10 آب أغسطس

10 0 00

جلس الأمير كونيللي ذلك النبيل الثري الغريب الأطوار أمام مكتبه الضخم كان في السنوات الأخيرة مصدر فخره وخيلائه ، كان هذا المكتب العظيم قد صنع خصيصا له وفق إرشاداته وقد كلفه مبلغا طائلا وروعي في ديكور الغرفة أن يبرز فخامة المكتب ، وكانت النتيجة منظرا يبهر الأبصار ولا يشوهه سوى وجود الأمير كونيللي ذلك التافه القصير القامة الذي ينكمش حجمه بالقياس إلى ضخامة المكتب فبدا أشبه بالأقزام ، .

دخلت سكرتيرة رشيقة يتناسب لون شعرها الأشقر مع لون الغرفة فسارت على الأرض اللامعة دون أن تحدث صوتا ووضعت أمام الأمير قصاصة من الورق فنظر إلى الورقة وغمغم قائلا : ماكويرتر ، من هو ؟ هل كان معي على موعد ؟

فأجابت الشقراء بالإيجاب ، ففكر الأمير قليلا ثم لمعت عيناه فهتف : ماكويرتر ، بالتأكيد دعيه يدخل .

وضحك وأحس براحة نفسية .

اعتدل الأمير في جلسته وصعَّد في الزائر بنظراته وتفرس في وجهه العبوس ثم سأله : هل أنت ماكويرتر ؟

فأجابه ماكويرتر وهو منتصب القامة مقطب الجبين : نعم .

- هل كنت تعمل مع هيربرت كلاي ؟

- نعم .

فضحك الأمير مرة أخرى وقال : إنني أعرف عنك كل شيء ، لقد سُحِبَت رخصة قيادة هيربرت كلاي لأنك رفضت أن تشهد بأنه كان يقود سيارته بسرعةِ 30 كيلومترا في الساعة ، إنه يتميز غيظا منك .

وواصل ضحكه بصوت مرتفع واستطرد يقول : إنه روى لي القصة كلها ، في فندق سافوي إذ صاح بصوت غاضب : لقد حاولت عبثا أن أقنع الأسكتلندي العنيد بأن يؤيد كلامي . فهل تعرف ما خطر لي عندما سمعت القصة ؟

- ليست لدي أي فكرة .

وكان ماكويرتر يتكلم بإيجاز وبشيء من الجفاء ، ولكن الأمير لم يُقِم لذلك وزنا وقال : قلت لنفسي هذا هو الرجل الذي أريده ، رجل لا يحيد عن الصدق مهما كانت المغريات ، اصغِ إلي يا ماكويرتر إنك لن تضطر للكذب من أجلي لأنني أعمل في وضح النهار ولا أخفي شيئا ولقد كنت دائما أبحث عن أناس أمناء ، ولكن ما أقلهم في هذه الدنيا .

ثم كف عن الضحك وتفرس في وجه ماكويرتر مرة أخرى وقال : إذا كنت تريد عملا يا ماكويرتر فلدي عمل لك .

- إنني أُرحب به .

- عندي لك وظيفة مهمة يجب ألا يشغلها سوى رجل أمين يمكن الوثوق به ، .

وصمت الأمير وانتظر رد ماكويرتر ولكن هذا الأخير لزم الصمت .

فصاح الأمير : تكلم يا رجل هل أستطيع الاعتماد عليك ؟

وأجاب ماكويرتر بجفاء : بالتأكيد تستطيع ، وهل تتوقع أن أقول غير ذلك ؟

فأعجب الأمير بجديته وقال : سأسند إليك هذه الوظيفة ، هل تعرف أمريكا الجنوبية ؟

وأخذ يتحدث في التفاصيل ، وبعد نصف ساعة كان ماكويرتر يسير في الشارع وهو يعد نفسه المرشح الوحيد لوظيفة مهمة ذات مستقبل عظيم ، لقد ابتسم له الحظ أخيرا بعد طول عبوس ، أما هو فلم يبتسم رغم أن تفصيلات لقائه مع الأمير كانت تبعث على الضحك .

أليس مما يُضحك أن تكون شتائم مخدومه السابق وحملته عليه هي جواز المرور إلى عمله الجديد ، لا شك إنه إنسان حسن الحظ ولكن ما أهمية ذلك ، لقد آل على نفسه أن يعيش ولكن بلا حماسة أو اهتمام سيعيش ليومه دون أن يلقي ببصره إلى غده ، إنه حاول الانتحار منذ سبعة أشهر ونجا من الموت بمحض المصادفة ولكنه الآن ليس على استعداد أن يكرر المحاولة مرة أخرى ، إن الإنسان لا يستطيع أن يقتل نفسه لمجرد إحساسه أن الحياة لم يعد لها معنى ولا قيمة إنما يقتل الإنسان نفسه حين يبلغ به اليأس المدى بل ويتجاوزه ، لابد من القشة التي تقصم ظهر البعير ، بيد أنه أحس بالارتياح بصفة عامة لأن وظيفته ستبعده عن إنكلترا لذلك فقد قرر أن يبحر إلى أمريكا الجنوبية في نهاية شهر أيلول ولذلك فلابد أن يقضي الأسابيع القليلة التالية في الاستعداد للرحيل والتعرف على دقائق عمله الجديد وسيبقى له قبل الرحيل أسبوع للراحة فأين يقضيه ؟

هل يقضيه في لندن أو خارجها ؟ وصح عزمه على أن يقضيه في سولت كريت ، في المنطقة التي أقدم فيها على الانتحار وارتسمت على شفتيه ابتسامة حين خطرت له هذه الفكرة .