لقد قام كل منهم بدوره الصغير ، ثم اتخذت هذه الأدوار جميعا في النهاية صورة قضية أمام محكمة الجنايات .
وصمت قليلا ،وثم أخذ يدق ركبته بأنامله ثم استطرد قائلا : إنني أحب القصة البولسية الجيدة ولكن القصص جميعا تبدأ بداية خاطئة ، إنها تبدأ بجريمة قتل ، في حين إن جريمة القتل هي النهاية ، أما بداية القصة فهي قبل ذلك بكثير ، حين تتهيأ الأسباب وتبدأ الأحداث التي تسوق أناسا معينين ، إلى مكان معين في ساعة معينة ، إليكم مثلا شهادة الخادمة في قضية
اليوم ، لو لم تخطف الطاهية عشيقها لما تركت عملها الأول لتلتحق بخدمة أسرة لامورن وتصبح شاهدة النفي الرئيسية في القضية ، وذلك الخادم المدعو جوزيبي أنطونيللي ، لقد جاء من إيطاليا خصيصا ليعمل مكان أخيه حتى ينعم أخيه بإجازة قصيرة ، وقد كان الأخ ضعيف البصر فلو أنه لم يحصل على إجازة لما رأى ما رآه جوزيني أنطونللي في خلال
الفترة القصيرة التي قضاها في خدمة الأسرة ، ولو لم يشغل الشرطي بمغازلة الطاهية بالمنزل رقم 48 لما غاب عن دركه ساعة وقوع الجريمة ، كل هذه الاحداث الصغيرة التي بدأها أشخاص مختلفون في أماكن مختلفة وأوقات مختلفة قد تصاعدت وتبلورت وانتهت إلى ما أسميه ساعة الصفر ، وفي ههذه اللحظة مرت بجسده رعدة سريعة فقال قائل : هل تشعر بالبرد يا سيد تريفز ؟
- لا ، لا ، يبدو أن أحدهم مشى فوق قبري كما يقولون ، على كل حال أظن الوقت قد حان لكي أعود إلى بيتي .
وأومأ برأسه تحية للجميع . وغادر الغرفة وهو يمشي بخطوات بطيئة .
ومرت فترة صمت طويلة قبل أن يقول رافاس لورد وهو يهز رأسه : مسكين السيد تريفز لقد أوهنته الشيخوخة .
فقال القاضي كليفر : إنه رجل ذو عقل جبار ،
قال اللورد : أعتقد أنه يعاني مرض في القلب وقد يسقط ميتا في أي لحظة .
فقال لويس : إنه يعتني بنفسه أشد العناية .
وفي هذه الأثناء كان السيد تريفز يستقل سيارة فخمة ذهبت به الى بيت في حي هادئ ، وهناك خف كبير الخدم لمساعدته على خلع معطفه ، وسار تريفز بعد ذلك إلى غرفة المكتبة حيث كانت النار تتلظى في المدفأة ، وكان فراش تريفز يحتل ركنا في قاعة المكتبة ، فقد حرص الرجل على ألا يرقى السلم الى الطابق الأول نظرا لحالته الصحية ، وجلس الرجل أمام المدفأة وشرع في قراءة الرسائل التي وردت إليه في ذلك اليوم ،
وكان فكره لا يزال مشغولا بالنظرية التي أدلى بها في قاعة النادي ، فقال لنفسه : من يدري ، لعل هناك الآن مأساة أو جريمة قتل في مرحلة الاعداد ، لو أنني الآن في سبيل كتابة قصة بوليسية لبدأتها برجل متقدم في السن ، يقرأ رسائله أمام المدفأة ،ويتجه دون أن يدري نحو ساعة الصفر ،.
وفض أحدى الرسائل والقى نظرة سريعة على مضمونها ويبدو أنه وجد فيها ما رده من عالم الخيال الى دنيا الحقيقة فقد تقلص وجهه فجأة وقال هذا امر مزعج حقا ، يحدث ذلك بعد كل هذه السنين لقد قُلبت مشروعاتي رأسا على عقب .