الفصل 18

10 0 00

جلس نزلاء الزنزانة 47 بالسجن الحربي وقد أطبق الليل وقال الشيخ عبد الحميد النجار وهو يلتف بالبطانية الرثة المتسخة:

- «أتدرون لماذا انضممت إلى الإخوان المسلمين؟؟»

- نظر إليه الضابط معروف، ولم ينطق بينما انطلق رزق إبراهيم قائلا:

- «لماذا؟؟»

- «لأني رأيت فيهم الأمل لتحرير فلسطين..»

- تدخل الشاعر يوسف قائلا:

- «الهدف الأسمى هو تحكيم كتاب الله وشريعته..»

- التفت رزق إلى يوسف قائلا:

- «لا تعارض بين الاثنين..»

- رد يوسف:

- «أنا مصر على ما أقول فعندما تسود عدالة الله الأرض، فلسوف يندحر الظلم، وتتحقق الحرية للجميع.»

- كان الضابط معروف يستمع إلى الجميع باهتمام وكان قليل الكلام كثير الصمت وكان دائما ينصح إخوانه باللجوء إلى كتاب الله وتدبر معانيه، وقضاء الوقت في العبادة والاستغفار وكان مؤمنا أن من يتمعن في كتاب الله، يجد الحلول لكل المشاكل وتتضح أمامه السبل وينجلي كل غموض وإبهام لأنه يثق ثقة مطلقة أن المؤمن الحق يرى بنور الله، وأن صدق النية، وقوة العزيمة يبعثان على الأمل، ويحققان الهدف المنشود وخرج معروف عن صمته قائلا:

- «أيها الإخوان العالم كله ليس فيه حرية هذه هي عقيدتي التي لا تتزعزع .»

- قاطعه طالب الحقوق رزق إبراهيم قائلا:

- «يجب أن نحقق أولا مفهوم الحرية..»

- «في كلمات قصار أقول هي أن تقول ما تشاء وتفعل ما تشاء دون تعد على أوامر الله ونواهيه..»

- وسادت فترة صمت قال معروف بعدها:

- «في هذا الإطار تستطيع أن تنطلق فتبدع وتنتج وتحقق السعادة لنفسك وللآخرين، من كل لون ودين، ومن ثم تصل إلى الهدف الأسمى ألا وهو رضاء الله..»

- ولم يعترض أحد، لكن النزيل المريض محمود صقر أردف:

- «وهل هذه مهمة هينة..»

- «في كل العصور كانت رسالة شاقة تتطلب التضحيات الجسام.» وأراد رزق أن يوضح أبعاد القضية فقال:

- «الشرق الشيوعي يهدد إنسانية الإنسان ويرتكب الجرائم البشعة ويلقم الضحايا التعساء لقمة العيش والغرب مع أمريكا يطلبون الحرية لهم ولا مانع لديهم من استعمار الشعوب وإذلالهم ونهب ثرواتهم إنها عنصرية نوع مقيت حتى الحرية في بلادهم يتحكم فيها رجال المال والأعمال ولهذا انحسرت الحرية في فحش القول وسعار الجنس، والانفلات من قيود الفضيلة والدين قل لي بربك من هناك يملك الصحف والإذاعات وغيرها أنا أعترف بأنهم حققوا قدرا من العدالة الاجتماعية وحرية الفكر والعلم وهناك رواد أصلاء لكن الحرية الحقيقة هي التي تعن بني البشر وتفك الإنسان من إسار الحاجة وتسلط مراكز القوة السياسية والاقتصادية والفكرية..»

- واستمر الجدل حول هذه النقاط كلها، وكان رزق يستشهد بنصوص القانون الدولي وهيئة الأمم ويحاول يوسف أن يقدم من آن لآخر آية في آيات القرآن أو حديثا صحيحا من أحاديث الرسول، أو قولا لفقيه من الفقهاء وعاد الحوار يدور حول قضية فلسطين فأخذ معروف يشرح لهم صعوبة الموقف حيث أن أمريكا وأوربا متحالفة مع الصهيونية ذات التأثير البالغ النفوذ في حياتهم السياسية والفكرية كما أن روسيا تؤيد إسرائيل وتدعمها وحكام العالم الإسلامي أضعف من أن يواجهوا هذا التيار الجارف وهم على ما هم عليه من تأخر وانهيار وتفكك فضلا عن أن شعبنا كشعب مصر بما له من ثقل مادي معنوي لا يستطيع أن يؤدي واجبه والسياط تلهب ظهره، والاستبداد يشل حركته عندئذ قال عبد الحميد النجار:

- «لهذا كنت أقول دائما أن الأمل منوط بالإخوان لأنهم الجهة الحية الوحيدة التي لا تخضع لشرق أو لغرب ولا تأتمر لحاكم من الحكام ألا وهي أن نكبتنا تلك التي نعاني منها وراءها أصابع خفية أصابع حلف الدنس للشيوعية والصهيونية والاستعمار الانجلو أمريكي أنهم جميعا أعداء الإسلام الذي سوف يهدد مصالحهم إذا ما نهض وأظل الناس برايته..»

- ولم يستطع عبد الحميد أن يستطرد في حديثه فقد صوت العسكري المناوب يصرخ في جوف الليل:

- «المعتقل عبد الحميد النجار المعتقل عبد الحميد النجار اخبط على الباب يا ابن الكلب.»

- هب عبد الحميد مذعورا وجرى صوب باب الزنزانة بحركة تلقائية وأخذ يدق الباب بقبضته المتشنجة ويقول:

- «زنزانة 47 يا أفندم»

- وساد الصمت الممزوج بالخوف واشرأبت الأعناق نحو الباب المغلق وغمغم عبد الحميد وهو يقف خلف الباب «خير يارب» وتمتم يوسف «أيام الهوان لا نهاية لها» أما رزق فقد هدر: «يا لضيعة حقوق الإنسان في هذا الكون الجهنمي» أما محمود صقر فقد قال بصوت واهن:

- «وادعوا لأخيكم بالستر والتوفيق...»

- وبقي الضابط معروف صامتًا وعيناه مصوبتان إلى الباب السميك الصلد برغم الظلام وفتحك الباب فهب الإخوان واقفين وأدوا التحية العسكرية قائلين..«تمام يا أفندم» وظل معروف جالسا مكانه يرقب المشهد بأسى، عندئذ نظر إليه العسكري في حنق وصوب نحوه ضوء منظاره الكاشف وصاح:

- «أنت يا حيوان.. لماذا لا تقف؟؟»

- قال معروف دون أن يتحرك من مكانه:

- «اخرس . قطع لسانك..»

- وتوقع الجميع أن ينهال العسكري عليه ضربا بالسوط لكن الذي حدث كان غريبا غاية الغرابة لأن المعتقلين لم يألفوه من قبل لقد أخذ العسكري يتراجع في غير قليل من الخوف ثم صاح لعبد الحميد:

- «أنت عبد الحميد..؟؟»

- «نعم .. هيا »

- ثم أغلق الباب وبعد لحظات سمعوا الجندي يأمر بعد الحميد «سريعا مارش» واستطاعوا أن يسمعوا أزيز السياط وهي تهوى عليه وسيل الشتائم التي يقذفها العسكري في بذاءة وقحة لا نظري لها..

- قال معروف:

- «فلنقرأ شيئا من القرآن ولندع الله له..»

- أخذوا يقرءون وأخفى الظلام دموعا تسربت فوق الوجوه الشاحبة، كانت صورة عبد الحميد عالقة بأذهانهم وقلوبهم تنبض في قوة، لكأنما انتزعوا عضوا من أعضاء جسدهم إن أجزاء منهم هناك.. معه، وبقية منه مازالت مرافقة لهم .. كيان واحد يتمزق بلا رحمة وبعد أن انتهوا من القراءة ورف يوسف يديه صوب السماء وأخذ يدعو لعبد الحميد دعوات صادقة مؤثرة وهم يؤمنون على دعائه..

- وقال معروف وهو يعد العدة لكي ينام:

- «إن ما يجيرني هو أن الإنسان لا يتعظ أبدا بأحداث التاريخ ..» ولم يعلق أحد وبعد لحظات وبعد لحظات قال يوسف:

- «وهل تستطيع أن تنام؟؟»

- قال رزق:

- «سننتظر حتى يعود..»

- قال محمود صقر بصوت واهن:

- «قد يعود بعد يوم أو يومين أو ثلاثة..»

- وقال يوسف:

- «بعضنا لم يعد على الإطلاق..»

- أما معروف فقد قال وهو يتصنع النوم:

- «باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.

- فتش عبد الحميد في ذهنه عن شيء يمكن أن يكون موضع مساءلة فلم يجد إن حياته التعليمي والاجتماعي والسياسي وحتى العاطفي يمر بسرعة خاطفة لعل عبد الحميد يستشف منه أمرا يتعلق به وهو، لكن بدون فائدة خير للإنسان ألف مرة أن يكون قد أتى فعلا معروفا يحاسب عليه أما أن يذهب إلى مكاتب التحقيق وهو لا يعلم من أمر جريمته شيئا فهذا أمر قاتل لقد كان عبد الحميد يواجه اليهود في المعارك الدامية بقلب من حديد كان يصول ويجول وكأنه يمارس عملا عاديا من أعمال الحياة لابد أن ينجزه لكنه لأول مرة يقدم على مواجهة المحققين وهو واجف القلب مضطرب الفكر إن اليهود أعداء وهذا أمر واضح محدد قد استقر في ذهنه هم مغتصبون معتدون ظالمون غرباء ومن ثم فلا مجال للتردد، أما اليوم فهو يواجه أخوة له يفعلون فعل اليهود في عدوانهم وظلمهم وقسوتهم وهذا أمر على نسفه في المعارك الضارية التي تزهق فيه الأرواح وعندما وصل إلى الساحة الحمراء حيث المجزرة الدائمة نظر إليه المحقق وقال:

- «ضمه مع أفراد قضية سوريا.. أغني منشورات سوريا..»

- ولم يفهم عبد الحميد من عبارة الضابط شيئًا، ما المقصود بمشورات سوريا، وما ضلته هو بذلك؟ ووجد عبد الحميد نفسه وسط مجموعة من الرجال لا يعرف واحدا منهم حاول أن يلتفت إلى جاره فعاجله العسكري بضربات سوطه قائلا:

- «عبد الحميد»

- «نعم يا أفندم.»

- «لا أحب اللف والدوران..»

- «نعم..»

- «من الذي هرب المنشورات السورية يا عبد الحميد..؟؟

- «أية منشورات؟ لا أعرف عنها شيئا..»

- «أقسم بالله أني لا أعرف عنها شيئا..»

- «الإنكار لا يفيدك..»

- «والله لا أذهب إلى سوريا طول حياتي..»

- «عبد الحميد افهمني يا بابني .. لقد وزعت هذه المنشورات في الأزهر..»

- «قال عبد الحميد..

- «الأزهر يا بك فيه عشرات الألوف..»

- «لكن أليس هناك سوى عبد الحميد واحد..»

- «ولم أنا بالذات؟؟»

- «تحرياتنا تقول إنك ضالع في الجريمة.»

- «وما هو الدليل..»

- صفعه الضابط على وجهه قائلا:

- أتسألني عن الدليل يا لاجئ يا بن ال..؟؟»

- نظر إليه عبد الحميد في حزن وقال:

- «لأنني يقينا لا أعرف شيئا..»

- «بلغ المحقق ريقه، وتنهد في صبر نافذ وقال:

- «حسنا الفتاة قالت أنها سمعت طالبين أزهريين يتحدثان عن المنشورات في الترام..»

- «ومن هما؟؟»

- «لا نعرف ياسي عبد الحميد لو كنا عرفناهما لانتهى الأمر..»

- «ثم التفت الضابط ناحية اليمين وقال:

- «تعالى يا وفاء..»

- جاءت الفتاة ترتجف قال الضابط.

- «لا تخافي يا بنتي .. نحن لا نريد إلا الحقيقة أتعرفين هذا الرجل»

- هزت رأسها قائلة:

- «الكذب حرام يا بك.. أنا لا أعرفه..»

- وأشار الضابط بيده فأحضروا أكثر من خمسة عشر نفرا كانوا متراصين جوار عبد الحميد ووجوههم للحائط وأياديهم مرفوعة إلى أعلى ومروا على عبد الحميد واحدا واحدا للتعرف عليه فلم يعرف أحد..

- وغمغم الضابط:

- «هنا التفاهم لا يحل المشكلة ولا يلقى الضوء على أية قضية الكرباج وحده هو الحل الحاسم..»

- «وانهالت السياط في وقت واحد على أجساد المجموعة بما فيهم وفاء التي كانت تصرخ بطريقة تمزق نياط القلوب كان مشهدا مؤلما لعبد الحميد النجار، تذكر أخته التي تتعلم في جامعة بيروت، أنها في عمر وفاء من يدري؟؟ قد لا يرحمون وفاء، وقد يأمرون «العسكر الأسود» بهتك عرضها فتعيش جريحة ناقمة يائسة طول حياتها فعل اليهود ذلك في بعض الأوقات، وهنا يفعلها حسبما سمع العساكر الجهلاء لا حد للحماقة والظلم لق وهب عبد الحميد يوما ما حياته فداء لوطنه ونذر نفسه لله، كان من المتوقع أن يستشهد على ثرى أرضه وهو يدافع موجات الغزو الصهيوني الغادر وعندما آمن بمبادئ الإسلام وانخرط في سلك الإخوان المسلمين كان يعلم أن معركته في سبيل المبادئ لن تقل شراسة وخطرا على معركته في سبيل الأرض لماذا لايفعل شيئا لينقذ هذه المجموعة التي اختاروها اعتباطا ويحمي عرض هذه الفتاة بالذات ومستقبلها وصاح عبد الحميد بأعلى صوته:

- «كفى سأقول الحق»

- وهرول الضبابط صوبه وهو يشير لحملة السياط كي يكفوا عن الضرب «قال عبد الحميد أنت رجل صادق وشجاع أن الشجاعة هي أن تعترف بالحقيقة لا أن تصمد للتعذيب لأن التعذيب لا يليق إلا بالحمقى والحيوانات وأنت رجل تربيت في أحضان الدين وتعرف الله..»

- نظر إليه عبد الحميد طويلا وابتسم في مرارة

- صاح الضابط:

- «تكلم»

- «أنا الذي هربت المنشورات حقيقة أنا لم أذهب إلى سوريا لكن الذي أرسلها لي هو «وليد عبد الحميد»

- التفت إليه الضابط في اهتمام وقال:

- «ومن هو وليد؟؟ وأين يسكن؟؟ وكيف التقى بك؟؟»

- «وليد زميل لي في معركة الفدائيين مع اليهود أنه سوري الجنسية ومن الإخوان ومن سكان حلب على ما أذكر أرسلها إلى بالبريد..»

- «هز الضابط رأسه في ضيق قائلا:

- «بالبريد؟.؟»

- «نعم»

- «وأين هي المنشورات؟؟»

- «وزعتها كلها..»

- «أين؟؟»

- صمت عبد الحميد برهة وقال:

- «في الشوارع في الترام والأتوبيسات وفي معاهد الأزهر..»

- «ألا تعرف عدد هذه المنشورات..»

- «مطلقا»

- «ألم تعط أحد من أصدقائك في الأزهر..»

- «فكرت في ذلك لكني لم أفعل»

- «لماذا ؟؟»

- «مخافة أن يقبض على أحدهم فيتعرف علي..»

- وغمغم الضابط:

- «شيطان أنت إرهابي ضليع..»

- وأخيرا قال الضابط:

- «ألم تحتفظ بمنشورات من هذه المنشورات..»

- قال عبد الحميد في خبث مصطنع:

- «لم يكن من المعقول أن أحتفظ بشيء يدينني في المستقبل..»

- ومع ذلك فقد استدعى الضابط على الفور أحد زملائه وكلفه بإرسال إشارة عاجلة لوزارة الداخلية كي تقوم بتفتيش مسكن عبد الحميد النجار ومساكن أصدقائه حسب التحريات السابقة، على أن يكون التفتيش غاية الدقة.

- ثم عاد الضابط إلى عبد الحميد ليقول له:

- أرجو أن تذكر لنا كل ما كتب في المنشورات بأمانة..»

- «نعم..»

- وصمت عبد الحميد برهة إن القصة كلها مخترعة من وحي خياله أراد أن ينقذ هؤلاء المظلومين حتى يعودوا إلى ذويهم وأن يستخلص هذه الفتاة المسكينة وفاء من بين مخالب الذئاب التي لا تعرف الرحمة ولا الشرف ولا العدل، حتى اسم صديقه السوري أيضا كان اسما مخترعا ولا وجود له في عالم الحقيقة وما دامت قصة المنشورات كلها قصة مصطنعة فكيف يدلي بمضمونها؟ أنها مهمة شاقة لكن عليه أن يتصرف وأن يبلغ بالتضحية إلى منتهاها هو يعمل أنه يكذب لكنه كذب الشرفاء الذين يضحون بأنفسهم من أجل إنقاذ المظلومين لأن يظلم عبد الحميد وحده، أخف وطأة من أن يساق هؤلاء الأبرياء إلى العذاب أو الموت فالمحققون لابد أن يخرجوا بنتيجة حتى ولو كانت على حساب الشرف وقدسية الحياة لكن ماذا يمكن أن تتضمن هذه المنشورات؟ وصرخ الضابط:

- «تكلم يا عبد الحميد.. تكلم حتى تنقذ هؤلاء المساكين.»

- «أؤكد لك يا حضرة الضابط أن هؤلاء جميعا مظلمون وليس لأي واحد فيهم صلة بالموضوع.»

- «أعلم .. أعلم..»

- «تنحنح عبد الحميد وقال:

- «المنشورات يتحدث عن انحراف الثورة وبطشها بالأبرياء وانسياقها وراء القوى الاستعمارية والصليبية المعادية للإسلام ويتحدث عن ضياع الحريات العامة وانتهاك الدستور وقتل عدد كبير من الإخوان دون محاكمة وعن الفساد الذي استشرى في كل مرافق الحياة في مصر وإحالة الشعب إلى جواسيس واضطهاد أساتذة الجامعات وفصل بعضهم من مناصبهم وإرهاب معظم المفكرين والكتاب الأحرار، واللجوء إلى أخس الوسائل وأحطها للتعامل مع كل صاحب فكر إسلامي أو رأي حر وملئ المساجد والنقابات ومعاهد العلم برجال المباحث والمخابرات..»

- وصمت عبد الحميد برهة فقال الضابط:

- «ألم يقولوا شيئا عن محكمة الشعب..»

- عاد عبد الحميد إلى ابتسامته الساخرة وقال:

- «قالوا أنها مثل حكم «قراقوش» وأنها غير دستورية وأن قضاتها فئة من المنحرفين والشواذ»

- غمغم الضابط قائلا:

- «الله. .. الله.. وماذا أيضا؟؟»

- «وأن الأحكام مسبقة وموضوعة قبل المحاكمة..»

- «حلو وكيف عرفوا ذلك أولاد الزانية..»

- وأن الصحافة لم تصور القضية تصويرا عادلا بل اندفعت إلى تشويه الإخوان وصفحات نضالهم توشيها مقصودا وألصقت بهم الصفات الذميمة والتهم الباطلة زورا وبهتانا..»

- احتقن وجه الضابط في غيظ وقال:

- «ثم ماذا؟؟»

- «ثم دعت الشعب إلى الثورة على الظلم والفساد وتلقين المسئولين درسا حاسما وقالت إن النصر لا شك آت وأن دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة..»

- قال الضابط وهو يصر على أسنانه من الغيظ:

- «أبقي شيء؟؟»

- «لا.»

- وأمسك الضابط بأذن عبد الحميد وجره في عنف وقال:

- «أتجرؤ على نشر مثل هذا الكلام بين الناس يا ساقط يا لاجئ يا ابن الكلب.؟؟»

- «هذا ما حدث..»

- «الإعدام قليل عليك..»

- «لله الأمر .. ما شاء يفعل..»

- «لا تتكلم عن الله..»

- «ليس لي غيره..»

- «أنتم إخوان الشياطين..»

- وسادت فترة صمت قال الضابط بعدها:

- وتجمع المتهمون حوله وفيهم وفاء .. قال الضابط لهم:

- «أنني آسف لكل ما جرى لكم.. لكن الذنب ليس ذنبنا ولا ذنب الحكومة هذا الوغد السافل المدعو «عبد الحميد النجار» هو سبب كل بلية لقد سمعتم كيف اعترف بحيازته للمنشورات وتوزيعها بين الجمهور، إذن فالجريمة واضحة أمامكم والمجرم هاهو يقف بينكم وعليكم أن تلقنوه الدرس الذي يستحق..»

- ثم أخذ السياط من العساكر وسلم كل مهم سوطا، ووضع عبد الحميد في مركز الحلقة التي كونها منهم، وقال:

- «عليكم أن تضربوه..»

- ولما لم يتحركوا صرخ فيهم الضابط:

- «إذا لم تضربوه فسنضربكم أنتم هيا..»

- ورفع المتهمون سياطهم وأخذوا يضربون عبد الحميد وهو يبتسم في ألم لكن الضابط صاح:

- «ما هكذا يكون الضرب..«ثم تناول سوطا، وانهال على عبد الحميد دون شفقه ثم مال صوب المتهمين وأخذ يضربهم في جنون حتى يوسعوا عبد الحميد ضربا مبرحا حسبما يريد، فلم يجدوا مناصا من انفعلوا ما أراد الضابط وعبد الحميد يتلقى الضربات صامتا مستسلما وألقت وفاء بسوطها على الأرض وأمسكت بخناق عبد الحميد وهي تقول:

- «لماذا فعلت ذلك حرام عليك..أيعجبك ما جرى لنا سببك؟؟أنت لا تعرف ما عانيته طوال الساعة الماضية لقد كاد عقلي أن يذهب منك. لله..»

- وأفلتت دمعة من بين أهداب عبد الحميد وهو يقول:

- «آسف يا آنسة وفاء لقد فعلت كل ما وسعي لإنقاذك أعني إنقاذكم..»

- «أليس عندك ضمير؟؟ كيف حفظت القرآن إذن؟؟»

- «آنسه وفاء كل ابن آدم خطاء وأحب الخطائين إلى الله التوابون..»

- «منك لله يا شيخ»

- وأشار الضابط بيده كي يكفوا عن الضرب والصياح حينما وجد عبد الحميد قد سقط على الأرض مغشيا عليه..

- «احملوه إلى الفسقية أولقوا به في الماء حتى يفيق ونستكمل التحقيق»

- وبعد أن حملوا عبد الحميد قال الضابط وهو يخفف عرقه:

- حسنا سوف نفرج عنكم أن تحرياتنا ونتيجة التحقيق قد أكدت لنا أنه لا علاقة لكم بتنظيم الإخوان المسلمين وأن المجرم الحقيقي هو عبد الحميد النجار، ويجب أن تعلموا أن هذا الآثم ضالع ف صلته بالاستعمار والصهيونية وأنه لا شك ضمن شبكة رهيبة تهدف إلى قلب نظام الحكم في البلد ولا شك أن أصابع المخابرات المركزية الأمريكية تحرك هذه الخيانات وستقرأون كل هذه التفاصيل في الصحف عندما يفرج عنكم قالت وفاء ودموع الفرح في عينها:

- «هل سيفرج عني..»

- «بالتأكيد..»

- «اليوم»

- «ليس اليوم..»

- «لماذا؟؟»

- قال الضابط وقد اجتاحته موجة مفاجئة من السعادة

- «لابد أن يعترف عبد الحميد بكل الأشياء التي حدثتكم عنها ثم يقفل باب التحقيق ولا تنسوا أنه لا يمكن الإفراج عنكم وآثار الضرب على أجسادكم ماذا تقول الناس عنا؟ لابد أن تلتئم الجروح أولا وتزول الكدمات وجميع الآثار..»

- قالت وفاء في ضراع:

- لن أخرج من بيتي ولن يراني أحد.. ولن أقول حرفا واحدا مما جرى»

- «بالطبع لأن من يتكلم يعود إلى هنا مرة ثانية..»

- «صاحت وفاء في هستيرية:

- مستحيل مستحيل لا أريد أن أعود إلى هنا أبدا لو حدث فسوف أموت..»

- «اطمئني يا آنستي وستكون صلتك بنا في المستقبل قوية ستكونين عينا من عيوننا هذا إذا أردت أن يفرج عنك..»

- «ماذا تعني؟؟»

- «قال وهو يعطيها ظهره منصرفا:

- «ستعرفين كل شيء في حينه..»

- وبعد أن مشى الضابط خطوات عاد واستدار صوبها قائلا:

- «سوف ترحلين إلى سجن القناطر الخيرية تمهيدا للإفراج عنك هناك سجن النساء أما زملاؤك فسنقلهم إلى القلعة إعدادا للإفراج»

- وأخذ الجميع يتبادلون القبلات والعناق ونسيت وفاء نفسها وفعلت مثلما يفعلون وبينما هم غارقون في نشوتهم التي أنستهم السياط المؤلمة جاءهم صوت أحد العساكر الواقفين:

- «وجهك للحائط يا ابن الكلب أنت وهو وهي..»

- «وفي لحظات كانت نظراتهم مركزة على الجدار الكاحل الأصم، وعاد العسكري يقول:

- «ارفعوا أيديكم..»

- «وشدت الأذرع الشاحبة صوب السماء.

- وقال أحد العساكر لزميله هامسا:

- «أرأيت ؟؟ لقد ظهر أنهم جواسيس..»

- رد زميله قائلا:

- «يهيأ لي أن الولد «عبد الحميد» لابد أنه يهودي شكله يقول ذلك والله كان في نيتي ألفت نظر حضرة الضابط يا خبر أسود شياطين ورب الكعبة ربنا ينصرك عليهم يا جمال عبد الناصر..»

- وغمغمت وفاء بينها وبين نفسها:

- «لسوف أعيش طول حياتي لا أرى شيئا ولا أسمع شيئا سوف أطبق فمي إلى الأبد لقد سمعت الطالبين يتحدثان في الترام عن بعض المنشورات السورية أبلغت أحد أقاربي الضباط ظننت أنتي سوف أنال مكافأة لكن للأسف لم يقابلوني بغير السياط واللعنات والمساخر وسألت عن قريبي الضابط فلعنوه ولعنوا أباه وأمه. وجدت نفسي فجأة معلقة من ضفائري والسياط تلهب جسدي وأنا الذي أقمت الدنيا وأقعدتها و أنا طفلة في الابتدائي حينما صفعتني المدرسة صفعة خفيفة وثار أبي وثارت أمي وشكوها إلى وزير التربية والتعليم ليتني لم أتكلم ألا يمكن أن يكون أصحاب المنشورات على حق؟ أن نظرات عبد الحميد توحي بالبراءة والحب والشجاعة وكان لابتسامه معنى غريب لم أفهمه إن قلبي يحدثني بأن هذا الرجل يخفي شيئا أنع عالم من الغموض والقوة حتى عندما اعترف لم يكن منهارا كان يتكلم بثقة اتزان الجميع هنا يعرفون وهم في أشد حالات الوهن والضعف أما هو يسقط مغشيا علي وأضمد له جراحه وأسقيه ماء كان يبدو ظمئا لكنه كان صابرا ثابتا حتى عندما سقط لم أر على وجهه علامات الألم أو الخوف لكن لماذا فعل ماذا تجدي المنشورات إزاء هذه القوة الباطشة العاتية.. الورقة لا تصنع شيئا أمام المدفع والسياط»

- وصحت وفاء من أحلامها على صوت خلفها يقول:

- «آنسه وفاء..»

- «نعم..»

- «هيا..»

- «إلى أين.؟؟»

- «ستعرفين فيما بعد..»

- وفي مكتب عطوة بك وجدت قريبها الضابط الذي شمعته يقول:

- «الله يخرب بيتك يا عطوة ماذا فعلت بالبنت يا متوحش قال عطوة في خبث:

- «لزوم الشيء»

- «أليس في قلبك رحمة؟؟»

- «الرحمة مسألة نسبية أنها أمامك حية ترزق..»

- وتضاحكا..

- واقترب الرجل من وفاء قائلا:

- «لا تحزني إن إجراءات الأمن سخيفة بعض الشيء لكن ثقي إنك قدمت للعدالة خدمة وطنية كبرى وأؤكد لك أنك سوف تكافئين عليها..»

- قالت وفاء والدموع في عينيها:

- فقط اتركوني لحالي..»

- قال قريبها:

- «ستقضين أسبوعين في سجن القناطر للنساء وبعدها تخرجين..»

- علق عطوة في سجف:

- «أسبوعان هذه فترة طويلة..»

- لابد أن لديك موعدا هاما..»

- نظرت إلى وجهه الشرس وابتسامته المقيتة ثم أرخت أهدابها في استسلام وناجت ربها بصوت لا يسمع:

- «يا رب أنت وحدك تعلم ما بي..»

- ونظرت إلى ركن في الغرفة فوجدت عبد الحميد جالسا لا يستطيع النهوض لكثرة ما لاقى من عناء تمنت أن ترمي بنفسها فوقه وتقبله وتذرف الدموع على قدميه الشريفتين لكنها وقفت كالمشلولة وسمعت الضابط يقول له:

- «سوف تعود إلى زنزانتك الآن حتى تستريح بضع ساعات وتأكل وتنام وبعدها تكمل التحقيق..»

- قال عبد الحميد:

- «أما زالت هناك بقية..»

- قال الضابط مقهقها:

- «كثير جدا ياما في الجراب يا حاوي!!»