الفصل 16

9 0 00

لم تكن نبيلة تتوقع ما قالته أمها حينما عادت، لقد أخبرتها أن رسالة عاجلة قد وردت من القصر الجمهوري يطلبون إليها أن توافيهم على عجل لأخذ أقوالها في الرسالة الخاصة التي بعثت بها إلى الرئيس واضطربت نبيلة لعلها ندمت على إرسالها ذلك الخطاب لقد كتبت ما كتبت في لحظة انفعال وضيق وتمرد، يا للكارثة أتذهب مرة أخرى وتدور في دوامة سين وجيم؟ هذا أمر لم تعد تطيقه أو تصبر عليه أتتصل بعطوة مرة أخرى كي يكون على جوارها إنها في مسيس الحاجة إليه الآن يبدو أن أمثاله قد أصبحوا ضرورة من ضرورة الحياة وإلا تعرضت لمشاكل لا حصر لها، أقلها إهدار الكرامة وتهديد الأرزاق ولكن لا لن تخبر عطوة بشيء مهما كان الأمر ستواجه مصيرها بشجاعة وليكن ما يكون أنها مواطنة وقد رأت أوضاعا خاطئة تعتقد أنها ليست في مصلحة الحاكم أو المحكومين وانطلاقا من مبدأ الصدق والأمانة والخوف على مصلحة الوطن أرادت أن ترفع الأمر للرئيس نفسه أعلى سلطة في البلاد ولو أن كل إنسان تقوقع على نفسه واعتصم بالصمت ليبعد عن نفسه المتاعب المتوقعة وليدرأ عن نفسه الشبهات، لسارت الأمور من سيء إلى أسوأ ولتراكمت الأخطاء وأدى ذلك إلى انفجار مروع لا يعلم إلا الله مداه ومن ثم أقنعت نبيلة نفسها بضرورة ما فعلت وبمدى أهميته وأنها على صواب لا شك فيه، وقالت لأمها: «ولماذا لم تخبريني فور وصولي..»

- «كان عطوة موجودا ولم أشأ أن أتكلم أمامه..»

- «وما الحل الآن؟؟»

- قالت أمها:

- «لقد تركوا لنا رقم تليفون للاتصال بهم كي يحددوا الموعد»

- «والتقطت نبيلة الرقم، وأدارت قرص التليفون وقدمت نفسها فعلمت منهم أن الموعد غدا في الساعة الحادية عشرة صباحًا.

- قال أبوها في خوف:

- «لم يكن هناك ضرورة لما فعلت يا ابنتي ..وأرى أن نشرح الأمر لعطوة قبل فوات الأوان..»

- هبت نبيلة محتجة:

- «لا أريد ذلك..»

- «لماذا يا ابنتي؟ ألم ينقذك بالأمس القريب..»

- «أجل لكني هذه المرة إما أن أنقذ نفسي أو أذهب بلا عودة ولماذا أخاف؟؟ أنا لم أرتكب جرما يا أبي..»

- «الناس اليوم يا فتاتي يساقون إلى الموت لمجرد الشبهة..»

- «أنني أوضح أمر خطيرًا.. ولن يصعب على تقديم الدليل...»

- «ابتسم أبوها في مرارة وقال:

- «الدليل..؟؟»

- نعم ما على المسئولين إلا أن يذهبوا إلى المخابرات العامة أو السجن الحربي ليروا كيف تنتهك آدمية الإنسان..»

- ربت أبوها على رأسها في حنان وقال:

- «أتعتقدين أن الجلادين يفعلون ذلك دون أمر عال؟؟»

- «إنه شيء لا يصدق»

- «تنهد الأب في حزن وقال:

- «رحم الله الإمام محمد عبده فقد كان يقول: لعن الله السياسة وساس ويسوس وما اشتق منها..»

- قالت نبيلة في إصرار:

- «نحن لا نعي وراء الستار الحديدي حيث العالم الشيوعي...»

- «دعك من الأسماء والشعارات فإن ما يجري اليوم صورة صارخة للظلم لا مثيل لها في أي مكان...»

- قالت الأم وعيناها مبللتان بالدموع:

- «كنا نعيش في هدوء ما الذي جر علينا هذا الوبال كله يا ربي؟؟»

- علق الأب في استسلام:

- «هذا قضاء الله وقدره، نحن لم نفعل شيئا يوجب كل ذلك..»

- وآوت نبيلة إلى غرفتها كانت على شوق إليها ومع ذلك فقد نظرت إلى أرفف الكتب وكراسات التحضير المدرسي واسطوانات الموسيقى نظرة كلها ملل وعزوف وتذكرت الطبيب وسرعان ما انطلقت صوب التليفون كان الدكتور سالم في عيادته لقد بدا وضحا في صوته أنه سعيد لعودتها وأخذ يستفسر عن حالتها الصحية والنفسية في لهفة، وأخيرا اتفقت معه على زيارته على الفور كانت أمها معترضة وتطلب مها أن تستريح بعض الوقت لكن نبيلة كانت قلقة متوترة، لا تستطيع الجلوس أو النوم أو التسلي بالقراءة أو سماع الموسيقى وفي دقائق معدودة كانت في طريقها إلى الطبيب نظر إليها الطبيب نظرة فاحصة وقال:

- «حمدا لله على سلامتك.. أراك أحسن حالا..»

- قالت وهي تجلس قبالته وتعبث في مقبض حقيبتها بعصبية:

- «لا أظن..»

- «إن الشكل العام يوحي بأنك أفضل من ذي قبل..»

- «لم تزل المشاكل آخذه بخناقي..»

- قال في أسى:

- «يجب أن تتقبليها كأمر واقع وتعايشيها..»

- رددت في دهشة:

- «أهذا هو العلاج؟؟»

- بعضا العقاقير يا آنستي لا توجد في الصيدليات..»

- «استطيع أن أشتريها من الخارج..»

- «لا أقصد العقاقير الطبيبة»

- «ماذا تقصد إذن يا دكتور..؟؟»

- «الأمن النفسي أنه لا يباع .. ولا يشترى»

- هزت رأسها وفهمت ما يرمي إليه واستطرد الدكتور سالم قائلا:

- «لقد خلق الله حقا مباحاً للجميع ..كالماء والهواء لكن بعض الحكام يغلقون عليه خزائنهم ...يسجنونه..»

- قالت في غضب:

- «إنه ظلم وخيانة وتعد على حق الله..»

- أشار بيده قائلا:

- «أرجوك .. الحيطان لها آذان..»

- هدرت في حنق:

- «ولماذا نسكت؟؟»

- «لو سكت الناس لما امتلأت السجون بالشرفاء»

- وأخذت تروي له ما شاهدت في السجن الحربي من أهوال وما فعله عطوة بك بها والظروف الصعبة التي عانت منها طوال الأسبوعين الماضيين، ثم قالت وهي تكاد تبكي:

- «لن أتزوج عطوة..»

- «نظر إليها في دهشة وقال:

- «ستدفعين الثمن غاليا..»

- «حتى ولو دفعت حياتي..»

- «لا يصح أن تدفعي حياتك لأمر بسيط كهذا.. »

- «أنه أبشع من الموت..»

- قال الطبيب بعد أن صمت لحظات مفكرا:

- «لدي حل»

- «هبت واقفة واقتربت منه، وأمسكت بكم معطفه الأبيض الناصع والنظيف وقالت متوسلة:

- «ما هو؟؟»

- قال وهو يلف سماعته على سبابته اليمنى:

- «الرحيل..»

- «إلى أين يا دكتور؟»

- «إلى الخارج. .لفترة تستطيعين فيها أن تسترجعي هدوء البال والاستقرار النفسي المفقود.. وأيضا ستفلتين من عطوة..»

- ودارت نبيلة بنظارتها في أرجاء المكان وأطلت عبر النافذ حيث المباني الشامخة والمآذن والقباب ومداخن المصانع والسماء الرحبة الزرقاء، وغمغمت قائلة:

- «هذه فكرة رائعة..»

- «لابد من موافقة جهة العمل أولا ومكتب الأمن ثانيا»

- «فعلا هذه مشكلة..»

- وطرقع الطبيب بأصابعه قائلا:

- «أليس لديك بطاقة جامعية؟؟»

- «لماذا»

- «لو أن لديك بطاقة لأمكنك أن تسخرجي جواز سفر دون أن تشيري فيه إلى أنك موظفة، بل سيكتبون في خانة المهنة، «طالبة» ولدي صديق بالجوازات يمكن أن يقدم لك بعض المساعدات..»

- قالت نبيلة في فرح:

- «فكرة مدهشة.. فعلا لدي بطاقة جامعية للدراسات العليا..»

- «ممكن أن يتم ذلك إذا لم تعترض جهات الأمن على سفرك..»

- «اعتقد أن عطوة قد محا كل ما يتعلق بهذا الأمر..»

- قال الطبيب:

- «لي قريب في الكويت، وفي الإمكان أن يرسل إليك بطاقة دعوة للزيارة وسوف يتكفل بإيجاد فرصة عمل لك هناك..»

- بينما كانت نبيلة تقلب الأمر على شتى جوانبه، جاءها صوت الدكتور سالم محذرا:

- «لكن لا يصح أن يعلم أحد بالأمر حتى الأهل..»

- هزت رأسها موافقة بينما استطرد الطبيب.

- «أنك لن تستطيعي أن تتخلصي من كل همومك النفسية في هذا الجو المشحون بالأسى والقلق وعلاجك هو السفر إلى الخارج ولا يصح أن تعودي من الخارج إلا إذا ..»

- قالت في هدوء:

- «إلا إذا تغيرت الأحوال»

- ثم هزت كتفيها في يأس وقالت:

- «يبدو أن التغيير بعيد المنال.. أنهم يسيطرون على كل شيء لقد دانت لهم البلد بكاملها...»

- ثم استردت وهي تتطلع إلى القاهرة الكبرى عبر النافذة المفتوحة:

- «ولن أسافر قبل أن أذهب إلى القصر وإلى سلوى..»

- وشرحت نبيلة للطبيب قصة الخطاب الذي بعثت به إلى الرئيس والموعد المضروب غدا وضرورة زيارتها للمسكينة سلوى التي تم الإفراج عنها قريبا، فأوصاها الطبيب بالحذر التام، وبضرورة اكتساب ثقة عطوة حتى تنجح الخطة، وتنجو من بين براثنه وبينما كان الدكتور سالم يقدم لها نصائحه الثمينة قفز إلى ذهنها سؤال:

- «لماذا لا تسافر أنت الآخر يا دكتور؟؟»

- «كان في إمكاني أن أفعل لكني اعتذرت..»

- «ألا تخاف على نفسك؟؟»

- ابتسم ابتسامة ذات معنى وقال:

- «حسنا.. كيف تكون حال البلد لو هاجر منها كل الأحرار والشرفاء سيبقى ملايين من الناس لا يجدن من يقف إلى جوارهم أنا باق هنا لأودي رسالتي في الطب وغير الطب.. ألا تعليمن أ لي أخا قد صدر ضده حكم بالأشغال المؤبدة من محكمة الشعب..»

- هتفت في انبهار:

- «أخوك..»

- «نعم لا توجد أسرة إلا وأصابها قدر من ظلم أو هوان..»

- وبدأ الطبيب أمام عينيها عملاقا أسطوريا أقوى من الخوف والموت وجبروت الحاكمين وأيقنت أن الاستسلام الشعبي الظاهر وراءه نار تحت الرماد لن تخمد جمراتها بعد وأن الصمود في أحلك أيام اليأس التعسة هو أروع آيات البطولة فهتفت في إصرار

- «لن أسافر»

- اقترب منها الطبيب وقال:

- «مستحيل»

- «ولماذا أنت تبقي؟؟»

- «كل له مكانه ودوره»

- «ودوري أنا الهروب..»

- «أبدا سوف تجدينهم في الخارج لا يكفون عن العمل ليل نهار من أجل قضية الحرية سيكون لديك المال والقلم وحرية الحركة والوقت مناسب دونما ضغوط أو تهديد.. وكل ميسر لما خلق له.. أنا هنا.وأنتم هناك لابد أن تستقيم الأمور على هذا النحو.. هل أقتنعت؟؟»

- هزت رأسها قائلة:

- «نعم..»

- وشرد الطبيب بضع لحظات وقال:

- «وبعد فترة طالت أم قصرت سوف تعودين وسترين راية خضراء تخفق في السماء مكتوبا عليها بأحرف من نور: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين..»

- غمغمت:

- «تمنيت أن أسافر الآن أنني أتخيل عالما من الحرية والحب والسلام لا رقابة فيه ولا سياط ولا كلاب ولا عطوة ولا معتقلات .. أنه عالم الأحلام المليء بالورود والرياحين والكلمات الحلوة والكرامة..»

- قال الدكتور سالم محذراً:

- «لكن لا تنساقي وراء الأحلام الوردية.. وتذكري أن عليك واجبا وأن على أرض الوطن ملايين يساقون كما يساق الأغنام وأبشع..»

- «أعرف»

- «وكما أن الرسول لم ينتصر على أعدائه بالدعاء والصلوات وحدهما بل بالعمل والجهاد والعرق والدماء .. فكذلك في كل عصر لابد من التضحيات..»

- «أعرف..»

- «بالطبع فأنت مدرسة تاريخ..»

- عادت تتطلع إلى النافذة وتقول:

- «التاريخ كنت أقرؤه كقصة طريفة شائقة حلوة. وكنت أطرب لما فيه من أحداث أما اليوم فقد تيقنت أن التاريخ شيء آخر.. أنه تجربة حية مشتعلة لم تخمد ألسنة اللهب فيها برغم مرور القرون لم يكن التاريخ أحداثا متسلسلة تتواكب في هدوء بل كان صراعا داميًا مريرًا ومقدمات ونتائج وتغيير جذري في واقع الحياة..»

- ابتسم الطبيب قائلا:

- «المرضى ينتظرون»

- «سأنصرف لقد أخذت الكثير من وقتك الثمين.. لكن يجب أن تكون سعيدا لقد قدمت لي الدواء الناجح.»

- «أرجو ذلك..»

- وصافحته وانصرفت خرجت من عيادته خلقا جديدًا لقد مرت تجربة القلق والعذاب والانصهار وبعدها تم التشكيل والتكييف ولماذا تخاف نبيلة؟؟ إن أقصى ما ينتظرها هو الموت، وهي لم تعد تخاف الموت، لقد اكتشفت نفسها وعرفت طريقها وهذا أروع ما كسبته في حياتها.

- دقت الباب وبعد دقيقتين انفرج عن وجه تعرفه أنها سولى لقد ذهبت الكدمات والجروح وصار وجهها الشاحب صفحة نقية من الطهر والنقاء والرضا وهتفت سلوى وقد تدفقت الفرحة في عينيها:

- «أنت»

- وأدخلتها على الفور وعادت سلوى تقول:

- «لقد أخطأت خطأ كبيرا بحضورك إلي..»

- «لماذا؟؟»

- «إنهم يراقبون البيت..»

- «كنت حذرة لم أر أحدا يحوم حول البيت..»

- تنهدت سلوى قائلة:

- «أنت طيبة القلب ..البقال يراقبني والكواء أيضا من يدري؟ ربما يكون بعض الجيران يقومون بنفس المهمة أنا لا أزور ولا أزار»

- قالت نبيلة:

- «سلمي الأمر لله .. كيف حال صابر»

- «نائم..»

- «وزوجك..»

- «لم تعد ترد منه رسائل يبدو أن الحكومة تستولي على الرسائل والشيكات التي يرسلها إلي»

- «ولماذا لا تسافرين إليه»

- «كان هذا هو المتفق عليه لكن المسئولين منعوني..»

- «بأي حق؟؟»

- نظرت إليها في حزن وقالت:

- «وهل يجرؤ أحد على سؤالهم..»

- «وكيف تعيشين إذن؟؟»

- «أخدم في البيوت. .. أغسل أكنس أطبخ أي شيء..»

- قالت نبيلة في حنق:

- «إجرام منهم.»

- زفرت سلوى في ألم:

- «ليس هذا فحسب بل إنهم طاردوني أينما ذهبت إذ سرعان ما يطردني أصحاب البيوت بتحريض مهم لست أدري ماذا تريد الحكومة مني وأنا لست طرفا في النزاع..»

- فتحت نيلة حقيبة يدها وقالت وهي تمسك ببعض الأوراق المالية:

- «خذي هذا»

- «مستحيل»

- «إنه حقك.. ولا تحملي هما بعد اليوم.. سأتكفل بك منذ الساعة..»

- قالت سلوى وهي ترجع إليها النقود:

- «أنت لا تفهمين أنهم يفتشون البيت من آن لآخر، وإذا وجدوا معي مالا فسوف يشكون في أن أحدًا من الإخوان يقدم لي بعض الإعانات..»

- قالت نبيلة..

- «وماذا في ذلك؟ الناس يساعد بعضهم بعضا»

- ابتسمت سلوى في مرارة وقالت:

- «سوف يسألونني عن مصدر التمويل وإذا لم أخبرهم تكفلت السياط بإنطاقي وأنا امرأة ضعيفة لا أتحمل السياط لمدة طويلة.. قد أعترف عليك وأسبب لك المتاعب.. فوفري على نفسك ووفري علي»

- أعادت نبيلة إليها المبلغ قائلة:

- «اعترفي علي .. لا يهمك... لسوف أسافر ولن يستطيعوا أن يصلوا غلي وبعد أن أسافر سأدبر لك الأمر بطريقة بعيدة عن الشكوك.. اطمئني..»

- أخذت سلوى النقود ثمك دمعت عيناها واحتضنت نبيلة في عاطفة جياشة وأخذت تقول من بين دموعا:

- «أتدرين لماذا أفرجوا عني؟؟ لكي يتتبعوا خطواتي: ويكشفوا أية حلقة للاتصال بيني وبين زوجي جعلوا مني مصيدة لأهل النخوة والخير.. إنهم يريدون أن يحيلوا البلاد إلى غابة للضباع والضواري منهم لله..»

- وعادت نبيلة إلى بيتها منهوكة القوى، تشعر برغبة جارفة في النوم.