كان اليوم هو 12 من أيلول ، قالت ماري إيلدن كمن تحدث نفسها : لم يبق سوى يومين .
وعضت شفتها على الأثر واحمر وجهها والتفتت إلى توماس وقالت : المعذرة لا أدري في الحق ما دهاني ، إنني طوال حياتي لم أتعجل انتهاء زيارة كما اتعجل انتهاء هذه الزيارة ، كنا دائما نرحب بنيفل وأودري ونستمتع بوجودهما معا ولكننا في هذه نشعر وكأننا نجلس فوق شحنة من الديناميت يمكن أن تنفجر في أي لحظة ولهذا السبب قلت لنفسي عندما استيقظت هذا الصباح : لم يبق سوى يومين ، فأودري سترحل يوم الأربعاء وسترحل كاي ونيفل يوم الخميس .
قال توماس : وأنا سأرحل يوم الجمعة .
- إنك لستَ في الحسبان فقد كُنتَ كالحصن المنيع ولا أدري ما كان باستطاعتي أن أفعل بدونك .
- إني لا أفهم لِمَ كل هذا التوتر إن أقصى ما يمكن أن يحدث هو أن يدور حوار عنيف أو أن يثور أحد الأطراف وهذه أمور مألوفة في كل مجتمع .
- لكن المخاوف تتجسم حين تنتقل العدوى إلى الخدم أنفسهم ، فقد انفجرت أحدى خادمات المطبخ صباح اليوم باكية وأنذرتنا بترك العمل لغير ما سبب ، والطاهية متوترة الأعصاب وكذلك هرستال رئيس الخدم حتى جين باريت نفسها تلك التي نصفها دائما أكثر ثباتا من بارجة حتى هذه المرأة القوية قد ظهرت عليها دلائل التوتر العصبي ، كل ذلك حصل بسبب فكرة سخيفة خطرت لنيفل وجعلته يحاول توثيق أواصر الصداقة بين زوجتيه الحالية والسابقة لكي يريح ضميره .
- وهي فكرة أثبتت فشلها تماما .
- بالتأكيد ، وإن كاي ثائرة وأنا لا أمتلك سوى احساس العطف عليها ، هل لاحظت كيف كان نيفل يتودد إلى أودري ليلة أمس ، أنه لايزال يحبها وقد كانت تصرفاته كلها خطأ ومحزنة .
- كان ينبغي عليه أن يفكر جيدا قبل أن يقدم على الطلاق ثم على الزواج .
- ذلك ما نقوله نحن جميعا ، لكن ذلك لا يغير من الواقع شيئا ، إنني أرثي له حقا .
- إن أولئك الذين على شاكلة نيفل يتوهمون أن بمقدورهم الظفر بكل ما يريدون ، وإني أعتقد أن قصته مع أودري كانت أول صدمة يصادفها في حياته وهاهو الآن يحصد ما زرع ، لقد فقدَ أودري إلى الأبد ولن يستطيع الوصول إليها مرة أخرى مهما حدث .
- أظنك على صواب ، ومع ذلك فقد كانت أودري تحبه عندما اقترنت به وكانا سعيدين معا .
- لكنها الآن لا تحبه .
تنهدت ماري إيلدن وقالت : من يعلم ؟
- ثمة شيء آخر ، يحسن بنيفل أن يكون على حذر من كاي ، إنها امرأة خطرة ومتى ما غضبت لن تقف عند حد ..
- على كل حال لم يبق سوى يومان .
وفي هذه اللحظة جاء نيفل قادما من البيت وبادرهما قاءلا : لا أصدق أننا في شهر أيلول فالحر يشتد يوما بعد يوم ، حتى لكأننا في منطقة إستوائية .
نهض توماس مبتعدا دون أن ينطق بأي كلمة .
قال نيفل وهو يشيعه ببصره : يخيل إلي أنه لا يطيق البقاء معي فيمكان واحد .
قالت ماري : لكنه شاب ظريف .
- إنني أخالفك الرأي ، إنه إنسان ضيق الأفق شديد التشاؤم .
- أظن أنه كان دائما يتمنى أن يقترن بأودري حتى جئت أنت وظفرت بها .
- كان لابد له من سبع سنوات على الأقل حتى يحسم رأيه ويطلب يدها ، وأي فتاة تستطيع الانتظار كل هذه السنين .
- لعل آماله تحققت الآن .
- هل تعتقدين أن أودري ترضى بالاقتران برجل عبوس كهذا ؟
- أعتقد أنها تميل إليه .
- إنكن يا معشر النساء أسوأ سماسرة للزواج ، ، لماذا لا تدعنها تنعم بحريتها بعض الوقت ألا تظنين أنها سعيدة بهذه الحرية ؟
- الحق إنني لا أعلم .
- وأنا كذلك لا أعلم ، وليس هناك من يستطيع أن يسبر أغوار مشاعرها ، .
وتريث لحظة ثم واصل قائلا : هي مخلوقة نبيلة ولقد كنت مغفلا حين تركتها .
مضت ماري للبيت وهي تقول لنفسها للمرة الثالثة : لم يبق سوى يومين .
أما نيفل فراح يطوف بالحديقة حتى رأى أودري جالسة فوق جدار منخفض يطل على البحر وحين أبصرته وثبت من مكانها وأقبلت نحوه وهي تقول : كنت أهم بالعودة إلى البيت فقد حان وقت تناولي الشاي .
قالت ذلك بسرعة ودون أن تنظر إليه ، فسار بجوارها وهو صامت إلى أن اقتربا من الشرفة التي تطل على الحديقة وحينئذ قال : هل أستطيع التحدث إليك يا أودري ؟
أجابته وهي تطبق بأصابعها على حاجز الشرفة : لعل من الأفضل ألا تفعل .
- معنى هذا أنك تعرفين ما أريد قوله ؟
فلم تجب .
قال : ما رأيك يا أودري ، هل نستطيع أن نصل ما انقطع أو أن ننسى ما حدث ؟
- بما في ذلك كاي ؟
- إن كاي سوف تفهم .
- ماذا تعني ؟
- سأصارحها بالحقيقة وأترك الأمر لكرمها ، سأخبرها أنك المرأة الوحيدة التي أحببتها .
- لكنك كنت تحب كاي حين تزوجتها .
- إن زواجي منها كان أكبر خطأ ارتكبته ، إنني ...
وكف عن الكلام حين رأى كاي تخرج من باب قاعة الاستقبال مقبلة نحوهما وشرر الغضب يتطاير من عينيها وقالت : يؤسفني أن أفرض نفسي على هذا المشهد المؤثر لكني أظن أنه قد آن لي أن أفعل ذلك .
قالت أودري وهي تبتعد : سأخلي لكما الجو .
صاحت كاي : هل نفثتِ سمومك وحققتِ أغراضك ، سيكون لي شأن معك فيما بعد أما الآن فسأسوي حسابي مع نيفل .
قال نيفل : اصغي إلي يا كاي ، إن أودري لا شأن لها بهذا أنا وحدي الملوم .
- أي رجل أنت بحق السماء ، تترك زوجتك وتقترن بي وتطارحني الحب في لحظة وتلفظني في اللحظة الثانية ، والآن تريد العودة إلى هذه القطة الباهتة التافهة المخادعة .
- اصمتي يا كاي .
- تكلم ماذا تريد بالتحديد ؟
فأجاب وقد فر لونه : اطلقي علي أقبح الصفات والأسماء ما شاء لك ، لكن ذلك لن يجدي نفعا ، إنني لا أستطيع الاستمرار معك وقد وضح لي أنني كنت أحب أودري طوال الوقت وأن حبي لك كان ضربا من الجنون ، إنني لا أصلح لك أيتها العزيزة ولا أستطيع إسعادك ومن الخير لنا أن نضع حدا للخسائر وأن نفترق كأصدقاء .
فسألته في هدوء مصطنع : ماذا تقترح إذن ؟
أجاب دون أن ينظر إليها : أقترح الطلاق .
- إن الطلاق يتطلب وقتا .
- سأنتظر .
- وحين يتم الطلاق بعد عامين أو ثلاثة أعوام هل ستطلب إلى أودري العزيزة اللطيفة أن تقترن بك مرة أخرى ؟
- نعم ، إذا وافقت .
صاحت في حقد : إنها ستوافق اطمئن ، ولكن ماذا سيكون من أمري ؟
- ستصبحين حرة ، سيكون بوسعك أن تجدي رجلا أفضل مني ، وطبيعي إنني سأرتب لك نفقة كبيرة تفي بكل احتياجاتك .
- لا تحاول رشوتي ، اصغ إلي يا نيفل إنني لن أطَلِّق لقد تزوجتك لأني أحببتك وأنا أعرف متى بدأ نفورك مني ، بدأ حين صارحتك بأنني تتبعتك إلى مدينة استوريل ، كنت تعتقد أن القدر هو الذي جمع بيننا فخُدِشَ كبرياؤك وخيلاؤك أن تعلم إنني أنا التي دبرت اجتماعنا ، ولكني لا أشعر بالخجل مما فعلت إنك أحببتني واقترنت بي ولن أدعك تعود إلى تلك القطة الماكرة التي نشبت مخالبها فيك مرة أخرى ، إني أفضل قتلك على أن أدعك تعود إليها ، هل سمعْتَ سأقتلك ثم أقتلها .
فأمسك ساعدها بعنف وقال : اصمتي اصمتي بحق السماء لا ينبغي أن تحدثي مثل هذه الفضيحة هنا .
- ولِمَ لا ، سوف ترى سوف ...
ولم تتم عبارتها إذ أقبل عليهما هرستال في تلك اللحظة وقال بهدوئه المألوف : لقد أُعِدَ الشاي في قاعة الاستقبال .
وأفسح لهما الطريق فانتقلا إلى قاعة الاستقبال ، أخذت السحب تتلبد في السماء .