عطوة بك يواجه اليوم مشكلة من أشق وأصعب ما واجه في حياته كلها، المشاكل السياسية لا تعد شيئا بالنسبة لها، وأيام الحرب بما فيها من حصار وقتل وجوع وخوف أمر هين إذا ما قورنت بهذه المشكلة حتى أولئك الرجال الذين يواجههم في السجن الحربي، وما يبدونه من عناد وإيمان وتضحية يمكنه التغلب عليهم بالسياط أو الإبادة، أما المشكلة العويصة اليوم فهي «نبيلة» لأنها لم تستسلم له، ولأنها تريده أن يفكر من جديد والكارثة أنها تحاول جاهدة أن تغير من مفاهيم وأفكاره التي آمن بها، واستقرت في عقله منذ سنوات طويلة وأصبحت من المسلمات التي لا تناقش، الغريب أنها عزلاء من أية قوة، فليس لديها المال الكثير ،ولا المنصب الضخم مجرد مدرسة – ولا الأسرة العريقة، لقد أيقن من زمن بعيد أن «القوة» تحل المشكلة مهما تعقدت، هي لا تملك غير الجمال الآسر، والروح المسيطرة فكيف يقهر هذا الجمال بقوته؟؟
وأخذ يعمل فكره ويدبر . إنه لا يطيق الصبر ولا يعرف الكياسة أن التخطيط الرزين الهادئ البطيء ويحب الحسم والسرعة ويتعجل قطف الثمرة... وضحك.. كان وحده وهو يضحك .. رآه عويس عبر الباب المفتوح.. وسمعه وهو يضحك.. نظر عويس في دهشة هذا المخبول المشوش الذهن لماذا يضحك .. هرول عطوة إلى الخارج اصطدم بعويس الذي كاد سقط على الأرض ذهب «عطوة» إلى أحد أصدقائه «المخلصين» في المخابرات..اختلى به بضع لحظات.. ثم قدم له ورقة بعد أن كتب فيها سطورا قليلة وضحك عطوة كما ضحك صديقه. وتصافحا ف ود بعد أن تعانقا وقال له صديقه وهو يودعه:
- «مع السلامة يا نمس.. دائما أقول عنك الرجل الذي لا يقهر..»
- كانت نبيلة في مدرستها تلقى على الطالبات درسا في التاريخ عن التيار كانت تشرح الدرس كقصة حلوة مسلية وتصف للنبات طبائع التتار وتصرفاتهم الغريبة، وكيف اكتسحوا بقواتهم بغداد والبلدان المتاخمة لها، وكيف رموا بالكتب العظيمة –التراث الإسلامي الرائع- في النهر وعبروا على أجسادها إلى الشاطئ الغربي ثم أفاضت نبيلة في شرح النضال الرائع الذي أبداه شعب مصر والشعوب العربية تحت لواء المبادئ الإسلامية..
- كان البنات يستمعن وكأن على رؤوسهن الطير، وفجأة جاءت ناظرة المدرسة ودقت الباب بيد مرتعشة وهمست والدموع تبلل أهدابها:
- «معذرة . تعالي يا نتبيلة.. أنهم يريدونك...»
- كانت تريد أن تكمل الدرس وكانت الطالبات متشبثات بسماع بقية القصة المثيرة، وما أشد حبهن للقصص والروايات لكن الناظرة حسمت الأمر فتبعتها نبيلة وهي في غاية الدهشة، ولما ألحت في الاستفسار من الناظرة قالت الأخيرة وعيناها تشيان بالخوف الشديد:
- «مخابرات .. ربنا يستر»
- هتف نبيلة:
- «مخابرات ؟؟ لماذا؟.»
- «لا أدري..»
- كان الرجل في غرفة الناظر منتفخ الأوداج وعيناه مصوبتان نحو نبيلة التي قدمت تلفها الدهشة ثم قام وصافحها في برود قائلا:
- «نريدك خمس دقائق . لا وقت عندي»
- قالت نبيلة .
- «من أنت؟؟»
- «من رجال الأمن...»
- ثم وضع يده في جيب سترته وأخرج بطاقة صغيرة ثم قدمها إليها قائلا:
- «حتى تطمئني..»
- لم تستطع أن تقرأ شيئا فقد كانت نظراتها زائغة تائهة، كما أن الرجل لم يمهلها طويلا لقد اضطربت لم تفهم شيئا ما معنى ذلك؟؟ إن المفاجأة ألجمتها عن الكلام.. استجمعت قواها المشتتة وهتفت وهي تكاد تبكي:
- «هل استطيع أن أعرف السبب؟؟»
- «لا مجال للكلام هنا لن يستغرق المقابلة أكثر من خمس دقائق..»
- وأشار إليها في أدب مصطنع بارد يقول فاردا ذراعيه:
- «تفضلي السيارة بالخارج..»
- تعثرت وكادت تنكفي لكن الله سلم سارت وراء ه وهي لا تكاد ترى شيئا أنها لا تكاد تصدق أهي في حلم أم حقيقة؟؟ الكلمات لا تسعفها كي تعبر عما يعتمل في داخلها عادت إلى ذهنها فجأة صورة الفتيات .. البراعم الندية.. وهي تروي لهن عن ملحمة التتار كان في أعينهن الشوق والحب والأمل .. لكن معركة التتار لم تكن قد انتهت بعد حينما أتتها الناظرة .. الاستدعاء العاجل أضاع بهجة اللقاء ولكن لماذا تفكر في ذلك الآن.. ؟؟ نظرت أمامها رجل الأمن يوسع خطاه.. نظرت إلى الأمام ..هناك سيارة سوداء خصوصي وليس مكتوب عليها شيء سوى الأرقام ورجلان ضخمان يقفان إلى جوار السيارة من الخلف..عندما بلغا السيارة أشار الرجل قائلا:
- «اركبي...»
- «إلى أين؟؟»
- لم يرد ضابط الأمن لكن أحد الرجلين الواقفين فتح الباب الأيسر الخلفي ودخل منه بينما أمسك الثاني بذراعها ودفعها إلى الداخل وفي لحظات وجدت نفسها بين رجلين لا تعرفهما في المقعد الخلفي، وفي المقعد الأمامي جلس السائق إلى جواره رجل الأمن وانطلقت السيارة فصرخت نبيلة:
- «هذه عملية خطف.. أنتم عصابة.. أوقفوا السيارة يا مجرمين سوف أصيح وأجمع عليكم الناس..»
- لم يعلق أحد بكلمة، صرخت وهمت بالوقوف، لكن الرجلين جذباها بعنف وأجلساها ونظراتهما تتقد شرارا، وأصدر ضابط الأمن أوامره بإغلاق نوافذ السيارة والانطلاق بأقصى سرعة ممكنة.. كادت تجن .. ندمت على أنها استسلمت... أخذت تقاوم وتصرخ وتضرب الرجلين بيديها نظر إليها ضابط الأمن في غضب ثم أخرج من جيبه قيدا حديديا، ورماه إلى رجل في الخلف أمسكا بها ووضعا القيد في يديها ثم التفت الضابط ثانية وغمز بإحدى عينيه ورنت صفعة قوية على وجهها فأصيبت بالذهول لأول مرة تتلقى مثل هذه الصفعة انهمرت دموعها في ذل. فجأة تذكرته .. نعم تذكرت «عطوة» صمتت برهة ثم قالت:
- «ستدفعون الثمن غاليا أنم لا تعرفون من أنا.. أنا خطيبة «عطوة بك الملواني» قائد السجن الحربي..»
- قهقه ضابط الأمن قائلا:
- «لن تخدعنا هذه الادعاءات عطوة لا يخطب واحدة من أعداء النظام..»
- «ماذا تقصد؟؟»
- «ستعرفين كل شيء في حينه وعندما يعرف «عطوة بك» نشاطك المعادي، سوف يتبرأ منك، وسيهوى بسوطه الشهير على جسدك البض....»
- صرخت في غضب:
- «ما هذا الافتراء؟؟»
- «أعرف النساء ثرثارات دائما خير لك أن تصمتي سوف تحاسبين على كل قول تلفظت به.. إن معنا مسجلا يسجل كل شيء وكلامك ينطبق على ما لدينا من تحريات ومعلومات...»
- تلفتت حولها، نظرت على الرجال الصامتين كالأصنام الحجرية . ثم ضحكت في هستيرية:
- « أيمكن أن ارتكب جريمة دون أن أشعر.. مثل الذين يسيرون وهم نيام في الأفلام الساقطة الني نراها في أيامنا هذه؟؟»
- لم يعلق أحد تذكرت أمها وأباها وأخواتها ...تذكرت البيت الوادع الهادئ والمكتبة الصغيرة.. والاسطوانات والشرائط واللوحات الفنية الجميلة التي انتخبتها حسب ذوقها.. وقصائد الشعر التي تحفظها والبراعم الصغيرة في مدرسة البنات وزميلاتها وهن يتناقشن في الفن والتاريخ والذكريات .. والحياة بكل مناحيها .. تصورت أن انقطاعها عن ذلك العالم البهيج هو الموت بعينه وإلا ماذا يعني الموت؟؟ إنه الفراق الأبدي لمعاني الحياة الحلوة بما فيها من شخصيات وأفكار وفنون وجمادات وحيوانات وزروع وسماء.. وشمس وماء.. إن ما تراه الآن هو الجحيم بعينه تذكرت طائرها الأخضر البديع في قفصه الأنيق، تمنت الآن أن تمتد يد لتفتح القفص وتترك الحرية للطائر السجين يبدو أنها ارتكبت جريمة شنعاء بحبسها ذلك الطائر في القف وغمغمت: آه يا صديقي الطائر الحزين، أنني أبكي من أجلك..»
- همس الرجل الذي يجلس على يمينها حينما رأى دموعها تنحدر:
- «لا تخافي.. العناد وعدم الاعتراف هما اللذان يسببان لك المتاعب.. وإذا تكلمت عن كل شيء بصراحة فسوف يهون الأمر كثيرا..»
- قالت في دهشة:
- اعترف؟؟ ماذا تعنون؟؟
- صرخ الضابط الجالس في المقدمة:
- ممنوع الكلام يا بيومي يا حيوان.
- رد الرجل الجالس علي يسارها:
- لم أتكلم يا سعادة البك..
- كلكم حيوانات .. أقصد سي زفت متولي..»
- رد متولي وهو يؤدي التحية جالسا.
- أمرك يا فندم ..
- نعم انكتم يا لوح..
- حاضر يا فندم..»
- حينما بلغت السيارة المقر الرئيس عبرت الباب الواسع إلى الفناء ثم دارت نصف دورة حتى بلغت بابا جانبيا صغيرا في البناء الشامخ الكبير وفي لحظات انزلها ثم أدخلوها ووجدت نفسها بعد وقت قصير في غرفة بها رجلان أحدهما يجلس خلف مكتب فخم مغطى بغطاء ثمين أخضر وفوق رأسه صورة بالألوان لزعيم العرب «جمال عبد الناصر» وعلى اليسار لوحة سوداء كتبت بماء الذهب «العدل أساس الملك» .. أين رأت مثل هذه اللافتة من قبل.. نعم في المحاكم ... لا .. لا لقد رأتها أيضا في قصر الملك السابق فاروق قصر عابدين في قاعة العرش.. قال الرجل ذو الحيثية الجالس خلف مكتبه:
- «يا نور النبي ما هذا الجمال؟؟ خسارة .. هذه الحلاوة كلها وتورطين نفسك في أمور خطيرة..»
- هرولت نبيلة نحوه وهتفت في ضراعة والدموع في عينيها:
- «اعمل معروفا أريد أن أعرف ماذا فعلت..»
- هز رأسه باسما وأشار بيده وهو يكتب كلمات على ورقة بيضاء وقال:
- «لا تتعجلي. بهوادة.. بهوادة.. نحن لا نظلم أحدا...»
- قالت نبيلة في فرح:
- «هذا ما كنت اعتقده.. إن الثورة الرحيمة لا يمكن أن تظلم المخلصين من أبناء الشعب..»
- رفع الرجل رأسه عن الأوراق وقال:
- «بالطبع»
- شعرت بغير قليل من الارتياح لكنها سمعت الرجل الكبير يقول:
- «غير أن البعض يستغل سماحة الثورة ويلعب بالنار وللأسف النار لن تحرق الثورة.. ولكنها ستحرق يد من يلعبون بها.. بل وتحرق أجسامهم وبيوتهم وكل من يمت لهم بصلة..»
- قالت في ثقة:
- «الجميع يعرفونني.. في البيت والمدرسة والشارع والحي . المجتمع كله يعرفني..»
- سدد إليها نظرات ثابتة واثقة وقال:
- «نحن نعرف أكثر..»
- ثم رمي بالورقة لأحد الرجال الواقفين وهو يقول:
- «خمسة وعشرون..»
- فتلقف الرجل الورقة وضم قدميه كعلامة سبعة بعد أن دق الأرض بقدمه في قوة ثم أدى التحية وسرعان ما جر «نبيلة» وذهب إلى غرفة صغيرة أسفل المبنى ثم دفعها إلى الداخل وأغلق الباب نظرت حولها فلم تجد شيئا كيف تجلس؟ كيف تنام؟؟ لا يمكن أن يكون ما جرى الآن حقيقة.. أنها تحلم .. حلم لا شك . وسرعان ما تستيقظ منه...