الفصل 12

10 0 00

كانت نيلة تجلس في غرفتها بالفندق، والهدوء يغمر نفسها، لقد نامت نوما عميقا وأدت صلاتها قبل أن تشرق الشمس، ثم تناولت إفطارها البسيط المكون من الفول والجبن وكوب الشاي الممزوج باللبن، إن الأيام الماضية مرت وادعة لا يعكر صفوها معكر، ولم تتعرض لأي انفعال طاغ اللهم إلا في اليوم الأول عندما سطرت رسالة بكل ما جرى لرئيس الدولة وانتهت رسالتها بقولها: إن هذا لا يمكن أعني لا يصح أن يحدث في عهدك أنت يا من ثرت على الطغيان وأنهيت حكم المملكة الفاسدة وخطوت خطوات واسعة نحو العدل الاجتماعي الذي ينشده الجميع، فكيف يتفق هذا مع اغتصاب الأبرياء، والقسوة على أبناء الشعب دون مبرر معقول ونحن جميعا إخوتك وأخواتك، وأبناؤك وبناتك، وإذا كان البعض يحلو له أن يبالغ في إجراءات القمع باسم الحفاظ على أمن الدولة وحماية أرواح المسئولين فإني اعتقد أنت لن ترضي بمثل هذه التصرفات التي لن تختلف وراءها سوى الحقد والخوف والسلبية وقهر المواهب وكبت الآراء الحرة، ما دام مجرد الرأي أو النقد البناء سوف يعرض صاحبه للانتقام أو السجن أو الفصل في العمل وأخيار لك يا سيادة الرئيس كل حب وتقدير ودعاء من الأعماق بأن يوفك الله لما يحب ويرضى..» وأطلت نبيلة من النافذة الشرقية حيث تتألق الشمس فتشع الدفء والبهجة كانت سعيدة بهذا الجمال الذي يحيط بها وبالهدوء الذي يسود المكان أين هذا من تلك الزنزانة المظلمة في قلب المخابرات العامة.؟؟.

ووثبت إلى ذهنها صورة المرأة التعسة التي تطفر الدموع من عينها ويمتلئ وجهها الأبيض الشاحب بالكدمات والخدوش «مسكينة سلوى!! ترى ما مصيرها الآن؟؟ ليتها كتبت طرفا من قصتها إلى الرئيس.» وبدا على وجهها طائفة من الحزن ارتسم على ملامحها ونظراتها وتنهدت في حسرة وبدا على وجهها طائف من الحزن ارتسم على ملامحها ونظراتها وتنهدت في حسرة وحاولت أن تنسى فاختطفت جريدة الصباح.. صورة الرئيس حسرة وحاولت أن تنسى فاختطفت جريدة الصباح صورة الرئيس كالعادة على الصفحة الأولى العناوين «أو المانشتات» الحمراء ترفع الشعارات الرنانة ومزيد من القرارات ضد الإقطاع والرأسمالية المستغلة والرجعية المتآمرة مع الاستعمار والصهيونية وبرقيات التأييد التي تتدفق بمناسبة وبغير مناسبة والمحاكمات المستمرة وصورة المتهمين وهو حليقو الرؤوس والاعترافات ومقالات عن السخط الشعبي والصاخب إزاء المؤامرات والمتآمرين وسباب وشتائم ضد الحكومات العربية الأخرى والتي يطلق عليها الدولة الرجعية وبحثت نبيلة عن قصة قصيرة أو قصيدة شعر لتقرأ أيا منهما فلم تعثر إلا على بعض أبيات بالعامية تمجد الثورة والثوار حتى الكاريكاتير الذي تحبه وجدته يعالج موضوعا سياسيا يعني الهجوم على رئيس فرنسا. .وقلبت الصفحة لتقرأ حظها في برج الجوزاء فوجدت كلمات تقول: «أنت على موعد مع الحظ.. لا تدع الفرصة تفوتك الليلة» لوت شفتها السفلى في ازدراء.. ثم جالت في مربعات الكلمات المتقطعة أمسكت القلم وهمت بوضع الحروف لكن الملل ينتابها فكرت في أن تذهب إلى دار للسينما تعرض فيلما أجنبيا شهيرا وانتهت إلى ذلك الرأي ستذهب إلى حفلة الصباح وعادة ما تكون هادئة بعدها سنخرج لتناول طعام الغذاء في محطة «الرمل» حيث الزحام والحركة والحيوية الدافقة والسيارات المتلاصقة وأصوات الباعة عند المحطة الرئيسية للترام، وحيث الكتب الكثيرة التي تغمر الأركان بأغلفتها الزاهية الجذابة لم يزل أمامها بعض الوقت ولذلك أخت ترتدي ملابسها بإمعان ودقة وأخذت تضع اللمسات الخفيفة على وجهها الفاتن.. إن الجو يميل إلى البرودة ولذلك وضعت «إيشارب» على رأسها كما لبست جوربا طويلا وفستانا ضافيا ذا أكمام طويلة وبلوزة صوفية حمراء دق الباب دقتين.

- «ادخل..»

- «لا شك أن الخادم قد عاد لأخذ الأطباق والأكواب الفارغة.»

- «وعندما فتحت الباب رأت صورته في المرأة جمدت في مكانها لحظة ثم هتفت وقلبها يدق من هول المفاجأة:

- «من عطوة؟؟»

- «قهقة ف سعادة وهو يقول:

- «أينما تكونوا يدرككم الموت لو كنتم في بروج مشيدة..»

- «التفتت إليه في دهشة وقد شحب وجهها:

- «أعوذ بالله..»

- خطا إلى الداخل وهو يغلق الباب وقال:

- «مفاجأة ظريفة لا شك.. ألا ترحبين بصديق عزيز..؟؟ لم تكوني تتوقعين حضوري.. لن يستطيع الشيطان نفسه أن يهرب من عطوة..»

- ثم أحاطها بذراعيه قائلا:

- «لا شك أنك سعيدة بمقدمي، فالوحدة قاتلة..»

- «ومال عليها يريد تقبيلها لكنها أفلتت منه بلباقة ودفعته بهدوء وهي تقول:

- «ألا تجلس لتستريح وتشرب القهوة؟؟»

- عبرت سحابة من الضيق على وجهه:

- «هذا الدلال يقتلني»

- «عيب يا عطوة»

- «هل هناك عيب بين رجل وامرأته؟؟»

- «لم نتزوج بعد يا عطوة»

- «لا أطيق هذا الكلام لم أجئ من القاهرة لألعب..»

- «التفتت إليه قائلة:

- «كيف عرفت مكاني؟؟ لم أعط لأحد عنواني بالمرة؟؟»

- «قلبي دليل..»

- قالت في شك:

- «قلبك؟؟»

- «نعم يا روحي..»

- «يقولون إنه لا قلب لك..»

- «لو لم أحبك لما أتيتك متلهفا..»

- «لم يأت بك قلبك...»

- «ماذا إذن؟؟»

- «رغبة آثمة تضج في جسدك..»

- ضحك عطوة وقال:

- «القلب جزء من الجسد .. والدم الذي يتدفق منه.. يسري في كل أنحاء الجسم..هكذا يقول أخي الطبيب.. فالقلب عضلة من العضلات..»

- «الوصف المادي ليس هو كل شيء...»

- «تهربين من الحقيقة..»

- شردت نبيلة بنظراتها وهمست:

- «إذا كان القلوب متشابهة في تكوينها، فلماذا الشر ولماذا الخير؟؟

- لماذا يعشق قلب، ويحقد قلب؟؟»

- قال عطوة في ضيق:

- «القلب يجمع النقيضين معا..»

- «بنسبة واحدة يا عطوة؟؟»

- «لا أعرف..»

- «أنت لا تعرف من الحقيقة إلا القشور»

- «لا أطيق الفلسفة..»

- أطبق عليها بجماع قوية، وضمها إلى صدره في عنف وقال:

- «سأجعلك تنسين كل الفلسفات القديمة الصدئة.. نحن في القرن العشرين حاولت أن تفلت منه فلم تستطيع شعرت بأنفاسه تقترب من وجهها كانت ذراعاه تحيطان بها كأطواق من الصلب تحاصرها بلا رحمة، لامست شفتاه شفتيها حتى كاد يكتم أنفاسها ماءت كقطة توشك أن تختنق سحبت يدها ثم هوت بها على وجهه الأبيض المشرب بالحمرة.. تراجع قليلا بعد أن فك ذراعية وهو يبتسم ويقول:

- «إنني أعبد الشراسة وقلة الأدب..»

- «ليس لك كرامة..»

- «ما صلة الكرامة بما نحن فيه؟؟»

- «اتركني وحدي..»

- «هذه المرة لن يحدث..»

- «سوف أقذف بنفسي من النافذة»

- قال في بلاهة ولعابه يسيل:

- «سيكون ذلك قمة الروعة.»

- صرخت في غيظ:

- «كلب»

- «قولي ما شئت»

- لن تمتلكني بالقوة..»

- «بماذا إذن؟؟»

- «بالسلوك المهذب الرقيق..»

- «لقد فشلت معك كل الطرق يا حبيبتي..»

- «لأنك لا تفكر كإنسان متحضر..»

- «يا بلهاء .. ليس التحضر كما تتصورين..»

- ثم أشعل سيجارة وجلس على مقعد قريب من النافذة ونفخ سحابة كبيرة الدخان وهو يقول:

- «إذن فأنت مصرة على عقد القرآن أولا؟؟»

- «لم ترد عليه بحثت عن حقيبتها وأخذت تدس فيها بعض الأشياء الصغيرة وسمعته يقول:

- «إن من يصفع عطوة يدفع الثمن غاليا..»

- «ومن يحاول اغتصابي لا يستحق إلا القتل..»

- «أنت لي يا حبيبتي.. الاغتصاب يكون لشيء لا نملكه..»

- «لست جارية..»

- «باسم الحب أنت لي..»

- «الحب ليس قهرا واغتصابا..»

- «أفهم من ذلك أنك لم تعودي تحبينني»

- صمتت برهة ثم قالت:

- «عطوة»

- «عيون عطوة.»

- «أرجوك.. إنني في طور النقاهة.. الوقت ليس مناسبا لأن نلتقي لقد أكد لي الطبيب أنني مصابة بانهيار عصبي وتصرفاتك قد تسبب لي نكسة.. دعني بحق اله حتى أشفى.. إنك تقسو على من حيث تعتقد أنك تسعدني.. إن عشرة أيام لا تعني شيئا..»

- «نظر إليها بعينين تتقدان حقدا:

- «معي ذلك أن أعود إلى القاهرة بخفي حنين.. وأنا الذي ظننت أني سوف أفتح عكا..»

- حاولت أن تصطنع جوا من المرح فقالت:

- «عكا.. ؟؟ استولى عليها اليهود من قديم.. تغيرت الأسماء والمعالم والناس..»

- «والله فتحها أسهل منك.»

- «تأدب يا عطوة..»

- قهقه بصوت عالي حتى اغرورقت عيناه..

- قالت: «سأخرج»

- قال: «إلى أين؟؟»

- «السينما هل تأتي معي حتى لا تعدو بخفي حنين؟؟»

- «قلت لك إن مثلي لا يصح أن يدخل الحفلات العامة..»

- أدركة أنه يعاني من أزمة كبرياء حادة وأنه يشعر بجرح عميق أصاب نفسه المتغطرسة ففكرت في حل ابتسمت ثم اقتربت منه، وأمسكت بيده قائلة:

- «سوف تذهب معي الحفل الصباحي..»

- وضحكت وهي تقول:

- «ستكون مثل صبية المدارس الذين يهربون من فصولهم ويدخلون السينما.. لن ترفض دعوتي برغم أنف الحكومة وتعليمات الرئاسة..»

- نظر إلى وجهها الملائكي الطاهر وابتسامتها الحلوة الحزينة وسرعان ما اجتاحته موجة عارمة من اللامبالاة.. وهمس:

- «سوف آتي معك ... فلنجرب..»

- «أشكرك يا عطوة..»

- «قال وهو يقف أمام المرآة والسيجارة في زاوية من زاويتي فمه، ويده تمر على شعره وشاربه المفتول:

- «يا للعار!! نبيلة تجر وراءها عطوة الملواني فيمضي وراءها ذليلا مستسلما كالحمل الوديع..»

- «قالت نبيلة وهي تحاول أن تنسيه هذه المشاعر:

- «ألا تحب الدراما؟؟»

- «ما هي الدراما؟؟»

- «الروايات العنيفة المثيرة ذات الأحداث الباكية..»

- قال عطوة في استهتار:

- «أعيشها كل يوم..»

- «هذه الرواية التي نراها اليوم لون جديد..»

- «ماذا تعنين؟؟»

- «كل إنسان يرى فيها ذاته..»

- «كلنا.. نحن نخدع أنفسنا..»

- «أنا يا حبيبتي لا أجهد نفسي في الغوص إلى الأعماق إنني أرى الأشياء في ظواهرها وهذا يكفي..»

- قالت وهي تمسك بذراعه في شيء من التودد:

- «التعمق يفتح أمامك أبواب عالم رائع ملئ بالأسرار والأعاجيب»

- «هراء..»

- «ذلك العالم الذي يسكن الأعماق هو الحقيقة..»

- «معنى ذلك أن تسعين في المائة من الناس لا يعرفون الحقيقة..»

- قالت:

- «ليس هذا بالضبط ولكن كل إنسان يدرك منها بقدر استطاعته..»

- التفت إليها في غضب:

- «لماذا هذا العناء كله.؟ لماذا لا نأخذ الدنيا ببساطة ويسر؟؟»

- «بالعمق والصدق وحدهما يتميز الإنسان»

- «أحكام طائشة..»

- «يقول الله ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ كما أنه يعونا إلى التأمل والتفكير فيما حولنا .. لو لم يكن هذا في صالحنا لما دعتنا إليه السماء..»

- غمغم:

- «نحن في الأرض..»

- «ولماذا لا نتسامى.؟؟»

- «ليس لدينا أجنحة..»

- «بل لدينا..»

- قهقه في ضجر وقال:

- «فلنذهب إلى السينما.. وعندما أعود إلى القاهرة سوف أقول لأصحابي إنني ذهبت إلى السينما عندئذ سيسخرون مني..»

- «قال وهي تتناول حقيبة يدها:

- «وما دخل أصحابك بنا؟؟»

- «إنهم أصحابي . ثم هم عقلاء.. الحياة في نظرهم إنجاز وعمل وغزوات وانتهاز الملذات..»

- «همت أن تقول له إنهم مجموعة من الحيوانات المفترسة لكنها رأت أن ذلك يقد يهدم ما بنته من اتفاق هش، فابتسمت قائلة في حركة دعابة مسرحية:

- «والآن إلى السينما..»