الفصل 25

10 0 00

كان شعور نبيلة وهي تهبط في أرض الكويت شعور المهاجرة وفوجئت هناك بعدد كبير من النساء والرجال في استقبالها كأن الأمر غريبا غاية الغرابة فهي لم يسبق لها معرفة أحد منهم، من هؤلاء يا ترى؟ وأدرك صديق الدكتور سالم الذي تكفل بأمرها منذ البداية ما يعتمل في رأسها من تساؤلات، وهمس قائلا:

«هؤلاء جميعا إخوة وأخوات في الله.»

- «كيف عرفوني..؟؟»

- «ستعرفين كل شيء في حينه..»

- والأعجب من ذلك كله، أنها شعرت بالارتياح الكبير حيالهم حتى لكأنها تعرفهم منذ سنوات طويلة، وابتسم الأستاذ عبد العزيز السيسي وهو صديق الدكتور سالم وقال:

- «الأرواح جنود مجندة يا أختاه .. ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف أنهم يسيرون في نفس الطريق..»

- غمغمت في ارتياح:

- أجل

- كانت سعيدة غاية السعادة وهي تسمعهم يناقشون الأمور بحرية تامة، ويتبادلون بعض الكتب والمطبوعات الممنوعة في مصر، والتي يحاكم ويسجن كل ما يمسك متلبسا بحيازتها وأخذت تتصفح بعض المجلات العربية والعالمية أنها كلها تكتب بأسلوب غير الأسلوب الذي الفته في مصر، فبعضها يوجه نقدا لاذعا لحكام مصر وبعضها يعرض تحليلا موضوعيا لمجريات الأحداث دون خوف فيزيح الستار عن أشيا محزنة وفاضحة كانت تعتبر ضربا من البطولات في الصحافة المصرية ومن جانب آخر كانت هناك صحف أخرى تنحاز انحيازا تاما لحكام مصر وسياستهم بل أن نبيلة سمعت ورأت بعض المتحمسين لعبد الناصر وشيعته حماسا كبيرا بعضهم من الفلسطينيين أو السوريين أو اللبنانيين أو الكويتيين لعلها تضايقت كثيرا من هذا الاتجاه المتحمس للثورة المصرية وتبادر لذهنها منذ البداية أن هؤلاء إما مخدوعون أو مأجورون لكن الأستاذ عبد العزيز السيسي قال لها بهدوئه المعهود:

- هناك مؤيدون عن عقيدة وأيضا تجدين معارضين عن عقيدة لكل وجهة نظر وأنا أعيش هنا منذ سنوات والحوار دائم بيننا وبينهم وهذه التيارات المتصارعة تخوض معاركها بالطرق السلمية وليست هناك سياط تسوق الناس إلى الرأي الواحد..»

- واستغرقت نبيلة في الاطلاع على مختلف الكتب الصادرة التي تناولت قضية الإخوان والثورة وقوائم الشهداء الذين سقطوا في طريق الجهاد الأعظم وأساليب التصفية الجسدية والفكرية التي يلجأ إليها الطغاة والمخططات الاستعمارية والصليبية والشيوعية التي تريد أن تقضي على حركة التجمع الإسلامي المتزايدة، وحينما قارنت بين ما شهدته بنفسها وبين ما تقرؤه في الكتب أيقنت أن كل شيء يكاد يكون معروفا وهذا ما أثلج صدرها، لكنها في نفس الوقت كانت آسفة لأن الكثيرين لم يقتنعوا بإدانة الطغاة كانت الخطب الرنانة من إذاعة القاهرة والشعارات الجذابة في «صوت العرب» والمؤتمرات الشعبية الصاخبة على موجات الأثير والبطولات الغريبة التي تنسبها الأبواق المخدوعة للزعامة الجديدة كانت هذه الأشياء كلها تبدو في صورة قاهرة لا تهزم ولا تشوه وراودها شيء من الإحباط والأسف، لكن عبد العزيز السيسي قال لها:

- «المعركة طويلة الباطل مدعم بقوى خفية وظاهرة من الداخل والخارج وليس أمامنا سوى العمل الدائب والصبر..»

- قالت نبيلة:

- «إلى متى؟؟»

- «هذا في علم الله..»

- «والنتيجة..؟؟»

- «على الله... إن علينا أن نواصل جهادنا، هذا هو المطلوب قد يتحقق النصر غدا وقد لا يتحقق إلا على أبنائنا..»

- قالت نيلة في شيء من الضيق الذي بدا جليا على وجهها الجميل:

- «وكيف نطيق الحياة في ظل سنوات الهوان الطويلة؟

- وماذا نفعل..

- «نقتل ... ندمر .. ننتقم إن عشرات ماتوا غدرا داخل السجون، فلماذا لا نموت بثمن ..نقتل ونقتل .. بذلك يكون لتضحيتنا معنى..»

- ابتسم عبد العزيز وهز رأسه قائلا:

- «إنني أختلف معك إن موت واحد أو عشرة أو ألف لن يغير من الواقع شيئا بل قد يدفع الطغاة إلى مزيد من الحماقة وسفك دماء الآلاف من الأبرياء القضية قضية نظام بأسره هذا النظام لا يمكن تغيره أو تقويمه إلا بالدعاء إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة التغيير يجب أن يبدأ من عقول الناس ووجدانهم يجب أن يقتنعوا أولا عندئذ تتهاوى قلاع الفساد وتنهار حصون الظلم ويختفي من الوجود «عطوة الملواني..» وأمثاله.. وتظهر صحافة جديدة ويخرس صوت النفاق...

- شردت نبيلة، وبدا الابتئاس على وجهها تذكرت والوجود الشاحبة الذابلة في أوراق السجن الحربي، والإنسان المعلق من قدميه والأجساد التي تدمي من أثر التعذيب والصرخات المؤلمة وتذكرت سلوى ونظراتها الخائفة القلقة والطفل صابر على كتفها ومحفظة عطوة الملواني المتخمة بالأوراق المالية وقصتها الغريبة مع المخابرات والرجل الأعمى في طريق الليل الممطر، والدكتور سالم الإنسان النبيل والإرهاب الذي ينشر أجنحته السوداء فوق الملايين وحياة الكذب والنفاق التي تحكم الأمور في أنحاء الوادي الأخضر الذي تشعل فيه الشياطين الحريق والرعب.

- وأفاقت نبيلة من أحلامها الدامية على صوت عبد العزيز يقول:

- «يجب أن تكتبي تجربتك الخاصة لنشرها على الناس إن هذا سوف يخفف عنك الكثير..»

- قالت نبيلة..

- «والضحايا هناك ماذا يستفيدون من الكتابة؟؟»

- «سيستفيدون الكثير.»

- «ظني أن الطغاة سيزيدون جرعة العذاب لهم..»

- «لقد طفح الكيل.. ومعرفة الحقيقة هي بداية الطريق..»

- قالت متألمة:

- «ضاعت الحقيقة بين غبار الشبهات وزوابع الإعلام الكاذبة لقد زعموا أننا كما سنقتل الكتاب والممثلين وننسف الكباري ومرافق المياه والكهرباء ودور السينما والجامعات وتختطف القادة والضباط أثاروا علينا كل فئات الشعب ورمونا بكل نقيصة وأطلقوا علينا اسم «إخوان الشياطين..» وانتزعوا الفتاوى من بعض العلماء الحاقدين والمخدوعين لقد سمموا الرأي العام من حولنا واستغلوا في ذلك كله الإمكانيات الضخمة التي تحت أيديهم واشتروا العديد من الصحف والمجلات في أنحاء العالم العربي والإسلامي نحن أمام طوفان جارف من العداوة والاستعداء بل زعموا كذبا أننا ننوي شرا بإخواننا المسيحيين ورموا قادتنا بالتهم البذيئة والانحرافات كيف نمضي في هذه الظلمات المدلهمة؟؟»

- ابتسم عبد العزيز في مرارة وقال:

- «قالها الله في كتابه العزيز»

- «ماذا قال؟؟»

- «وقل اعملوا..»

- وطال الحوار وتشعب وأخيرا أخبرها عبد العزيز بأن زوجته سوف تصحبها في الصباح إلى بيت المدرسات المغتربات حيث ستعيش معهن كي تبدأ العمل كمدرسة في إحدى مدارس البنات كما أخبرها بأنه قد حصل لها على تصريح من وزارة التربية بالحضور إلى منزله كل خميس لقضاء عطلة الأسبوع مع زوجته وأولاده ومع بعض الأخوات المسلمات اللاتي يعمل أزواجهن في الحكومة والمؤسسات الكويتية المختلفة وبالفعل بدأت نبيلة حياتها العملية في المدرسة المذكورة، كانت تتحسس طريقها في بداية الرحلة الجديدة في دار الهجرة أنها تعايش مجتمعا عربيا لكن له طباعه الخاصة وضايقها كثيرا تلك التحذيرات والنصائح التي تصدر عن صويحباتها ومعارفها يجب ألا تصطدمي بواحدة من الفتيات هذه بنت فلان.. وتلك بنت فلان .. والضرب ممنوع لا داعي للكلام في السياسة وكذلك انتقاد الأوضاع الاجتماعية عليك أن تقابلي بعض التصرفات الطائشة من الفتيات بصبر وروية وهدوء أعصاب لا تفكري في عقوبة إحداهن أحيلي الأمر إلى مديرة المدرسة لا تتدخلي في الأمور الإدارية ليس عليك سوى تنفيذ الأوامر دون اعتراض لا تفكري في شيء سوى عملك الفني تقيدي بالمنهج الذي أعدته الوزارة أنت مسئولة تامة عن النتيجة آخر العام مهما كان الأمر وقت الحضور والانصراف مقدس بصرف النظر عن أي اعتبارات آخر.. هناك صراعا بين مختلف الأجناس المصري والفلسطيني والعراقي السوري الكويتي ...إلخ.. لا دخل لك في شيء من هذا كله إذا انتقدت زميلة لك إحدى زميلاتها أو وجهت لوما لإدارة المدرسة فلا تردي عليها كوني حذرة فقد تنقل ما سمعته منك المسئولين فتسبب لك المشاكل لا تقولي لمديرة المدرسة «لا» إلى غير ذلك من النصائح العديدة التي كانت تنصب في آذن نبيلة وبنيلة في دهشة بالغة من كل ما تسمع شعرت أن قيودا وأغلالا جديدة توشك أن تكبل انطلاقها وحريتها في التعبير والعمل هذا شيء لم تألفه من قبل لكن الأستاذ عبد العزيز السيسي وهو مدير شركة كبيرة قال لها في هدوء كالمعتاد:

- «لكل مجتمع طبيعته الداعية إلى الله يجب أن يكون كيسا فطنا صابرا ولكل مقام مقال ولن تعدمي العناصر الصالحة ولا القلوب الطيبة إن سلوكك وحده قادر على أن يجلب لك الاحترام والحب ونحن هنا لسنا سجناء ونستطيع أن ننطلق في أرض الله الواسعة في مختلف قارات العالم ولن نموت من الجوع المهم ألا ننسى الرسالة التي وضعها الله في أعناقنا لأننا بها ومن أجلها نعيش وكل شيء في سبيل الله يهون.

- قالت نبيلة:

- «لكن يجب ألا ننسى أن كرامتنا فوق كل اعتبار وهي جزء من عقيدتنا»

- «بكل تأكيد»

- لم توافق أية دار من دور النشر على طبع مذكرات «نبيلة عبد الله» في الكويت وقد ثارت نيلة وأبدت استنكارها لهذا الموقف لكن الإخوان أفهموها أن الأمر يجب أن ينظر إليه من زاوية أخرى وبشيء من الموضوعية والحيدة، فالمسئولون هنا لا يريدون الدخول في معركة إعلامية أو غير إعلامية مع السلطات الحاكمة في مصر وطبيعة الأمور في الدولة هنا تقتضي ذلك ويكفي أن الكويت قد فتحت صدرها للمهاجرين من الظلم، وأعطتهم فرصة العمل والحياة الشريفة كإخوة وأكد لها أن الكثيرين يتعاطفون مع قضية الإخوان المسلمين لكنهم لظروف خاصة لا يريدون التصريح بذلك وقال لها أنه بالإمكان طبع أي كتب خارج البلاد في بيروت مثلا وسوف يسمح بتداوله هنا وبذلك يتحقق الهدف.

- وقال عبد العزيز:

- «هل أنت مصرة على وضع اسمك على غلاف الكتاب؟؟»

- «بالتأكيد أنني لا أوافق على تلك الكتب الصادرة مع إغفال اسم المؤلف..»

- «قد يسب لك ذلك بعض المتاعب..»

- «ليكن ما أعد أخاف شيئا لقد نذرت نفسي لله.. لقد استطعت أن أقرأ الكثير من مؤلفات الشهيد حسن البنا أول مرشد عام للإخوان، ومؤلفات أخرى لبعض كتاب الإخوان الحقيقة أنني أكتشف أشياء جديدة لم أكن أتصور تلك العظمة المعجزة في النظام الإسلامي أن المدارس لم تكن تعلمنا إلا القليل عن الدين وفي النهاية آمنت أن الموقف الوسط ضعف وهروب ونقص إيمان.. إما أن أكون مسلمة حقا أو لا أكون.. ولهذا سأكتب وأنشر وأتحمل المسئولية كاملة لم أعد أرهب الموت.»

- هز عبد العزيز السيسي رأسه قائلا:

- «هذا جميل لكن ما هي أبعاد المسئولية التي تتحدثين عنها؟؟؟»

- «المسئولية الكاملة..»

- «لو كان الأمر في حدود شخصك لهان الأمر قد يضحي الإنسان بنفسه بإيمان وثقة لكن هناك مئات الألوف مصيرهم مرتبط بما تفعلين وتقولين أنت ونحن مسئولون عن هذا أيضا..»

- طأطأت رأسها قائلة:

- «أجل»

- ومرت الأيام ونبيلة غارقة في طوفان الحياة الجديدة، وفي التغيير الذي يطرأ على حياتها وتفكيرها منذ وفدت إلى تلك الديار تألمت غاية الألم عندما جاءها نبأ مرض أبيها والمحن والتهديدات المتلاحقة التي يثيرها عطوة الملواني وأجهشت باكية وهي تتخيل والدها الشيخ المسكين وهو طريح الفراش يبكي فراقها ويعاني من آلام القلب ولا شك أنه كان يتمنى ألا تكون خاتمة حياته على تلك الصورة الفاجعة وأخذت نبيلة تقول بنبرات باكية

- «يا حبيبي يا بابا.. ما ذنبك أنت؟؟ أنا السبب؟؟ أنا السبب... ماذا أفعل يا ربي؟؟»

- وأخذت تجفف دموعها وحيدة في غرفتها بسكن المدرسات ورأسها يغلي بالغضب والثورة أن الظلم نار تحرق لا تفرق بين طفل وشيخ ولا بين الجاني والبرئ، ولا الظالم أو المظلومين لقد اضطربت الرؤية وتاهت معالم الطريق واختلط الحق بالباطل وأصبح العالم في نظرها غابة موحشة يسودها الرعب والفساد وعلى الرغم من اندماجها في العمل وقضاء وقت الفراغ في تسجيل أفكارها وذكرياتها وقراءة بعض الدراسات الإسلامية والسياسية والأدبية إلا أنها لم تستطع أن تبعد عن ذهنها شبح والدها المريض المسكين والواقع أن شخصية الدكتور سالم كانت ترافقها أيضا في سفرها الذي لا يعرف له نهاية ابتسامته الطبيبة المؤمنة وإشعاع عينيه الواثقتين ومعطفه الأبيض الملائكي ومنطقه المحدد الواضح حتى لكأنه يعرف بداية كل شيء ومسيرته ونهايتة وكأنه يقرأ سطور المجهول في عالم السياسة والفكر لكما تذكر سالما آمنت أنه هو الرجل القوي المؤمن الذي لا يهزم مجرد شعور يسيطر عليها ويقنعها بهذه الحقيقة قالت لنفسها: «إنني لا أخاف عليه الوحيد ممن عرفتهم الذي يتقبل ما تأتي به الأقدار عن رضا ويقين وثبات لكن هذا الصنف من الناس لا يروق لعطوة الملواني وزبانيته ترى هل سيعرضه ذلك للخطر؟ قلبها يؤكد لها أنه سيخرج يوما ما وستراه وسيكون كالعهد به قويا أسطوريا كراهب الليل وفارس النهار هذا هو السوبرمان أو الإنسان الأعلى الذي تحدثت عنه كتب الفلسفة الكمال لله وحده لكن سالم يشرب من نبع النبوة وقد نهل من العلوم المختلفة العالم المؤمن المجاهد هو المثل الأعلى في عالمنا .. حماك الله يا سالم...»

- وألفت نبيلة البيئة الجديدة أو كادت ولم تعد تنكر أنها تشعر بقدر من السعادة لا بأس به وخاصة عندما أمسكت بكتابها الجديد المطبوع أخذ تنظر إلى اسمها المنقوش عليه في فخر ثم قربته من فمها وقبلته في حنان كأنها تقبل أباها وأمها وإخوتها وأخواتها الكتاب قطعة مها بعض من ورحاها وعقلها بل هو في نفس الوقت سوط ألهبت به رأس الطغيان وجسده.. ولعله أحد من السيف وألم من السوط كادت تطير من الفرح تمنت أن تكون اللحظة في شوارع القاهرة ثم تجري وتجري. .وتوزعه على الناس بالمجان في كل مكان تمنت أن تبعث بنسخة منها إلى الرئاسة..

- وهبت واقفة وأخذت تفكر لماذا لا تبعث فعلا بنسخة منه إلى القصر الجمهوري إلى الرئيس بالذات؟؟ ولماذا لا ترسل عددا من النسخ إلى عطوة الملواني؟؟ عطوة لا يقرأ كثيرا لكنه بالتأكيد سوف يقرأ هذا الكتاب بالذات.. على الأقل ليعرف ماذا كتبت عنه وراقتها الفكرة وأخذت تضحك من أعماقها وهي جالسة في غرفتها ماذا سيقول عطوة عندما يقرأ تحليلها لشخصيته وأفكاره وتصرفاته الشاذة؟؟

- أنها شاهد عيان يروي طرفا من المأساة كما حدثت فليشهد التاريخ وليقرأ الناس لأول مرة تشعر أن كلماتها أصبحت لها قيمة ولمست نيلة في كل من قرأ كتابها التحمس والاقتناع ثم السخط على كل ما يجري من عسف وعاشت نبيلة منشية بحلمها الجميل ما يقرب من أسبوع لم تكن تستطيع النوم كانت تمسك الكتاب وتقرأ فيه وتظل تقرأ من البداية إلى النهاية حتى لكانها لا تعرف عنه شيئا أو أنه من تأليف إنسان غيرها لم تكن تتخيل هذا الحب كله بينها وبين كتابها أيمكن أن تقوم مثل هذه العلاقة بين الإنسان والورق؟؟ لقد أدركت الآن مدى السعادة الهائل التي يعيشها الكاتب أو الفنان وهو يرى نتاج عقله وروحه واقعا بين يديه والناس يتداولونه.

- وذهبت نبيلة في زيارتها الأسبوعية لمسكن عبد العزيز السيسي واستقبلتها زوجته بالحب والترحيب المعهودين تبادلا القبلات وأبرزت نبيلة بعد أن جلست نسخة من كتابها وكتبت عليه إهداء وقدمته لها، فتقبلته شاكرة وهي تبتسم في شيء من الألم وقالت .

- «لقد قرأته.. لقد أعجبني جدا.. لكنه ألمني...»

- قالت نبيلة في حماس:

- «من الضروري أن نتألم..»

- ودخل عبد العزيز شاحبا لاهثا كان المسكين يشكو من مرض قديم بصمامات القلب وكان أدنى انفعال يسبب له الألم وضيق التنفس ولعل حياة الهجرة والمطاردة التي عانى منه السنين الطوال قد سببت له بعض المضاعفات مما يجعله يتناول عقاقير القلب بانتظام وصافحها عبد العزيز بيد باردة ندية..

- هتف: «ما بك؟؟»

- تنهد في ألم وقال:

- «الحمد» لقد تعاطيت الدواء وسرعان ما تهدأ الحالة..»

- «شفاك الله..»

- تململ في مكانه وهم بالحديث لكنه سكت قالت نبيلة وقد داخلها هم غامض لا تعرف له سببا:

- «أتريد أن تقول شيئا؟؟»

- قال عبد العزيز وهو يخفي نظراته بعيدا عنها:

- «لا تنزعجي.»

- هبت واقفة هتفت في إشفاق.

- «هل مات أبي؟؟»

- قال وقد وقف وأعطاها ظهره:

- «أبوك بخير.»

- «ماذا إذن..»

- «السفير المصري..»

- اقتربت منه في لهفة قائلة:

- «ما شأننا به؟؟»

- قال عبد العزيز:

- «لقد قدم احتجاجا لدى خارجية الكويت..»

- «لماذا؟؟»

- «بسبب الكتاب..»

- صرخت:

- «الكتاب؟؟»

- «نعم..»

- وساد صمت قال عبد العزيز بعده:

- «كان من رأيي ألا تكتبي اسمك عليه..»

- «أليس هناك حرية رأي...»

- «هناك يا نبيلة مجاملات دولية وعلاقات معينة وظروف وملابسات لا نعرفها نحن ولا أنت الحيطة واجبة..»

- توترت أعصابها كادت أن تبكي لكنها تمالكت نفسها..«قد يطلبون منك مغادرة البلاد إا ثبت أن الكتاب من تأليفك..»

- صرخت محتجة:

- «مستحيل..»

- قال وهو يتصنع الهدوء هذه المرة:

- «إذا أجرى معك تحقيق يمكنك أن تنكري أن الكتاب من تأليفك وهذا سوف يساعدنا كثيرا ومن حسن الحظ أن الكتاب لم يطبع هنا بل طبع في لبنان، والنشار اللبناني من أصدقائنا ونستطيع أن يعاوننا في ذلك ولن يمسه أحد بسوء لأن الوضع في لبنان يكاد يكون متحررا تماما..»

- قالت نبيلة وقد تندى جبينها بالعرق:

- «لكني أرسلت نسخة للرئيس ولعطوة الملواني..»

- استدار نحوها عبد العزيز في دهشة وقال:

- «غير معقول...»

- «هذا ما حدث..»

- «لقد أخطأت خطأ جسيما.. أننا هنا لا نتصرف تصرفات فردية الإخوان هنا منظمون ولهم مسئولون ولا يصح أن يتصرف أحد إلا في إطار السياسة المرسومة حتى لا نفقد رقعة الأرض الصغيرة التي نعيش عليها، وننظم منها معركتنا الأمور دقيقة وحساسة لقد أوقعتينا في ورطة..»

- طأطأت رأسها وقالت:

- «أني أعتذر عما بدر مني بحسن نية وأعدك بالالتزام بالنظام مستقبلا..»

- وصمتت برهة ثم عادت تقول:

- «وماذا أفعل لو أمرت بمغادرة البلاد؟؟»

- «اطمئني .. لقد رتبنا كل شيء.. فلو حدث ذلك ..لا قدر الله- فسوف تسافرين إلى السعودية وستجدين هناك إخوانا مخلصين أو تذهبين إلى لبنان وسنكفل لك كل ما تحتاجينه..»

- بكت نبيلة بحرارة، ومن بين دموعها كانت تقول:

- «لقد كنت سعيدة بوجودي معكم أنتم أهلي ومستقبلي لقد وجدت بينكم نفسي التائهة عالمكم هذا هو المدينة الفاضلة التي كنت أحلم بها...»

- قال عبد العزيز وهو يغتصب ابتسامة باهتة:

- الأمر لم يصل إلى درجة السوء بعد .. وقد نجد له حلا...»

- ثم ضرب بيده فجأة على منضدة قريبة وقال:

- «هل كتبت شيئا بخط يدك على النسخ التي أرسلت إلى القاهرة ..»

- فكرت نبيلة برهة ثم قالت:

- «لا »

- «والعنوان..»

- «كتبته على الآلة الكاتبة ما كان يصح أن أكتب للرئاسة بخط يدي..»

- ابتسم عبد العزيز:

- «هذا توفيق كبير من الله وسوف يساعدنا كثيرا..»

- «أعتقد ذلك؟؟»

- هز كتفيه قائلا:

- «فلنعتمد على الله.. إن هنا كثيرا من العناصر الخيرة التي قدمت لنا مختلف ألوان العون والتأييد..»

- تنهدت نبيلة في حيرة وقالت:

- «لقد أجهضوا فرحتي..»

- قال عبد العزيز وهو يبلع قرصا آخر من الدواء:

- «الطريق شاق طويل فليرزقنا الله الثبات على الحق والصبر على المكاره لله..

- وأسلمت نبيلة أمرها لله. وأخذت تنظر ما يجد من أحداث لكنها علمت أن أحد الإخوة المصريين سوف يسافر القاهرة ويعود بعد أسبوع وهو إنسان ثقة وغير معروف بميوله الإخوانية لدى أجهزة الأمن وسئلت نبيلة عما إذا كانت تريد شيئا من هناك فتذكرت على الفور سلوى وصابر وشرحت الأمر لعبد العزيز وأفهمته أنها تريد أن ترسل إلى صديقتها المسكينة بعض المال وتطمئن على حالها وسلمت المال والعنوان لعبد العزيز كما طلبت أن تعرف كل ما يمكن معرفته عن أبيها وأمها وذويها لأن مرض أبيها كان يقلقها كثيرا وسلاح التهديد المسلط فوق أعناق الأسرة يجلب لها لقلق والألم..