ساعة الصفر

10 0 00

كان الهواء بارد فضمت كاي معطفها حول جسدها وانطلق الزورق البخاري يشق عباب الماء حتى اقترب من الربوة التي حاول ماكويتر الانتحار منها فيما مضى ، وهناك أوقف باتل الزورق وقال بصوت من يتحدث إلى جماعة من أصدقائه : لقد كانت هذه القضية من أغرب القضايا التي مرت بي ولذلك أريد أن أمهد لها بكلمة عن جرائم القتل بصفة عامة ، إنكم حين تقرؤون عن الجريمة سواء خيالية أو واقعية تبدؤون بالجريمة ذاتها وهذا خطأ ، لِإَنَّ الجريمة هي ذرو ظروف وعوامل مختلفة تتلاقى في وقت معين وفي مكان معين وأبطالها هم أناس مختلفون يأتون من شتى أنحاء العالم لأسباب غير متوقعة ، فالسيد توماس رويد مثلا جاء من الملايو والسيد ماكويتر جاء لزيارة مكان حاول الانتحار فيه ، أما الجريمة ذاتها فكانت في خانة القصة كانت ساعة الصفر .

وتريث قليلا ثم قال : نحن الآن في ساعة الصفر .

فتحولت إليه عدة وجوه عليها علامات استفهام وقالت ماري إيلدن : هل تعني أن مصرع السيدة تريسليان كانت خاتمة ظروف مختلفة اجتمعت للقضاء عليها ؟

- لا يا آنسة إيلدن ، إن مصرع السيدة تريسليان كان حادثا عرضيا في طريق القاتل إلى هدفه الرئيسي ، والهدف الرئيسي للقاتل هو القضاء على أودري سترينج ، وقد دُبِرَت الجريمة منذ وقت طويل ولم يغفل القاتل عن أدق التفصيلات وكان الهدف أن تُشْنَق أودري حتى تموت ، وبدأ المجرم خطته باصطناع طائفة من الأدلة لإدانة نيفل سترينج ووضع في حسابه أننا متى أمَطْنا اللثام على زيف هذه الأدلة فإننا لن نتوقع أن يتكرر نفس الشيء فيما يقدم إلينا من أدلة ضد أودري سترينج ، والواقع إن جميع الأدلة التي ظهرت ضد أودري هي مما يمكن اصطناعه ، فمن السهل جدا انتزاع مقبض بابها وسرقت قفازها ومساحيقها وكان طبيعيا أن توجد على الشريط الطبي اللاسق الذي تستعمله ، بصمات أصابعها ، ثم جاء الدليل الدامغ الأخير وهو اعتراف أودري نفسها ، وأنا لم أكن لأصدق بعد اعترافها أنها بريئة لولا أن لي تجربة شخصية في هذا المجال ، وعندما رأيتها وسمعتها تذكرت على الفور فتاة أخرى فعلت نفس الشيء ، اعترفت بجريمة لم ترتكبها ، لقد خيل إلي في تلك اللحظة أن أودري سترينج تنظر إلي بعين تلك الفتاة على أنني أديت واجبي كشرطي وقبضت عليها ، قبضت عليها وأنا أبتهل إلى الله في سري أن يرسل معجزة تنقذ هذه السيدة المسكينة ، وجاء السيد ماكويتر فكان هو المعجزة المنشودة .

نظر باتل إلى ماكويتر وقال : أرجو أن تعيد رواية القصة التي رويتها لي في القصر .

تكلم ماكويتر بإجاز فذكر حادث محاولة الانتحاره ، وكيف جاء لزيارة المكان الذي كاد أن يشهد مصرعه ، ثم قال : وفي ليلة الاثنين الماضي كنت أقف فوق الربوة وكانت الساعة الحدية عشرة تقريبا فحانت مني التفاتة إلى قصر السيدة تريسليان ورأيت حبلا متدليا من إحدى النوافذ ورجلا يتسلق الجدار مستعينا بهذا الحبل ، .

فقال باتل : إن الجدار الذي تسلقه الرجل يطل على النهر ولم تكن هناك قوارب بمعنى أن الرجل لابد أن يكون قد عبر النهر سباحة ، ونحن نعلم أن شخصا كان على الضفة الأخرى للنهر في تلك الليلة ، شخص لم يره أحد فيما بين الساعة العاشرة والنصف والحادية عشرة والربع ، وربما كان لهذا الشخص صديق في القصر أدلى إليه بالحبل ، أظن أن ذلك واضح ومفهوم يا سيد لاتيمر ؟

فصاح لاتيمر : لكني لا أعرف السباحة والجميع هنا يعلمون ذلك .

- أحقاً ؟

قال ذلك وهو يدفع لاتيمر إلى الماء .

فصرخت كاي في هلع : يا إلهي ، إنه لا يعرف السباحة .

فأتى نيفل بحركة كأنما ليقذف بنفسه إلى الماء لينقذ لاتيمر ولكن باتل أمسك بساعده بقوة وقال في هدوء : لا ضرورة لذلك يا سيد سترينج إن رجالي سينقذونه .

وأطل إلى الماء واستطرد قائلا بعد لحظة : نعم إنه لا يعرف السباحة وسوف أعتذر إليه ، الواقع أنه لا توجد وسيلة لاختبار قدرة الشخص على السباحة أفضل من إلقائه في الماء ، هذا عن السيد لاتيمر ، أما السيد توماس رويد فإنه بطبيعة الحال لا يستطيع أن يتسلق الحبل والسباحة لإصابة ساقه ، وهكذا لا يبقى الآن أمامنا سواك يا سيد نيفل سترينج ، إنك رجل تجيد لعب التنس والجولف والسباحة وتسلق الجبال ، صحيح أنك استقليت زورق العبور في الساعة العاشرة والنصف ولكن لم يراك أحد في فندق إيسترهيد قبل الساعة الحادية عشرة والربع .

فضحك نيفل وقال : هل تعتقد أني عبرت النهر سباحة وتسلقت الجدار مستعينا بالحبل ؟

- مستعينا بالحبل الذي أدليته بنفسك من نافذة غرفتك .

- ثم قتلْتُ السيدة تريسليان وعبرْتُ النهر مرة أخرى ، لماذا أفعل ذلك بحق السماء ؟ ومن اصطنع كل هذه الأدلة ضدي ، هل تزعم أني اصطنعتها بنفسي ؟

- تماما وهي فكرة رائعة .

- وما الذي يدعوني إلى قتل السيدة تريسليان ؟

- لا شيء ، ولكنك كنت تريد شنق المرأة التي هجرتك إلى أحضان رجل آخر ، إنك مختل الشعور منذ كنت طفلا ، لقد فحصت بنفسي ملف قضية القوس والسهم وعرفت حقائق كثيرة منها أنك لا تطيق الإهانة والإيذاء وإن عقوب الإهانة والإيذاء عندك الموت ، ، ولكن الموت وحده لم يكن كافيا لأودري ، أودري التي أحببتها قبل أن يتحول حبك لها إلى كراهية ولذلك فَكَّرْتَ بأن تهيئَ لها ميتة خاصة ولن يهمك في سبيل تنفيذ هذه الفكرة قتل السيدة التي كانت لك بمثابة أم .

- كذب ، كل هذا كذب إنني لست مجنونا .

- إنها طعنت كبرياءك في الصميم حين هجرتك من أجل رجل آخر ، ولكنك حاولت إنقاذ ما يمكنك إنقاذه من بقايا كبريائك فزعمت أمام الناس إنك أنت الذي هجرتها واقترنت بامرأة أخرى ، وبدأت تخطط للقضاء عليها ولم تجد لها عقابا أسوأ من الشنق ، وكانت خطة رائعة ولكنك لم تحسن تنفيذها كما ينبغي ولابد أن أودري أحست منذ البداية بما تضمر لها ، وإنها كانت تضحك في سرها من سذاجتك .

فصاح نيفل : إنني لست ساذجا ، أنت نفسك قلت إنها كانت خطة بارعة ولكن من كان يتوقع أن يراني ذلك الوغد الأسكتلندي أو أن يكون توماس رويد على علم بحقيقة ما حدث بين أودري وأدريان ، أودري لعنة الله عليها إشنقوها ، يجب أن تُشْنَق إنني أمقتها وأريدها أن تموت .

ودفن وجهه بين كفيه وراح يبكي كالأطفال ...

تمت