشركسي" وما كان هذا ليبهجني أو يزعجني وأنا لا أعرف شيئاً عن الشركس سوى أنهم مهذبون محتَرمون وشجعان ولكن ليست لي خِلطة بأحدٍ منهم سوى أنني أشترك معهم باللون الأشقر هذا اللون الذي ورثته عن أبي، نفيت النسبة عن نفسي فاستغربوا وظنّ بعضهم أنه هروب لأسباب غامضة حتى مرَّ بالقرية عسكريٌّ شركسي بالمصادفة فقاده عويد ومعه شخص آخر لزيارتي. دخل الرجل وحياني بكل تهذيب وأحسّ بالبداهة من كلامي أنني لستُ شركسياً، قدمت له الشاي وما إن أنهى الكأس حتى قام وانصرف، ويبدو أنه أفهم عويد ومن معه أنني لستُ شركسياً، قال لهم "هذا دمشقي" ورغم ما لأبناء العاصمة من رهبة، لكنّ بعضٌ من الشبان وبخاصة من أدوا الخدمة العسكرية يسمعون أن الدمشقيين "مرفّهون خُوَّفٌ" وفي ردة فعل ريفية توكيداً للذات وتحدياً للواقع زارني بعض الشباب وقالوا إن الوادي الذي تطلُّ عليه النافذة الخشبية مليء بالضباع والذئاب وحذروني منه، قالوا "اترسه بحجر كبير ويفضل باثنين حتى لا يسطوا عليك الوحش" قلتُ متجاوباً معهم وقد أدركتُ مايرمون إليه:

- وكيف أتصرّف؟

- إذا سمعتَ خربشة نادِ بأعلى الصوت على المختار أبو يعقوب وعلى ابنه يعقوب كي ينجدوك.

أطرقتُ أفكِّر أن هذه الصورة تتكرّر في جميع الأرياف، وتوقَّعتُ أن يداهموني ليخيفوني وعندما يسمعون صوتي أستغيث يطيرون من الفرح. وفيما همّوا بالانصرف عرض عليّ أحدهم على سبيل المجاملة الماكرة:

- أتريد أن ينام عندك أحدٌ منا؟

- إذا صار ما صار عندي يعقوب وأبو يعقوب.

فانصرفوا تمسح وجوهَهم ابتساماتُ انتصار ماكرة. وضعتُ المصباح على المصطبة الجانبية وغرقتُ في القراءة. بعد دقائق سمعتُ نقراً على النافذة فتحتُها لاشعورياً قائلاً "مين؟" فلم أجد أحداً على مدى النظر. أحكمتُ إقفالها وتذكرتُ تحذيراتهم فتسللتُ من الغرفة وصعدتُ إلى السطح عبر جدار خفيض وراقبتُ خلسة فوجدتُ اثنين أحدهما على باب النافذة وآخر يقف وراءه يقول هامساً "اضرب الباب بالحجر ضربة قوية. هيا أسرع إنه الآن يموت من الخوف" وتطامن وراءه لاطياً إلى الجدار. فحملتُ قطعة (كَدَر) كبيرة وأهلتُها على الذي يتربَّص بجانب باب النافذة فانجذب وقال لرفيقه غاضباً:

- لماذا تضربني؟

- أنا ماضربتُك.

- بل ضربتني كسر الله يدك ياتيس ياكلب.

- أنت كلب وابن كلب.

وفيما أوشكا أن يشتبكا في الشجار قلتُ من فوق "أنا الذي ضربتك" شهقا ورفعا رأسيهما مأخوذين. ترجلتُ عن السطح ودعوتهما إلى الغرفة فدخلا يحسان بالخزي. سألني أحدهما:

- من أين أنت؟

- من محافظة دمشق.

- من أي منطقة من أي قرية؟

- من القلمون. من قرية يأكلون رأس الحية (استعرتها من صهري عبد الحميد) قرية سقط فيها ثمانية قَتلى لأن شاباً وجه ضوء مصباح يدوي (بيل) إلى وجه فتاة.

- ما اسمها؟

- جيرود.

قال أحدهما متهلِّلاً لاهفاً:

- هل تعرف النائب الأول محمود كنعان؟

- طبعاً.

- كان آمر حضيرتي في العسكرية. أنا اسمي طلاع.

فانعقدت بيني وبين طلاع صداقة. خرجنا نتمشى نحو التلّ وصعدنا نشرف على "أم الطيور" الغارقة في الظلام إلا من مصابيح تبدو محملقة بضوء خافت. بيوت تؤوي أحلاماً سائبة وأحلاماً مجنّحة وآهات وزفرات وهموم... والجميع بين نائم أو هامٍّ بالنوم وككل قرية صمت وهدوء وهواء نقي ونباح كلاب متقطع، جلسنا على صخرة مدببة من جانبها الأملس صامتين. قلتُ لطلاع:

- حدثني عن نفسك طلاع.

- أنا من أصل بدوي جاء جدي إلى هنا وتفلّح. لم يكن يملك روحاً واحدة من الماشية كان يعمل راعياً عند الآخرين.

- وأنت أنت ماذا تعمل؟

- على باب الله في الزراعة في رعي المواشي. مستورة والحمد لله.

ودخلت عالم القرية من خلال طلاع، وعرفتُ الكثير من أسرارها وخفاياها.

كان عطية غائباً فأحضرتْ لي الماء ذات مساء فتاة سمراء ناشفة البشرة بسبب عوامل الطبيعة. سألتها:

- ما اسمك؟

- ظبية.

- تركمانية؟

- جدي كان بدويّاً.

راق لي اسمها وبدا أنها تحاول أن تستفِّزني بكلمات مقتضبة فيها دلع البنات ذاك الدلع البرّي غير المشذب الذي فيه رائحة الطبيعة البكر كهرة غبراء سلسة تخفي مخالبها، وهي ككلِّ امرأة قادرة بأقل قدر من الوسائل أن تثير الرجل كأن تلعق شفتها السفلى الخمرية وتتلوّى بثوبها الأسود الفضفاض وتطلق آهة هامسة تبدو قسرية ولست أدري كيف وجدتُ نفسي أحتويها بين ذراعيّ أحس لأول مرة في حياتي أن بين يديَّ امرأة حقيقية من لحم ودم لا حلماً ولا وهماً، وأحسّ أن قلبينا ينبضان بإيقاع واحد متّسق وأختلس قبلة كدبيب نملة من خدِّها الكالح فأجدها تذوب بين يديّ كتلة عجينية يشعّ منها الدفء فانجذبت متراجعاً ملتهباً أدير ظهري وأغمضْ عينيّ هارباً من الواقع إلى الحلم. فسمعتُ هفهفة ثوبها وهي تغادر الغرفة برشاقة ظبية اسماً على مُسمّى. ورحتُ أحلم بظبية زوجة وأخطط كيف أقدمها لأمي وأتوقّع أن تبادرني أمي قائلة "أنت هوائي متقلّب تحب واحدة وتتزوج أخرى" فأقول في نفسي "عصفور واحد باليد ولاعشرة بعبّ الشجرة" سألت طلاع عبر حديث عارض:

- مارأيك بظبية؟

- فلتانة تجلس مع الصبية بين الصخور في الخفاء جلسات رذيلة.

- وحدها؟

- هي وبعض رفيقاتها.

- وهل..؟

- لا لا هذا أمر آخر لا أحد منهم يجرؤ أن يمسّ الآخر.

وجدتني على أبواب موقف انتهازي أُغلق في وجهي من تلقاء نفسه. وعاد طيف بديعة يتعرض لي فأخرج إلى ظاهر القرية وأتمشّى بين الصخور أردد بعض أغاني عبد الحليم حافظ بحرارة وشغف "في يوم من الأيام - في يوم في شهر في سنة" حريصاً أن لايسمعني سوى الهواء. خالد حمد من أصدقاء الطفولة في جيرود ذهب إلى القاهرة مع أحد أقربائه فأهداني كتيِّباً بأغاني عبد الحليم حفظتُ معظمها.

ذات يوم التقت عيناي مصادفة بعيني فتاة شقراء خضراء العينين في أحد أزقة القرية ترتدي لباساً متميِّزاً جعلتني أحس بها عن كثب وأحس أنها أحسَّتْ بي. أسبلت جفنيها الكثيفين باستحياء وتابعت طريقها مثل هبة نسيم منعشة. قال لي طلاع إنها من أسرة تركمانية غنية وقال إنها سألته عني "أهو شركسي؟" فقال لها لا وقال إنها تتمشى كلّ يوم وحيدة على أطراف القرية "تشمّ الهواء" وتعود إلى دارها.

- مااسمها؟

- جُلنار (الجيم مصرية).

- ماذا يعني بالعربية؟

- لا أعرف لكني الآن سأعرف وأخبرك.

كنا جالسين على صخرة تطلّ على بحيرة الحولة قام طلاع وأوغل في القرية وامتدّ نظري إلى تلك السهول والروابي والجبال التي ابتعلتها إسرائيل. رأيت سيارة تعبر طريقاً فأحستُ بالدم يغلي في شراييني غلياناً وأحسستُ بالقهر ولاحت لي صورة اللذين استشهدا في حارتنا عام 1948 أبوزهير وأبو حسن وأغنية سهام رفقي الحماسية "يافلسطين جينالك" فأردِّدُ بأسى "يافلسطين هربنا منك وتركناك لأعدائنا" وإذا بطلاع يجلس إلى جانبي هامساً "معنى اسمها زهرة الرمان" لقد جذبني اسمها الجميل الساحر أكثر من شكلها وتمنيت أن يكون المضمون أجمل. صرتُ أترصّدها وأمرّ في مواجهتها كي أراها وتراني وأقصى مانلته منها نظرات عابرة نتبادلها وشيئاً فشيئاً صارت تزيِّنها ابتسامة رقيقة كومض فراشة. صرتُ أحلم بها زوجة ثم زجرتُ نفسي على هذا التهالك.

طُرد محمد بكار من دار المعلمين الابتدائية في دمشق بسبب تكرار الرسوب وأشاع ان السبب هو اشتراكه بالمظاهرات. وعُيِّنَ بوساطة عمه "مساعد رئيس ورشةً" في النافعة مع أبي فاضل على طريق واسط وصار يزورني بين فترة وأخرى، وبعد أن أفرغتُ له كلَّ مافي جعبتي قال مازحاً:

- يبدو أنك ستتزوج كل امرأة تبتسم في وجهك.

- لاتسخر. كن جاداً.

- لقد أصبحت شديد الحساسية وهذه طبيعة العاشق.

- محمد. قلتُ لك كن جاداً.

- الحقيقة بما أنك إنسان شريف لاتفكر بعلاقة عابرة خادعة مع البنت فتكون جاداً وتفكر بالزواج.

غاب عطية أسبوعين وعندما عاد صرت ألبي دعوات الغداء التي كنت أعتذر عنها، نتغدى نشرب القهوة المرة ونعود إلى غرفتنا قال عطية "لولا هذه الدعوات نجد أننا منعزلون متقوقعون. وأنت من هواة الكتابة يجب أن تغني تجربتك مع الناس خاصة غداً"

في الغد كانت جلسة بين عائلتين للاتفاق على المهر، وتفاجأت أنهم يتفقون على المبلغ ثم على مايقابله من البقر لأن والد العريس لن يدفع نقوداً وهنا تبدأ جلسة جديدة للاتفاق على كمية البقر ونوعها كما أسمع "بين ثور عمّال وبقرة رغوث أو معشّرة" ولكلِّ سعره، الثور العَمّال هو القادر على الحراثة، والرغوث هي الحلابة. إنها صفقة عجيبة بين أبوين كأي صفقة بيع وشراء وتُزَّفّ العروس إلى دار أهل زوجها بثيابها كما هي.

زارنا الرقيب نعّوم من أقرباء عطية يبلِّغ الناس للعمل "سخرة" في تعبيد الطريق العام، وحدثنا أنه اكتشف أن المختار يتلاعب بالأسماء فشكّل لجنة من ثلاثة أعضاء. كان يمشي بين الناس فيتهيّبون من رؤيته، وصاروا يتهيَّبون من عطية ويحاولون أن يتوسَّطوه لإعفائهم من السخرة لأسباب غالبيتها ملفّقة لأن عقدة حاجبي نعّوم لاتفكُّها رائحة الرغيف الساخن "كما يقولون" وإذا تجرّأ أحدهم وحاول أن يستعطفه يقول بحدة "الطريق لكم ياتنابل"

وجاءت عطلة الربيع فغادرنا أم الطيور أنا وعطية في الصباح المبكر. راجعتُ محاسب المعارف واستلمت منه راتب ثلاثة أشهر ثلاث مئة وعشر ليرات اشتريت بعض الهدايا فاستقبلني أخي وأخواتي عند باب الحارة، وتأبَّطتْن ذراعيّ. أعطيتُ أمي مئتا ليرة ودسستُ في جيبي مئة، وفوجئتُ أن أبي وأبو زياد فسخا الشراكة. قالتْ أمي "كلاهما عصبي سرعان ما اختلفا وقاما بتصفية الدكان، ففتح أبو زياد دكاناً في داره "المجاورة" زرته فرحب بي وتهلل وعندما سألتُه عن السبب حرّك رأسه يمين يسار وفتح علبة معدنية صغيرة وقدم لي قطعة سكر بروح النعنع.

زفّ لي سعيد خبراً مدهشاً قال إنه يَشيع على أفواه الناس في جيرود وهو أن نبكيّاً اسمه "أبو تيسير" نزل ضيفاً على حسن زوج خالة أمه بعد جنيِ الموسم فوضع على مرأى عينيه عشر "قطع" مئة ليرة بين أوراق دفتر عادي وضعه في مكبس وطلب منه أن يقفل عليه في صندوق لا يفتحه إلا بعد أربعين يوماً بالساعة والدقيقة، فيجد كل قطعة مئة صارت عشر مئة وحذّره "إذا بحت بهذا السر لأحد خسرتها كلها" وقال له "سآتي لآخذ حصتي فإذا تأخرت عليك احتفظ لي بها" فتح حسن الكيس في موعده فلم يجد شيئاً. كان أبوتيسير يأتي إلى باحة ثانوية القلمون أثناء الفرص ومعه صندوق "البويا" يمسح الحذاء بخمسة قروش ويمارس ألعاباً مذهلة. يأخذ من واحدنا قطعة الخمسة قروش أو العشرة ويلقيها أمامنا بعيداً ثم يخرجها من أذنه، وكان يغيب أحياناً فيقال إنه يجول في القرى يبحث عن صيد.

ألفيتُ جدتي في زيارتنا وحولها عدد من النساء اللاهفات الكسيرات تصف لهن أدوية للحبل، كانت جدتي كلما ركبتْ في السيارة تصاب بالغثيان وتفرغ ما جوفها وكان على من يحضرها من النبك إلى جيرود يتحمل منها الكثير، وكانت إذا شمّت على بعد أمتار رائحة الفحم وهو يتحوّل إلى جمر تربط رأسها وتنزوي تكابد ألماّ شديداً.

انتهت العطلة وعدتُ إلى أم الطيور أحمل معي هدية لجُلنار من الزبيب (الدربلي) الأشقر الطريّ ذي الحبات الكبيرة الذي لايُعرف إلا في جيرود. وضعتها في طرد صغير أنيق ووضعتُ فيه قارورة عطر وصرنا نلتقي يومياً نتمشى بين الصخور على أطراف القرية متوارين عن عيون الناس.

عقدت حواراً ماكراً فضفاضاً مع طلاع في جلسة صفاء على منعرجات أم الطيور سألته:

- ما معنى كلمة أم الطيور قريتكم بالتركمانية؟

- يقولون طورانج

- كم عمرك طلاع؟

- ثمانية وعشرون عاماً.

- متزوّج؟

فغرق في الضحك ثم تمالك نفسه قائلاً:

- من أين لي بالفيد وهو يكسر ظهور من كانت جيوبهم ملأى وأنا على باب الله؟

- الفيد؟

- أنتم تسمونه المهر.

- طلاع. أنا أفكر بالزواج من أم الطيور. مارأيك؟

انجذب متفاجئاً ثم قال بنبرة تحذير مبطنة:

- أهل أم الطيور لايغرِّبون بناتهم.

قلت لاهفاً لهفة قسرية صادقة:

- أتمنى أن أتزوج جُلنار.

- أنا أرى مشاويرك معها.

- ما كنت أظنّ أن أحداً يرانا.

- عيون الناس في قريتنا مثل أنوف الكلاب وجُلنار وردة محاطة بالأشواك وحواليها البواريد والخناجر احذر على كل حال.

الحذر؟ لولا المغامرة لما كان في الدنيا حب. جنحنا أنا وجلنار إلى مكان منعزل بعيد وجلسنا على صخرتين متقابليْن أحسسنا أنهما أكثر حميمية من لهفة أمّ وارتفع بيننا وبين العالم سدٌّ عاتٍ كسور الصين. رغم هذا كان حوارنا راجفاً وبعث القلق فينا متعة كطعم العرق أغراني نور الدين أن أتذوّقه مرة في جيرود فكوى فمي لكنه بعث فيّ النشوة. سألتها:

- جلنار. أتمنى أن أتزوجك فما رأيك؟

- أدفع نور عيني ثمناً لهذا الزواج.

- سلامتك ولكن هل تدلينني على الحلّ؟

- أنت رجل وعليك إيجاد الحل.

- تتوقّعين أن يرفض أهلك؟

قالت بلوعة وعينين دامعتين:

- نعم. نعم.

- دعيني أحاول معهم.

- حتى يمنعوني من الوقوف على النافذة.

- يعني تهربين معي؟

- ونعيش مطاردين؟

وإذا بطلاع يهبط علينا فجأة لاهفاً مذعوراً يقول:

- إذهب حالاً إلى أقرب طريق، وخذ أول سيارة ذاهبة إلى الشام.

- وجلنار.

- اتركها بحالها.

- وأمتعتي؟

- روحك هي الأهم.

في دمشق وجدتُ نفسي أركب باص النبك من حيث لاأشعر وعلى كتفيَّ ثلاثٌ: بديعة حبي البكر غاضت في أعماقي، وظبية قبلتي الأولى ودعتها بلا وداع، وجُلنار الطيف الحزين الذي طفا على سطح أحلامي. هربتُ إلى النبك من نفسي ولو كان من أهل جولنار لهربتُ إلى جيرود حصني الحصين.

ثلاثُ تجارب. ثلاث عمليات جراحية بعثرتْ أشلائي وعجزتْ عن جمعها ولأْمِ جرحها. ولستُ أدري أأسخر من نفسي أم ألومها أم أشفق على خيبتها؟ وهل ماحلّ بي فشلٌ أم إفراط في الحساسية؟ ولماذا هذا التهافت على البنات والتفكير بالزواج وأنا في أول الطريق مازلت غير قادر على وضع حجر الزاوية في بناء نفسي بل ملزمٌ بالمساهمة في إعالة عائلة راعيها أبٌ ينهكه المرض وأنا رجلها وملاذها المفترض مذ كنتُ صبياً. أينتابني من حيث لاأشعر إحساسٌ نابٍ بالفحولة يحاكي إحساس الحيوانات؟ وجدتني أزجر نفسي ألومها ضائعاً ضلّيلاً في طريق لانهاية لها بلاهدف بلا خيارات بل تضاءلتْ أحلامي وآمالي إلى قبلة وغمزة عين؟ أم هو شعور طاغٍ بالبحث عن نصفي الآخر لكنه فجّ مقزِّز؟ رغم هذا أجدُني مرتاح الضمير:لم أخدع واحدة منهن، ولا حاولتُ اللعب عليها، ولا امتهان كرامتها، ولا استغلالها.

فوجئتُ بعبد الحميد منطرحاً على الأرض مادّاً إحدى ساقيه تهلَّل لمجيئي ومدّ يده وهو جالس "عزيز ساقي مصابة " وضعتُ بجانبه بعض الحلويات الشامية وسألته بأسى:

- كيف؟ لماذا؟ متى؟

- أصيبت ساقي في النافعة. وقع عليّ برميل الزفت ومن حسن حظي أنه كان بارداً.

- وقعد بلا عمل.

قالتها أختي بأسى وعانقتني وقبلتني وعبَّرتْ عن سعادتتها لمجيئي بابتسامة حاولتْ أن تكون مصَفّاة من القهر.

- ألم يعطوه تعويضاً؟

- لاشيء. أوقفوا إجرته.

- ألم تراجع الطبيب؟

- بلا طبيب بلا بطيخ. جاءت أم مصطفى وجبرتها وسقتني أعشاباً أزالت الألم عني أتعرف أنا مبسوط لأنني أمشي لقضاء حاجتي وحدي إلا هذه العصا أتوكّأ عليها.

ولوّح بالعصا.

اندفعتْ أختي تقلي البطاطا وطلبتْ من ابنتها أن تعدّ الشاي. خجلت أن أسألها كيف تعيشون؟ لكن مريم من تلقاء نفسها همستْ في أذني قائلة:

- أمي تبيع دمها لمستشفى الدانمرك.

- دمها؟

- هي والكثيرات.

يعتقد الغرب أن الإسلام دين وثنيّ متخلّف فسارعتْ البعثات التبشيرية من أوروبا تحت رعاية الاستعمار الفرنسي إلى سورية ولبنان تتقرب من الشعب فبنت الدانمرك في النبك داراً فخمة للراهبات ومستشفى كان آنئذٍ من خيرة المستشفيات في سورية، وكنا نرى إحدى الراهبات اللائي يشرفن على التمريض تمتطي دراجة نسائية لم تكن معروفة حتى ذاك الوقت في سورية تمر من ساحة المخرج قادمة من المدرسة في شارع السرايا إلى المستشفى في أقصى النبك والغريب في الأمر أن تلك البعثات كما علمنا لم تستطع أن تقنع مسلماً واحداً بالنصرانية، وإنما دخل بعضها الإسلام.

لقد تغيَّرتْ أمور كثيرة في هذا البيت، لكن الثوابت لم تتغير؛ كرم فاطمة واحترام الضيف، ومرح عبد الحميد ولامبالاته يمازح البنات اللائي أخذن يتوافدن وبخاصة أختي بالتآخي (فاطمة) قالت لي إنها انتسبت لمعهد النجاح وإنها تقيم في دمشق وإنها حضرت فيلم رياض السنباطي "على عودي" سألتها:

- كيف رأيته؟

- لقد أظهر رياض السنباطي شآمته في هذا الفيلم.

قال عبد الحميد:

- وهل كان يشارك في حرب الترغل أم يتاجر بالبطيخ؟

أفضيتُ لها بهمومي وخيبتي في علاقاتي مع البنات، خيبة تتكرّر ولا أفهم لها سبباً. قالت:

- حاول أن ترى واحداً من الأدباء واحكِ له عن كلّ شيء ليكتب قصة حياتك.

- يا له من حلّ كالجائع يوصف له حساء النخالة ليعصمه من الإحساس بالجوع.

- حساء النخالة؟

- هذا ماقاله الجاحظ في كتاب البخلاء.

ورأيتُ أختي فاطمة تربط رأسها وتنعكف في الزاوية قائلة "ثار عليّ رأسي" فقال عبد الحميد معقباً:

- وجع الرأس هو الشيء الوحيد الذي ورثته أختك من جدتها.

شعرتُ أن كوابيس الأسى تطبق عليّ أينما توجّهتْ ولم أجد منفسحاً إلا بديعة. قضيتُ يومين في النبك أتمشى صبحاً ومساء أمام دارها رغم أن نوافذها مقفلة، وأنا أعلم أنها مع أهلها في دمشق وأن أحلامي عجفاء لاطعم لها، بيد أن الحلم الأعجف خيرٌ من الاستسلام إلى اللاشيء. النملة تحمل حبة القمح التي تساويها بالحجم وتنقلها إلى جحرها على مسافة طويلة.

في جيرود تكاثرتْ عليّ الأسئلة كيف أترك العمل قبل انتهاء العام الدراسي ولم يكن عندي سوى ذريعة واحدة هي الاستعداد لامتحان الكفاءة. وعندما سألتْني أمي:

- وأمتعتك؟

- سأعود في العام المقبل إلى أم الطيور.

- قلبي يقول لي إنك تكذب وكم يبدو هذا مؤسفاً.

ولطمتْ وجهي مفاجأتان؛ امرأة عمي تبارك توفِّيت. حزنت عليها حزناً مؤلماً فقرأتُ لها الفاتحة ومسحت دمعتين نفرتا من عينيّ. رُوِيَتْ لي حادثة لم أنسها منذ كنت طفلاً في الأشهر الأولى من عمري مُلقى على ظهري عارياً بجانب المعجن فانطلقَ مني خيط من البول لوّثَ جانباً من العجين، وفيما ثار النقاش والاستنكار اقتطعت امرأة عمي قطعة العجين التي أصابها الرذاذ وخبزتها وأكلتها.

والمفاجأة الثانية أن أبي باع المهرة، انتفضتُ اضطربتُ فقالت أمي تواجهني "باعها لنتفضفض بثمنها فإذا كان لك رأيٌ ثانٍ افتح كيسك" أحسستُ أن جانب الفروسية انهار من نفسي. صرتُ أجلس في البيت القبلي أفتح الكتاب فلا أرى سوى مهرتي الدهماء وعيني جُلنار الخضراوين أردفها خلفي وأهيم بها في البادية، وأتخيّل شبح الفضيحة ووجوه أهلها المتجهمة فأنجذب "لعلهم يبحثون عني".

رحلت إلى المزرعة وجهّزت البندقية والخنجر ورابطتُ متأهِّباً لأية معركة. وهل تراهم أكثر وحشية من أهالي جيرود؟ قال لي خالد وهو صديق يكبرني بعشر سنوات هادئ متزن:

- أين المشكلة مادمتَ لم تأخذ (وجهها) ولا خطفتَها. العائلات المحترمة تكتم مايشاع عن بناتها خشية الفضيحة. لمَ أنت خائف؟

- بل قلق.

- لمَ القلق؟

- أنت تعرف أنني لا أملك شيئاً بالدنيا إلا سمعتي؟

- ولكنني أرى أن ما حكيتَه لي يؤكد تمسّكك بالشرف.