أبطال المأساة

9 0 00

11 كانون الثاني يناير

تحرك الرجل بفراشه في المستشفى وكتم أنَّة توجع كادت أن تفلت من فمه ونهضت الممرضة المشرفة على عنبر المرضى من مقعدها واقتربت من فراش الرجل وأعادت تنظيم وسائده ، وحركت جسد الرجل ليستقر في وضع مريح ، وتمتم الرجل بكلمة غير واضحة على سبيل الشكر ،

وكان يشعر بمزيج من الغضب والمرارة ويلعن في سره تلك الشجرة العجيبة التي نمت تحت الربوة فلم يفطن إلى وجودها ولعن أولئك العشاق المغفلين الذين يتحدون البرد والصقيع لينعموا بالخلوة فوق ربوة تطل على البحر ، لولا تلك الشجرة اللعينة وأولئك العشاق الحمقى لانتهى كل شيء ،

لم يكن الأمر سيكلفه اكثر من قفزة الى الماء المثلج العميق ومقاومة وجيزة ثم تأتي الغيبوبة وتنتهي حياة عقيمة لا معنى لها ولا هدف ولا قيمة ،

والآن أين هو ؟ إنه طريح في الفراش في المستشفى ومصاب بكسر في أحدى ضلوعه ومن المحتمل جدا أن يُقَدَّم للمحاكمة بتهمة محاولة الانتحار ، قَبَّحهم الله ، إنها حياته هو أليس كذلك ؟

ولو قد نجحت محاولته ، لَواروه التراب بكل الاجلال والاحترام باعتباره انسان بائس فقد عقله.

حقا ، !!! إنه لم يكن في وقت ما أعقل مما كان حين ألقى بنفسه من فوق الربوة لتتلقفه تلك الشجرة اللعينة وتكسر ضلعه ، وإقدامه على الانتحار كان الشيء الوحيد المعقول الذي يجب أن يفعله رجل في مثل مركزه ، رجل اعتَّلت صحته وهجرته زوجته وفقَدَ عمله وأصبح بلا مال أو صحة او أمل والآن هاهو في موقف يبعث على السخرية وسوف ينحي عليه القاضي باللائمة لأنه فعل الشيء الوحيد المعقول بحياته التي هي ملك خاص له لوحده .

وأفلتت من فمه أنه عميقة فأسرعت اليه الممرضة مرة أخرى ، كانت في مقتبل العمر ذات شعر أحمر ووجه لا يعبر عن شيء سألَتْه : هل تتألم كثيرا يا سيد ماكويرتر ؟

- لا .

- سأعطيك عقارا منوما .

- لا لا تفعلي .

- ولكن ،

- أتظنين أني لا أستطيع تحمل الألم والأرق ؟

فارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وقالت : لقد سمح الطبيب بأن تتناول عقارا منوما .

- لا يهمني الطبيب وما يسمح به .

فنظمت الممرضة الاغطية ووضعت كوب من عصير الليمون على المائدة الصغيرة بجوار الفراش .

فقال وقد أحس بالخجل من خشونته : آسف فقد كنت فظا .

- لا عليك .

وضايقه أنها لم تعبأ قليلا او كثيرا بخشونته ونوبات غضبه وغاب عنه أنها كممرضة ترى من واجبها أن تنأى بنفسها عن مثل هذه الانفعلات وإنها تعامله كمريض ، لا كرجل .

واستطردت قائلة : لا عليك ستكون بحال أفضل غدا صباحا .

فصاح : تبا لَكُنَّ أيتها الممرضات إنكن مجردات من كل شعور شعور إنساني .

- نحن أعرَف منك بمصلحتك .

- ما يغيضني منكن ومن المستشفى ومن الدنيا كلها هو التدخل المستمر في شؤون الغير بدعوى أنكن تعرفن مصلحتهم اكثر منهم ، إنني حاولت الانتحار هل تعلمين ذلك ؟

- نعم .

- ولا شأن لأحد بي سواء ألقيت بنفسي من فوق ربوة او تحت قطار ، إن صلتي بالحياة قد انتهت تماما .

فقلبت شفتها ولم تجب .

صاح : لماذا لا أستطيع أن أقتل نفسي متى شئت ؟

- لأن ذلك خطأ .

- لماذا ؟

فنظرت اليه في ارتياب ولم تجد ما تعبر به عن شعورها ولكنها قالت بهدوء : على الانسان أن يعيش سواء أراد او لم يرد .

- وماذا يجعلك أنتِ تعيشين ؟

- لعل هناك من هو بحاجة إلي .

- إنني أختلف عنْك في ذلك فليس في الدنيا كلها شخص واحد يهمه أن أعيش او أن أموت .

- اليس لك أقارب ، اليس لك أم او أخت ؟

- لا ، كانت لي زوجة هجرتني ، وبحق وجدت أني انسان تافه لا فائدة منه .

- ولكنه من المؤكد أن لك أصدقاء ؟

- لست الرجل الذي يأنس اليه الأصدقاء ، أصغِ إلي أيتها الممرضة سأروي لكِ قصة ، إنني كنت رجلا سعيدا في وقت ما ، كانت لي وظيفة طيبة وزوجة جميلة وذات يوم وقع حادث سيارة ، كان صاحب العمل يقود السيارة وكنت راكبا فيها معه فطلب مني أن أشهد بأنه كان يقود السيارة بسرعة أقل من ثلاثين كيلومترا حين وقع الحادث ، والحقيقة أنه كان يقود بسرعة تزيد على 50 كيلومترا ولم يسفر الحادث عن مقتل احد ولكنه أراد أن يكون موقفه سليما أمام شركة التأمين ، غير أنني رفضت أن أشهد بما أراد ، رفضت أن أكذب لأنني أمقت الكذب .

- اظن أنك كنت على حق .

- أتظنين ذلك ؟ ولكن ما قولك في أن أصراري على الحق أفقدني وظيفتي ! لقد حنق علي صاحب العمل ففصلني وبذل قصارى جهده ونقوده لكي لا أحصل على عمل آخر ، وضاقت زوجتي ذرعا بتعطيلي فهربت مع رجل من أصدقائي كان يشغل وظيفة طيبة وينتظره مستقبل باهر بينما كنت انا أتدهور باستمرار ، فأفرطتُ في الشراب وأضعت بذلك كل فرص العمل وانتابتني الأمراض وقال الطبيب إني لن أَسترد صحتي فلم أجد بعد ذلك ما أعيش من أجله ، وكان أسهل حل وأيسره أن أتخلص من حيا ةلا جدوى منها لأحد .

فغمغمت الممرضة قائلة : ما أدراك ؟

فضحك ، أضحكه عنادها الساذج وقال لها : يا ابنتي العزيزة ما فائدتي الآن لأي انسان ؟

فأجابت بشيء من الارتباك : من أدراك ؟قد تفيد أحدا يوما ما .

- يوما ما ؟ لن يكون هناك يوم ما وفي المرة القادمة سأكون حريص على ألا أفشل .

- في المرة القادمة ؟ لا إنك لن تُقْدِم على الانتحار مرة أخرى .

- وِلمَ ؟

- لأن الناس قلما يُقْدِمون على الانتحار مرتين .

فهَمَّ بأن يحتج ولكن أمانته الفطرية منعته من الكلام وراح يتساءل : هل كان في نيته حقا أن يعيد الكَرة ؟ وشعر فجأة بأنه لن يستطيع لغيرما سبب او ربما كان السبب ما قالته الممرضة بحكم خبرتها وهو أن الناس قلما يُقْدِمون على الانتحار مرتين ، بيد نه أراد أن يرغمها على الاعتراف بحقه في الانتحار من حيث المبدأ .

قال : على كل حال فمن حقي أن أفعل بحياتي ما أريد .

قالت : ليس ذلك من حقك ،

- ولمَ أيتها الفتاة العزيزة ؟

فاحمر وجهها وارتبكت لحظة يسيرة ولكنها ما لبثت أن قالت : أنت لا تفهم إن الله قد يريدك لأمر ما .

فبهت ولكنه لم يشأ أن يزعزع إيمانها الصبياني وقال ساخرا : لعله يريدني أن أمسك يوما ما بجواد جامح فأمنعه من أن يسحق طفلا ذهبي الشعر .

- إن وجودك في مكان معين في وقت معين حتى لو لم تفعل شيئا قد يؤدي ،،

وتلعثمت وازداد وجهها احمرارا وأردفت : لا أستطيع التعبير جيدا ، إنني أعني مجرد وجودك في مكان ما في وقت ما حتى ولو لم تفعل شيئا قد يكون في ذاته عملا عظيم الأهمية دون أن تدرك .