بدأت الأمطار تنهمر قبل الساعة السابعة بقليل ، وقف نيفل عند نافذة غرفته وأرسل بصره نحو الحديقة ولم يكن قد دار بينه وبين كاي حديث عقب تناول الشاي وقد حرص كل منهما على تجنب الآخر ، وفي المساء تناول الجميع طعام العشاء في جو بالغ الكآبة إذ كان نيفل شارد طوال الوقت بينما كاي متجهمة الوجه رغم إسرافها في طلائه أما أودري فجامدة في مكانها كتمثال من الرخام ، وماري إيلدن تبذل قصارى جهدها لاجتذاب الضيوف إلى الحديث وتنظر إلى توماس رويد في ضيق لأنه لا يساعدها في مهمتها وحتى هرستال نفسه كان مضطرب الأعصاب ويداه ترتجفان وهو يضع الصحاف على المائدة .
بعد العشاء قال نيفل : إنني أفكر في الذهاب إلى إسترهيد لكي ألعب البليارد مع أدوارد لاتيمر .
قالت ماري : في هذه الحالة يحسن بك أن تأخذ مفتاح الباب الخارجي حتى يتسنى لك الدخول إذا عدت في وقت متأخر .
ثم انتقلوا إلى قاعة الاستقبال لتناول القهوة ، وأداروا جهاز الراديو لسماع نشرة الأخبار ، وكانت كاي لا تكف عن التثاؤب منذ غادرت قاعة الطعام ولم تلبث أن استأذنت في الانصراف لتأوي إلى فراشها .
وأصغى نيفل إلى نشرة الأخبار وبعض القطع الموسيقية ثم نهض ليذهب إلى إسترهيد وهنا سألته ماري : هل ستذهب بالسيارة أَم ستعبر النهر بالقارب ؟
- بل سأعبر النهر بالقارب إذ لا معنى لقطع 15 ميلا بالسيارة .
- ولكن المطر لا يزال ينهمر .
- لا بأس سأرتدي معطفي ، طاب مساؤكِ .
ولكنه ما كاد يخرج من البهو حتى لحق به هرستال وقال له : إن السيدة ترغب في التحدث إليك .
نظر نيفل إلى ساعته وقد كانت تشير إلى العاشرة فهز كتفيه وقصد إلى غرفة السيدة تريسليان ودق بابها وانتظر قليلا حتى سمع صوتها وهي تصيح : ادخل .
كانت السيدة قد تأهبت للنوم وأطفأت أنوار مخدعها ولم يبق مضيئا منها إلا المصباح الصغير الذي كانت تستعين به في القراءة .
دخل نيفل غالقا الباب وراءه ، ونحت السيدة الكتاب الذي كانت تقرأه جانبا ، ، ورمقت نيفل بنظرة صارمة قائلة : أريد أن أتحدث إليك يا نيفل .
فرد عليها مبتسما : هاأنا ذا مصغٍ إليك يا سيدتي الناظرة .
لكن السيدة لم تبتسم وقالت : ثمة أشياء لا أسمح بها في بيتي يا نيفل ، إنني لا أسترق السمع على أحد ولكن عندما تصر أنت وزوجتك على الصياح تحت نافذتي فإنني لا أملك خيار سوى سماع ما تقولان وقد فهمت مما سمعت إنك تفكر في طلاق كاي لكي تقترن مرة أخرى بأودري ، وهذا الأمر لا ينبغي أن تفعله ولا أريد أن أسمع عنه .
فبدى نيفل وكأنه يحاول السيطرة على غضبه وقال بإيجاز : إنني أعتذر عن صياحنا تحت نافذتك ، أما فيما يتصل بما ذكرْتِه بشأن طلاقي وزواجي فإن أعتبره من من شؤوني الخاصة .
- لا ، إنه ليس من شؤونك الخاصة ، إنك استخدمت بيتي للاتصال بأودري وإن أودري هي التي ...
فقاطعها نيفل قائلا : إن أودري لم تفعل شيئا في هذا الصدد .
- مهما يكن من أمر يا نيفل فإن كاي هي زوجتك وإن لها عليك حقوقا ليس بوسعك أن تحرمها منها أو أن تنكرها عليها ، وأنا أصارحك بأنها مسؤوليتك ويجب أن يكون ذلك واضحا .
هنا خطا نيفل نحوها خطوة وصاح : لا شأن لك بهذا .
لكنها لم تحفل باحتجاجه ومضت تقول : وأكثر من ذلك إن أودري ستغادر هذا البيت غدا .
- هذا ما يجب ألا يحدث ، إني لا أسمح بذلك .
=- لا تصرخ في وجهي يا نيفل .
- قلت لك إني لا أسمح بذلك .
وفي مكان ما من الدهليز سمعا صوت باب يُغلَق وذهبت الوصيفة إلى الطاهية السيدة سبايسر وقالت لها وهي زائغة البصر بادية الاضطراب : ماذا أفعل بحق السماء يا سيدة سبايسر ؟
- ماذا حدث ؟
- لقد حملت الشاي إلى الآنسة باريت منذ ساعة ولكنها كانت نائمة فلم أشأ إزعاجها ومنذ خمس دقائق ذهبت إليها مرة أخرى لأنها لم تحضر كالعادة لتحمل الشاي إلى السيدة ولكنها كانت لاتزال مستغرقة في نوم عميق وعبثا حاولت أن أوقظها ، لقد كان لون وجهها مخيفا .
- يا إلهي هل ماتت ؟
- لا ، إنها تتنفس لكن أنفاسها خافتة ومتقطعة .
- حسنا سأذهب إليها بنفسي وعليك أن تحملي الشاي إلى السيدة .
حملت إليس بنتهام صفحة الشاي وانطلقت بها إلى غرفة السيدة وطرقت الباب مرتين ولما لم تسمع جوابا فتحت الباب ودخلت وبعد لحظة سُمِعَ صوت سقوط أقداح وأطباق وتهشمها واندفعت إليس بنتهام من مخدع السيدة تريسليان مهرولة وراحت تهبط السلم وهي تصرخ في فزع كما لو كانت قد رأت شبحا ووجدت هريستال ينظف البهو فصاحت به : يا سيد هرستال لقد دخل لصوص وقتلوا السيدة ، إن في رأسها ثقبا كبيرا والدم في كل مكان .