عاد «عطوة» إلى مسكنه الفاخر، على الرغم من وجود الزهور فهو لا يكاد يشم لها أريجا حتى الديكور البديع الذي يضفي جمالا على الصالة والغرف لا يكاد يحس له بمعنى أهم شيء لديه البار وغرفة الطعام وحجرة النوم هناك لوحات قيمة معلقة لفنانين موهوبين، غير أنه لم يفكر مرة في أن يدقق البصر فيها، ويستجلي ما وراءها من إيحاءات ومعان، لعل نظره لا يقع إلا على صورة الرئيس الضخمة وصورته أيضا أسفلها قد حرص عل وضع صورته تحت صورة الرئيس هكذا تعلم في حياته العسكرية وهناك صورة صغيرة في إطار بذهبي اللون موضوعة على لمكتب الخاوي إنها لنبيلة إ،ه يشعر بفارغ قاتل الآن، ترى أيعود مرة أخرى إلى السجن الحربي؟؟ هناك لا يشعر بهذا الفراغ وقته دائما مليء بكثير من «العمل» والمناقشات، وهناك يشارك في صنع الأحداث، وفي تقرير مصير البشر، ويحيي ويميت، سلطته تكاد أن تكون بلا حدود في إطار الأوامر العليا وهي ينسى يوم أن وقف في ساحة الحربي، وطلب من الهضيبي مرشد عام الإخوان أن يقف «كالمايسترو» ويقود جموع المحبوسين وهم يرددون بنشيد مثال الوطنية»..
نعم لقد رفض الرجل في البداية لكن عطوة هدده بالانتقام من ابتاعه وفعلا انهال عليهم ضربا بالسياط حتى استجاب الرجل مضطرا أن يمثل دور المايسترو لينقذ أحبابه من العذاب، هذا المرشد العام الذي كان يحرك الملايين بكلمة أصبح عطوة اليوم يحركه بسوطه.. نعم القوة هي القول الفاصل في كل شيء، ويا ويل من يغرقون – ويغرقون غيرهم- في الجدال والحوار الأجوف، إن رصاصة واحده تحسم الأمر وتعيد الهدوء والاستقرار أصحاب الرأي في هذه الدنيا هم البلاء.. كل هذه الأفكار آمن بها عطوة واستخلصها من تجاربه الخاصة، قال له أبوه العالم الفاضل ذات يوم عندما ضرب أحد الفلاحين وأحدث به كدمات وجروحا:
- «اتق الله يا ولدي.. ألا تخاف يوم الحساب..؟؟»
- يومها كان عطوة لم يزل شابا وفي السنة الأولى بالكلية الحربية، وكان ينظر إلى أسلوب أبيه في الحياة نظرة كلها استهزاء وسخرية وصفاقة، في بذلك اليوم رد عطوة على أبيه قائلا:
- «ألم تعلم أنه مر على وهو راكب حماره؟؟»
- «وماذا في ذلك يا ولدي؟؟»
- «المفوض أن ينزل احتراما لي.. ألا يعرف من أنا..؟؟»
- «أنت عبد من عبيد الله يا عطوة.. وهو كذلك..»
- رد عطوة في غضب:
- «أنا لست عبدا لأحد..»
- «استغفر الله أيها الأحمق وإلا أحرقك بناره..»
- زمجر عطوة غاضبا وهو يولي وجهه شطر باب البيت:
- «إن التساهل مع هؤلاء الفلاحين خطأ كبير.. إنهم لا يسمعون ولا يطيعون إلا بالعصا والكرباج»
- صاح أبوه ولحيته البيضاء ترتجف:
- «أخرج عليك اللعنة..»
- تذكر عطوة الأيام الخوالي، كان يسمع دائما من أبيه بل ومن أخيه طالب الطب، ومن بعض الناس أيضا، أن الحب هو أفضل وسيلة للحصول على رضا الناس واكتساب مودتهم، ولكنه كان يرى في ذلك بلاهة وسذاجة، لأنه بالمال يستطيع أن يشتري كل شيء وبالقوة يمكن إخضاع كل شيء.. أصبح المال والقوة في نظره الهين يعبدان من دون اله لقد عاش فترة طويلة وهو يتلقى العلم بعيدا عن أهله وذويه، وأطلق لنفسه العنان، كجواد جامح، والتقى بمجموعة من الأصدقاء المتحللين ودخل البارات وأماكن اللهو، وعرف الكأس وكثيرات من النسوة المنحرفات لقد تردد قليلا في البداية ولكنه خطا إلى داخل ذلك العالم المليء بالصخب والألوان المتعة والانطلاق وسرعان ما غاص فيه حتى الأعماق كان يحتاج المال أحيانا فيقترض أو يسرق وكان يشعر بالظمأ إلى الكأس والمرأة فيشرب حتى الكحول الرخيص ويعاشر أحط البغايا وكان يجوع فيفترس سندوتشات الفول والطعمية أو يدهم بيوت أصدقائه ليأكل عندهم في نهم، لم يكن عيبا أن يقترض من بواب عماره، أو فراش في المدرسة، أو جرسون في بار، لم يكن أبوه في الواقع يضن عليه بالمال لكنه يعطيه في حدود المعقول وفي حرب فلسطين عام 1948 دخل تجربة جديدة، كان العنف والدماء وموت الرفاق وليالي الخوف والأرق والجوع وحكايات عن الأسلحة الفاسد والترف الخرافي للطبقة العليا التي تحكم وتحرك مقاليد السياسة والاقتصاد والفكر والفن، وترمي بالألوف على موائد القمار، لم يكن آنذاك يفكر في إصلاح الحال أو رسم خريطة لحياة جديدة يسعد فيها التعساء كان فقط يريد أن يكون مثل هؤلاء الكبار سلطة ورفاهية وثراء وسمع عن بعض أفكار ثورية تبشر بالتغير والنجاح فأسرع إليهم لم يكن له فكر ذو قيمة ولم يعرف عنه إبداع أو ذكاء ميزته الأولى الطاعة العمياء واحترام الرؤساء والأقدام على العنف والقسوة إقداما يلفت النظر، قال له أحد أصدقائه ذات مساء:
- «أخاف عليك يا عطوة أن تقع في شر أعمالك..»
- قهقه ساخراً:
- «عطوة لا يقع إلا واقفا..»
- وعندما قامت الثورة، وأصبح له مكان بارز فيها، استطاعوا بفراستهم أن يوظفوه في الدور اللائق به وأتاحوا له الفرصة كي يدرس مع عمالقة رجال «النازية الألمانية» القدامى، ومترفي التعذيب والاضطهاد من العالم الشيوعي وزبانية المخابرات العالميين، لقد أقبل على تفهم مناهجهم وفكرهم في نهم عجيب وقال ذات مرة لأحد كبار المسئولين:
- «في الواقع أنا لم أستفد كثيرا من هؤلاء الخبراء.. لقد أكدوا لي دائما أنني بطبيعتي أعرف الكثير مما يقولون لقد آمنت من قديم أن أي نجاح سياسي لا يثبت ولا يستقر إلا في ظل فلسفة التخويف والإرهاب والقضاء على البعض حتى يعتبر الآخرون ويستسلمون ولن تخسر البلد شيئا إذا قتلنا خمسة في المليون هذه نسبة لا تذكر...» - وعطوة يعتقد اليوم أكثر من أي وقت مضى أنه كان دائما على حق، وجرع كأسا مترعة وهو يقول: «ألا يكفي فخرا أن قد أصبح لي تلامذة في كل مكان.. لا في مصر وحدها.. بل في كثير من البلدان العربية..؟؟»
- «لكن نبيلة لم تأتي لقد تأخرت أكثر مما يجب ووعدت بأنها ستخضر وأنا أكره من يخلف لي موعدا ويا ويل من يخدعني لئنني أمحوه من فوق ظهر الأرض محوا..هيه .. يوم الحساب.!! سامحك الله يا أبي .. معذور لأنك قضيت سنوات عمرك بين دفات الكتب تبحث عن الأحاديث الصحيحة والضعيفة، وتقارن بين التفاسير، وتدعو الناس إلى البر والرحمة، وتفتي في مشاكل الطلاق والزواج والنفقة ونواقض الوضوء والزكاة، لهذا لم تستطع أن تصنع لنفسك مكان مرموقا في الأرض وعشت معلق البصر بالسماء.. لم تعرف القيمة طول حياتك .. وتزعم أن بين جنبيك من اللذة ما لو علمها الملوك لقاتلوك عليها بالسيوف.. مسكين يا أبي!! أية لذة تلك!! وتتكلم عن يوم الحساب.. دائما تفكر فيما وراء الغيب .. لم تعش حياتك كما يجب.. لقد سجنت نفسك في سجن من صنع يدك.. وتردد دائما «أن الدنيا سجن المؤمن» .. وأنا أكره أن أكون سجينا ..ها.. ها...ها..إذ الإخوان المسلمون عندي في السجن الحربي هم في وضعهم الطبيعي الذي أرادته السماء لهم.. هم مؤمنون كما يقولون والدنيا سجن المؤمن كما يقول.. فليبقوا في السجن تنفيذا لمشيئة الله..»
- دق جرس التليفون.. انزعج عطوة.. سرعان ما استعاد هدوءه، وعجب لنفسه كيف يخاف من دقات التليفون.. إن قلبه هو الآخر يدق بسرعة مش متمهلا نحو التليفون تناول السماعة بغير قليل من الهدوء المصطنع.
- «ألو.. هذا غير معقول يا نبيلة..»
- «أنا لست صغيرا حتى تدعيني انتظر على أحر من الجمر..»
- «لن أحضر إليك..»
- «مستحيل. ما هو السبب؟؟»
- «أخاف أن تفترسني...»
- ضحك عطوة عاليا، وانتشت روحه لهذه الصفة التي تسبغها عليه وقال في شيء من الرضا:
- «تعرفين أني أحبك..»
- «حسنا.. سأنتظرك في أي مكان عام...»
- «لا يمكن...»
- «ولم ؟؟؟»
- «تعرفين أني رجل مهم، ولا أستطيع أن أظهر في مكان عام إلا تحت ظروف وشروط معينة..»
- «إذن أولا من المسئولين... ثم حراسة مشددة.. ثم التواجد ي مكان خاص آمن.. وغير ذلك كثير»
- «أتخاف ياعطوة...؟؟»
- «أنا لا أخاف ولكنها إجراءات أمن، لابد منها لحماية كبار الشخصيات..»
- بدا الضيق في صوت «نبيلة» وهو تقول:
- وركوب الجمال والخيال، أو التسلي في حديقة الحيوانات.. أريد أن آكل معك «الصميت بالدقة» والترمس والفول السوداني.. ونجلس على شاطئ النيل.. أو في كازينو الحمام..»
- قاطعها في غضب قائلا:
- «لم كل هذا؟؟ هذه تصرفات الطبقات السفلى .. لسنا سوقة يا نبيلة أنا رجل لي مركزي.. ألا تتركين هذه الخرافات.. يجب أن تصعدي معي إلى حيث أنا.. افهميني يا حبيبتي...»
- «أنا لا أفهم شيئا مما تقول.. كلماتك تكاد تخنقني.. إذن فلا مسرح .. ولا سينما .. ولا فسح.. ما معنى ذلك؟؟»
- قال وهو يهدئ من ثورته:
- «سوف تكون لنا علاقاتنا الاجتماعية الخاصة لا شك في ذلك، سنتزاور مع كبار الأسر.. ستكون لنا عروض سينمائية خاصة، ستغني لنا المطريات في حفلات مقصورة علينا.. وستكون لنا استراحات رائعة.. إنك تتعجلين الأمور»
- قالت نبيلة في أسف:
- «ولكنني أحب الناس العاديين الاختلاط بهم...»
- «إنهم سفلة... لا يتركون امرأة تسير في الطريق إلا وطاردوها بعبارات الغزل السمج..»
- «أتغار منهم يا عطوة؟؟ والنبي دمهم خفيف...»
- «يا باي .. أنا لا أطيقهم...»
- «وابتلع ريقه لحظات ثم قال:
- «ألا تأتين؟؟.»
- «لا أستطيع اليوم...»
- الرفض يؤلمه، حتى لو كان بطريقة مهذبة، أو بنبرة اعتذار وخضوع وعصيان، أوامره جريمة، إنه يكاد ينفجر، ولهذا صرخ بأعلى صوته في التليفون:
- «بالأمر لابد أن تحضري»
- وحملت إلى أذنه سماعة التليفون ضحكاتها اللاهية البريئة وسمعها تقول:
- «أتظن أن نبيلة عسكري مراسلة..؟؟»
- «أنا لا أمزح..»
- «وأنا متظلمة..»
- «قلت لا أمزح..»
- ضحكت وغلقت التليفون وهي تقول:
- «عن أذنك .. أبي قادم..»
- نظر إلى السماعة في غيظ وهتف «ألو.. ألو.. نبيلة..» ولما لم يرد عليه أحد قذف بها فوق التليفون في إهمال وغضب ثم التفت خلفه فوجد عويس واقفا لا يتكلم صرخ فيه عطوة:
- «واقف مثل التيس أعوذ بالله ما الذي أتى بك.؟؟»
- لم ينطق ويس إلا بكلمة واحدة:
- «الغذاء...»
- «غر من هنا يا بهيم.. أنت صنم؟؟»
- وتحرك عويس في وقار وهدوء لم يغضب أو يثر، لقد رأى الكثيرين من أمثال عطوة بك، كان يخدم في قصور الأمراء والحاشية الملكية وبعض الوزراء لم يتغير شيء، المسكن شبيه بمساكن الحكام السابقين، والتصرفات لا تختلف عن تصرفاتهم ... بل ألعن ونماذج الشخصيات التي يراها تدخل وتخرج وتشرب وتأكل وتتحدث.. كلهم من نفس الدولة القديمة... اليوم مثل الأمس والغد يبدو أنه لن يختلف عنهما إن لم تزدد الحالة سوءاً وسفالة وقلة أدب، وتمتم عويس:
- «لا يعرفون الله...»