8 آذار مارس

9 0 00

جلس المفتش باتل إلى مائدة الفطور وبيده الرسالة التي قدمتها إليه زوجته وهي تبكي ، لم يبدُ عليه أي انفعال ، كان وجهه دائما جامد لا يعلوه أي تعبير وكأنه نحت من خشب .

قالت زوجته وهي تنشج بالبكاء : لا أستطيع أن أصدق إن سيلفيا تفعل ذلك .

كانت سيلفيا أصغر أولادها الخمسة وهي في نحو السادسة عشر من عمرها وكانت طالبة بمدرسة قريبة من ميدستون وكانت الرسالة من اللآنسة أميفري ناظرة المدرسة المذكورة وقد كتبتها بأدب ووضوح ولباقة وجاء فيها إنه حدثت بالمدرسة في الفترة الأخيرة عدة سرقات صغيرة حيرت إدارة المدرسة ، ثم اتضحت الأمور أخيرا واعترفت سيلفيا باتل بالسرقة وإن الناظرة تود مقابلة السيد باتل في أقرب فرصة ، لبحث الموقف .

وطوى المفتش باتل الرسالة ووضعها في جيبه وهو يقول لزوجته : دعي الأمر لي يا ماري .

ونهض من مكانه ودار حول المائدة وربت على كتف زوجته واستطرد قائلا : لا تنزعجي أيتها العزيزة سيكون كل شيء على ما يرام .

وبعد ظهر ذلك اليوم اجتمع المفتش باتل بالآنسة أميفري في مكتبها وكانت الآنسة أميفري مربية ناجحة ذات شخصية قوية وثقافة عصرية واسعة .

قالت للمفتش في معرض الحديث الذي دار بينهما : المهم أن نعالج الموضوع بحكمة وأن نضع نصب أعيننا مصلحة الفتاة وحدها إذ يجب ألا يتأثر مستقبلها أو حياتها بأي حال أو تشعر في أي وقت بعقدة الذنب وإذا وُجِهَ إليها لوم أو تعنيف على الاطلاق فيجب أن يكون بلباقة وبأقل قدر ممكن ، وينبغي قبل كل شيء حقيقة الأسباب الكامنة وراء هذه السرقات الصغيرة ، قد يكون أحد الأسباب شعورها بمركب نقص فإنها ليست بارعة في الألعاب الرياضية ولعلها أحست برغبة خفية في أن تلمع في مجال آخر ، فلذلك يجب أن نعمل بحذر شديد ،

وقد رغبتُ في مقابلتك أولا على انفراد لكي أوصيك بالرفق بها ، وأني أكرر ما قلته أولا إن أهم شيء هو التوصل إلى معرفة الدوافع وراء هذه السرقات الصغيرة .

فأجاب الرجل بهدوء وهو يقيِّم ناظرة المدرسة بنظرة فاحصة : إنني ما جئت إلا من أجل ذلك .

- لقد عاملتها بكل عطف ورفق .

- هذا كرم منك يا سيدتي ، حبذا لو رأيتها الآن إذا لم يكن هناك مانع .

فرافقته إلى غرفة صغيرة وقالت له : إنها سترسل إليه ابنته .

وعندما همت بمغادرة الغرفة استوقفها باتل قائلا : لحظة يا سيدتي ، كيف عرفتِ أن سيلفيا هي المسؤولة عن السرقات ؟

- عرفت ذلك بوسائلي السايكولوجية .

- ولكن أين الأدلة يا آنسة ميفري ؟

- إنني عرفت ما تعني يا سيد باتل ، إنك تطلب أدلة بالمعنى المتعارف عليه ، في مهنتك كشرطي ولكن الوسائل السايكولوجية والتحليل النفسي أصبحا شيئا معترفا به في علم الجريمة ، وأؤكد لك أنه لم يحدث أي خطأ أضف إلى ذلك أن سيلفيا اعترفت بكل شيء بمحض إرادتها .

- نعم ،نعم أعلم ذلك ، إني أردت أن أعرف كيف استدللتِ عليها .

- عندما تفاقمت حوادث السرقة دعوت الطالبات وطرحت عليهن الحقائق وتفرستُ في وجوههن وأنا أفعل ذلك ، ففوجئتُ بالاتعبيرات التي ظهرت واضحة على وجه سيلفيا ، وكانت تعبيراتها تنم عن الارتباك وإحساس بالذنب فعرفت على الفور إنها المذنبة ولكني لم أواجهها بالاتهام ، وإنما تركتها تعترف من تلقاء نفسها وذلك بأن أعددتُ لها اختبارا بسيطا على دلالات الألفاظ .

فهز باتل رأسه دلالة على أنه لم يفهم ، ونظرت إليه الآنسة أميفري وترددت لحظة ثم غادرت الغرفة .

وعندما فُتح باب الغرفة مرة أخرى كان باتل يطل من أحدى النوافذ فالتفت وراءه ببطء فأبصر ابنته ، كانت طويلة سمراء وعلى وجهها آثار الدموع .

قالت في خجل : هاأنا ذا يا أبي .

فنظر إليها باتل طويلا وهو شارد الذهن ، ثم تنهد وقال : ما كان ينبغي أن أُلحقكِ بهذه المدرسة ، وإن ناظرتها امرأة حمقاء .

فنسيت الفتاة متاعبها وتملكتها الدهشة وهتفت : الآنسة أميفري إنها رائعة ، الجميع يقولون ذلك .

- إذن فهي ليست حمقاء تماما مادامت قد استطاعت أن تترك في نفوسكن هذا الانطباع ، وعلى كل حال فإن هذه المدرسة لا تلائمكِ رغم أن ما حدث لك هنا كان يمكن أن يحدث في أي مدرسة أخرى .

فعقدت الفتاة أصابعها ونكست رأسها وهي تقول : - أنا آسفة يا أبي ، أنا آسفة حقا .

- يجب أن تكوني آسفة ، ، اقتربي مني .

فتقدمت نحوه ببطء وأمسك ذقنها بيده الضخمة ونظر في وجهها مليا ، ثم قال بلطف : إنكِ عانيتِ الكثير أليس كذلك ؟

فاغرورقت عيناها بالدموع .

قال ببطء : كنت أعرف منذ وقت طويل إن بك عيبا ، أكثر الناس لهم مواطن ضعف من نوع ما ، ومواطن ضعف الأطفال تبدو دائما واضحة وفي استطاعة الإنسان بسهولة أن يعرف الطفل الجشع أو الطفل السيئ الطباع أو المشاكس ، ولكنكِ كنت دائما طفلة هادئة وديعة دمثة الخلق وكان ذلك يهمني ويقلقني فإن صاحب العيب الخفي كثيرا ما يتحطم من أول صدمة .

- مثلي .

نعم مثلكِ ، فإنك تهاويتِ تحت الضغط بسرعة لم أشهد لها مثيل .

فقالت الفتاة فجأة : أظن أنك قابلت الكثير من اللصوص في حياتك العملية يا أبي .

- نعم ، وأعرف كل شيء عنهم لذلك أعتقد عن يقين لا كأب فإن الآباء لا يعرفون الكثير عن أولادهم وإنما كشرطي إنك لستِ لصة وإنك لم تسرقي شيئا من هذه المدرسة ، فإن اللصوص على نوعين ، نوع يستسلم للإغراء الفجائي القوي ونوع يأخذ ما ليس له بطريقة تلقائية ، وأنتِ لستِ من هذين النوعين ، لأنكِ لست لصة لكنكِ كذابة من طراز غير عادي ،

لقد اعترفتِ بكل شيء أليس كذلك ؟

- حسنا .

- اصغي إلي ، يحكى أن إحدى القديسات تعودت أن تملأ سلتها خبزا لتوزعه على الفقراء ولم يعجب ذلك زوجها ، واتفق أنه قابلها في الطريق وسألها عما في سلتها ففقدت أعصابها وقالت : إن في السلة زهورا .

فرفع الزوج الغطاء فرأى زهورا في السلة . كانت معجزة ، والآن لو أنك كنت قديسة وخرجتِ بسلة من الزهور وقابلتِ زوجك وسألكِ عما في السلة ستفقدين أعصابك وتقولين أن بالسلة خبزا .

وتريث لحظة ثم قال بلطف : ذلك ما حدث أليس كذلك ؟

صمتت الفتاة وقتا طويلا ثم نكست رأسها .

فاستطرد قائلا : أخبريني يا فتاة ماذا حدث بالضبط ؟

- إنها دعتنا جميعا وألقت علينا كلمة ولاحظت أنها تنظر إلي طول الوقت وأدركتُ أنها ترتاب فيَّ ، وشعرت بحمرة الخجل تصبغ وجهي ورأيت بعض الفتيات ينظرن إلي ، ثم راح غيرهن ينظرنن إلي ويتهامسن ، كان من الواضح أنهن جميعا يعتقدن أنني أنا اللصة ، وفي المساء دعتني الآنسة ميفري مع بعض الفتيات وشرعنا في لعبة تعتمد على الألفاظ ،

كانت تقول عبارة ونحن نبحث عن جوابها وكانت عباراتها جميعا تهدف إلى معنى واحد ، فقد فهمت هذا المعنى وأصابني نوع من الشلل ، وحاولت ألا أخطئ وأن أصْرِف ذهني عن المعنى الذي تهدف إليه ، بالتفكير في أشياء أخرى كالزهور والطيور ولكن الآنسة ميفري كانت تتفرس في وجهي بعينين كعيني الصقر ، ونظراتها تكاد أن تنْفذ إلى أعماقي ، وأخذ الموقف يزداد سوءً لحظة بعد أخرى .

وفي أحد الأيام دعتني إليها وتحدثت إلي برفق شديد وبأسلوب من يعرف بواطن الأمور ، فتداعيت واعترفت بالسرقة وأحسست بعد الاعتراف كأن عبءً ثقيلا قد زال عن صدري .

فهز الرجل رأسه في بطء وقال : هكذا ؟

- هل فهمت يا أبي ؟

- لا يا سيلفيا لم أفهم ، لأنني من طينة أخرى غير طينتك ولو طلب إلي أحد أن أعترف بشيء لم أفعله فإنني أبادر بلكمة تشوه وجهه ، ولكن لا بأس المهم الآن أن نجلو هذا الموقف القذر ، أين الآنسة ميفري .

كانت الآنسة ميفري تتسكع خارج الغرفة لكن الابتسامة تلاشت عن شفتيها حين قال لها المفتش باتل بصراحة : إنني أطالبكِ إنصافا لابنتي أن تستدعي البوليس المحلي للتحقيق في هذا الموضوع .

- ولكن يا سيد باتل إن سيلفيا نفسها ...

- إن سيلفيا لم تمس شيئا لا يخصها .

- إنني أفهم شعورك كأب .

- ولكني لا أتكلم كأب ، وإنما أتكلم كشرطي ، اطلبي البوليس لمساعدتكِ في إماطة اللثام عن المسؤول الحقيقي في هذه الحوادث ، وكوني مطمئنة إلى كياستهم وكتمانهم وأنا واثق من أنكم ستجدون الأشياء المفقودة مخبأة في مكان ما وعليها بصمات أصابع المسؤول ، إن صغار اللصوص لا يستخدمون القفازات .

أما الآن فسأصطحب ابنتي وإذا وجد البوليس دليلا يُدينها فإنني على استعداد لقتيادها بنفسي إلى المحكمة لتنال جزائها ، أنا مطمئن لبراءتها .

وبعد نحو خمس دقائق كان يستقل سيارته مع ابنته وقبل أن تتحرك السيارة سأل الفتاة : من الفتاة ذات الشعر الأشقر والعينين الزرقاوين والخدين الموردين التي رأيناها في الدهليز ؟

- إنها أوليف باسونز .

- لن أندهش إذا ظهر أنها لصة .

- لماذا هل كان يبدو عليها الخوف ؟

- لا ، كانت هادئة أكثر مما ينبغي ولقد رأيت من أمثالها في محاكم البوليس ، ولكنني أراهن على أنها ليست من الطراز الذي يعترف بسهولة .

فتنهدت الفتاة وقالت : يُخيَّل إلي أني كنت في حلم مزعج ، أنني آسفة يا أبي على أني تصرفت على هذا النحو .

فقال وهو يربت على كتفها : لا عليكِ يا بنيتي ، إن الأقدار تبتلينا بمثل هذه الأمور لاختبارنا ..