الفصل 17

9 0 00

كان الطعام شهيا والشراب جيدا والخدمة لا غبار عليها مما جعل السيد تريفز يغبط في سره السيدة تريسليان لتوفيقها مع خدمها فقد كان كل شيء يجري في نظام رغم مرض صاحبة القصر .

دار السيد تريفز ببصره بين الضيوف واستقرت عينه على الصبية الفاتنة زوجة نيفل سترينج ، كان جمالها يتألق في ضوء الشموع التي تنير قاعة الطعام وكانت تدني رأسها بين الفينة والفينة من رأس أدوارد لاتيمر وتضحك في سرور ومرح وتدير البصر بمن حولها كما تفعل المرأة التي تثق بنفسها وتشعر بأنها سيدة الحفل ، وأحس السيد تريفز أمام هذه الفتنة الطاغية والحيوية المتدفقة بأن دم الشباب يجري في عروقه من جديد

وقال لنفسه : لا عجب إذا كان زوجها قد فقدَ صوابه فهجر زوجته الأولى من أجلها .وكانت أودري تجلس بجواره وقد أحس لأول وهلة بأنها سيدة مهذبة على خلق عظيم ولكنه كان يعلم بخبرته إن هذا النوع من النساء هو الذي يهجره الأزوج .نظر إليها من ركن عينه فرآها

مطرقة برأسها تنظر إلى الطبق أمامها دون أن تحرك ساكنا ، فتساءل في نفسه : ترى فيما تفكر ؟

شرع الضيوف في الانتقال من قاعة الطعام إلى غرفة الاستقبال ، وأدارت كاي الجرافون ليرسل أنغم موسيقى أحدى الرقصات فالتفتت ماري إيلدن إلى السيد تريفز وقالت معتذرة : لا شك أنك تكره موسيقة الجاز .

فقال كاذبا ولكن في أدب : لا إطلاقا .

- سنلعب لعبة البريج فيما بعد فإنني أعلم أن السيدة تريسليان سترسل في طلبك .

كانت كاي تتهادى في وسط الغرفة ولم تلبث أن قالت بلهجة الأمر وعيناها تتألقان : انقل هذه المائدة من هنا يا نيفل حتى يتهيأ مكان للرقص .

فأطاع نيفل ونقل المائدة من مكانها ثم تقدم ناحية كاي ولكنها أعرضت عنه عمدا وقالت : تعال يا أدوارد ، دعنا نرقص .

فخف إليها أدوارد على الفور فأحاط خصرها بساعده ورقص الاثنان معا رقصة تناسقت فيها خطواتهما وحركتهما أثارت الإعجاب مما حمل السيد تريفز على التمتمة قائلا : ما أروع رقصهما كأني بهما من المحترفين .

وسمعته ماري إيلدن فنظرت إلى وجهه المجعد لعلها تفهم ماذا عنى بعبارته ولكن العجوز كان مستغرقا في التفكير .

فقالت لتخرجه من صمته : إن الجو دافئ بالنسبة لهذا الشهر م السنة أليس كذلك ؟

قال : آه حقا ، رغم أن المزارعين في هذه المنطقة بحاجة إلى أمطار هكذا قيل لي في الفندق .

- هل أنت راضٍ عن الإقامة في فندقك ؟

- نعم رغم أنني تضايقت كثيرا عندما ...

ولم يتم عبارته فقد رأى نيفل ينهض عن مقعده ويتردد لحظة ثم يقترب من أودري التي كانت تطل من النافذة وهناك قاللها في أدب وبصوت فاتر : هل ترقصين يا أودري ؟

فالتفتت أودري ثم ئأطرقت برأسها موافقة ، فصال الاثنان بضع دقائق وفجأة قالت أودري : وهي تضحك : إن الحر شديد ولا يشجع على الرقص .

فابتعدت عن نيفل وخرجت إلى الشرفة ، هنا غمغمت ماري إيلدن اتبعها أيها الغبي .

وعلى الرغم من أن صوتها كان خافتا إلا أن السيد تريفز قد سمعها فنظر إليها في دهشة فارتبكت واحمر وجهها وقالت ضاحكة : كنت أفكر بصوت مرتفع فإن إبطاءه يغيضني .

- من تعنين السيد سترينج ؟

- لا أعني توماس رويد .

همَّ توماس باللحاق بأودري في الشرفة ولكن نيفل سبقه إليها وأرسل السيد تريفز بنظره إلى الشرفة لحظة ثم رده إلى الراقصين وقال : إن السيد لاتيمر راقص بارع هل هو صديق قديم للسيدة سترينج ؟

- نعم .

- هل يزاول هذا الشاب الأنيق عملا ما ؟

- الحق إنني لا أعلم .

فهز السيد تريفز رأسه بطريقة لها مغزاها واستطردت ماري إيلدن قائلة : إنه يقيم في فندق إيسترهيد .

- إن رأسه بارز إلى الخلف على نحو يلفت النظر ولكنه يحاول أن يحجب هذا البروز بطريقة خاصة في تصفيف شعره .

صمت قليلا ثم عاود الحديث قائلا : آخر رجل رأيت له مثل هذا الرأس حُكِم عليه بالأشغال الشاقة لاعتدائه على تاجر جواهر عجوز .

- لا شك أنك لا تعنيه .

فقاطعها قائلا بسرعة : لا على الإطلاق ، إنك تسيئين فهمي ، ما قصدت التعريض بأحد ضيوفك إنما أردت أن أقول إن المجرم العتيد والشاب الأنيق الظريف يمكن أن يشتركان في بعض الصفات الجسدية .

فنظرت إليه طويلا ثم قالت : إنك تخيفني يا سيد تريفز .

- حقا ، ولماذا يا سيدتي العزيزة ؟

- إنك قوي الملاحظة لا يفوتك شيء .

- إن عيني لم يدركهما ضعف أو وهن ولا أدري هل ذلك من حسن الحظ أَم من سوئه .

- كيف يمكن أن يكون ذلك من سوء الحظ ؟

- إن قوة الملاحظة تضع الإنسان أحيانا في موقع المسؤولية حيث يتعذر عليه اتخاذ القرار السليم .

وفي هذه اللحظة دخل كبير الخدم حاملا أقداح القهوة فأومأت إليه ماري إيلدن أن يضعها على أحدى الموائد .

قالت كاي وهي تراقص لاتيمر : سأتناول القهوة بعد الفراغ من هذه الرقصة .

قالت ماري : سأحمل إلى أودري قدحا .

وحملت القدح وسارت به إلى الشرفة فتبعها السيد تريفز وأطل من فوق كتفها فرأى أودري جالسة على حاجز الشرفة وأشعة القمر تضيء وجهها وتبرز جمال تقاطيعه ونبل قسماته ، وكانت ساكنة صامتة لا تأتي بحركة ولا تنطق بكلمة ، ونيفل على كَثَب منها يتفرس في وجهها ولا يحول عينيه عنها ، وأخيرا خطا نيفل خطوة للأمام وبدأ يتكلم ،

قال : الحق يا أودري إنكِ ...

ولكنها وضعت أصبعها على أذنها ووثبت من مكانها فجأة وهي تقول : قُرطي لقد أضعت قُرطي .

- أين ؟

وانحنى الاثنين للبحث عن القرط وارتطم رأساهما فتراجعت أودري على الفور فصاح نيفل : صبرا لحظة ، لقد اشتبك زر كمي بجدائلك لا تتحركي .

وأخذ يحاول تخليص شعرها من زر الكُم .

فقالت بعد قليل : اسرع وكن حذرا ، إنك تقتلع شعري من جذوره .

- آسف يا أودري ، .

وفي ضوء القمر الساطع رأت ماري إيلدن والسيد تريفز أن أصابع نيفل ترتجف بشدة وهو يحاول فصل زر كمه من شعر أودري ، وفي هذه اللحظة شق توماس رويد طريقه من بين ماري وتريفز ومضى إلى حيث كان نيفل وأودري وقال : هل تسمحان لي بمساعدتكما ؟

فرد نيفل : شكرا لقد نجحت أخيرا .

رفعت أودري رأسها ثم تراجعت قليلا فلاحظ توماس أن رجفة مرت بجسدها فقال لها : هل تشعرين بالبرد ، هلُمي إلى الداخل لتتناولي قهوتكِ .

ورافقها إلى قاعة الاستقبال في اللحظة التي فُتِحَ فيها باب القاعة ودخلت امرأة طويلة القامة ترتدي ثوبا أسود وقالت باحترام : يسر السيدة تريسليان أن تستقبل السيد تريفز في غرفتها .

كان سرور السيدة تريسليان بلقاء السيد تريفز واضحا ، ولم تمض بضع دقائق على اجتماعهما حتى كانا يخوضان معا في خضم الذكريات ،

وأخيرا تنهدت السيدة بارتياح قائلة : لقد أمتعني حديثك يا سيد تريفز ، فليس هناك أجمل من حديث عن الماضي وإزالة الغبار عن الفضائح القديمة .

فقال تريفز : إن الحديث عن فضائح الناس وإن يكن خطيئة إلا أني أعده من توابل الحياة .

- بهذه المناسبة يا سيد تريفز ما رأيك في النموذج الطريف للمثلث الأبدي ؟

فنظر إليها في فضول وسأل : أي مثلث ؟

-- لا تزعم أنك لم تلاحظ شيئا ، إنني أعني نيفل سترينج وزوجتيه .

- آه إن السيدة سترينج الجديدة سيدة رائعة الجمال .

- وكذلك أودري .

- نعم ، إنها ظريفة .

- هل تريد أن تقول أنك تجد مبررا لأن يترك الرجل امرأة ذات شخصية نادرة مثل أودري من أجل مخلوقة مثل كاي ؟

فأجاب بهدوء : نعم ذلك يحدث غالبا .

- لو أنني كنت رجل لسأمت كاي بعد وقت قصير ولندمت على حماقتي .

- وذلك أيضا يحدث غالبا ، إن الافتتان الفجائي قَلما يعمر طويلا .

- وماذا يحدث بعد إذن ؟

- يحدث عادة أن يحدد كل من الطرفين موقفه وغالبا ما يقع الطلاق ويتزوج الرجل للمرة الثالثة من امرأة تعطف عليه .

- هراء ، إن نيفل ليس من هواة تعدد الزوجات .

- يحدث أحيانا أن يعود الزوج إلى زوجته الأولى .

فهزت السيدة رأسها وقالت : لا ، إن كبرياء أودري وكرامتها يحولان دون ذلك .

- لقد عرفت من خبراتي أن المرأة تتنكر لكل اعتبارات الكرامة إذا كان الأمر متعلق بالحب ، إنها تتشدق بالكرامة لكنها لا تقيم لها وزنا في تصرفاتها .

- أنت لا تعرف أودري إنها كانت تحب نيفل حبا عنيفا فحينما هجرها من أجل فتاة انهارت . أنا لا ألومه كل اللوم فقد طاردته الفتاة بإلحاح حتى اقتنصته . لقد أكدت أودري أنها لا تريد أن تراه مرة أخرى .

فسعل السيد تريفز بهدوء وقال : ومع ذلك فإنها قدمت إلى هنا .

- لستُ أزعم أني أفهم الأفكار الحديثة ولكني أعتقد أن أودري إنما جاءت لكي يعلم الجميع إنها لا تحفل بنيفل .

- ربما ، لكني أشعر أن في الجو توترا وقلقا .

- هل شعرت بذلك أنت أيضا :؟

- إنني أعرف أحاسيس الأطراف ذات الشأن ولكني أشعر كأن في هذا القصر برميل بارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة .

- دعك من الإسراف في التشاؤم وحدثني ماذا ينبغي أن أفعل ، إنني لن أطالب أودري بالرحيل فقد كان سلوكها في هذا الموقف الدقيق سليما ومؤدبا ولا غبار عليه .

- هذا صحيح ولكن سلوكها رغم استقامته له تأثير واضح على نيفل سترينج .

- إن نيفل سيتصرف ، وسوف أصارحه بذلك ولكنني لا أستطيع أن أطالبه أيضا بالرحيل فقد كان ماتيو يعتبره ابنه .

- أعلم ذلك .

-- هل تعلم أن ماتيو مات غرقا ؟

- نعم .

- لقد دُهِشَ الكثيرون لأني لم أنتقل من هذا القصر بعد وفاة ماتيو ، وأنا في الواقع أشعر بأنه على مَقْرُبة مني هنا ، إن القصر مليء به ومن المحقق أني سأشعر بالوحدة والعزلة إذا أقمت في مكان آخر ، كنت أرجو في البداية أن ألحق به بسرعة ، خاصةً حين اعتلت صحتي ولكن يبدو أنني من أولئك المرضى المأبودين الذين لا يموتون أبدا .

وتنهدت بحزن واستطردت قائلة : كنت أتمنى متى حانت ساعتي أن أرى الموت وجها لوجه لا أن أشعر به يتسلل من ورائي ، فأهبط إلى درك أدنى عقب كل مرض أحس أني عالة على الآخرين .

- أنتِ لسْتِ عالة على أحد ، الجميع هنا يُخْلِصون لكِ ، هل لديكِ وصيفة أمينة ؟

- لدي جين باريت المرأة الطويلة التي استدعتك لمقابلتي ، إنها حازمة ومُخْلصة لقد قضت في خدمتي سنوات عديدة .

- ومن حسن حظك إن لديك كذلك الآنسة ماري إيلدن .

- أصبت ، وأنا سعيدة لوجودها معي .

- هل هي أحدى قريباتكِ ؟

- إنها تنتسب إلى أسرتي من بعيد ، ومن أبرز صفاتها أنها تمتاز بإنكار الذات فهي من أولئك الذين يضحون بحياتهم من أجل الآخرين ، كانت تعتني بأبيها المريض فلما مات رجوتها أن تقيم معي وإني أبارك اليوم الذي جاءتني فيه ، إنها ذكية ورزينة وواسعة الاطلاع وفي استطاعتها أن تناقش أي موضوع يطرح للبحث وهي فضلا عن ذلك مدبرة من الطراز الأول تعرف كيف تسوس الخدم دون أن تثير عوامل الخلاف والغيرة بينهم وإني لأعجب كيف تستطيع ذلك لا شك إنها على جانب كبير من الكياسة .

- هل تقيم معكِ منذ وقت طويل ؟

- منذ ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاما .

هنا أطرق السيد تريفز برأسه ونظرت إليه السيدة تريسليان من ركن عينها خلسة ثم قالت بغتةً : ماذا بك هل هناك ما يشغلك ؟

- لا كنت أفكر في أمر تافه ولكنكِ قوية الملاحظة يا سيدتي .

- إنني مولعة بدراسة الناس وكنت دائما ألاحظ ماتيو وأعلم بما يدور في خلده .

ثم تنهدت واستلقت على فراشها وقالت : يجب أن أودعك الآن أيها الصديق فإنني متعبة ، وقد أمتعتني بهذا اللقاء وأرجو أن أراك مرة أخرى قريبا .

- كل ما أرجوه ألا أكون قد أثقلت عليكِ بالحديث .

- لا لا ، إنني دائما أشعر بالتعب ، فهل لك أن تدق الجرس قبل أن تنصرف ؟

وأشارت إلى شريط يتدلى فوق الفراش .

فقال السيد تريفز : هذا نوع من الأجراس قد عفا عليه الزمن .

- إنني لا أطيق الأجراس الكهربائية فهي سريعة التلف أما هذا النوع من الأجراس فإنه لا يعطب أبدا ، إنني أجذب هذا الشريط فيدق الجرس المتدلي فوق فراش جين باريت فتلبي دعوتي دون إبطاء .

جلب السيد تريفز الشريط وغادر الغرفة دون إبطاء وما كاد يسير بضع خطوات حتى رأى جين باريت تهبط درج السلم مسرعة .

عاد تريفز إلى قاعة الاستقبال وما أن أبصرته ماري إيلدن حتى اقترحت عليه أن يلعب الجميع البريج ولكن المحامي العجوز رفض بأدب بحجة أنه سينصرف بعد قليل ، .

قال :إن أصحاب الفندق الذي يقيم فيه يطالبون النزلاء بالعودة قبل منتصف الليل .

فقال نيفل : والكن الساعة الآن العاشرة والنصف فهل تتوقع أن يوصدوا باب الفندق قبل عودتك ؟

- لا بل أشك أن يوصدونه في أي وقت ، إنهم يغلقون الباب وما على القادم إلا أن يحرك المقبض ويدخل يخيل إلي أن أهل هذه المنطقة أمناء .

فقالت ماري إيلدن : في الواقع أن لا أحد هنا يغلق بابه نهارا ، إن بابنا يظل مفتوحا طول النهار ولكننا نوصده ليلا .

قال أدوارد لاتيمر : كيف الحال في فندق بالمورال أن مبناه يبدو شديد الكآبة ؟

فقال تريفز : لكنه يجمع كل وسائل الراحة ، أَسرة كبيرة وطعام جيد ودواليب ضخمة وحمامات فسيحة .

قالت ماري إيلدن أذكر أنك قلت أن شيئا ما قد ضايقك عندما ذهبت إلى هذا الفندق .

- الواقع أنني كتبت لهم طلبا أن يجهزوا لي غرفتين في الطابق لأنني مريض بالقلب ومحضور علي ارتقاء السلم ، لكني عندما وصلت إلى الفندق وجدت أن جميع الغرف في الطابق الأرضي مشغولة وإنهم قد حجزوا لي غرفتين في الطابق الثاني فكدت أن أحتج وأعود من حيث أتيت إلا أني وجدت في الفندق مصعدا مريحا .

قالت كاي : لماذا لا تقيم في فندق بالمورال يا أدوارد لكي تكون أقرب إلينا ؟؟

أجاب الشاب : إنه فندق عتيق ولا أظنه يلائمني .

قال تريفز : أصبت يا سيد لاتيمر إنه لا يلائم أمثالك .

احمر وجه الشاب وقال : ماذا تعني يا سيدي ؟

وتوجست ماري إيلدن قلقة من أن يتطور الحوار بين الرجلين فأسرعت مبادرة بالقول : قرأت أنهم اعتقلوا أحد الأشخاص في على ذمة قضية الحقيبة التي عُثر عليها في فندق كنتش تاوْن وبها جثة فتاة .

فقال نيفل : هذا ثاني شخص يعتقلونه وقد ثبتت براءة الأول ، أرجو أن يكونوا قد وُفِقوا إلى الفاعل الحقيقي هذه المرة .

قال السيد تريفز :حتى لو كان هو الفاعل الحقيقي فإنهم لن يستطيعوا اعتقاله طويلا .

فسأله رويد : لماذا ، ألِعدم كفاية الأدلة ؟

- نعم .

قالت كاي : إنهم يجدون الأدلة دائما في النهاية .

قال تريفز : ليس دائما يا سيدة سترينج ، وسوف تدهشين إذا عرفت عدد الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم القتل ومازالوا يعيشون أحرارا لا يعترض طريقهم أحد .

- لأن لا أحد يعلم بأنهم الفاعلون .

- ليس ذلك فقط ، فهناك مثلا القضية التي شغلت الرأي العام قبل سنتين فالبوليس يعرف الرجل الذي قتل أولئك الأطفال بل ويعرفه على وجه اليقين لكنه لا يستطيع حياله شيئا إذ شهد شخصان بأن المتهم كان بعيدا عن مكان الجريمة وقت حدوثها وعلى الرغم من أنهم كانوا متأكدين من أن الشاهدين كانا شاهدا زور ومع ذلك لم يستطيعوا إقامة الدليل على

إثبات كذبهما والقاتل لا يزال حرا طليقا .

فدق توماس رويد غليونه وقال : هذا يؤكد فكرة جالت بخاطري ، على أنه يحق للأنسان في ظروف معينة أن يجعل من نفسه قاضيا وجلادا وينفذ حكم العدالة بنفسه ، .

- ماذا تعني يا سيد رويد ؟

- هَب أنك علمت أن رجلا ارتكب عملا وإن القانون لا يستطيع النيل منه لسبب أو لآخر ألا يجوز لك أن تقتص منه بنفسك ؟

- هذا مبدأ شديد الخطورة يا سيد رويد .

- إنني أفترض حقائق ثابتة وإن القانون عاجز .

- ذلك لا يبرر أن يقوم الفرد بوظيفة القانون إنني أعرف قضية ...

وصمت لحظة ثم استطرد معتذرا : إنني من هواة علم الجريمة ..

فقالت كاي : امضِ في حديثك يا سيد تريفز ماذا أردت أن تقول ؟

- لقد مر بي الكثير من القضايا والجرائم وكان عدد ضئيل منها جديرا بالاهتمام وسأحدثكم الآن عن إحداها ، .

ثم راح يتكلم بهدوء ووضوح قائلا : القضية التي سأحدثكم عنها بطلها طفل لا أذكر اسمه أو سنه لكني أذكر أنهما كانا طفلان يلعبان بالأقواس والسهام فأطلق أحدهما سهما أصاب الآخر في مقتل وصرعه على الفور ، وجرى تحقيق مع الطفل المعتدي وقد كان في حالة يرثى لها من الحزن والأسى ، بحيث أصبح موضع عطف الجميع .

وصمت السيد تريفز فصاح لاتيمر : وانتهى الأمر ؟

- نعم أنتهى الأمر ، كان حادثا يؤسف له وقع قضاءً وق\درا ولا حيلة للقانون فيه ، ولكن كان للقصة وجه آخر فقد حدث قبل ذلك ببضعة أيام أن كان أحد المزارعين يمر بغابة قريبة فشاهد طفلا على استعمال القوس والسهم ...

وصمت تريفز مرة أخرى ليسمح لعقول السامعين باستيعاب هذه الحقيقة .

فهتفت ماري : هل تعني أن الحادث لم يكن قضاءً وقدرا وإنما كان متعمدا ؟

- لا أعلم ولا أستطيع أن أقطع برأي فلقد قيل في التحقيق أن الطفلين لم تكن لهما دراية باستخدام الأقواس والسهام وإن الحادث وقع نتيجة لذلك .

- وما قيل لم يكن صحيحا ؟

- لم يكن صحيحا بالنسبة لأحد الطفلين على الأقل .

قالت أودري بصوت خافت : وماذا فعل المزارع ؟

- لم يفعل شيئا ، ولستُ أدري هل أخطأ بذلك أَم أصاب ، كان مستقبل الطفل المتهم في خطر ولعل المزارع رأى أن من حق الطفل أن يُمنح فرصة الإفادة من الشك لأن المزارع لم يكن واثقا من أن الطفل الذي رآه هو نفس الطفل المتهم .

قالت أودري : وأنت هل خامرك شك بشأن الحقيقة فيما حدث فعلا ؟

أنا شخصيا أعتقد أن الحادث كان جريمة قتل بارعة دُبِرت بمهارة وتمت دراستها جيدا قبل تنفيذها .

- وهل كان لها سبب؟

- كان سببها المعاكسات والألفاظ الغير كريمة التي يتبادلها الأطفال فتثير كراهية بعضهم للبعض الآخر ، إن الكراهية تتولد في نفس الأولاد بسهولة .

قالت ماري : ولكن تدبير الجريمة والإصرار على تنفيذها .

- نعم ونية القتل والتدريب يوما بعد يوم على إطلاق السهم وإصابت الهدف ثم التظاهر بالحزن واليأس كلها أمور لا يمكن أن يصدقها عقل ولو طرحت أمام المحكمة لما صدقتها .

فسألت كاي في فضول : وماذا كان مصير هذا الطفل ؟

=- بعد الضجة التي أثيرت في الصحف حول القضية رأى أهل الطفل من الأفضل تغيير اسمه ، وتم لهم ذلك وقد أصبح الطفل الآن رجلا ناضجا يعيش في مكان ما على سطح هذه الأرض ، ولكن السؤال المهم هو هل مازال يحتفظ بنزعاته الإجرامية ؟

وأطرق السيد تريفز برأسه مفكرا ثم استطرد قائلا : مضت سنوات عديدة لكني أستطيع التعرف على القاتل الصغير حالما يقع عليه بصري في أي مكان .

فهتف رويد بلهجة من لا يصدق ما سمع : أيمكن هذا ؟

أجاب تريفز : نعم ، لأن في جسده علام مميزة ولكن دعنا من الحديث في هذا الموضوع إنه ليس من الموضوعات السارة ، أظن أن علي وجوب العودة إلى الفندق الآن .

نهض واقفا وهنا قالت ماري : ألا تتناول شيئا من الشراب يا سيد تريفز ؟

وكانت صفحة الشراب على المائدة .

قال توماس رويد : هل لك بكأس من العصير يا سيد تريفز وأنت يا سيد لاتيمر .

قالت أودري : إنني متعبة سأذهب لأنام .

وقالت ماري : وأنا أيضا ، أرجوك أن تعنى بالسيد تريفز يا توماس .

قالت كاي وهي تتثاأب : أكاد أسقط من الإعياء طاب مساؤكم .

وانصرفت النساء الثلاثة .

قال لاتيمر يحدث السيد تريفز : سأسير معك في نفس الطريق يا سيدي إنه يؤدي إلى حيث يوجد زورق العبور .

- سوف يسرني أن أكون برفقتك يا سيد لاتيمر .

وقضى تريفز اللحظات التالية في ارتشاف الشراب والاستفسار من توماس رويد عن الحياة في الملايو ، ولم يلبث لاتيمر أن أحس بالسأم فاستأذن في الخروج إلى الشرفة حيث كان نيفل ، وشيعه تريفز ببصره حتى خرج ثم قال : هذا الشاب كثير الحركة ولا يقر له قرار هل هو صديق للسيد سترينج فقط ؟

قال رويد مصححا : للسيدة سترينج .

- هذا ما أعنيه فإنه ليس الطراز الذي ترضيه السيدة أودري سترينج كصديقة ، هل أنت صديق للسيدة أودري يا سيد رويد ؟

- نعم .

- لا بد أنها كانت على جانب كبير من الجمال وهي شابة ؟

فأطرق توماس برأسه ولم يجب .

قال المحامي الشيخ : إن وجود الزوجتين تحت سقف واحد يضع أودري في مركز دقيق .

فقال توماس وقد احمر وجهه : بل غاية في الدقة والحرج .

فانحنى تريفز إلى الأمام وقال بحدة :ولماذا جاءت يا سيد رويد ؟

- أعتقد إنها لم تشأ الرفض

- ترفض ماذا ؟

- الواقع أنها اعتادت القدوم إلى هذا القصر في شهر أيلول من كل عام .

- ورغم ذلك أقدمت السيدة تريسليان على دعوة نيفل وزوجته الجديدة للإقامة عندها في نفس الشهر ؟

- أعتقد أن نيفل هو الذي طلب ذلك .

- أتعني أنه كان يرغب في اللقاء بين الزوجتين ؟

- هذا ما أظنه .

وفي هذه اللحظة أقبل نيفل ولاتيمر من الشرفة فقال تريفز وهو ينهض : أظن أني يجب أن انصرف الآن

قال ذلك ثم ارتدى معطفه وودع نيفل .

ثم غادر البيت في طريقه إلى فندق بالمورال وبرفقته أدوارد لاتيمر وتوماس رويد .

وكان الفندق يقع على مسافة 100 متر بينما كان مرفأ زوارق العبور يبعد 300 متر .

فتح تريفز باب الفندق ودخل وتبعه الرجلان وكان البهو معتما لا يضيءه سوى مصباح واحد صغير ، وفجأة أفلتت من تريفز آهة تدل على الضيق حيث رأى على باب المصعد ورقة كُتِب عليها المصعد معطل .

قال المحامي العجوز : يا إلهي يجب أن أصعد كل هذه الدرجات .

قال رويد : ألا يوجد مصعد آخر لنقل البضائع والحقائب ؟

- لا ، إنهم يستخدمون هذا المصعد في جميع الأغراض ، لا مناص من أن أصعد سيرا على الأقدام ، سأسير ببطء طاب مساؤكما .