بعد نحو نصف ساعة كان العقيد روبرت ميتشل يتحدث إلى ليتش بلهجة جدية : قائلا : من الواضح إن الجريمة قد ارتكبها شخص أو أشخاص من المقيمين في القصر ، إذ لا يوجد أي أثر يدل على سطو من الخارج كانت جميع النوافذ والأبواب مغلقة في الصباح .
ثم التفت إلى باتل وقال : إذا اتصلت بأسكتلانديارد فهل تظن أنهم يوافقون على إعارتك للتحقيق في هذه القضية ، إنك موجود في المنطقة فعلا ، ثم إن هناك صلتك الوثيقة بالمفتش ليتش فإذا وافقت فسيكون معنى ذلك إنهاء إجازتك .
قال باتل : لا مانع لدي يا سيدي وحسبك أن تتصل بالسيد آتجار كوتوني مدير أسكتلانديارد إنه صديقك أليس كذلك ؟
- بلى ، وأعتقد أني أستطيع إقناعه ، سأتصل به .
- هل تظن أنها ستكون قضية مهمة يا سيدي ؟
- مهما سيكون أمرها فإنني لا أريد أن يحدث أي خطأ في سير التحقيق أو في توجيه الاتهام .
وقف باتل وليتش بباب المخدع الفخم وبداخل المخدع كان أحد ضباط الشرطة يفحص البصمات على مقبض مضرب للجولف ملوث بالدماء وقد علقت به بعض شعيرات بيضاء ، بينما إنحنى الدكتور لازنبي طبيب شرطة المنطقة فوق جثمان السيدة تريسليان .
وأخيرا اعتدل الطبيب وقال :إنها ضُرِبت من الأمام بقوة فهشمت الضربة الأولى الرأس وأحدثت الوفاة ولكن القاتل استمر يضرب للتأكد من القضاء عليها .
فسأله ليتش : ومتى حدثت الوفاة ؟
- بين الساعة العاشرة ومنتصف الليل .
- ألا تستطيع تقريب المدة الزمنية ؟
فأجاب الطبيب : إذا وضعت جميع العوامل في الاعتبار فإنني لا أستطيع أن أقول سوى أن الجريمة قد وقعت في وقت لا يقل عن الساعة العاشرة ولا يتجاوز منتصف الليل .
- وهل أداة الجريمة هي هذا المضرب ؟
- ذلك واضح ومن حسن الحظ أن القاتل تركه وإلا ما أمكن الاستدلال على نوع الأداة التي استخدمت ، ولابد أن القاتل وقف يمين الفراش إذا لا يوجد مكان كافٍ إلى اليسار .
- هل تعتقد إن القاتل كان أَعْسَر ؟
- لا أستطيع أن أقطع في ذلك برأي ، إن التفسير الواضح هو أن القاتل أعْسر ولكن يحتمل أن تكون السيدة قد أدارت رأسها قليلا إلى اليسار حين همَّ القاتل بضربها .
قال باتل في هدوء : ولكن هل نستطيع أن نقسم على أن هذا المضرب هو أداة الجريمة ؟
- لا أستطيع ، فقط يمكن أن أقسم على أنه ربما كان أداة الجريمة على أنني سأقوم بتحليل الدم العالق به للتحقق من أنه من فصيلة دم المجني عليها وكذلك سأقوم بفحص الشعيرات البيضاء .
قال باتل موافقا : نعم يحسن التحقيق من هذه الأمور .
- هل ترتاب من أن هذا المضرب هو أداة الجريمة أيها المفتش ؟
أجاب باتل : لا ، إنني رجل بسيط أؤمن بما أرى ، لقد ضُرِبت المجني عليها بأداة ثقيلة والمضرب ثقيل ، ثم أنه ملوث بالدم وعليه شعيرات بيضاء ، والدم والشعيرات لا شك أنها تعود للمجني عليها .وبذلك فالمضرب هو أداة الجريمة .
سأل ليتش : هل كانت المجني عليها نائمة حين ضُرِبت ؟
أجاب الطبيب : أعتقد أنها كانت مستيقظة فدلائل الدهشة تبدو على وجهها ورأيي الشخصي أنها لم تكن تتوقع ما حدث فلم تقاوم ولم تشعر بالخوف أو الهلع وأكبر الظن أنها كانت قد استيقظت لتوها فلم تدرك ما كان يحدث أو إنها عرفت في القاتل شخصا لا يمكن أن يقدم على إيذائها .
- ولم يكن مضاء سوى المصباح الصغير بجوار الفراش .
- نعم ، ولذلك دلالتان أما أن تكون السيدة قد شعرت فجأة بدخول أحد فأضاءت المصباح أو أنه كان مضاء قبل وقوع الجريمة .
وفي هذه اللحظة نهض الضابط جونز وهو أخصائي البصمات وقال مبتسما : إن البصمات واضحة على مقبض المضرب كل الوضوح .
فتنهد لتش بارتياح وقال : ذلك ييسر مهمتنا كثيرا .
قال الطبيب : لا شك أنه قاتل ظريف إذ ترك أداة الجريمة وترك بصماته عليها ، ومن العجب أنه لم يترك بطاقته .
قال باتل : لابد أنه فقدـَ صوابه بعد الجريمة .
- ذلك محتمل ، سأذهب الآن لفحص المريضة الأخرى .
- أية مريضة ؟
- لقد اتصل بي كبير الخدم قبل اكتشاف الجريمة وقال لي إن وصيفة السيدة في حالة غيبوبة تامة .
- ماذا أصابها ؟
- لقد تناولت مخدرا قويا وقد كانت في حالة سيئة لكني أعتقد أنها ستنجو .
فغمغم باتل قائلا : وصيفة السيدة ؟!
واستقرت عيناه على شريط الجرس الذي يتدلى فوق وسادة السيدة تريسليان .
قال الطبيب : ربما أحست السيدة بخطر فبادرت إلى جذب هذا الشريط ولكن دون جدوى فقد كانت الوصيفة في حالة لا تسمح لها بسماع رنين الجرس .
- هل تعني أن الوصيفة خُدِّرت عمدا ، ألم تتعود تعاطي العقاقير المخدرة ؟
- لا ، لم أجد في غرفتها أثرا للعقاقير المخدرة ولكني وجدت أثر المخدر في قدح الشاي الذي تناولته في المساء ، وقد اعتادت أن تتناول الشاي قبل أن تأوي إلى فراشها .
- لا بد أن يكون القاتل ممن يعرف طباع أهل البيت جيدا .
وتم التقاط صور لغرفة النوم وللجثة وتسجيل الأبعاد والمساحات .
وحين خلا الجو للمفتش باتل وابن أخيه قال الأول : الآن يجب أن نحصل على بصمات أهل البيت جميعا ولكن في رفق وأدب دون إكراه وستكون النتيجة أحد أمرين ، إما أن بصماتهم لا تتفق مع البصمات التي وُجِدت على المضرب ، أو أن بصمات أحدهم تتفق وفي هذه الحالة .
- وفي هذه الحالة نكون قد وضعنا أيدينا على القاتل .
- أو على القاتلة .
هز ليتش رأسه وقال : إنها بصمات رجل فهي أكبر بكثير من بصمات أي امرأة ، ثم إن هذه الجريمة لا يرتكبها إلا رجل ، .
- نعم ، إنها جريمة وحشية لا يرتكبها إلا رجل قوي وعلى شيء من الغباء ، هل تعرف أحدا من أهل البيت تنطبق عليه هاتان الصفتان
- إنني لا أعرف أحدا هنا وهم الآن جميعا في قاعة الطعام .
- هلمَّ بنا نذهب إليهم .
ألقى باتل على الجثة نظرة أخيرة وقال وهو يمضي إلى الباب : كانت غنية أليس كذلك ومن الذي سيرثها ؟
صاح ليتش : هذا أول ما يجب الاستدلال عليه فلعله يقودنا إلى معرفة القاتل .
نظر باتل إلى قائمة في يده وراح يقرأ الأسماء : الآنسة ماري إيلدن السيد رويد السيد سترينج السيدة سترينج السيدة أودري سترينج ، كثيرون يحملون اسم سترينج ، إنهم على ما فهمت السيد سترينج وزوجتاه .
كانت الأسرة مجتمعة حول مائدة الطعام فنظر المفتش باتل إلى وجوه أفرادها لتقييمهم بطريقة خاصة ، ولو عرفوا رأيه فيهم بعد هذه النظرة لَتوَلَّتهم الدهشة ، كان رأيا متحيزا بصرف النظر عن المبدأ القانوني الذي يعتبر الناس أبرياء إلى أن تثبت إدانتهم .
كان باتل ، ينظر إلى كل شخص فيهم ضمن محيط الجريمة باعتباره قاتلا وقد انتقلت عيناه من ماري إيلدن الشاحبة الوجه المتصدرة للمائدة وكأنها تمثال من الحجر إلى توماس رويد الذي يحشو غليونه وإلى أودري التي تراجعت بمقعدها إلى الوراء وبإحدى يديها قدح قهوة وباليد الأخرى لفافة تبغ ثم إلى نيفل الذي جلس مذهولا وراح يحاول اشعال سجارته بأصابع مرتجفة فزوجته كاي التي أسندت مرفقيها إلى المائدة وبدى شحوب وجهها واضحا رغم مساحيق التجميل التي طلت بها وجهها .
قال المفتش باتل لنفسه : إذا كانت هذه هي ماري إيلدن فإنها امرأة قوية الإرادة لا يمكن أن تُأخَذ على غِرة ، أما ذلك الرجل المتجهم الذي يجلس بجوارها فإنه يعاني مركب نقص ربما بسبب أصابة ساقه بعاهة ، وأما المرأة التي تمسك القدح فلابد أنها إحدى الزوجتين إنها توشك أن تسقط هلعا وهذا الرجل إنه السيد سترينج لقد رأيته في مكان ما قبل الآن ، إنه متوتر الأعصاب فعلا ويكاد أن ينهار أما ذات الشعر الأحمر فهي امرأة سريعة الانفعال والغضب ولكنها ذكية .
وفي هذه الأثناء كانت ماري إيلدن تقدم الضيوف إلى المفتش ليتش ، وقالت في النهاية : إنما حدث كان صدمة شديدة لنا جميعا ، ونحن على استعداد لتقديم أي معونة تطلبونها منا .
قال ليتش وهو يعرض مضرب الجولف : دعوني أسألكم أولا هل يعرف أحدكم شيئا عن هذا المضرب ؟
فصاحت كاي في هلع : هذا مخيف ، هل هذا هو ....
وأمسكت عن إتمام عبارتها ، بينما نهض نيفل وهو يدور حول المائدة قائلا : كأنه يبدو أحد مضاربي ، هل تسمح لي بأن أراه ؟
أجاب المفتش : لا مانع الآن من أن تتناوله وتفحصه .
ولم تترك كلمة الآن أي أثر في نفوس الحاضرين .
تناول نيفل المضرب وفحصه وقال : يخيل إلي أنه أحد مضاربي ، وأستطيع أن أتحقق من ذلك بعد لحظة .
ثم نظر إلى ليتش وباتل وقال : تعالا معي .
وتقدمهما إلى دولاب كبير تحت درج السلم وفتحه .
ولقد دُهِشَ باتل حين وجد الدولاب مليء بمضارب التنس وتذكر في ذات اللحظة أين رأى نيفل من قبل .
قال : سبق وأن رأيتك تلعب التنس في وينبلدون يا سيدي .
- آه أحقا ؟
وراح يُخرج مضارب التنس إلى أن تكشفت لهم حقيبتان في قاع الدولاب مليئتان بمضارب الجولف .
قال نيفل : لا يوجد هنا من يلعب الجولف سواي وزوجتي ، والمضرب الذي في يدك من النوع الذي يستخدمه الرجال ، نعم إنه مضربي .
- شكرا لك يا سيد سترينج هذا يكفي .
قال نيفل : ما يدهشني أن شيئا لم يُفقد من البيت وأنه لا يوجد ما يدل على أن هناك من حاول الدخول عنوة ، أما الخدم فإنهم جميعا فوق الشبهات .
قال ليتش : سوف أتحدث إلى الآنسة إيلدن بشأن الخدم ، أما الآن فإنني أرجو أن تذكر لي اسم محامي السيدة تريسليان إن أمكن .
- إنه السيد تريليوني ومكتبه في سانلو .
- شكرا لك يا سيد سترينج ، سوف نستفسر من السيد تريليوني عن ثروة السيدة .
- أتعني أنك تريد الاستفسار عمن يرثها ؟
- نعم ، أريد معرفة وصيتها وحجم ثروتها .
- أما الوصية فلا علم لي بها ، وأما ثروة السيدة الشخصية فإنها لا تكاد تُذكر ، ولكني أستطيع أن أحدد لك مجموعة الممتلكات .
- نعم .
- لقد أوصى زوجها السيد ماتيو تريسليان بجميع ثروته وممتلكاته إليها على أن تؤول بعد موتها إلي أنا وزوجتي .
هتف ليتش : أحقة ؟
ورمق نيفل بنظرة جعلته ينكمش واستطرد ليتش قائلا : هل تعرف مقدار الثروة يا سيد سترينج ؟
- لا أستطيع أن أتذكر قيمتها بالتحديد ، لكني أعتقد أنها حوالي مائة ألف جنيه .
- لكل منكما أنت وزوجتك ؟
- نعم لنا معا .
- مبلغ كبير .
فابتسم نيفل وقال بسرعة : أنا شخصيا أمتلك ثروة طائلة ولا حاجة بي لأموال الآخرين ، .
عاد الجميع إلى قاعة الاستقبال وهناك اتخذ المفتش ليتش خطوة ثانية وهي أخذ بصمات الأصابع فقال في هذا الصدد : إنها مسألة روتينية والغرض منها استبعاد ما لا يوجد منها في مخدع السيدة .
أبدى الجميع استعدادهم لإعطاء بصماتهم ، فذهب بهم المفتش ليتش إلى قاعة المكتبة حيث كان الضابط جونس في انتظارهم .
وشرع باتل وليتش بعد ذلك في استجواب الخدم ، فأوضح هرستال طريقته في غلق الأبواب وأقسم أنه وجدها في الصباح كما تركها في المساء وقال بأنه لم يوصد الباب الخارجي بالمزلاج لأن نيفل كان قد ذهب إلى فندق إسترهيد وكان من المحتمل أن يعود في وقت متأخر .
سأله ليتش : هل تعرف متى عاد ؟
- نعم ، عاد في حوالي الساعة الثانية والنصف صباحا فقد سمعت صوت وقوف سيارة ، ثم فُتِحت الباب ودخل السيد نيفل وصعد السلم .
- ومتى غادر هذا البيت ليذهب إلى الفندق ؟
- في حوالي الساعة العاشرة وعشرين دقيقة ، لقد سمعت غلق الباب الخارجي عقب انصرافه .
كانت هذه هي كل المعلومات التي استطاع ليتش أن يستقيها من هرستال ، أما الخادمات والوصيفات فكُنَّ في حالة من الهلع جعل من المستحيل الوقوف منهن على ما يفيد التحقيق .
وحينما انصرفت آخر وصيفة نظر ليتش إلى عمه كي يستطلع رأيه فقال له : ادعُ الخادمة الطويلة القامة ذات العينين الجاحظتين ، إنه يخيل إلي أنها تعرف الشيئا .
جاءت الخادمة واسمها أماويلز فقال لها باتل : دعيني أُسْدي لك نصيحة مفيدة يا آنسة ويلز ، من الخير لك ألا تكتمي شيئا عن رجال البوليس لأن ذلك يجعلهم ينظرون إليك بعين الارتياب ، هل فهمتِ ما أعني ؟
- أؤكد لك أن ...
أسكتها باتل بأن رفع يده وقال : إنك رأيتِ أو سمعتِ شيئا فما هو ؟
- إن ما سمعته سمعه السيد هرستال أيضا ولكني واثقة أنه لا صلة له بالجريمة .
- ربما ، وماذا سمعتِ يا آنسة ؟
- كنت في طريقي إلى غرفتي بعد الساعة العاشرة ومررتُ بمخدع السيدة تريسليان وسمعتها والسيد نيفل يتحدثان بأصوات غاضبة لا تدع مجالا للشك في أنهما كانا يتشاجران .
- هل تذكرين شيئا مما قيل ؟
- إنني لم أكن أَسترق السمع .
- مفهوم ، ولكن من المؤكد أنك سمعت بعض الكلمات .
- كانت السيدة تقول أنها لا تسمح بأن يحدث شيء معين في بيتها وكان السيد نيفل يقول لها إن ذلك ليس من شأنها .
ولم يستطع باتل من الوقوف من الخادمةعلى أكثر من ذلك فإَذِنَ لها بالانصراف .
قال باتل لليتش : لا بد أن يكون جونس قد عرف الآن شيئا عن البصمات ، من الذي يقوم بتفتيش الغرف ؟
- الضابط وليامز .
وفي اللحظة التالية أطل وليامز برأسه من الباب وقال : يوجد شيء بغرفة السيد سترينج أريدكما أن ترياه .
فتبعاه إلى الجناح الذي يقيم فيه نيفل وهناك وجدوا على أرضية مخدع هذا الأخير كومة من الثياب تتألف من سروال أزرق وجاكيت من نفس اللون .
فسأله ليتش بحدة : أين وجدت هذه الثياب ؟
- كانت ملقاة في قاع الدولاب ، انظر إلى هذا يا سيدي .
وأشار إلى كُمَي السترة واستطرد قائلا : هل ترى هذه البقع الداكنة إنها بقع من الدم .
تبادل باتل وليتش نظرة ذات معنى وقال الأول : هل ثمة شيء آخر ؟
- توجد كمية كبيرة من الماء على أرض الغرفة .
- أتعني أنه غسل آثار الدماء عن يده بسرعة ؟ ولكن الماء قريب من النافذة وقد هطل المطر مدرارا ليلة أمس .
- ليس بالغزارة التي تصنع هذه البركة .
فصمت باتل وقد كان يتخيل صورة رجل تلوثت يداه وكماه بالدم فخلع ثيابه ودسها في أعماق الدولاب ثم راح يزيل بالماء آثار الدماء عن يديه .
نظر باتل إلى الباب في الجدار ، فقال وليامز : هذا الباب يؤدي إلى غرفة السيدة سترينج وهو مغلق .
- مغلق من هذا الجانب ؟
- بل من الجانب الآخر .
ففكر باتل لحظة ثم قال : دعنا نرى كبير الخدم مرة أخرى .
وجاء هرستال وكان متوتر الأعصاب ففاجأه باتل بقوله : لماذا لم تذكر لنا بأنك قد سمعتَ المشاجرة التي حدثت بين السيدة تريسليان والسيد سترينج ليلة أمس يا هرستال ؟
- الواقع أني لم أعرها أية أهمية فهي لم تكن مشاجرة بل مجرد خلاف ودي في الرأي .
- ماذا كان السيد سترينج يرتدي أثناء العشاء ليلة أمس ؟
فكر هرستال قليلا ثم قال : كان يرتدي ثوبا أزرق اللون .
فهز باتل رأسه مرارا ثم صرف هرستال في نفس الوقت الذي دخل فيه جونز بادي الانفعال وقال : لقد حصلت على بصماتهم جميعا ولا يوجد بينها سوى بصمات شخص واحد تماثل تلك التي وجدتها على يد المضرب .
سأله باتل : من هو ؟
- إن البصمات التي وجدتها على يد مضرب الجولف تعود للسيد نيفل سترينج.
اعتدل باتل في جلسته وقال : هذا يحسم الأمر .
تنهد العقيد ميتشل وقال : : يبدو أنه لا مفر من استصدار الأمر بالقبض عليه ، إن الأدلة أكثر من كافية إذ إن الدافع إلى الجريمة واضح ، وهو حصول سترينج وزوجته على ثروة العجوز وقد كان سترينج آخر شخص رآها على قيد الحياة ، وهناك شاهدان يقران أنهما سمعاه يتشاجر معها ، ثم إن هناك ثيابه الملطخة بالدماء وبصمات أصابعه التي لا يوجد سواها على يد المضرب .
قال ليتش : كنت دائما أحب السيد سترينج فهو رجل مهذب ورياضي وكثيرا ما التقيت به في هذه المنطقة .
قال باتل : وهل ثمة ما يمنع الرجل المهذب من أن يكون قاتلا ؟ على أن الشيء الذي يثير قلقي هو المضرب .
هتف ميتشل : المضرب ؟
- نعم المضرب أو الجرس أو كلاهما ، .
- ماذا تعني ؟
- إذا كان السيد سترينج قد دخل المخدع وتشاجر مع السيدة بعد أن فقدَ أعصابه فأهوى على رأسها بالمضرب فمعنى هذا أن الجريمة لم تكن متعمدة أو مدبرَة ، ثم إذا كانت الجريمة غير مدبر لها مسبقا فلماذا حمل مضربالجولف في تلك الساعة من الليل ؟ ذلك إذا افترضنا أنه فقدَ أعصابه وهو ما استبعده فقد رأيته في ملاعب التنس من أهدأ اللاعبين وأقدرهم على ضبط مشاعرهم ، أما إذا كانت الجريمة مدبَرَة بهدف الاستيلاء على ثروة العجوز فإن ذلك يتفق مع فكرة تخدير الوصيفة حتى لا تلبي رنين الجرس ولكنه لا يتفق مع حدوث المشاجرة واستخدام المضرب ، لو كانت الجريمة مدبرة لحرص على تجنب المشاجرة وتسلل إلى المخدع بينما الوصيفة مخَدَرَةوهناك يقتل العجوز ويزيل آثار الدماء عن المضرب ويعيده إلى مكانه ويصطنع من الأدلة ما يوحي بأن الجريمة ارتُكِبت بهدف السرقة
قال ميتشل : إن استدلالاتك لا تخلو من المنطق يا باتل .
- الشيء الوحيد الذي يقلقني هو المضرب ، كيف يمكن لشخص آخر أن يستخدم المضرب دون أن يزيل بصمات سترينج منه .
- ألا يحتمل أن يكون أداة الجريمة شيء آخر غير المضرب ؟
- نعم يا سيدي ، ولعل القاتل قد ارتكب الجريمة بأداة أخرى ثم وضع المضرب عمدا لاتهام سترينج ولقد ذكر الطبيب على سبيل الترجيح إن المضرب هو أداة الجريمة لأنه لم يجد أمامه أداة سواها .
- دعنا إذن نستبعد موضوع المضرب لنللناقش الدافع إلى الجريمة ، هل قتل السيد سترينج السيدة تريسليان لكي يرث ثروتها ؟
- إن الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على معرفة مدى حاجة نيفل إلى المال لذلك أرى أن تبحث حالته المالية فإذا كان في مأزق مالي فإن الأدلة التي ضده تصبح أكثر قوة أما إذا كان في حالة مادية طيبة فإنه يتعين علينا أن نبحث عن الدوافع لدى ضيوف القصر الآخرين .
- - لعلك على حق يا باتل ولعل بعضهم أراد إثارة الشبهات حول سترينج ، ولكن هل لديك فكرة عما ينبغي علينا عمله الآن ؟
- الرأي عندي أن نستمر في اتهام نيفل سترينج دون أن نقبض عليه ، فلنلقي عليه الأسئلة ولنرصد حركاته في ليلة الجريمة ونضيق عليه الخناق ونرى تأثير ذلك على الآخرين .
- هذا حسن ، وأرجو أن تتعاون مع ليتش في تنفيذ هذه الخطة .
- شكرا لك يا سيدي ، وبهذه المناسبة أسأل هل جاءك محامي السيدة تريسليان بما يفيدنا في التحقيق
- لا ، إنني أعرف المحامي تريليوني جيدا ، فقد اتصلت به تليفونيا وسيرسل إلي صورة من وصية السيد ماتيو وأخرى من وصية السيدة تريسليان ، ولقد علمت منه إن إراد السيدة الخاص من ربح سندات تملكها لا يزيد عن 500 جنيه في العام وإنها أوصت بهذا الإيراد إلى الآنسة ماري إيلدن وتركت بعض النقود لكل من كبير الخدم هرستال وجين باريت وصيفتها .
قال باتل : هاهم ثلاثة أشخاص يتعين علينا أن نراقبهم .
ابتسم ميتشل وقال : إنك ترتاب في كل إنسان يا باتل .
- هناك جرائم قتل كثيرة ارتُكِبت طمعا في الحصول على مبالغ لا تتجاوز الخمسون جنيها ، إليك مثلا جين باريت إنها ستستفيد من وصية السيدة تريسليان أفلا يحتمل أن تكون قد تناولت المخدر عمدا لتبعد عنها الشبهات .
- إنها كانت قاب قوسين أو أدنى من الموت وقد منعنا الطبيب من استجوابها .
- لعلها أسرفت في تناول المخدر نتيجة الجهل بمفعوله الخطير ، وما يقال عن جين باريت يصح أن يقال عن ماري إيلدن وهرستال .
- على كل حال أنا أترك الأمر لكما ، فامضيا في المهمة إلى نهايتها .
غادر المفتشان باتل وليتش مكتب ميتشل وعادا توا إلى القصر حيث وجدا الضابطين وليامز وجونس في انتظارهما .
قال الأول بأنه قام بتفتيش غرف الخدم ولم يجد بها ما يثير الشك وإنه أرسل ثوب نيفل سترينج إلى المعمل لتحليل بقع الدم ومعرفة فصيلتها .
وقال جونز : إنه احتجز ضيوف القصر في قاعة الطعام ولم يسمح لهم بمغادرتها .
وحينئذ التفت باتل إلى ليتش وقال له : عليك الآن باستجوابهم ، افعل ذلك بحزم وابدأ بنيفل سترينج .
انتقل المفتشان إلى قاعة المكتبة وجلسا أمام أحدى الموائد بينما اتخذ أحد رجال الشرطة في أحد الأركان ، واستعد لتسجيل كل ما يقال في التحقيق .
وجاء نيفل شاحب اللون متوتر الأعصاب فقال له ليتش : سألقي عليك بعض الأسئلة عن تحركات ليلة أمس يا سترينج وأود أن ألفت نظرك إلى أنك لست مرغما على الإجابة عن هذه الأسئلة وإن من حقك أن تستعين بمحاميك إن شئت .
فأجاب نيفل بهدوء : سل ما شئت .
- كذلك يجب أن أحذرك أن ما ستقوله سيسجل عليك وسيكون دليلا أمام المحكمة .
فلمعت عينا نيفل وصاح في غضب : هل تهددني ؟
- كلا يا سيد سترينج إنني أحذرك .
فهز نيفل رأسه وقال :أظن أن هذه كلها اجراءات روتينية ، سل ما شئت .
- أخبرني ماذا فعلت أمس منذ تناولت طعام العشاء ؟
- بعد العشاء انتقلنا إلى قاعة الاستقبال وهناك أخذنا القهوة ثم استمعنا إلى نشرة الأخبار وبعض القطع الموسيقية ثم قررت الذهاب إلى فندق إسترهيد لمقابلة أحد أصدقائي .
- ما اسم هذا الصديق ؟
- أدوارد لاتيمر .
- هل هو أحد أصدقائك المقربين ؟
- إنه صديق وحسب وقد زارنا هنا وتناولنا الطعام معا .
قال باتل : ألم يكن الوقت متأخرا للذهاب إلى فندق إسترهيد ؟
- إن الفندق مفتوح طوال الليل .
- ولكن القوم في هذا القصر يأوون إلى الفراش في وقت مبكر أليس كذلك ؟
- بلى ، ولذلك أخذت مفتاح الباب الخارجي حتى لا يضطر أحد الخدم للسهر وانتظار عودتي .
- ألم تفكر زوجتك في مرافقتك ؟
- لا ، لم تفكر كانت كاي تشعر بالصداع فذهبت إلى غرفتها بعد العشاء .
- تكلم يا سيد سترينج .
- عندما هممت بمغادرة البيت جاءت جين باريت وصيفة السيدة تريسليان وقالت لي إن السيدة تريد التحدث إليك ، فذهبت إلى مخدعها .
- أعتقد أنك آخر من رأة السيدة على قيد الحياة يا سيد سترينج ؟
- أظن ذلك ، وكانت حينما رأيتها على أفضل حال .
- كم من الوقت قضيت معها ؟
- نحو 20 دقيقة أو نصف ساعة .
- ومتى غادرت البيت ؟
- حوالي العاشرة والنصف ، وقد لحقت بقارب العبور وذهبت إلى فندق إسترهيد حيث وجدت لاتيمر بعد أن بحثت عنه بعض الوقت ، وتناولنا شيئا من الشراب ولعبنا البلياردو ، ومر الوقت بسرعة فلم أستطع اللحاق بالقارب الذي ينتهي عمله في الساعة الواحدة والنصف صباحا فعرض علي لاتيمر مشكورا أن ينقلني بسيارته فيدور بي حول سولتنجتون أي مسافة 16 ميلا تقريبا ، وقد غادرنا الفندق في الساعة الثانية ووصلنا إلى هنا في الثانية والنصف فقصدت إلى غرفتي مباشرة ولم أر أو أسمع ما يريب ، كان الجميع نياما وفي الصباح سمعت الخادمة تصرخ .
- ما كان موضوع حديثك مع السيدة تريسليان ؟
- تحدثنا في أمور كثيرة .
- هل كان الحديث وديا .
- بالتأكيد .
- ألم يقم بينكما شجار ؟ من الأفضل أن تقول الصدق إذ بوسعي أن أذكر لك العبارات التي سُمِعَت من حديثكما .
- قام بيننا خلاف في الرأي .
- ما سبب الخلاف ؟
- الواقع إنها شديدة الالتزام ، وتحب دائما أن تفرض إرادتها على الآخرين ، لقد اختلفنا في الرأي واحتدمت المناقشة بيننا ولكننا افترقنا صديقين واتفقنا على ألا نتفق .
- إنك عرفت صباح اليوم أن المضرب الذي استُخدِم في الجريمة هو مضربك فبماذا تفسر وجود بصماتك عليه ؟
- إنه مضربي ومن البديهي أن توجد عليه بصمات أصابعي .
- إن وجود بصماتك عليه يدل على أنك آخر شخص أمسك به .
- قد يكون هناك من استخدم قفازا حين أَمسَكَه .
- لو صح ذلك لمحا القفاز آثار بصماتك .
- لا أعلم ، حقا أنني لا أعلم .
- هل لديك ما تفسر به وجود آثار دماء على كُمَي ثوبك ؟
- آثار دماء ؟! هذا مستحيل .
- ألم يحدث كأن جرَحت يدك ؟
- لا ، لم يحدث ، إن كل هذا جنون إني أكاد لا أفهم شيئا .
قال باتل : إن الحقائق واضحة بما فيه الكفاية .
- ولكن لماذا أُقْدِم على ارتكاب جريمة كهذه ؟ إنني أعرف السيدة تريسليان منذ نعومة أظفاري .
- لقد ذكرت بنفسك أنك سترث ثروة طائلة بعد موتها .
- لكني لستُ بحاجة إلى النقود وباستطاعتي أن أثبت ذلك ، دعني أتصِل بمدير البنك الذي أتعامل معه وتحدث إليه بنفسك .
فوافق باتل وتم الاتصال التليفوني وتحدث ليتش إلى مدير البنك ، ثم وضع السماعة فسأله نيفل بلهفة : ماذا قال ؟
- قال إن لك رصيدا ضخما .
- أرأيت إنني لم أذكر سوى الحقيقة ؟
قال باتل بصوت رقيق : إن لدينا من الأدلة ما يبرر استصدار أمر باعتقالك يا سيد سترينج ولكننا لن نفعل ذلك لأننا نريد أن نُهيئ لك فرصة ممكنة لإثبات براءتك .
- معنى ذلك أنكم مقتنعون بأني مرتكب الجريمة ولا ينقصكم سوى معرفة الدافع إليها ؟
فتبادل المفتشان نظرة ذات مغزى ولزما الصمت فهتف نيفل : يا إلهي كأنني في حلم مزعج ..