الفصل 9

10 0 00

كان عطوة بك يجلس إلى جوارها في سيارته الخاصة ونسيم الليل يلامس وجهها المحتقن الساخن من أثر الانفعال كان يوقد سيارته في ثقة وسرعة ملفتة للنظر وبدا واضحا أن سلطته أكبر بكثير من جسمه وسنه ورتبته وكان لصوت العجلات صدى تأوه طويل وأخذ يقول:

«عندما علمت بالخبر صدمت هذا يحدث كثيرا . ابن أخت أحد الوزراء حدث له نفس الشيء الأسبوع الماضي ومنذ شهر قبض على شقيق ضابط كبير في مكتب المشير عامر وزير الحربية.. كما قبض على رجل من الصحفيين الذين يعملون مع هيكل رئيس تحرير الأهرام وهيكل له وزن كبير جدا.. عشرات الحوادث المشابهة تحدث يوميا.. إن جهاز الأمن يسيطر على حركة المجتمع سيطرة هائلة تدعو إلى الاطمئنان لقد علمت أن لك ملف كبير بالمخابرات..» قالت نبيلة.. في اشمئزاز:

- «وهذا ما يؤكد لي أكثر أن هناك كثيرا من المظلومين..»

- «لا تقولي هذا الكلام أمام أحد.. ولا حتى أمامي..»

- «أنا أقول الحقيقة..»

- «احمدي الله على نجاتك..»

- «لن أشعر بالاطمئنان طول حياتي..»

- «مد ساعده الأيمن وطوقها في حنان وهو يقول:

- «ما دمت إلى جواري فلا تخافي أحدا.. الرئيس يعلم مدى إخلاصي، ولهذا فهو لا يرد لي طلبا.. إنني على وشك أن أحصل على ترقية استثنائية..»

- قالت وعيناها مغرورقتان بالدموع

- «عطوة..»

- «عيون عطوة..»

- «ألا تستطيع مساعدة سلوى؟»

- «من سلوى هذه؟؟»

- وأخذت تروي له كل ما تعرفه عن سلوى من خلال الفترة القصيرة التي عاشتها معها في ظلام الزنزانة كان يستمع إليها ويهز رأسه وأخيرا قال:

- «يجب أن تنسيها كلية»

- «كيف..؟»

- «الشيء الوحيد الذي لا يقبل فيه الرئيس وساطة ولا شفاعة هو موضوع الإخوان المسلمين..»

- قالت نبيلة وقد التفتت إليه في اهتمام:

- «أهو على علم بكل هذه التفاصيل؟؟»

- «بالطبع إن الذي يتخطى أوامره أو يخرج على السياسة المرسومة ليس له عقاب سوى الطرد والإهانة إن أي غلطة.. أو مجرد تهاون بسيط قد يؤدي إلى كارثة ... إنها حياته، وحياته مرتبطة بمستقبل الثورة والشعب..»

- «قالت في دهشة:

- «لكن مجرد فرد..»

- «لا تقولي هذا الكلام الخطير .. أصابعك ليست متساوية..»

- شردت لحظات ثم قالت:

- «كان عمر ينام تحت ظل شجرة في الطريق ..»

- «ولهذا قتلوه.. أنا أعرف التاريخ أيضا..»

- «لكنه خلد بنبله وعدله نعم ملأ الأرض حبا وحضارة..»

- قال وهو يشعل سيجارة والسيارة تنطلق مسرعة:

- «لهذا قد قدم أحد الخبراء دراسة للرئيس يطلب فيها تعديل مناهج التاريخ الإسلامي لم أكن أفهم الموضوع تماما لكني الآن أدركت أنها فكرة صائبة..»

- «لكن سلوى بريئة.. إذا كان زوجها مطلوبا فما ذنبها هي؟؟»

- «إن سلوى وسيلة من وسائل الضغط ماذا يفعلون غير ذلك..؟؟»

- «لا تزر وازرة ور أخرى» هكذا يقول الله في كتابه أم أنكم تريدون تعديل آيات القرآن كما تحاولون تغيير مناهج التاريخ وأحداثه..»

- «يا حبيبتي.. نحن نفهم الدين خيرا مما يفهمه الإخوان صدقيني..»

- إن رأسها يدور وتختلط فيه أشياء كثيرة لقد اضطربت البديهات والمثاليات أدركت أنها كانت غريرة ساذجة كطفلة تحبو.. لم تكن تفهم الحياة كما يجب ألا ما أشد غفلتها لقد ضاعت أيامها الماضية في تصورات بلهاء وما أن صدمتها صخرة الواقع حتى أفاقت من غفلتها إنها تريد أن تجلس وحدها وتفكر في كل شيء من جديد أحلامها الوردية القديمة تذوي تضمحل تذوب في وهج العذاب النفسي الذي يشتعل في داخلها القانون خرافة والعدل خرافة.. والقيم الخالدة الرائعة كلها أحالها الواقع الأليم إلى خرافة. أيمكن أن يعيش شعب بأسره في ظل تلك الخرافة الكبرى..؟؟ وإلى متى؟؟ كيف كانوا يصفقون ويهتفون ويرددون الأناشيد والأهازيج في موكب الزيف الكبير.. لشد ما تكره نبيلة الحياة..تكرهها بعنف مثلهما أحبتها بعنف في الأيام الخوالي. مجرد ساعات نهار واحد أحالها إلى إنسانة جديدة تمامًا. ترى ماذا يدور في أذهان التعساء الذين يرزحون تحت وطأة العذاب والإرهاب سنين طويلة.. كيف تمتد بهم الحياة.. هل يأكلون ويشربون ويضحكون؟ إنها لا تصدق أن الدمار الذي أحدثته هذه الساعات في روحها دمار هائل يشبه إلى حد كبير ما يسمونه بالقنبلة الذرية احترقت في قلبها الورود والرياحين.. وانطفأت الشموع المقدسة التي أضاءت فكرها وأحلامها فتحولت إلى طاقة كبيرة من السخط والرفض والحقد .. إنها تتصور نفسها زوجة فماذا تلد.؟.؟ لن تلد غير مزق من الأجيال الضائعة التائهة المشردة. .ولن يستطيعوا أن يبنوا حضارة سوف يصنعون حياة شوهاء مليئة بالبثرات والتقرحات المعدية:

- وسمعت عطوة يقول:

- «سوف نقضي ليلة ممتعة تنسيك كل همومك يا نبيلة..»

- «قالت كمن لدغتها حية:

- «أنا؟؟»

- «أنا وأنت»

- «إنني منهارة ..»

- « كأس واحد تعيد إليك بهجتك ونشاطك..»

- «لا أشربها ..»

- «ستشربين من أجلي هذه هي كلمة الشكر التي أطلبها منك»

- «بكت وأخذت تشهق التفت إليها مستغربا وقال:

- «ماذا جرى؟»

- «أنت لا تعلم ما بي..»

- «ماذا حدث ؟ مجرد تجربة ستستفيدين منها في المستقبل..»

- «الليلة أنا لا أصلح لشيء أرجوك دعني استعيد نفسي .. أنا في انهيار عصبي تام. الله وحده يعلم. ثم لا تنسى أن الأسرة كلها الآن في انتظاري...»

- زاد من سرعة السيارة انطلق كالريح في الشارع الواسع.. كان يزفر في حنق وغمغم كذئب جريح جائع:

- هذا التصرف منك لا يمكن أن يكون مكافأة لي على إنقاذك من بين أنيابهم.. » وضعت يدها على ساعده الأيمن وقالت في رقة..

- «عطوة أنت لا تعلم كم أحبك عندما دخلت على هناك غرفة التحقيق شعرت بسعادة لا توصف كنت كالملاك الذي أرسله الله لإنقاذي وأنا على وشك الفناء في صحراء موحشة لا زرع فيها ولا ماء ولا بشر...

- نزلت كلماتك بردا وسلاما على نفسي المعذبة. أقول لك الحق لقد خيل إلي أن مجيئك معجزة من المعجزات وكل أملي أن أرد لك الجميل في الوقت المناسب الليلة أنا لا أصلح لشيء كما قلت لك . أنا مزقة من يأس وعذاب..»

- وقفت السيارة لدى باب مسكنها هرول أبوها العجوز كذلك فعلت أمها المصابة بروماتزم المفاصل لكنها انكفأت وجرى إخوتها الصغار وأولاد أخيها وأختها وهم يغنون في سعادة:

- «أبلة نبيلة.. أبلة نبيلة..»

- انهمرت دموعها وهي تأخذ بيد أمها وتحضنها وبللت يد أبيها بالدموع وهي تقبلهما وجمعت الأطفال بين ذراعيها جملة واحدة، وأخذت تمرغ خديها الغارقين في الدموع في رؤوسهم ثم أجهشت بصوت حزين..

- قدم نحوها عطوة وجذبها في غلظة من يدها وهو يقول:

- «ما هذا الذي تفعلين؟؟ أنظري إلى النوافذ المجاورة.. النسوة يتطلعن في فضول .. هذا ليس في مصلحتنا..»

- ثم التفت إلى أبيها قائلا:

- «يا عمي.. أنت وحدك تستطيع أن تفهمني أكثر.. إن ما حدث لا يصح أن يعرف به أحد.. هناك قضايا سياسية كثيرة تقام بسبب ترويج الشائعات ولن يكون في مصلحة أي منا أن تصرح نبيلة بأية كلمة عما جرى يجب أن ينتهي الأمر عند هذا الحد وكأن شيئا لم يكن..

- هز الرجل الذي أضناه المشيب رأسه في تقبل واقتناع وقال:

- «هذا عين العقل .. عين الصواب..»

- ثم اقترب من نبيلة وأمسك بيدها في حنان وعلى فمه ترتسم ابتسامة الثقة والنصر وقال:

- «مفهوم يا حبيبتي.؟؟»

- «مفهوم..»

- «وموعدنا غدا يا نبيلة..»

- نظرت إليه في ذهول، كانت تحوم بخيالها هناك حول الركن الأسود الذي تنزي فيه «سلوى الصافي» وحول المكاتب الأنيقة في غرفة المحققين، والرجال البلداء الذين لا يعرفون الرحمة أو الحب أيمكن أن يكون لهؤلاء الرجال زوجات وأطفال وأمهات وأصدقاء.؟ وصورة الزعيم تنتصب فوق الرؤوس كأيقونة ساحرة تشع بالثقة والكبرياء والجبروت.رأسها يدور ويدور... هدير الهتافات يكاد يصم أذنيها والتصفيق الحاد الطويل يكاد يدمر كل خلية عصبية في جسدها، وسقطت بين أيديهم فجأة لم تعد تعي شيئا حملوها إلى الداخل صرخت أمها في خوف ولوعة:

- «ماذا فعلوا بها؟؟ ألحقوني بدكتور . بنتي .. حببتي يا بنتي..»

- زمجر عطوة بك في غضب وقال:

- «هذا ليس في صالحها إن الشبهات التي الصقت بها شبهات قوية فلتدخلوا ولتغلقوا عليكم باب بيتكم ولا طبيب ولا دياولو..»

- اقتربت منه الأم وهي تتكئ على كتف أحد أحفادها:

- «أي شبهات يا ولدي... ؟؟ تلفيقة من بوليس الآداب..»

- ضرب عطوة كفا بكف وقال:

- «يا للكارثة!! افهميني يا أمي.. هذه أمور سياسية تتعلق بأمن الدولة..»

- دقت المرأة على صدرها في خوف:

- «سياسية؟؟ نبيلة بنتي؟؟ مستحيل..»

- نظر عطوة إلى الأم في ضيق وهو يقول:

- «اللهم طولك يا روح..»

- حملوها إلى الداخل.. كان جسدها متخشبا تمامًا، وكان تموء بصوت يثير الحزن والشفقة وأصابع يديها منقبضة بشدة، بحيث لا يستطيع أحد أن يبسطها ومن فمها يطفر زبد أبيض ونظر عطوة إلى عينيها المغمضتين، وشفتيها المزمومتين ونهدها النافر، وشعرها المنسدل فوق الوسادة البيضاء، فأخذ بروعة جمالها برغم اللحظات الكئيبة ثم مال على جبينها وقلبها في حنان وهو يقول:

- «تصبحين على خير.. لا تخافوا ستكون على ما يرام.. اطفئوا الأنوار ودعوها تنام في هدوء هذه حالة صرع مؤقت سرعان ما تزول بعد أن تستريح وتهدأ أعصابها إنني أرى مثل هذه الحالات يوميا في السجن الحربي.. لو كان معي حقنة مهدئة لانتهى الأمر ف لحظات وعادت إلى حالتها الطبيعية وسوف أطمئن عليها بالتليفون لو لم يكن عندي مشاغل هامة لقضيت الليلة معكم..»

- ما إن انصرف عطوة وسمعوه وهو يدير محرك سيارته حتى قالت الأم:

- «استدعوا الطبيب على الفور..»

- «ألم تسمعي كلام عطوة؟؟؟»

- «من عطوة هذا؟؟»

- «الذي أنقذ ابنتك من السجن..»

- «ابنتي أولا...»

- «والحكومة هذه قضية سياسية أنت لا تعرفين ما يجري صرخت الأم في غضب..»

- «ملعون أبو الحكومة..»

- «اخفضي صوتك يا امرأة وإلا رحنا في داهية..»

- هل فيه داهية أكثر من هذه لسوف استدعي الطبيب وليكن ما يكون»

- وجرت صوب التليفون في تثاقل لقد نسيت الأم الروماتزمية التي تقعدها، ووجدت تأييدا تاما لفكرتها من باقي أفراد الأسرة، وعلى الرغم من معارضة الأب إلا أنه شعر بارتياح كبير وزوجته تدير قرص التليفون.

- قال الطبيب:

- «هذه حالة انهيار عصبي شديد.. ونوبة الصرع بسبب التوتر البالغ يبدو أنها تعرضت لإيذاء نفسي كبير.. الراحة التامة لمدة أسبوعين على الأقل ويستحسن أن تغادر القاهرة إلى أي مكان آخر طوال فترة النقاهة.. ودواؤها بعض المطمئنات أو المهدئات .. وأقراص فيتامينات وأرجو الاهتمام بالتغذية..»

- هبت نبيلة من سريرها وقد بدا الارتياح على وجهها وقالت:

- «سوف أكتب رسالة للرئيس نفسه أشرح له فيها كل ما جرى لم أزل أشك في أن هؤلاء الكلاب يخفون عنه الحقائق الفاضحة المخجلة..»

- قال أبوها في توسل:

- «اهدئي يا بنتي ولا داعي للمشاكل ..نحمد الله على ما جرى ونغلق علينا بابنا ..وننسى كل ما فات..»

- قالت في إصرار:

- «أعرف أنك مظلومة يا ابنتي قلبي يحدثني بذلك.. لكن لن يفعل لك الرئيس شيئا .. إنهم كلابه الأوفياء.»

- صاح الأب عبد الله في غضب:

- «يا ناس حرام عليكم .. إنكم بهذا الكلام تفتحون علينا باب المصائب ألا تثقون في شيبتي.. لقد خبرت الحياة.. ورأيت الكثير..»

- قال الطبيب وهو يقترب ثانية من نبيلة.

- «اكتبي ما تشائين..»

- «ثم التفت إليها أبيها قائلا:

- «إن الكتابة سوف تخفف عنها الكثير من التوتر والضيق ذلك جزء من العلاج..»

- قال أبوها محتدًا:

- «لتقرأ في كتاب .. لتستمع إلى الموسيقى أو تتسلى بالمسلسلات والأغاني في الراديو .. ألا يكفي هذا؟؟

- نهضت نبيلة من سريرها وأسرعت صوب مكتبتها ثم تناولت الكتب وأخذت تقذ بها عبر النافذة في ثورة أسرع أبوها ليحاول منعها فقال الطبيب:

- «ودعوها..»

- وبعد أن فعلت ذلك عادت إلى سريرها تلهث.

- قال الطبيب:

- «لماذا فعلت ذلك؟»

- «فيها الكثير من الخداع.. مخدرات.. زيف .. ليس فيها من الواقع شيء..»

- ابتسم الطبيب وأخرج محقنا صغير، ثم كشف عن أعلى ذراعها، ودس الإبرة في عضلة الجزء الأعلى للذراع من الخلف وهو يقول:

- «لست معك في ذلك.... هناك كثير من الكتب الشرفاء ما أكثر الكلمات الصادقة..»

- ثم التفت إليها فجأة وقال:

- «ألديك مصحف؟؟»

- نظرت إليه في دهشة ثم أخذت تسحب الكم على ذراعها وهمست:

- «لا..»

- أخرج الطيب من جيب سترته مصحفا صغيرا وقال:

- «تقبلي هذا مني هدية..»

- «تناولته بيد مرتعشة قربته من وجهها قرأت ما عليه، ثم قربته من فمها وقبلته في حب.. وظلت هكذا لحظات ثم التفتت إليه وقد عادت الابتسامة إلى وجهها الشاحب وقالت: - حذار أن تكون من الإخوان.»

- القرآن موجود قبل الإخوان يقرون .... وهو ليس حكرا على أحد..

- إنه كتاب الله.. لكل المسلمين.. بل لكل البشر..»

- واستطرد وهو يغلق حقيبته:

- «وحدة الإيمان وحده سوف يشفيك عاجلا.. إنه خير من أي عقار في العالم..»

- وضعت نبيلة المصحف على طاولة قريبة وقالت:

- «ألم تهتز أيمانك قط يا دكتور...»

- ابتسم في مرح وقال:

- «كثيرا ما يحدث ذلك.. حقيقة.. بالتأكيد . لسنا أنبياء..»

- «لماذا...؟؟»

- «لأن الإنسان مجموعة من الحالات النفسية وقد يضعف وقد يقوي .. قد ييأس وقد يأمل... ونحن لنا طاقات محدودة. حياتنا كالخط البياني .. صعود. وهبوط.. لكن يجب أن نحذر الضعف والتهاوي لدرجة الصفر.. ولهذا كان الابتلاء وكان الصبر.. وكان تفاوت الناس في القدرات لأسباب كثيرة ولهذا كانت الجنة والنار..»

- نهضت نبيلة من سريرها قائلة:

- «سوف أذهب إلى المدرسة غدا..»

- قال الطبيب في بشاشة:

- «أوامري يجب أن تنفذ بدقة.»

- «لكني أدري بنفسي .. أنا الآن في أحسن حال..»

- «تذكرت أنني جهة اختصاص والخبراء لهم رأي مسموع لدى العقلاء..»

- هزت رأسها قائلة:

- «صدقت..»

- واستأنف الطبيب حديثة قائلا:

- «وخلال فترة الراحة ستعيدين التفكير في أشياء كثيرة.. أعيدي هندسية مخك إن صح التعبير.. لكن تذكري أن الصبر هام.. من ينظر إليه على أنه عبادة يسعد ويطمئن باله.. ومن ينظر إلى الصبر على أنه قيد وسجن سرعان ما يصاب بالتوتر ومضاعفاته.. أتدركين معني كلامي؟؟»

- هزت رأسها في فرح:

- «نعم..»

- «والآن اسمحوا لي بالنصراف..»

- قالت في رقة:

- «هل نراك؟؟»

- «بإذن الله ..ويسعدني أن ألتقي بك في العيادة..»

- مدت يدها مصافحة:

- «مع السلامة..»

- وما أن أنصرف الطبيب حتى جلست نبيلة في مكانها وقالت:

- «إني جائعة.. أريد أن أسمع قطعة موسيقية هادئة .. اذهبوا واحضروا الكتب التي رميتها سأسافر في الصباح الباكر إلى الإسكندرية . .. لا أريد أحدا معي.. ولا تخبروا أحدًا بمكاني..»

- عندما علم عطوة في اليوم التالي بنبأ سفرها هاج وماج وقال:

- «هذه مصيبة من المفروض ألا تسافر إلى أي مكان إلا بعد الاستئذان من المخابرات ..أين ذهبت؟؟»

- قال أبوها:

- «لا ندري.. لقد تركت لنا بطاقة صغيرة ولم تحدد فيها المكان .. وقالت إنها ستعود بعد أسبوعين..»

- رمي عطوة سماعة التليفون في حنق وصرخ:

- «أنا الذي أحرك آلاف الرجال المرموقين بإصبعي أعجز عن التحكم في فتاة لا تزن أكثر من خمسين كيلو ..هزلت والله ..طيب..»