الفصل 13

11 0 00

لم يعد عطوة يطيق هذا الأسلوب في المعاملة لم يكن يتصور أن هناك امرأة تتصرف على هذا النحو مع خطيبها المحترم ذي المركز القوي إن أشباهه من الرجال في مراكز السلطة المختلفة يطلبون فتنفذ مطالبهم على الفور فهو يذكر أن إحدى الفنانات قد استعصت على أحدهم فأتوا بها قسرا تحت سمع وبصر أهل بيتها ولم تجد مناصا من أن تستسلم لنزواتهم، وهناك عشرات القصص والحكايات جرت بعلمه وفي كثير من الأحيان كان شاهد عيان.. ولماذا يذهب بعيدا؟؟ أن بعضهم مصاب بالشذوذ الجنسي. هو نفسه يتهمونه بذلك وكل ذلك لا دخل له في الحكم على أقدار الرجال منهم يكفي أن يكونوا مخلصين للحكم وليفعلوا بعد ذلك ما يشاءون لا مانع من أن يرتشوا أو يختلسوا أو يستولوا على أملاك الغير بالقوة أو يتجروا في الأوراق المالية المهربة والتي يطلقون عليها العملة الصعبة، أو يشاهدوا الأفلام الجنسية الصارخة البذيئة في مجالسهم الخصاصة ويطبقون ما يشاهدونه عمليا وسط جو من الانحلال والاستهتار لا يعبأ بشيء، ولماذا نذهب بعيدا؟؟ إنهم يدرسون السم لأعداء الحاكم أو يغتالونهم سواء في الداخل أو الخارج وقد يدبرون اختطافهم في أجولة ويشحنونهم في الحقائب الدبلوماسية أشيئا كثيرة تجري على أرض الوطن وخارجه دون وازع من ضمير أو دين هذه الأمور كلها أصبحت أمرا مألوفا وهي ثمن الإخلاص والتفاني في سبيل الحاكم ولقد كانت هناك فئة قليلة من الرجال تأنف من هذا الأسلوب المنحط ولا تشارك فيه وتلجأ إلى أضعف الإيمان ألا وهو رفض ذلك السلوك بالقلب.. كانوا يرون الأعاجيب تجري أمام أعينهم فينصرفون عنها دون كلمة، وينفذون ما يلقى إليهم من أوامر رسمية دونما إفراط أو تفريط ولقد كان أحد الضباط «الصالحين» يجري تحقيقا مع أحد الإخوان في وجود عطوة وكان ذلك الضابط يمسك مسبحة ويستغفر الله عليها والسياط تنهال على المتهم المسكين الذي يستغيث ولا مغيث ولم يزد على أن قال:

- «يا ابني اعترف حتى تنجو من هذا العذاب. .. هؤلاء ليس في قلوبهم رحمة، ولن يتركوك إلا إذا اعترفت..»

- «يا بك أنت تعرف أني لا أخفي شيئا..»

- «وهو الضباط «الصالح» ذو المسبحة رأسه وقال:

- «أنا لا أعرف شيئا لا شأن لي بك.. أنا أسجل فقط ما تقول..»

- «فلتحمني مهم .. أنا مظلوم..»

- «أنت تحمي نفسك إذا اعترفت..»

- لقد نفذ صبر عطوة ولابد أن يصل إلى نتيجة مهما كان الأمر لقد فكر في خطف نبيلة كما يفعل بعض ذوي السلطة لكنه كان أضعف من أن يفعلها لأن مركزه أقل منهم بكثير، ثم إنه يخاف أن ينكشف الأمر، فيطرد من منصبه الخطير، وهو أشد ما يكون حبا وتمسكا بمنصبه، الخطير، وهو أشد ما يكون حبا وتمسكا بمنصبه لو خرج منه لمات.. كما يموت السمك.. إذا خرج من الماء، ولذلك عزم على أن يتزوجها لأسبوع .. لشهر.. لشهور.. ثم يرمي بها حقيرة ذليلة في الشارع بعد أن يكون قد نال بغيته منها وروي ظمأه إليها، إنه شديد الملل ولا يطيق الحياة مع امرأة واحدة لفترة طويلة ولا مع رجل واحد.. لا شك أن ذلك يعتبر تراجعا منه عن الخط الذي رسمه لنفسه.. لكن الحياة كر وفر لقد تعلم ذلك أبان معركة فلسطين والحياة العسكرية مناورات لقد دخل معها للسينما في الإسكندرية كانت مندمجة تماما في تماما في متابعة الفيلم أمسك بيدها فلم تمانع تشجع وقبل ظاهر يدها في الظلام نظرت إليه بعينين تبرقان في الضوء الشاحب الضئيل ثم عادت إلى مشاهدة الرواية التي استولت على كل مشاعرها أدرك أن يدها باردة كالثلج لا حياة فيها ولا روح.. إنها بالموتى أشبه تململ في مقعده، نظر إلى الشاشة فلم يفهم شيئا من الحوار الساخن الذي يدور بين الأبطال لم يلفت نظره إلا النساء الجميلات وهن يتحركن حركات محسوبة.. ولذلك مر الوقت ثقيلا عن نفسه حتى أخذ يزفر في ضيق تمني أن ينتهي الفيلم في أسرع وقت ممكن عاد ينظر إلى نبيلة إنها لا تكاد تعي شيئا مما حولها بسب اندماجها في وقائع القصة، قال عطوة:

- «ما الذي يعجبك في هذا الفيلم..؟؟»

- التفتت إليه كمن تفيق من حلم:

- ماذا يقول يا عطوة..؟؟»

- «القصة كلها كلام فارغ..»

- «كيف؟؟ إن فكرتها رائعة.. ألا ترى..؟؟»

- «لقد تصدع رأسي..»

- فتحت حقيبتها وهي تقول:

- «معي أسبرين..»

- قال في ضيق:

- «لا تتعبي نفسك.. سوف أشعر بالراحة عندما أخرج من هذا المكان الذي أكاد اختنق فيه..»

- عادت تنظر إليه في دهشة:

- «هذه القصة فازت بجائزة الأوسكار وعشر جوائز عالمية أخرى..»

- هز كتفيه دون اكتراث وقال:

- إن ما يعجب الأجانب قد لا يعجبني..»

- «لكن هناك مستويات رفيعة لا يختلف عليها مجموعة الناس..»

- وعادت لترقب مشاهد الفيلم المثير، أما هو فقد رجع بخياله إلى السجن الحربي عالمه الحبيب تذكر الكلاب إنه قلق عليها، لكن لن يجرؤ أحد على أن يقصر في حقها، وتذكر المعتقلين المنفيين خلف الأبواب المغلقة كاد يدرك في قرارة نفسه أن الضباط المحققين لا يؤدون واجبهم كاملا إلا في وجوده، ولهذا تضاعف قلقه.. يجب أن يذهب على الفور بعد أن يتناول طعام الغذاء مع نبيلة ثم لا يذهب إلى بيته بل لابد من المرور على السجن الحربي أولا حتى يطمئن على سير العمل.. إنه يشعر بالسعادة القصوى وهو جالس خلف مكتبه...

- وأفاق من أفكاره على جسد نبيلة وهو يهتز بصورة ملفتة للنظر كانت تذرف الدموع وتشهق من البكاء قال في ذعر:

- «ماذا جرى..؟؟»

- «إنه شيء رهيب..»

- «لا أفهم..»

- «ألا ترى؟؟ لقد قتل الطغاة حبيبها..»

- «وماذا في ذلك؟؟ الناس يموتون كل يوم..»

- «كان شريفا صادقا.. وأحبها أروع ما يكون الحب.. وعاش كالنبي في قلب مجتمع يقدسه إنها جريمة بشعة..»

- عاد عطوة يمسك بيدها ويقول:

- «هذه قصة خيالية..»

- «لكن أحداثها منطقية.. وتعبر عن واقع الحياة..»

- «هذه أمور للتسلية..»

- «وللتهذيب أيضا يا عطوة..»

- «يا حبيبتي السينما تجارة...يأخذون فلوسكم ويحقنونكم بمخدر لطيف..»

- «ليس دائما..»

- هب من مكانه واقفا وقال بحزم:

- «هيا بنا..»

- «كيف.؟.. لم تنته القصة بعد»

- «لقد مات البطل..»

- «الموتى ليس النهاية يا عطوة.. البطل باق..»

- «باق للدفن..»

- «كلا الناس سيثورون انظر .. لقد أحاطوا بالمجرمين .. ألم أقل لك ؟؟ القصة لم تنته بعد.. والبطل مات جسدا لكن أفكاره حية تفعل فعلها انظر لقد امسكوا بهم.. إنهم يسوقونهم أذلاء . هذا هو الموت الحقيقي.. انظر»

- عاد عطوة للجلوس مرة أخرى، وقبض على يدها في عنف وهو يقول:

- «هل جننت يا نبيلة؟ الناس تنظر إليك..»

- «وها هي البطلة..»

- «قولي الأرملة..»

- «إنها تحمل الراية من بعد زوجها الشهيد..»

- «كوني عاقلة يا نبيلة... هذا لا يحدث..لسوف تبحث لها عن رجل آخر، المرأة لا تعيش بغير رجل خاصة في أمريكا..»

- «أنت لا تفهم القصة..»

- قالتها وهي مركزة بصرها على الشاشة، ضحك عطوة وهمس:

- إنني استطيع أن أتوقع أية أحداث بمجرد مشاهدة الجزء الأول من القصة..»

- القصة في حد ذاتها ليست شيئا .. المهم هو دلالة الأحداث..»

- «ما معنى دلالة الأحداث..»

- لم تجب على سؤاله كانت مشدودة إلى ما يجري أمام بصرها ووجد عطوة نفسه مضطرا لأن يجلس صامتا إلى جوارها حتى تنتهي القصة وتظهر كلمة النهاية عليه أن يصبر ويحتسب فالنساء في رأيه كالأطفال يتشبثن بالأشياء التافهة والأساطير الخرافية ولهذا فهن لا ينفعن لغير السرير والزينة واللهو يخطئ من يظن أن لهن رسالة أو مبدأ ليس لهن إلا المتعة واللعب والثرثرة، يبدن أن درس الاعتقال ليوم واحد لم يعلمها شيئا ذا قيمة، كان يسمع في القرية «اكسر للبنت ضلع يطلع لها ضلعان..» فعلا.. النساء كائنات غريبة قد يصبح م الصعب فهمهن في رأي عطوة أن الشيء الوحيد الذي يفضح الغموض ويكشف الإبهام هو الكرباج. الألم هو المفتاح الذي يفض الأبواب والمغلقة ويميط اللثام عن المجهول الألم أقوى من الموت..

- كانت الساعة قد قاربت الواحدة، وهما يسيران في ميدان «محطة الرمل»

أشهر ميادين الإسكندرية وقد حرص عطوة على أن يلبس فوق عينيه نظارة سوداء أنيقة ذهبية الأذرع ومشى إلى جوارها في أنفة وكبرياء قال لها حينما رآها تهرول وتندس في الجموع:

«يجب أن تسير بوقار وهدوء..»

نحن في الشارع...»

«والشارع يلزمنا بآداب لابد منها...»

«لم تعلق على كلامه بل أشارت بيدها إلى مطعم متواضع وقالت:

- «انظر هنا أتناول طعامي ظهر كل يوم..»

- أبدى عطوة نفورا واشمئزاز ظاهرين وقال:

- «لا يليق..»

- لم تجد ضرورة لأن تناقشه الأمر، واكتفت بقولها:

- «اذهب بنا إلى أي مكان..»

- كان المطعم الذي صحبها إليه من مطاعم الدرجة الأولى، الديكور رائع والثريات المدلاة من السقف جميلة والأرائك مصفوفة في نظام ودقة وأبهة، وغالبية الجالسين من الأجانب وعض وجهاء المدينة، وانتحى عطوة ركنا قصيا بعيدا عن حركة الدخول والخروج وجلسا حول مائدة صغيرة وقدم النادل بقائمة الطعام أعطاها أولا لنبيلة التي اختارت الأصناف التي تروقها ثم تبعها عطوة وقبل أن ينصرف النادل قال:

- «مشروب يا بيك..»

- «طبعا ... ويسكي..»

- كانت تأكل في شي من الكسل والشرود، لم تزل تفكر في القصة التي شاهدتها ومن آن لآخر تتذكر سلوى.. الوجه الشاحب ذا الجروح والكدمات «والوحوش التي تقبع وتعربد هناك في مبنى المخابرات العامة.. والتفاصيل الدامية التي تهز كيانها هزا.. وحانت منها التفاتة إلى عطوة كان يمسك الشوكة والسكين ويمزق اللحوم، ويأكل في شراهة ومن آن لآخر يصب كأسا ثم يجرعها ويقول:

- «ألا تشربين؟؟»

- فتقول كل مرة:

- «الماء فقط..»

- وأخيرا قال عطوة:

- «هذه ماء أيضا.. لو شربت كل يوم كأسين من الويسكي لشفيت من كل الأمراض ولامتلأ قلبه بالسعادة والبهجة..»

- أطالت النظر إليه فضبطها متلبسة فقال باسما:

- «ماذا يدر في ذهنك؟؟»

- «أنت رجل لا تفكر في الغد؟؟»

- «إنك ذو قدرة هائلة في التحكم بعواطفك وعقلك..»

- «ألا تقولون أن المستقبل بيد الله..»

- «هو ذاك»

- «وما دام ليس بأيدينا فلم نفكر فيه.؟؟؟»

- قالت:

- «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا..»

- فأكمل ساخرا:

- «وعمل لآخرتك كأنك تموت غدا..»

- قالت في شرود:

- «هو ذاك»

- «أنا لا أخشى الموت..»

- «لكنه واقع لا محالة يا عطوة..»

- «إنه لا يدخل في دائرة اختصاصنا..»

- وفجأة توقف عن المضغ وقالت:

- «أتؤمن بالله؟؟»

- صمت برهة ثم أغمض عينيه لحظة وقد توقفت يداه الممسكتان بالشوكة والسكين ثم ابتسم وقال:

- «أهو تحقيق..؟؟»

- «لم تجب على سؤالي..»

- «حبيبتي لو كان هناك إله لما انتصر سيتالين ولما قتل حسن البنا..»

- ارتجفت أناملها فألقت بالملعقة بما فيها من طعام وقالت:

- «يبدو أن الخمر لعبت برأسك.»

- عاد إلى الأكل بشراهة وهو يقول:

- «حقيقة .. هذه الأمور لا أفكر فيها...»

- «لكنه موضوع أساسي.»

- «بالنسبة لي... لا .. »

- وساد الصمت وعاد يقول:

- «ومع ذلك اطمئني كان أبي رجلا صالحا مؤمنا . وعلمنا أشياء كثيرة عن الله وصفاته وأوامره ونواهيه... وهذا الموضوع لم أطرحه للمناقشة منذ سنين ومع ذلك فأعتقد أن الله موجود..»

- قالت نبيلة:

- لكن الإيمان يقتضي الالتزام بأوامر الله..»

- «هذه قضية أخرى. وعموما فالويسكي لم يرد تحريمه بالاسم في أي كتاب سماوي..»

- وأخذ يضحك ثم ملأ كأسا أخرى وشرب نصفها وفجأة ظهر رجل قبالتهما وأدى التحية في أدب وقال:

- «أي أوامر يا سعادة البك..»

- قال عطوة باقتضاب:

- «متشكر بلغ تحياتي لعبد المجيد بك..»

- وانحنى الرجل في أدب وعيناه تنظران لدى موطئ قدميه ثم استدار وانصرف وعينا نبيلة تلاحقه، إنه يشبه إلى حد كبير أولئك الرجال الذين انتزعوها بالأمس القريب من بيتها وساقوها على مبنى المخابرات إنه ليس واحدا مهم بالتأكيد ولكنه من طرازهم وقالت نبيلة:

- «من هذا الرجل؟؟»

- «أحد عيوننا..»

- «لعله هو الذي أرشدنا إلى مكاني»

- «قهقه عطوة في سعادة وقال:

- «لن تخرجي من نطاق مملكتي مهما فعلت...»

- قالت في تحد:

- «ملكوت الله أوسع من عالمك الصغير...»

- أشارة بيده قائلا:

- «مهما فعلت، وأينما ذهبت فستكونين بين أصبعي هكذا..»

- تجشأ تم صفق بيديه، فهرول النادر، تمتم عطوة وهو يمسح شفتيه بمنشفة نظيفة بيضاء:

- «الحساب..»

- قدم إليه النادل ورقة صغيرة وقال عطوة وهو يضع يده في جيبه ليخرج حافظة نقوده:

- «أربعة عشر جنيها فقط..؟؟»

- ثم أخرج من الحافظة خمسة عشر جنيها ورمي بها على المنضدة وهو يقول:

- «الباقي بقشيش لك..»

- قال النادل في سعادة:

- «فليمد الله في عمرك .. وعمر الهانم..»

- وما أن أنصرف النادل حتى قالت نبيلة:

- «واجبة واحدة بمرتبي شهرا كاملا..»

- امتلأ قلبه بالغبطة وأخذ كرشه يهتز وهو يضحك وقال وهو يمسك بيدها في نشوة:

- «مليون جنيه في حذائك أنت أغلى عندي من كل كنوز الدنيا..»

- وغمغمت وهي تتناول حقيبة يدها:

- «متشكرة..»

- ركبت السيارة إلى جواره وانطلق بها صوب فندقها ولدى الباب قال لها:

- «لن أطيق الصبر أكثر من أسبوع .. سأنتظرك.. وبعد عودتك بيومين أو ثلاثة سوف نعقد القرآن..ونضع حدا لهذا العذاب.. أريدك لي وحدي .. باي باي..»

- وصرخت العجلات وهو يدور بسيارته ونظرت نبيلة إلى السيارة وهي تنطلق بعيدا في الشارع الطويل وظلت تنظر حتى توارت عن الأنظار..

- وعندما همت بالدخول توقفت فجأة ثم أدارت ظهرها للباب وخطت صوب الشارع لقد شعرت برغبة جارفة في أن تندس وسط الناس وتمتزج بهم وتحادثهم وتنفس عما في داخلها من اضطراب وهموم وقلق.