الفصل 31

10 0 00

كانت ماري إيلدن متعبة وتشعر بألم الصداع يجتاح رأسها ، فتمددت على أريكة في قاعة الاستقبال ولم يكن في البيت أحد سواها هي والخدم ، فقد ذهبت كاي وأودري بسيارة لاتيمر إلى سولتنتجون لشراء ثياب الحداد ، بينما خرج نيفل وتوماس للنزهة ، وفيما هي تفكر في أحداث الأيام الأخيرة إذا بهرستال يقول لها : جاء رجل يطلب مقابلتك يا سيدتي وقد ذهبت به إلى قاعة المكتبة .

- ما اسمه ؟

- قال إن اسمه ماكويرتر .

- لا أعرف أحدا بهذا الاسم ولابد أنه أحد مخبري الصحف وما كان ينبغي أن تسمح له بالدخول .

- إنه صديق للآنسة أودري وليس مخبرا يا سيدتي .

- هذا أمر آخر .

وأصلحت من زينتها وقصدت إلى قاعة المكتبة ، ورأت هناك رجلا طويل القامة متجهم الوجه لا يمكن أن يكون صديقا لأودري ولكنها مع ذلك قالت له في لطف : يؤسفني إخبارك بأن السيدة سترينج ليست هنا الآن ، هل أردت مقابلتها .

فنظر إليها بامعان وقال في بطء : هل أنتِ الآنسة إيلدن ؟

- نعم .

- لا شك أنك تستطيعين مساعدتي ، إنني بحاجة إلى حبل .

فقالت في دهشة : حبل !

- نعم ، أين تضعون الحبال عادةً ؟

- في غرفة الأشياء المهملة .

وقادته إلى تلك الغرفة ، أجال ماكويرتر البصر في تلك الغرفة حتى استقرت عيناه على لفة كبيرة من الحبال موضوعة على أحد الصناديق فتقدم منها وأمسك بالحبل ثم التفت إلى ماري إيلدن وقال : أرجو أن تتذكري ما أقوله لك يا آنسة إيلدن ، إن التراب يغطي كل شيء في هذه الغرفة فيما عدا هذا الحبل فهل لك أن تلمسيه بيدكِ ؟

فأمسكت بالحبل وقالت : إنه مبتل .

- تماما .

ودار على عقبيه لينصرف ، فقالت له : ألا تريد الحبل .

- لا ، إنما أردت فقط أن أعرف مكانه وسوف أكون شاكرا إذا أغلقتِ باب هذه الغرفة وقدمتِ المفتاح للمفتش باتل أو المفتش ليتش .

- ولكني لا أفهم شيئا .

- ليس هناك ضرورة لأن تفهمي .

وشد على يدها شاكرا وانصرف وتركها في حيرة شديدة ، وبعد بضع دقائق عاد نيفل وتوماس وتلتهما في الحضور أودري وكاي بعد قليل

ولم يكد الجميع يفرغون من تناول طعام الغداء وينتقلون إلى قاعة الاستقبال حتى أعلن هرستال عن وصول رجال البوليس ،.

دخل المفتش باتل متألق الوجه وقال معتذرا : يؤسفني أن أزعجكم مرة أخرى ولكن يوجد أمر أو اثنان أود معرفة المزيد عنهما ، فمثلا قفاز من هذا ؟

- وأخرج من جيبه قفازا صغيرا من الجلد الأصفر وقال محدثا أودري : هل هذا قفازك يا سيدة سترينج ؟

- فهزت أودري رأسها وأجابت : لا ، إنه ليس قفازي .

- وأنت يا سيدة إيلدن ؟

- ليس لدي قفازات بهذا اللون .

قالت كاي : دعيني أراه .

وتناولت القفاز ففحصته وهزت رأسها سلبا .

فقال لها باتل : حاولي أن تجربيه .

فحاولت كاي ووجدته صغيرا وكذلك حاولت ماري إيلدن فكانت نفس النتيجة ، وهنا تحول باتل إلى أودري وقال لها : أظنه قفازكِ فيدك أصغر من أيديهما .

وضعت أودري يدها في القفاز فلاءمها تماما .

فقال نيفل في حدة : لقد قالت لك إنه ليس قفازها .

- لعلها فعلت ذلك عن سهو أو خطأ .

قالت أودري ربما كان قفازي ، ، إن القفازات تتشابه .

قال باتل : نحن على كل حال وجدناه على أغصان شجرة تحت نافذتكِ .

فوجم الجميع وفتحت أودري فمها ولكنها لم تنطق بكلمة ، وحينها صاح نيفل : اصغِ إلي يا مفتش باتل إن ...

لكن باتل قاطعه في هدوء قائلا : أريد أن أتحدث إليك على انفراد يا سيد سترينج ، هلمَّ بنا إلى قاعة المكتبة .

وانتقل نيفل والمفتشان باتل وليتش إلى هناك وما أن أُغلِقَ باب القاعة حتى قال باتل : لقد وجدنا أشياء عجيبة في هذا البيت يا سترينج .

- أشياء عجيبة ! ماذا تعني ؟

فأومأ باتل إلى ليتش فغادر هذا الغرفة وعاد بعد قليل وفي يده أداة غريبة تناولها باتل وقال : هذه أداة تتألف من كُرة من النحاس الثقيل هي في الواقع مقبض أحد الأبواب وقد وُضِعَ في تجويفها مضرب من مضارب التنس واستخدمت في قتل السيدة تريسليان .

- هذا مخيف ، ولكن أين وجدت هذه الأداة ؟

- إن الكُرة النحاسية في مقبض الباب كما ذكرت وقد قام القاتل بتنظيفها من الخارج بعد الجريمة ولكنه أهمل تنظيف تجويفها وقد وجدنا آثار دماء في التجويف ، وكذلك أعاد القاتل يد مضرب التنس إلى مكانها وألسقها بالمضرب بواسطة شريط طبي لاسق ثم ألقى به في الدولاب تحت درج السلم مع عشرات المضارب .

- يا لك من رجل بارع ، ألم تجد عليها بصمات أصابع ؟

- إن المضرب خفيف الوزن مما يدل على أنه مضرب السيدة كاي سترينج وقد وجدنا عليه بصمات أصابعها وكذلك بصمات أصابعك ، ، ولكننا وجدنا أيضا من الآثار ما يدل على أن شخصا يلبس قفازات قد أمسك به بعْدكما ، كذلك وجدنا بصمات أخرى على شريط طبي لاسق هي بغير شك بصمات الشخص الذي أعاد يد المضرب إلى مكانها بعد الجريمة ، ولن أقول الآن بصمات من هي فإن لدي ملاحظات أخرى أريد أن أُبْديها .

قال ذلك ثم صمت لحظة وعاد بعدها يقول : إنني أريدك أن تعد نفسك لمفاجأة يا سيد سترينج ، ولكن دعني أسألك أولا هل أنت واثق بأن السيدة أودري ليست هي صاحبة فكرة اجتماعكم في هذا القصر ؟

- إنها فكرتي أنا وليست فكرة أودري .

وفي هذه اللحظة فُتِحَ الباب ودخل توماس رويد وقال : يؤسفني أن أزعجكم ولكني أريد أن أكون في الصورة ، .

فنظر إليه نيفل في وجه عابس وقال : هذا اجتماع خاص أيها الصديق .

- ذلك لا يهمني ، لقد كنت مارا بالباب وسمعت اسم أودري يتردد .

- وما شأنك أنت بأودري ؟

- بل ما شأنك أنت ؟ إنني لم أصارح أودري بشيء ولكن في نيتي أن أخطبها .

وهنا سعل المفتش باتل وقال : لا أهمية لذلك يا سيد سترينج ، إنني أود أن ألقي عليك سؤالا آخر ، لقد جاء في تقرير معمل التحليل عن الثوب الذي كنت ترتديه في ليلة الجريمة أن وُجِدَ بعض شعيرات شقراء معلقة بأحد أزرار كُميه فهل تعرف كيف وصلت إليه ؟

- لعلها من شعري .

- لا ، إنها شعيرات طويلة من رأس سيدة .

- لابد أنها من رأس أودري ، لقد تذكرت الآن إن شعرها اشتبك ذات مساء بأحد أزرار كُم ثوبي .

- كانت هناك شعيرات أيضا على كتف الثوب وكذلك وُجِدَت على ياقة الثوب آثار مسحوق برامافيرا وهو مسحوق غلي الثمن ذو رائحة ذكية مما تستعمله السيدات في التجميل ،، إن السيدة كاي تستخدم مسحوق اسمه قبلة الشمس أما مسحوق برامافيرا .فإنه مسحوق السيدة أودري .

- ماذا تريد أن تقول أيها المفتش ؟

- أريد أن أقول أن السيدة أودري ارتدت ذلك الثوب هذا هوالتفسير الوحيد لوجود الشعيرات والمسحوق عليه ، ولقد رأيت القفاز يلائم يدها وكان ذلك قفاز اليد اليمنى وأما قفاز اليد اليسرى فهاهو .

وأخرج قفازا من جيبه ووضعه على المائدة فصاح نيفل في هلع : ما هذه البقع التي به ؟

- إنها آثار دماء يا سترينج ، القفاز قفاز اليد اليسرى والسيدة أودري عسراء تستعمل يدها اليسرى ، لقد لاحظت ذلك حين رأيتها أول مرة وهي جالسة أمام مائدة الطعام ، وكان وضع فراش السيدة تريسليان وموضع إصابتها يدلان على أن القاتل شخص أَعسَر ، أما المقبض النحاسي فكان مقبض باب السيدة أودري ، إن كل شيء واضح يا سيد سترينج وأصابع الاتهام تشير إلى شخص واحد .

- هل تريد أن تقول أن أودري دبرت كل هذه الخطة المحكمة بصبر وأناة ، وقتلت السيدة العجوز التي عرفتها كل هذه السنين لتحصل على نصيبها من الميراث ؟

- أنا لا أقول شيئا يا سيد سترينج ولكنها الأدلة تتكلم ويجب أن تعلم إن هذه الجريمة إنما دُبِرَت أولا وأخيرا للكيد لك ، ومن الواضح أن السيدة أودري لم تكف منذ تركْتَها عن التفكير في وسيلة للانتقام منك ، وربما خطر لها في وقت ما أن تقتلك ولكنها وجدت أن ذلك لا يكفي ففكرت في أن تدفع بك إلى المشنقة ، وحانت لها الفرصة حين تشاجرتَ أنت مع السيدة تريسليان فتسللت إلى غرفتك وارتدت ثوبك وقتلت السيدة وتركت مضرب الجولف في مكان الجريمة للإقاع بك ولم ينقذك سوى السيدة تريسليان حين دقت الجرس فأتتها الوصيفة ووجدتها ماتزال على قيد الحياة عقب انصرافك .

فدفن نيفل وجهه بين يديه وصاح : يا إلهي ، إنني لا أصدق ، إن تصورك للجريمة كله خطأ وأودري هي أنبل وأكرم امرأة رأيتها في حياتي .

فتنهد باتل وقال : أنا أناقشك فقط يا سيد سترينج ، وغايتي من ذلك إعدادك لتلقي الصدمة ، إنني أحمل أمرا بالقبض على السيدة أودري سترينج ، ويحسن بك أن تجد محاميا للدفاع عنها .

- هذا غير معقول !!.

قال توماس في هدوء : كفى يا نيفل ، ألا ترى أن المعونة الوحيدة التي من الممكن أن تقدمها لأودري هي أن تتخلى عن أوهامك عن الشهامة والفروسية وتقول الحقيقة؟

- الحقيقة ! ، أي حقيقة ؟

- الحقيقة عن أودري وأدريان ، .

ثم نظر إلى المفتش وقال : إن لديك فكرة خاطئة عن بعض الحقائق يا أيها المفتش إن نيفل لم يهجر أودري هي التي هجرته وهربت مع أخي أدريان ، وقد قُتِلَ أدريان في حادث سيارة وتصرف نيفل بشهامة ووافق على أن تطلب أودري الطلاق باعتباره هو المخطئ والملوم .

- لم أشأ أن يلطخ اسمها بالوحل ، ولكني لم أكن أعلم أن هناك من يعرف هذه الحقائق .

قال توماس : لقد حدثني أدريان بكل شيء في إحدى رسائله . ومن هنا ترى يا سيدي المفتش إنه ليس ثمة ما يدعو للحقد على نيفل بل على العكس إنها يجب أن تشعر نحوه بالوفاء والعرفان بالجميل وقد عرض عليها مبلغا كبيرا كنفقة ، لكنها رفضته ، وكان من الطبيعي إزاء مواقفه تلك ألا ترفض رجاءه بشأن مقابلة كاي .

قال نيفل : أرأيت يا سيدي المفتش إن هذا يُبْطل الدافع إلى الجريمة ، إن توماس على حق .

فقال باتل : الدوافع شيء والحقائق شيء آخر ، جميع الحقائق تؤكد أنها المُذْنِبة .

قال نيفل : لقد كانت كل الحقائق منذ يومين تؤكد أني المُذْنِب .

- بماذا تريد أن تقنعني يا سيد سترينج ؟ هل تريد إقناعي بأن هناك شخص ينقم عليكما فلما فشلت التهمة التي لفَقها لك حوَّلها إلى السيدة أودري ؟ هل هناك شخص يمقتك أنت وزوجتك السابقة ؟

فقلَّب نيفل كفيه دون أن يجيب .

قال باتل : لا جدوى من هذا الحوار يا سيد سترينج ، يجب أن أُؤدي واجبي .

وغادر القاعة مع ليتش وتبعهما توماس ونيفل إلى قاعة الاستقبال ونهضت أودري حالما أبصرتهم وتقدمت نحو المفتشَين وقالت وهي تنظر في عيني باتل : أنت تريدني أليس كذلك ؟

- لدي أمر بإلقاء القبض عليكِ يا سيدة أودري وبتهمة قتل السيدة كاميلا تريسليان في يوم 12 أيلول الماضي ويجب أن أحذركِ بأن كل ما تقولينه سيسجَل عليكِ ويُتخّذ دليلا ضدكِ في المحكمة .

فتنهدت أودري وأشرق وجهها وقالت بارتياح : كم أنا مسرورة لأن كل شيء قد انتهى .

فصاح نيفل : أودري لا تتكلمي .

- ولِمَ لا يا نيفل ؟ كل هذا صحيح ولقد تعبت.

فنظر ليتش إلى عمه وأدهشه شرود ذهنه والذهول الذي ارتسم على وجهه وكان يحملق في وجه أودري وكأنه لا يصدق عينيه ، وفي هذه اللحظة الحاسمة أطل هرستال من الباب وأعلن قدوم السيد ماكويتر ،.

دخل ماكويتر بقدم ثابتة واتجه مباشرةً إلى باتل وقال : هل أنت مفتش الشرطة المنوط بقضية السيدة تريسليان ؟

- نعم .

- إن لدي أقوالا مهمة أريد الإدلاء بها ويؤسفني لعدم حضوري قبل الآن ، ولكن الحادث الذي رأيته ليلة الجريمة لم يتبين لي خطورته إلا اليوم ، هل أستطيع التحدث إليك على انفراد .

وهنا اقترب ليتش من عمه وهمس في أذنه كلاما .

اقتاد باتل ماكويتر إلى قاعة المكتبة وهناك قال له : يقول زميلي أنه رآك قبل الآن كان ذلك في الشتاء الماضي ، لقد ألقيت بنفسك من فوق ربوة إيسترهيد ؟

- نعم إنني حاولت الانتحار في شهر كانون الثاني الماضي بأن ألقيت بنفسي من فوق ربوة إيسترهيد ، وخطر لي منذ أيام أن أزور البقعة التي أوشكت أن أُنْهِي فيها حياتي ، كان ذلك يوم الاثنين الماضي وفيما كنت أنظر إلى الأفق عبر خليج إيسترهيد إذ رأيت شيئا أعتقد أن له صلة بالجريمة وإليك ما رأيت ..