الفصل 24

10 0 00

لقد ترك موضوع «نبيلة عبد الله» في قلب عطوة الملواني جرحا لا يندمل، لقد نظر إلى الأمر من زاوية خاصة لم يخطر على ذهنه أنها إنسان له الحق في أن يحب أو لا يحب نسي أن نبيلة شخصية مستقلة تستطيع أن تسافر أ ولا تسافر ويمكنها أن ترفض أو توافق هذه الاعتبارات كلها لا وزن لها في نظره، إن سنوات العنف التي عاشها والسلطات المطلقة الواسعة التي أعطيت له والحياة العسكرية الجافة، والماضي الشائن الأسود الذي لطخ سنوات عمره، هذه الأشياء مجتمعة جعلت منه كائنا متوحشا شرسا لا يطيق أن يرفض له طلب، ولا يقبل أن يستسلم للأمر الواقع لكن الطائر قد حلق في الأجواء العالية وانطلق بعيدا إلى آفاق بعيدة لا سلطان له عليها وبدا له الحصول على الطائر المهاجر نبيلة أمرا شبيها بالمستحيل، والذي حز في نفسه أكثر أنها من خلال الرسالتين اللتين قرأهما لقد اتضح انحيازها التام لجانب الإخوان المسلمين أليس هذا شيئا عجيبا شاذا لا يمكن تخيله؟؟ أم أن الله يريد أن ينتقم منه في صورة هذه المخلوقة التي أصبحت كالثمرة الشهية المحرمة عليه؟؟ وشعر عطوة بقدر ضئيل من الارتياح حينما تذكر أن أباها قد أصيب بالذبحة الصدرية لا شك أنها ستتألم ألما شديدا لأنه يعلم مدى رهافة إحساسها ورقة شعورها وحبها لذويها وماذا ستفعل عندما تعلم أن أباها قد مات وأن أمها قد أصيبت بالشلل أو أن أحد أخوتها قد سيق إلى السجن؟ من أجل ذلك فإن عطوة يفكر ليل نهار في ألحاق الأذى بأهلها وإذا لم يمت أبوها فهو قادر على أن يدس له السم، بذلك قد يشفي غليله ويحقق خطوة في طرق الانتقام الذي يحلم به ولا يمل التفكير فيه ولذلك عندما سمع أحد مرؤوسيه من ضابط السجن الحربي يقول:

«لقد علمت أن مصر ستشتري السلاح من أحد الدول الشيوعية..»

نظر إليه عطوة دون اهتمام وقال:

«أنا لا أفكر في مثل هذه الأمور..»

قال الضابط في دهشة:

- «كيف إن الأمر خطير ومعناه التحول من مسار خط الدولة السياسي..»

- مط عطوة شفته السفلى في ازدراء وقال:

- «شيء لا يخصنا..»

- «يخص من إذن؟؟»

- «الرئيس بالطبع..»

- وأخرج عطوة زجاجة الويسكي وأخذ يصب لنفسه كأسا ويقول:

- «أتشرب؟؟»

- قال الضابط:

- «شكرا..»

- ثم ابتسم الضابط في مرارة وقال:

- «ويسكي من الغرب..وسلاح من الشرق..»

- ثم اختطف علبة السجاير «الكنت» الموضوع أمام عطوة وتناول واحدة منها وهو يقول:

- «وسجائر من أمريكا..»

- وبعد أن أشعل السيجارة استطرد قائلا:

- «وخبراء للتعذيب من ألمانيا..»

- وبعد أن نفث دخانا كثيفا من فمه قال:

- «الواقع أن بلادنا أصبحت مفتوحة لكل خيرات العالم وخبراته وهذا يشير بخير كثير..»

- وهب عطوة واقفا بعد أن شرب الكأس الثالثة وقال:

- «محمود صقر إما أن يعترف بعدد قطع السلاح ومكانها أو يموت..»

- قال الضابط:

- «ولعله سلاح إنجليزي.»

- «انجليزي عفريت لا يمهني..»

- اقترب الضابط منه وقال:

- «أنا واثق أن هذا الشاب لا صلة له بأي سلاح. »

- «أن لا أثق إلا فيما أظنه..»

- ابتسم الضابط وقال:

- «بعض الظن إثم يا سعادة البك..»

- «الإثم هو أن يوجد على ظهر الأرض مثل هؤلاء الأوباش..»

- قال الضابط شاردا:

- «لماذا تكرههم يا عطوة بك؟؟»

- «لم أسأل نفسي مثل هذا السؤال..»

- «لماذا.؟.»

- «الأمر لا يحتاج »

- «كيف؟؟»

- «لو ناقشنا شيء لما فعلنا شيئا..»

- وانطلق عطوة خارجا من مكتبه كانت الساحة هذه المرة مكتظة أكثر من أي وقت مضى بالمعتقلين أعضاء التنظيم الجديد «التمويلي» وبعض أعضاء الجهاز التنظيمي القديم وصوت الصراخ والعويل السياط يغطي على كل شيء وما أن ظهر عطوة في الساحة حتى هتف أحد العساكر بأعلى صوته «كل السن ثابت» فحط الصمت الكئيب بأجنحته السوداء على الساحة الحمراء وأخذ الطاغية الصغير يتجول بين الرعايا التعساء منتفخ الأوداج محتقن الوجه وعيناه يتطاير منهما الشرر ويتطوح يمنة ويسرة وكأن العالم كله قد دان له. - وأثناء ذلك الصمت الرهيب الدامي فتح المذياع فجأة وانطلق صوت الميكروفون يجلجل وصوت المقرئ الندي الرقراق يقول:

- «... إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى..»

- واكفهر وجه عطوة وصرخ بأعلى صوته:

- «اقفل الراديو يا بهيم..»

- وفي لحظات كان صوت القرآن قد قطع وبعده جاء صوت أم كلثوم وهي تغني أغنية «يا جمال يا مثال الوطنية..» وسرعان ما انفجرت أسارير عطوة ثم ابتسم ثم قهقه وعاد يصيح.

- كل السجن يغني مع الست

- وابنعث ثوت السجناء واهنا دامعا حزينا يردد المقاطع مع أم كلثوم لكن الشيء العجيب أن صدى آيات القرآن الكريم التي كان يرتلها المقرئ لم تزل ترن ي أسماع الواقفين وتصل إلى قلوبهم المكبوتة، أما صوت الأغنية العالي فقد كان يبدو وكأنه ينبعث من وادي عميق كمجموعة من الضجات والضوضاء المشوشة..

- وقال عطوة لمن حوله من رجال المباحث:

- «أين محمود صقر؟؟»

- وأشار أحدهم على ركن قصي ثم خطا عطوةة صوبه وسدد إليه نظرات تشع مقتا وكراهية كان محمود يقف شاحبا مرتجفا بعد أن جف عوده ونحفت عنقه وغارت عيناه الصافيتان ولون وجهه أشد صفرة من الرمال التي يقف عليها وأثار الجروح لملتئمة محتقنة بعض الشيء وابتسم عطوة كأفعى وقال:

- «لقد بعثت من جديد يا محمود»

- نظر إليه محمود بعيون حزينة ولم يتكلم»

- قال عطوة:

- «لقد أمهلناك طويلا..»

- ثم قبض عطوة على كتف محمود الأعجف وهزه في عنف وقال:

- «إذا كان صقرا فأنا نسر لقد أخطأ أهلك في تسميتك كان يجب أن يسموك محمود غراب محمود بومة محمود قرد»

- وأخذ عطوة يقهقه في بلاهة وشاركه الضباط والعساكر الواقفون في الضحك مجاملة واحتراما حتى محمود نفسه ابتسم «لخفة دم القائد الهمام» وتضايق عطوة إذ رأى النظرات الضافية المؤمنة في عيني محمود إنه لا يطيق ذلك ورفع يده ثم أهوى بها على وجهه في قوة تطوح محمود وكاد أن يقع لكنه تماسك بعد لحظات وعاد إلى وقفته وطأطأ رأسه في أسى دون أن ينطق. بينما استطرد عطوة:

- «اسمع يا ابن الحلاق . السلاح أو الموت ليس لدي وقت أضيعه معك أكثر من ذلك .. انظر ألا ترى المئات التي تنتظر التحقيق؟؟ ليس لحياتك قيمة .. أنت مجرد واحد من ملايين الشعب ولن تخرج الدنيا لو مت أتفهمني؟؟ أنا لا أمزح..»

- دق قلب محمود حاول أن يتطلع إلى السماء لكنه خشي أن يرفع رأسه وقال في ضراعة:

- «السلاح شيء لم أعرفه طول حياتي كانت دعوتي بالكلمة والموعظة الحسنة..»

- قال عطوة ساخرا:

- «أعرف .. أعرف..»

- ثم ألتفت إلى الزبانية وقال لهم:

- «إما أن يعترف بالسلاح أو تحضروه لي جثة هامدة مفهوم وقف سجان شهير أمام عطوة بك وأدى التحية وهو يقول:

- «تمام يا فندم.»

- إذن فقد صدر الحكم أصدره عطوة الملواني ببساطة وهدوء وهو نصف سكران، وأدرك محمود بشاعة الموقف أخذ يفكر بسرعة لو كان لدي أحد من أقربائه سلاح أي سلاح حتى ولو كان مرخصا لأرشد عنه حتى ينقذ حياته وتمنى محمود في هذه اللحظات أن يكون لديه سلاح حتى يعترف به لكن ما الحيلة وهو لا يعرف شيئا عن هذا الموضوع؟؟ كان محمود تائها عن كل ما حوله لم يعد يستطيع أن يعد يستطيع أن يفهم شيئا أو يميز ما يقولون فقد انهالت السياط عليه دون رحمة حتى التأوهات أو كلمات الاستغاثة لم يعد قادرا على التلفظ بها انتهى كل شيء وسلم أمره لله. لم يعد يرى شيئا تحول العالم من حوله إلى ظلام دامس ماذا رأى بعد ذلك؟؟ ماذا سمع؟؟ السر عند بارئ الأرض والسماء لعله رأى من جديد قبسا من ضياء أو لعله رأى أمه وهي تطعمه ومسح العرائس وأمل حبيبته الحلوة الدامعة العينين وهاتف من وراء المنظور يناديه لا أحد يعرف هذه المرة ماذا جرى بالضبط له أحد العساكر قال إنه رآه يبتسم وهو ملقى لا حراك به وذكر أيضا أن عطوة بك قدم ليلقي عليه النظرة الأخيرة وهو راقد كالجثة ورأى الابتسامة فجن جنونه وأخذ يركله بقدمه في وحشية لكن الابتسامة برغم كل ذلك لم تنطفئ..

- وأسدل المساء أستاره القاتمة على السجن وطنين خافت خلف أبواب الزنزانة المغلقة ينبعث واهنا مندي باسم الله والصلوات على رسوله وقبيل منتصف الليل تململ معروف الحضري في فراشه وغمغم:

- «أخوكم محمود صقر لم يعد..»

- كان يظن أن أحد لن يجب على كلماته فهذا وقت ينامون فيه عادة لكنه فوجئ بهم جميعا ينحون الأغطية ويجلسون قلقين وقال عبد الحميد النجار:

- «الله معه..»

- وعاد معروف يقول:

- «لقد طالت غيبته..»

- رد عبد الحميد:

- «الزحام هناك كيوم الحشر والتحقيق على قدم وساق والضباط يأخذون أجرا إضافيا في مثل هذه الأحوال..»

- وعلق الأخ السوداني رزق قائلا:

- «ويأخذون مكافآت تشجيعية..»

- «لزيادة الإنتاج وتحقيق أرباح كبيرة.»

- وظلوا يتحدثون ويرددون المأثورات أو يقرأون القرآن حتى موعد صلاة الفجر، لم يقرب النوم أجفانهم وكان واضحا أنهم يعانون من توتر وقلق بالغين يا لها من أيام وفتحت أبواب الزنازين كالعادة حوالي الرابعة صباحا كي يذهب المعتقلون إلى دورات المياه في الطابور الصامت جلسوا محزونين ومن آن لآخر يهوى عليهم السجانة بالسياط دون سبب ظاهر ثم يجلسون ويعاودون الكرة كل فترة حتى تنتهي طابور دورة المياه طابور العذاب الدائم وعند انصراف معروف الحضري إلى زنزانته اقترب منه «الأخ إسماعيل» الذي حل محل «قوري اليهودي» في خدمة المكاتب وقال بسرعة:

- «معروف .. البقية في حياتك. .محمود صقر مات..»

- تسمر معروف مكانه وأصابه ذهول مباغت وهتف

- «ماذا؟»

- قال إسماعيل:

- «ودفنوه في صحراء العباسية وكتبوا أمام اسمه في الدفاتر والسجلات كالعادة كلمة «فرار» ادخل بسرعة لا تخبر أحدا..»

- وفي ثوان كان إسماعيل قد اختفى وبقي معروف وحده واقفا وقد تجمدت الدموع في عينيه وقلبه يدق ويكاد يحطم قفصها الصدري ولم يفق إلا على كرباج نزل على رأسه في عنف، وكلمات انصبت في أذنيه:

- «ادخل زنزانتك يا ابن الكلب..»

- لم يشعر معروف بألم خطا في بطء إلى زنزانته وقف في وسطها كالتائه والعتمة تجسم على صدره كجبل المقطم ودخل الإخوان فوجدوه على هذه الحال صاح رزق:

- «ماذا جرى..»

- وجاءهم صوت معروف جادا آمرا مبللا بالدموع:

- «أقيموا الصلاة.»

- وبعد انتهت صلاة الفجر قال معروف:

- «أيها الإخوان .. كلنا ودائع لله والله يسترد وديعته حيثما يشاء ولكنا إلى هذا المصير ذاهبون صلوا على أخيكم الشهيد صلاة الغائب فقد دفنوه دون أن يصلي عليه أحد صلاة الجنازة»

- صرخ رزق في ذعر:

- «من..؟؟»

- «محمود صقر فليرحمه الله..»

- انفجروا باكين وانتظر معروف بضع دقائق ثم أخذ هو الأخر يجفف دموعه وتذكر أيام المعارك الدامية في حرب فلسطين عام 1948 وكيف كان يموت الأبطال كل يوم وتذكر كيف يسيطر على جنوده في المواقف الصعبة الرهيبة كي يواصل المعركة عندئذ صرخ في ثقة وقوة كقائد حازم:

- «قوموا للصلاة على روح أخيكم..»

- وتراصوا لأداء الصلاة..

- ونظر معروف بعد الصلاة إلى الفراش الخالي بالأمس كان يجلس هنا محمود صقر ويأكل وينام كان يجلس كالغريب أو المسافر الذي سوف يزمع الرحيل أو كعابر سبيل شعور غريب كان يداخل معروف منذ أيام..

- هذا الطائر الأبيض الملائكي سوفي يفرد أجنحته وينطلق إلى السموات العلى حيث الآفاق العذراء التي لم تبلغها قذارات البشر ولا أدخنة المصانع ولا ضجيج مكبرات الصوت.. عالم الحب والسلام الأبدي .. حيث تلتقي أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء حيث لا مكان للظلم والحقد والأنانية والغدر..

- وقال الشاعر يوسف:

- إن القلب ليخشع أو يجزع..

- وإن العين لتدمع ..

- وإنا لفراقك يا محمود لمحزونون..

- ولا نقول سوى القول الخالد: «إنا لله وإن إليه راجعون ..»

- وبعد فترة صمت وجيزة قال رزق إبراهيم:

- «سمعت بعض المعتقلين الذين حضروا التحقيق يقولون إن ثلاثة من الإخوان قد قتلوا..»

- وعاد معروف يقول والدموع تبلل أهدابه:

- «كل نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون .. »

- وتمتم الجميع:

- «صدق الله العظيم..»