حين دوهمت الزنزانة رقم 47 بعدد من العساكر القادمين من مكاتب التحقيق أصاب الذهول أفاردها لو أنهم ساقوا فردا واحدا منهم لأصبح الأمر طبيعيا أما أن يؤخذ الجميع بهذا العنف ويلاحقونهم بالسياط من الزنزانة جميعا وحتى مكتب التحقيق فليس لذلك سوى سببين: أولهما أن تكون الإدارة قد اتخذت سياسة جديدة إزاء المعتقلين القدامى، بتأثير الجهاز الجديد الذي تم اعتقال أفارده بحيث يعم الإيذاء جميع المستويات التنظيمية في الجماعة دون استثناء كأسلوب من أساليب الانتقام والتأديب والسبب الثاني قد يكون متعلقا بموضوع عبد الحميد بالذات إذ لا شك أن إنكاره قد أزعجهم وأفزعهم وهذا الرأي الأخير هو الذي كان يميل إليه معروف لقد اقتنع بهذا عقليا وقلبيا وما أكثر ما يحدثه قلبه في هذه الأيام فيصدق فهو لم يشعر بأنه أقرب ما يكون إلا الله في يوم من الأيام مثلما يشعر بذلك الآن وما إن بلغوا ساحة التحقيق حتى تراصوا أمام الجدار بحيث كانت وجوههم في مواجهة الأحجار الصلدة وأقفيتهم في مقابلة العساكر وأذرعهم مرفوعة إلى أعلى وحانت من معروف التفاته إلى الجهة اليسرى فوجد عبد الحميد ملقى على الأرض كأنه يحتضر حاول معروف أن يفهم شيئا من نظراته أو حركاته لكن عبد الحميد لم يكن بقادر على أن يأتي بحركة أو إشارة ولم يطل الوقت فقد حضر المحقق الأول والثاني وقال المحقق الأول لمعروف وهو يشير إلى زميله:
«اسمع يا معروف . فريد بك قادم من رئاسة الجمهورية..»
انزل معروف يديه، ثم قاس الرجل بنظراته وقال:
- «نعم أعرفه يا يحي بك..»
- ابتسم فريد وصالح معروف في شيء من التعالي وغمغم:
- «كنا زملاء لكنها الأيام...»
- وعاد يحي بك يقول:
- «زميلكم في الزنانة عبد الحميد النجار قد أوقعنا في ورطة ربما تسيء إلى شخصيا..»
- وأردف فريد بك قائلا:
- «أنت زميل قديم، وتستطيع أن تقدر هذه الظروف الحرجة.»
- هز معروف رأسه وقال:
- «ما هي المشكلة بالضبط؟؟»
- «أدلى باعترافات تتعلق بمنشورات سورية وكان أن أبلغنا الأمر للرئاسة وأفرجنا عن المتهمين المشتبه فيهم ثم جاء بعد ذلك وأنكر كل شيء..»
- وفكر معروف مليا في الأمر، ما معنى استدعائه هو وزملاؤه؟؟ هل يفهم من ذلك أن عبد الحميد بسبب ما تعرض له من تعذيب قد أفهمهم أن معرفو هو الذي أوعز إليه بالإنكار؟؟ ولهذا استعان بالله وقرر أن يلقى أمامهم الحقيقة كاملة حتى يضع حدا للعذاب المتوقع لكن هناك احتمال أن يثيرهم تصرفه فينقلبوا كالشياطين ويتصرفوا دون عقل ومع ذلك فقد كان معروف ميالا لقول الحقيقة وسمع معروف يحي بك يقول:
- «ما رأيك يا معروف ؟؟ أنت زميل وكلنا كنا دائما نحترمك ونجلك نحن نعرفك برغم ما أنت فيه اليوم من وضع سيء»
- قال معروف في هدوء:
- «أتريدون أن تتأكدوا من الحقيقة أم ترغبون في تأييد شكوككم..؟؟»
- قال فريد بك باسما:
- «بالطبع الحقيقة..»
- قال معروف:
- حسنا عندما جاء عبد الحميد وأخبرني بكل شيء وعلمت أنه ابتكر القصة من أولها إلى آخرها أقول الحق. لقد عتبت عليه قد تغضبون من تصرفي هذا لكني رأيت أن خديعتكم أمر خطير فمعنى ذلك أنكم لن تعرفوا أبدا من أتى بالمنشورات ولن تعرفوا موزعها الحقيقي أتظنون أن ذلك سيكون ي مصلحتكم ومصلحة البلد؟؟»
رد يحي بك وهو يكتم غيظه:
«أيها الثعلب أنت السبب إذن؟؟»
«أنا لا أقول إلا الصدق..و..»
قاطعة فريد بك:
«أعرفك صاحب مبادئ طول عمرك..»
«المهم أن تثقوا في كلامي.»
قال يحي بك مهتاجا:
«وكيف نواجه الرئاسة..؟؟ء175
- «وكيف نواجه الرئاسة؟؟»
- «بقول الحق.»
- «إن هذا يفتح علينا بابا من الشقاء لا مثيل له..»
- «لماذا؟؟؟»
- «لأنه يجب أن نعثر على الفاعل..»
- «وعبد الحميد ليس الفاعل يا يحي بك..»
- وصمت معروف برهة ثم قال:
- أم تريدون أن يكون المسكين كبش فداء ثم تقفلون المحضر وتستريحوا أنتم ويساق عبد الحميد إلى الموت أو الأشغال الشاقة المؤبدة ظلما؟؟»
- رفع يحيي بك يده وصفع «معروف» في ثورة وهو يقول:
- «نحن لا نلفق التهم..»
- قال معروف في سخرية:
- «واضح»
- ثم التفت إلى فريد بك قائلا:
- «أتوافقه يا فريد بك..»
- واستطرد معروف في انفعال:
- «حرام عليكم يقول الله في كتابه العزيز: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى.»
فكيف تقابلون الله؟؟ ولن يكون في مصلحتكم ولا مصلحة الدولة أن تلفق الأمور على هذا النحو»
كان معروف يدرك أن الأمر ليس سهلا فإقناع هؤلاء الشياطين الذين لا يرحمون أمر صعب غاية الصعوبة والتفاهم معهم بالعقل والمنطق فيه كثير من المشقة إن كل واحد منهم يريد أن يبعد المسئولية عن نفسه ويبدو نشطا مخلصا في عمله حتى يرضى رؤسائه والأساس الأول الذي يبنون عليه تصوراتهم وفلسفتهم هو أن الإخوان جميعا خطر وبلاء وفساد ويستوي في ذلك الرئيس والمرؤوسين والمتهم والبريء والغاية هي القضاء عليهم أو الزج بهم في السجون أطول مدة ممكنة حتى يأكلهم الملل ويدمرهم الإرهاب الطويل خلف الأسوار، ومن يخرج منهم بعد ذلك يخرج بائسا فقيرا مأزوما لا يصلح لشيء ومع ذلك فقد أصر على موقفه الذي شرحه الإخوان بالأمس القريب في الزنزانة حينما اعترضوا على تصرفات عبد الحميد فلابد من قول الحق مهما كان الثمن ولابد من الصبر والصمود حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، «ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك..» وذهل معروف ولم يصدق أذنيه حينما سمع فريد يقول:
- «اسمع يا يحي بك أنا مقتنع بم قاله معروف اقفل المحضر وسجل أقوال عبد الحميد الجديدة ودعه يوقع عليها .. وأنا بدوري سألغي محضر التحقيق القديم ثم دعهم يذهبون إلى زنزانتهم.. »
- وصافح فريد بك معروف في شيء من الود وقال:
- «تعرف يا معروف إننا جميعا نحزن لأجلك.. ليتك تتنازل عما في رأسك وتترك هوس المبادئ .. لو فعلت لضمنت لك الخروج من المعتقل فورا.. إن ورقة صغيرة تعتذر فيها وتكتب التماسا للرئيس ستنهي كل شيء ولن تعود للجيش لكن ستتسلم وظيفة كبيرة تليق بشخصك وتاريخك في إحدى الشركات الهامة..»
- ابتسم معروف وقال:
- «متشكر يا فريد بك.. هذا قدري . ولن أنسى لك هذا الفضل..»
- وقال فريد وهو ينصرف:
- «متشدد أنت دائما.. أهناك من يرضى بهذا الهوان مهما كان السبب؟؟»
- وغضب عطوة الملواني وثار ثورة عارمة عندما علم بالإجراء الذي اتخذه مندوب الرئاسة فريد بك وقرر أن يحبس معروف في زنزانة انفرادية بعيدا عن باقي الإخوان لخطورته وأن يعامله المعاملة القاسية التي تليق بغروره وحماقته وعدائه للنظام لكن فريد بك قال:
- «عطوة اسمع الكلام..»
- «هذا غير معقول..»
- تنهد فريد بك وأشعل سيجارة وقال:
- «لقد أنقذ معروف حياتي وعشرة من جنودي في حرب فلسطين لولاه لكنت الآن راقدا تحت الرمال عند منطقة «سور باهر» دنيا . لو أن معروف اكتسب شيئا ن المرونة واللباقة وفكر في مصلحة نفسه لكان الآن واحدا من كبار رجال الثورة المرموقين..»
- هتف عطوة بك في غضب:
- «هذا يدينه..»
- «عطوة لا تنسى أنني أتكلم باسم الرئاسة نحن أدرى بالأمور منك..»
- وعاد الرفاق إلى الزنزانة وما أن وصلوا حتى قال معروف:
- «تيمموا بالصعيد الطيب لا يوجد ماء للوضوء ولنصل ركعتين شكرا لله ولندعوا جميعا الله كي يعود إلينا عبد الحميد هو الآخر سالما..»
- وأمهم الشاعر يوسف في الصلاة وجلسوا متحلقين، كانوا يشعرون بالسعادة وقد أنقذهم الله من هذا الموقف الصعب وكانت القضية التي تشغل أذهانهم هي ما فعله فريد بك إن ما أقدم عليه شيء نادر الحدوث في مثل تلك الأوقات العصيبة، وعلق رزق إبراهيم قائلا:
- «هذا رجل فيه بقية خير..»
- وغمغم يوسف بآية من القرآن:
- «ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما»
- أما محمود صقر فبرغم اعتصامه بالصمت أغلب الأوقات فقد قال:
- «عجيب أمر الإنسان يقوى ويضعف يعدل ويظلم صعود هبوط الدوام لله وحده..»
- وضحك معروف بصورة لفتت الأنظار إليه وقال:
- «في الأمر سر..»
- زحفوا نحوه وسددوا نظرات متلهفة وقال رزق:
- «ماذا؟؟»
- قال معروف: «هل فيكم من يحفظ السر أم أن السياط تنسيكم العهد؟؟»
- مد رزق يده السمراء النحيلة وقال:
- «نعاهدك على الكتمان..»
- قال معروف:
- «ليس من شيمتي أن أفشي سرا..»
- قال رزق:
- «لقد عاهدناك..»
- فأردف معروف قائلا:
- «لكن هذه المرة لي هدف..»
- وأنصتوا لما يقول في اهتمام فجاءهم صوته:
- «كان فريد في مجموعتي..»
- صرخ يوسف
- «من الإخوان؟؟»
- «نعم»
- استمر معروف في حديثه:
- «ويوم أن وقعت الواقعة جاءني وقال لي: «يا معروف لا يعلم السر إلا أنا وأنت » فهمت كل شيء عاهدت الله ألا يعلم بالأمر أحد حتى ولو مزقوني إربا إربا.. كنا أخوة في الله.. ورفقة في السلاح والجهاد تأكدوا أيها الإخوان أن هناك ألوفا مثل فريد في كل مكان هذا ما أردت أن أطمئنكم به ولهذا أذعت السر لكم أنتم وليس للحكومة.»
- قال رزق وقد احتقن وجهه الأسمر:
- «ولماذا يتعاون مع الحاكم الظالم؟؟»
- قال معروف وهو يتنهد:
- «هذا سؤال لا يمكنني الإجابة عليه..»
- «من يجب إذن؟؟»
- «هو لكل إنسان وجهة نظر..»
- «الأمر واضح يا معروف..لقد خاف من سوء المصير.»
- قال معروف باسما:
- «هل السجن وحده هو المحك الحقيقي للصمود والشجاعة؟؟»
- «لا أفهم..»
- قد تكون الشجاعة أن تتراجع وقد تكون في الإقدام قد تكون في الظهور ربما تكون في التخفي.. ليس من السهل الحكم في مثل هذه القضايا»
- قال زرق في إصرار:
- «هذا الأسلوب يناسب السياسيين المحترفين..»
- هز معروف كتفيه قائلا:
- «ربما لكن إدانته أمر صعب..»
- تدخل الشاعر يوسف متمثلا بقول الرسول:
- «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان..»
- وتمتم محمود صقر:
- «الله وحده يعلم..»
- ودار المفتاح في عقب الباب وما أن انفرج حتى هب الحضور واقفين كان اثنان من العساكر يحملان عبد الحميد ثم دخلوا ووضعوه يوسط الزنزانة كان في حالة من الإعياء شديدة ونظروا إلى وجهه المشوه في خوف وقال معروف:
- «لماذا لا تأخذونه إلى الشفاخانة؟»
- لم يرد عليه أحد وسرعان ما أغلق الباب..
- وكم كانت دهشة الإخوان حينما رأوا عبد الحميد يبتسم ويقول:
- «أنا الذي طلب ذلك رفضت دخول المستشفى لم أستطع فراقكم..»
- قال رزق:
- «لكن حالتك خطرة..»
- «إذا مت بينكم فسأكون سعيدا الحمد لله..»
- «وما هو الحل الآن؟؟»
- وسادت فترة صمت قال رزق بعدها:
- «وجدتها..»
- نظر إليه معروفا مستفسرا فاستطرد رزق:
- «العجمي .. أقصد الدكتور العجمي..»
- صاح يوسف قائلا:
- «ماذا تقصد»
- «أعني أن لديه كمية من العلاج يحتفظ بها في غرفته غرفة الكلاب، وفي الإمكان الاستفادة منها..»
- وأخذ يوسف يداري ابتسامة كادت ترتسم على محياه بينما قال معروف:
- «فكرة صائبة إن لديه بنسلين وسلفا وقطن وشاش ومطهرات أعتقد أننا لن نحتاج على أكثر من ذلك..»
- كان عبد الحميد برغم جراحه يشعر بقدر كبير من السعادة لم يكن يتصور أنه سيخرج من ذلك المأزق بسهولة بل لعله كان يظن أن نهايته قد قربت فالاعتراف ثم الإنكار أمر غير مألوف ولا يقابل إلا بمنتهى الحزم والقسوة ومن فرط سعادته أخذ يشرع بأن آلامه تختفي رويدا رويدا، وداخله يقين قوي بأنه سوف يشفي برغم سوء حاله، وغمغم عبد الحميد حتى يبدد سحب الخوف والكآبة.
- «الدكتور العجمي طيب بيطري..بيطري بيطري ... لا مانع نحن هنا في مرتبة دون الحيوانات الأمر طبيعي أيها الإخوان..»
- ولم يتمالكوا أنفسهم من الضحك.