كانت الشمس تصل بيت نيفل سترينج في هايند هيد نارا حامية رغم أن اليوم أحد أيام نيسان أبريل لكنه كان يعيد إلى الأذهان أيام القيظ في شهر حزيران .
هبط نيفل سترينج درجات السلم وتحت أبطه أربعة مضارب مما تُستعمَل في لعبة التنس ، ، ولو قد طُلِبَ إلى إحدى اللجان أن تختار من بين الإنجليز نموذجا للرجل السعيد الحظ الذي لا ينقصه شيء لوقع اختيارها على نيفل سترينج ، فلقد عرفته الجماهير كرياضي ولاعب تنس من الطراز الأول ، وعرفته كسبّاح ولاعب جولف ومتسلق للجبال ، وكان فضلا عن ذلك في الثلاثين من عمره ، وينعم بصحة جيدة ولديه وجه وسيم وثروة طائلة ، ولديه زوجة جميلة اقترن بها أخيرا ، وهو فيما يعلم الناس إنسان سعيد لا يعرف من هموم الحياة ما يعرفه سواه .
هبط نيفل درج السلم واجتاز الصالة وخرج إلى الشرفة حيث كانت زوجته كاي تجلس بين الوسائد على أريكة كبيرة وبيدها قدح من عصير البرتقال ، كانت كاي في نحو الثالثة والعشرين من عمرها ذات قوام فاتن وجمال غير عادي ، عيناها سوداوان وشعرها أحمر وبشرتها بيضاء كالثلج .
هتف نيفل حالما رأها : ماذا عندك للفطور أيتها الحسناء ؟
فأجابت : بيض ولحم مقدد وخبز وزبدة وعصير .
- هذا رائع .
تناول نيفل فطوره واحتسى قدحا من القهوة ولم يدر بين الزوجين حديث إلى أن قالت كاي : انظر إلى الشمس يا نيفل ، هل رأيتَ في انكلترا يوما أجمل من هذا ؟
كانا قد عادا لتوهما من رحلة في جننوب فرنسا ، تناول نيفل أحدى الصحف وألقى نظرة سريعة على عناوين الصفحة الأولى ومثلها على الصفحة الرياضية ثم نحى الصحيفة جانبا ، وأخذ بعض رساءله وكانت معظمها إعلانات ونشرات .
قالت كاي : إن ديكور الصالة لا يعجبني ، إنه يحتاج إلى تعديل ، ما رأيك ؟
- افعلي ما تشائين أيتها الحسناء .
- وفي هذه المناسبة لقد دعتنا شيرلي لرحلة إلى النرويج على ظهر يختها في حزيران القادم .
- أليس من المحزن ألا نلبي هذه الدعوة ؟
نظرت إليه كاي من ركن عينها بحذر ، واستطردت قائلة في أسى : كم كنت أود الإشتراك في مثل هذه الرحلة .
فعبرت وجه نيفل سحابة مظلمة ولم يُجب
قالت كاي : هل من الضروري أن تذهب إلى كامللا وقصرها العتيق ؟
قطب نيفل حاجبيه وأجاب : نعم ، اصغي إلي يا كاي إننا ناقشنا هذا الموضوع مرارا قبل الآن ، قلتُ لك إن السيد ماتيو كان وصيا علي وإن زوجته كامللا أشرفت على تربيتي مذ نعومة أظافري ، فبيتهما في جالزبونيت هو بيتي ومسقط رأسي .
- حسنا إذن لابد مما ليس منه بد ، وعلى كل حال إن ثروتها ستؤول إلينا بعد موتها ، فلا مانع من أن نحتمل وأن نصبر على بعض المضايقات .
- ليست هناك مضايقات ، ثم أن لا سلطان لها على الثروة التي ستؤول إلينا ، إنها ثروة السيد ماتيو ، وقد أوصى بها لها على أن تؤول إلي بعد موتها ، فالمسألة ليست مسألة ميراث ، إنها مسألة عاطفية بحتة ، ألا تفهمين ؟
- هل تعلم لماذا أنفر من الإقامة في قصر كامللا يا نيفل ، أنني أنفر منها لأنهم يكرهونني هناك فالسيدة تريسليان تنظر إلي من عليائها ، وماري إيلدن تتجنب النظر إلي وهي تحدثني ، إن الإقامة تطيب لك هناك لأنك لا ترى ما يحدث ، إنهم يعاملونك دائما بأدب .
- وما كنت أطيق أن يعاملوك بغير ذلك.
فقالت وهي تنظر إليه من ركن عينها وأهدابها السوداء الطويلة تخفق بسرعة : إنهم مهذبون تماما ولكنهم يعرفون كيف يثيرونني ، إنهم ينظرون إلي كدخيلة .
- ذلك أمر طبيعي فلا لوم عليهم .
ونهض واقفا وأولاها ظهره وراح يملأ عينه من منظر الطبيعة .
فقالت وصوتها يرتجف قليلا : نعم ذلك أمر طبيعي لأنهم كانوا يحبون أودري المهذبة الباردة التي لا لون لها ، إن كامللا لن تغفر لي حلولي مكانها .
- يجب ألا تنسي أن كاملللا قد تجاوزت السبعين وهي من جيل لا يقر الطلاق ، وهي رضيت بالأمر الواقع رغم حبها لأودري وعطفها عليها .
- إنهم يعتقدون أنك كنت تسيء معاملتها .
قال بصوت خافت : أظن أنهم على حق .
لكن كاي سمعته فقالت في غضب : لا تكن مغفلا يا نيفل ، إن أودري أحدثت حولها ضجة مفتعلة لكي تثير عطفهم عليها .
- إن أودري لم تحدث أي ضجة .
- أعني أنها كانت مريضة ، وكانت تبدو كسيرة القلب ، حزينة فأثارت عطف الجميع عليها ، تلك هي الضجة التي أعنيها ، إن أودري ليست من أولئك الذين يتقبلون الهزيمة بصدر رحب ، والرأي عندي إن الزوجة التي لا تستطيع الحفاظ على زوجها ينبغي لها أن تتخلى عنه بسماحة ورضا ، والواقع إن ه لم يكن بينكما أي صفة مشتركة ، فهي لا تُقبِل على الألعاب الرياضية التي تحبها أنت ، وحالتها الصحية كانت لا تسمح لها بالقيام بأي نشاط ، كانت أشبه بخرقة مهلهلة ، ولو أحبتك حقا لكانت وضعت سعادتك في المكان الأول ولسرها أن تراك سعيدا مع امرأة أخرى تلائمك .
فقال وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة : دعيني أُحيِّ فيك السماحة والخلق الرياضي .
فضحكت كاي واحمر وجهها وقالت : ربما أكون قد بالغت إنما أردت أن أقول على الإنسان أن يقبل الواقع .
- لقد قبلت أودري الواقع وطلقتني لكي أستطيع الاقتران بكِ .
- أعلم ذلك ولكن ...
- إنكِ لم تفهمي أودري قط .
هذا صحيح ولعل السبب يعود إلى كونها مخلوقة غامضة لا يمكنك أن تعرف فيما تفكر ، إنها تخيفني في بعض الأحيان ، ربما لأنها خارقة الذكاء .
- أعتقد أنكِ على حق أيتها الحبيبة البلهاء .
فضحكت كاي وقالت : لماذا تصفني بالبلهاء ؟
وابتسما واقترب منها نيفل وقبل عنقها وهو يتمتم : بلهاء وفاتنة .
- وطيبة القلب تضحي برحلة جميلة على ظهر يخت وتذهب إلى قصر عتيق يضايقها فيه أقارب زوجها .
قال وهو يعود إلى مقعده : الواقع أنني لا أرى ما يدعونا إلى التخلف عن رحلة شيرلي إذا كنتِ تتوقين إلى هذه الرحلة حقا .
فنظرت إليه في دهشة وهي لا تصدق ما تسمع وقالت : وماذا عن قصر كامللا ؟
نستطيع الذهاب إليه في شهر أيلول .
- ولكن يا نيفل ...
فقاطعها قائلا : يجب أن نُسقط من حساباتنا شهري تموز وآب ففيهما تُعقَد مباريات التنس السنوية التي تنتهي في الأسبوع الأخير من شهر آب .
- كل هذا حسن ولكني أعتقد أنها اعتادت أن تذهب إلى قصر كامللا في شهر أيلول من كل عام ،
- من تعنين أودري ؟
- نعم ، ولكني أظن السيدة تريسليان لن تمانع في مطالبتها بإرجاء زيارتها إلى وقت آخر .
- لماذا ؟
فنظرت إليه بارتياب وقالت : هل تعني أننا نستطيع أن نتواجد معها هناك في نفس الوقت ، يا لها من فكرة عجيبة .
- وأي عجب في هذا ، كثير من الناس يفعلون ذلك في هذه الأيام ، لماذا لا يكون بيننا جميعا نوع من الصداقة ، ذلك يجعل الامور أكثر يسراً ، إنتِ نفسكِ قلتِ ذلك منذ بضعة أيام .
- أنا ؟!
- نعم ، ألا تذكرين كنا نتحدث عن السيد هاوس وعن الصداقة العجيبة بين زوجته الحالية وو=زوجتهالسابقة ، فقلتِ هي هذه الطريقة المتحضرة المعقولة للنظر إلى الأمور .
- ولكني لا أعتقد أن أودري تفكر على هذا النحو
- هراء .
- ليس هراءً ، أنت تعلم كم كانت أودري تحبك وسوف لن تطيق رأيتنا معا .
- أنتِ مخطئة يا كاي ، إن أودري ترحب بصداقتنا .
ونظرت إليه بارتياب فارتبك قليلا ثم سعلَ وقال : في الواقع إني قابلتها مصادفة أمس في لندن .
- إنك لم تذكر لي ذلك .
- لم أذكره لك لأنه كان مصادفة بحتة ، كنت أمر بهايدباك فرأيتها مقبلة نحوي ولم يكن من اللياقة أن أعرِض عنها أليس كذلك ؟
- استمر .
- حييتها وسرنا قليلا ثم جلسنا على أحد المقاعد وتحدثنا في أمور مختلفة وسألتني عنكِ .
- كانت لفتة كريمة .
- وتحدثنا عنك وكانت ظريفة إلى أبعد حد ، وخطر لي حينئذ أنه ليس ثَمةمانع من أن تصبحا صديقتين وأن أنتهز فرصة إقامتنا في قصر كامللا لتوثيق أواصر هذه الصداقة .
- خطر لك ذلك ؟
- نعم ، كنت أنا وحدي صاحب الفكرة .
- لكنك لم تذكر لي قط كلمة واحدة عن هذه الفكرة .
- كانت فكرة بنت ساعتها .
فقالت بجفاء : وهل وافقت أودري على فكرتك ؟
وأحس نيفل باستيائها وقال : ماذا دهاكِ أيتها الحبيبة ؟
- لا شيء سوى أنك والعزيزة أودري عما إذا كنت أوافق على هذه الفكرة الرائعة .
- ولماذا لا توافقين بحق السا=ماء ؟ أنتِ بنفسكِ قلتِ منذ أيام إنَّ ...
- انسَ ما قلت ، إنني كنت أتكلم عن أناس آخرين لا عن أنفسنا ،
- إذا كنت لا توافقين بسبب الغيرة فإن الطرف الآخر هو صاحب الحق في أن يغار ، ولا تنسي أننا عاملنا أودري بقسوة ،، لا لا ، أنا لا أعنيكِ أنت ، أعني أنني عاملتها بقسوة وإذا استطعنا أن نكسب صداقتها فإنني أصبح أنعم بالا وأطيب نفسا .
- هل أفهم من ذلك أنك لم تكن ناعم البال منذ تزوجتني ؟
- ماذا تعنين أيتها الحبيبة الحمقاء ، على العكس إنني كنت أسعد إنسان في الوجود ولكن ...
- دائما كلمة لكن .
- اصغي إلي يا كاي ، هل تغارين من أودري .
- لا لا ، أغار منها ولكني أخشاها ، إنك لا تعرف أودري يا نيفل ، .
- كيف لا أعرفها وقد عاشرتها ثماني سنوات .
- أؤكد لك أنك لا تعرفها ..