كانت الجماعة التي جلست أمام المدفأة كلها تقريبا من رجال القضائ والقانون ،
كان هناك مارتندييل المحامي (ورافاس لورد وكيل النائب العام ودانليز المحامي الشاب الذي برز اسمه في قضية كارستير والقاضي كليفر والمحامي لويس أحد صاحبَي مكتب لويس وتريش المحاميين وسيد تريفز العجوز الذي ناهز الثمانين وكان تريفز أبرز عضو في مكتب كبير للمحامين ، واشتهر بأنه حسم الكثير من القضايا الدقيقة خارج المحكمة ووبأنه من أكبر المتخصصين في عالم الجريمة على الرغم من أنه اعتزل العمل منذ مدة طويلة فإنه لم يكن في انكلترا كلها رجل يحترم رجال القضاء آراءه كما يحترمون رأيه ،
كان إذا تكلم صمتت جميع الاصوات وأرهفت كل الآذان .
وكان حديث الجماعة التي جلست أمام المدفأة في ذلك المساء يدور حول قضية قتل كَثُرَ فيها اللغط في الأيام الأخيرة وقد فرغت محكمة جنايات أولد بايلي في ذلك اليوم من نظرها ، وأصدرت فيها حكما ببراءة المتهم ،
فتناولت الجماعة القضية بالتحليل والتعقيب والنقد الفني ،واتفقت الآراء على أن الادعاء أخطأ حين اعتمد كل الاعتماد على شاهد 1 فهيأ بذلك للدفاع فرصة أكبر ، وأن الدفاع عرف كيف يستغل شهادة الخادمة ...
وأن القاضي ينتمور لخص وقائع القضية تلخيصا لا غبار عليه ، ولكن الضرر قد حدث فعلا ، فإن المحلفين كانوا مقتنعين بصدق الخادمة ، ومتى اقتنع المحلفون بأمر تعذر تحويلهم عنه ...
أما شهادتة الطب الشرعي فكانت مجموعة من الألفاظ ، الغريبة والعبارات المعقدةل.. أن الأطباء الشرعيين لا يوجيبون عن الأسئلة بكلمة نعم او لا ،
وإنما يضيفون عبارات من شأنها أن تُبلبِل المستمع مثل قولهم ... هذا يمكن حدوثه في ظروف معينة او قولهم :هذا جائز لو أننا راعينا كذا ...
وهدأت المناقشة شيئا فشيئا وخفت الأصوات وأحسوا جميعا في لحظة ما بإن هناك صوت لم يسمعوه ، وبدأت الانظار تتجه نحو السيد تريفز ... ولم يكن قد اشترك في الحوار ، فبات واضحا أن الجماعة تنتظر الكلمة الأخيرة الحاسمة من فم أبرز أعضائها وأصوبهم رأيا ،
وكان السيد تريفز يمسح نظاراته وهو شارد الذهن ، حين تنبه إلى صمتهم فنظر إليهم بحدة وقال : ماذا قلتم ؟ هل وجهتم إلي سؤالا ؟ ...
- كنا نتحدث عن قضية لامورن يا سيدي ..
- آه ، نعم ،نعم ، وأنا كنت أفكر في القضية أيضا .
فصمتوا جميعا وأرهفوا آذانهم فقال تريفز وهو لايزال يمسح زجاج عويناته : ولكن أفكاري جنحت الى الخيال ولعل السبب أني تقدمت في السن ، إن من حق الأنسان في مثل سني أن يجنح إلى الخيال أحيانا .
فارتسمت الحيرة على وجه المحامي لويس ولكنه قال : بالتأكيد يا سيدي .
فقال تريفز : لقد كنت أفكر في القضية ، لا من حيث وجهات النظر القانونية التي أثيرت فيها ، وهي وجهات نظر جدية جديرة بالاهتمام ولو قد صدر حكم مختلف لكانت هناك أسباب قوية تجيز استئنافه وإنما كنت أفكر فيها من حيث الأشخاص الذين لعبوا دورا فيها ،.
فبدأت الدهشة على وجوه المستمعين ذلك أن أحدا منهم لم يفكر في هؤلاء الأشخاص إلا من حيث صدقهم أو كذذبهم كشهود ، ولم يجرأ أحدهم على التفكير في المتهم وهل هو بريء حقا كما قالت المحكمة أم إنه مذنب .
ومضى تريفز يقول : كنت أفكر في الآدميين ، في أحجامهم المختلفة وأشكالهم المتباينة وعقلياتهم المتنافرة .. لقد جاءوا من كل مكان ، من لانكشاير ومن اسكتلندا وجاء صاحب المطعم من إيطاليا وجاءت المُدرِّسة من غرب انكلترا وانصهروا جميعا في بوتقة الأحداث ، وجيء بهم جميعا إلى محكمة الجنايات في لندن ، في يوم أغبر من أيام شهر تشرين