الفصل 30

10 0 00

شعرت نبيلة بوحدة مؤلمة وهي تهبط أرض تركيا في «اسطنبول» أنها لا تعرف أحدا وقصدت تلوها أحد الفنادق المتواضعة لتقيم فيها كما نصحها سائق التاكسي الذي يتكلم الإنجليزية بصعوبة وعاشت في الفندق أيام، كانت تجد خلالها مشقة كيرة في التفاهم مع العاملين والنزلاء وبمحض الصدفة اكتشفت أسرة عراقية صغيرة تقيم في ذات الفندق وكان فرحها بالتعرف عليهم لا يقدر والحقيقة أن هذه الأسرة التي قضت بالفندق حوالي أسبوع قد قدمت لنبلة بعض النصائح الهامة فاشتر تب بتوجيه منهم كتابا عن «كيف تتعلم اللغة التركية..» ولذا استطاعت أن تحفظ فيه العبارات والكلمات التي لا غنى عنها في التعامل مع الناس ومن ثم أمكنها أن تزور بعض المتاحف القديمة حيث آثار الخلفاء العثمانيين ومخلفاتهم الأثرية وعجائب تاريخهم العظيم كما زارت مسجد أيا صوفيا الشهير وغيره من المساجد الأثرية وكم كانت دهشتها عندما وجدت تشابها كبيرا بين تلك المساجد ومسجد القلعة في القاهرة وغيره من المساجد الأخرى، حتى المطاعم في شوارع اسطمبول تقدم وجبات غذائية وحلوى شبيهة بما تقدمه مطاعم مصر بل أن بعض الأغاني الشهير في تركيا قد استعارت ألحان محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم وفيها الطابع الشرقي المميز وانتشت نبيلة وهي تشم عطر التاريخ القديم فهنا قامت إمبراطورية إسلامية من أضخم الإمبراطوريات التي عرفها تاريخ العالم وقد اجتاحت دول أوربا الشرق والنمسا وغيرها ولكن للأسف ها هو الشعب التركي لا تكاد تعرف فيه من يعرف اللغة العربية حتى الكلمات العربية الصميمة يكتبونها بالأحرف اللاتينية إذ هم يقطعون بذلك العلاقات الوثيقة بين التراث الإسلامي العظيم وبين الحضارة وغمغمت في حسرة «لماذا فعلت ذلك يا كمال أتاتورك أنها جناية كبرى..»

وانتهزت نبيلة الفرصة وقامت بزيارة خاطفة إلى قبرص و «اثينا وروما وبعض البلدان الأخرى في كل مرة كانت تنزل مدينة من المدن تبعث برسالة موجهة إلى عطوة الملواني قالت في إحدى هذه الرسائل:

«لن تطولين يدك الملوثة بدماء الضحايا أيها الوغد أنا هنا أتجول في أنحاء العالم المتحضر وأرى كيف يعيش الإنسان في أغلب المدن التي أزورها وهو يستمتع بالحرية وينعم بالحب والصفاء وأنت أيها المجنون تقضي نهارك ومعظم وقتك تتعبد في محراب الشيطان بصب العذاب فوق رؤوس الأبرياء أي حيوان أنت..

مت بغيظك فسوف يأتي اليوم الذي تحاسب فيه حسابا عسيرا فأنت إنسان ضائع تافه لا معنى لحياتك ولا تعرف روعة المبادئ ولذة العارفين بقدرة الله..

ولا تنس أن تحمل خابي هذا لرجل المخابرات حتى يتسلوا بخيبتك وحقدك الصبياني أيها الطفل الكبير..

كان عطوة يقرأ هذه الرسالة وهو يكاد يجن وكان يحملها فعلا لجهات الأمن كي تضم إلى ملفها الضخم وليحشد ضدها الدليل تلو الدليل على أمل أن يقتنعوا برأيه ويقبضوا على أبيها ويذيقون العذاب ألوانا وبعد مرور الشهر في تركيا وصلت رسالة من عبد العزيز السيسي يدعو فيها نبيلة لمقابلة في بيروت بعد أسبوع ولم تجد نبيلة كبير مشقة في الذهاب إلى بيروت والالتقاء بعبد العزيز في إحدى دور النشر الكبيرة هناك وهي دار متخصصة في طبع الكتب الإسلامية وفي الأيام الأولى التي قضتها نبيلة في بيروت التقت بأعداد كبيرة من الإخوان المهاجرين نساء ورجالا وأسرا بكاملها كما التقت بأعداد أخرى من اللاجئين السياسيين من مختلف الأحزاب والجماعات وانبهرت نبيلة نحو الحرية في مجال الكتابة والحوار والندوات في بيروت لكن خوفا غامضا كان يسكن قلبها إن هذه الحرية جميلة لا شك لكن حوادث الخطف والغدر والاغتيالات هي الأخرى ترتكب من آن لآخر مع ذلك فقد أدركت أن حصيلتها الثقافية تزداد يوما بعد يوم وأن الصحافة العالمية برغم ما فيها من تناقضات تكتب على كل شيء وتتناول بالتحليل الأحداث الجارية ولست هناك موضوعات يحرم الاقتراب منها حرية العبادة موجودة وحرية الجنس والتجارة والعنف والفن الساقط والفن السامي إن رجال الله وأتباع الشيطان يعيشون جنبا لجنب لكن سلطان المادة خطير والناس ينحدرون إلى مستنقعات تفوح منها رائحة العفن والفساد والفجور هذا النوع من التحرر يخيفها ويجعلها تشعر بذلك القلق المبهم أو الخوف الغامض أنها تحلم بعالم نظيف آمن حر تكون العلاقات الإنسانية فيه مبرأة من الخداع والنفاق لقد تألمت وهي تسمع أن بعض الصحف تتبع نفسها لمن يدفع أكثر ومن تهاجمه اليوم قد تدافع عنه غدا ورأت بعض المطبوعات تؤله الطغاة بينما البعض الآخر يصب اللعنات عليهم أي تناقض مريع هذا؟؟ قالت للأستاذ عبد العزيز السيسي

- في أي عصر نعيش...؟؟

- في النصف الثاني من القرن العشرين..

- نظرت إليه فوجدته بتسم فظلت على استغرابها وقالت:

- «أيمكن إصلاح هذا الركام الهائل من المفاسد..»

- قال بهدوئه المعهود:

- «ولم لا ذكري يوم خروج الرسول بدعوته ورأى العالم كله ينضج بالإثم والعار والشرك..»

- قالت نبيلة:

- «لم تكن الجاهلية القديمة على هذا النحو من التعقيد والخبث..»

- عاد يبتسم ويردد في ثقة:

- «الناقة أصبحت طائرة والسيف صار قنبلة ذرية والشرك القديم أصبح ماركسية ووجودية وشاعر القبيلة صار إذاعات وصحف وتلفزيونات وسينما ومسارح لا جديد تحت الشمس والفتاة التي كانوا يدفنونها حية اليوم تمشي في الشوارع عارية مثيرة وقد فقدت كل مقومات الشرف فهي جثة وإن كانت تتأود وتضحك وتقارع الكؤوس..»

- وصمت عبد العزيز برهة فسمع نبيلة تقول:

- «ثم ماذا»

- «لم يخل عصر من الآفات..»

- هزت رأسها قائلة:

- «وعطوة الملواني والطواشي أو الجلاد القديم..»

- «بالضبط»

- غمغمت في شرود:

- «أين الطريق؟؟؟»

- قال عبد العزيز مرتلا آية من القرآن.

- «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن وسبحان الله وما أنا من المشركين..»

- همست:

- «صدق الله العظيم..»

- ثم عادت تقول:

- «الظلام كثيف»

- «أعلم»

- «وقد طالت غيبة الأحرار خلف الأسوار»

- «لا نصر بلا تضحيات..»

- «ونحن هنا نسبح في الدنيا طولا وعرضا وهم يعيشون في زنازين ضيقة..»

- «هم أفضل منا»

- «بالتأكيد»

- «فلماذا الحزن؟؟»

- «هم إخوتي في كل مكان هم أخوتي..»

- «ما أروع هذا الشعور؟؟»

- وشردت بضع لحظات ثم قالت:

- «كان الدكتور سالم يستطيع أن يسافر أن يهاجر ويتحرر مثلنا من ظلمهم لكنه رفض وأثر أن يبقى في المعركة وأن يصارع الوحش الأسطوري ودخل السجن راضيا»

- ثم التفت إلى عبد العزيز:

- «لماذا لم أفعل مثلة؟؟»

- قال عبد العزيز:

- «ساحة المعركة واسعة..»

- «ماذا تعني؟؟»

- «جنود في الداخل وجنود في الخارج وصفوة أمامية وأخرى خلفية ومحاربون بالبنادق وآخرون يشهرون أقلامهم المعركة على امتداد رقعة الكرة الأرضية لا تظني أنها في مصر وحدها إن أصابع الشيطان في أوروبا وروسيا وأمريكا والبلدان العربية تمتد خفية إلى جميع أطراف الدنيا سالم هناك يجاهد بطريقته الخاصة ونبيلة هنا تؤدي واجبا آخر أنه نوع من التكامل لابد منه ففيم الحزن؟؟

- ولما لم تجب اقترب منها قليلا وقال:

- «نحن بشر وطاقتنا محدودة ولن نستطيع أن نغير الكون بين يوم وليلة..»

- قالت:

- «أصبت هذا ما يعذبني لا أطيق الصبر على هذه المهازل...»

- «لو كانت المهازل رجلا واحدا لقضي عليه الناس واستراحوا لكن الأمر كما ترين»

- واستطاع عبد العزيز أن يحل إشكال نبيلة في الكويت فقد أتفق مع المسئولين أن تعود لكن الحكومة لا توافق على عودتها إلى أي عمل في الوزارات وتم الأمر بهدوء، ورجعت نبيلة مع عبد العزيز إلى مدينة الكويت والتحقت على الفور بإحدى دور النشر وهي مؤسس أهلية تقوم بتوزيع الكتب ونشر بعضها وتجري بعض الدراسات في موضوعات أغلبها علمي أو ديني وتساعد الباحثين في بحوثهم بتقديم قوائم بأسماء الكتب والمؤلفين الذين تناولوا موضوع البحث.

- وفوجئت به نبيلة ذات يوم يأتي إليها في مكتبها كان الحرج يبدو في حركاته وكلماته أدركت أنه وراء الأمر شيئا تشاغلت في تصفح أحد الكتب بينما أخذ هو يفتح صحيفة وسرعان ما يلقيها جانبا ثم يتناول أخرى وأخيرا تنحنح وابتسم وقال:

- «أنا أحب الصراحة..»

- «نظرت إليه في ود»

- «لا داعي للمقدمات..»

- «لابد من الحيثيات.»

- هزت رأسها ونظرت إليه وبدا الاستعداد عليها لتسمع ما يقول:

- «أنت مثل ابنتي وحياة الهجرة التي نحياها فيها الكثير من الملل والألم والشرود والإنسان في مثل هذه الظروف مهما كان الأمر في حاجة إلى من يشاركه حياته أليس هذا صحيحا؟؟»

- أرخت أهدابها وأدركت على الفرو ما يرمي إليه أنه لا شك يريد أن يعرض عليها الزواج من أحد الإخوان المهاجرين الذين تعرفهم وتحققت توقعاتها حينما سمعته يقول:

- «أنت تعرفينه والزواج نصف الدين..»

- أحمر وجهها خجلا قال:

- «أهو أمر..»

- قال مؤكدا:

- «كيف إن موضوعا كهذا ليس فيه أمر على الإطلاق والزواج اختيار حر ورغبة من الطرفين..»

- هي لا تدري لماذا تذكرت سالم في هذا الوقت بالذات لقد انتصب في خيالها بعوده الفارع ومعطفه الأبيض وابتسامته الصافية الحلوة هتف على الفور والدموع تبلل عينيها:

- «كيف تقيم الأفراح والرجال خلف الأسوار يتعذبون؟؟»

- كان ذكيا لذا رد قائلا:

- «لا تعارض بين الاثنين هكذا الحياة الناس يموتون والأطفال يولدون كل لحظة وموكب الحياة يسير»

- وعندما لاذت بالصمت وارتسم الارتباك على ملامحها وحركات يديها قال:

- «أهناك رجل آخر؟؟»

- «أجل »

- «متأسف والآن لنتقل إلى موضوع آخر..»

- ومرت الأيام متوترة حزينة إن الأحداث لا تتوقف وتيارها الصاخب يهدر في عنفي والصراع الدائر يتوهج ويملأ الأفق بالدخان الأسود ومع ذلك فقد صدرت قرارات ملفتة للنظر في مصر لقد صدر الدستور المؤقت لعام 1956 وأفرج عن المعتقين الذين لم تصدر ضدهم أحكاما المسجونون من أمثال رزق إبراهيم وبعد الحميد النجار، فقد ظلوا خلف الأسوار يعانون جفاف الحياة وقسوتها ومرارتها ومع ذلك فقد دخلت الفرحة بعض البيوت إن خروج المعتقلين إلى الحياة من جديد أمر يبشر بالخير على الرغم من الشروط القاسية التي وضعتها المباحث العامة للمفرج عنهم فغير مسموح لهم بالانتقال من بلد إلى بلد إلا بعد إخطار المباحث رسميا بذلك، ولا يحق لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين المنحلة الالتقاء أو التزاور مع بعضهم البعض كما صدرت قرارات نقل للكثيرين من الموظفين منهم إلى جهات نائية مع التنبيه بعد توليهم المناصب القيادية كما صدر قانون العزل السياسي بحرمانهم من حق التصويت أو الترشيح للانتخابات العامة وعدم دخول أبنائهم الكليات العسكرية أو الالتحاق بالسلك الدبلوماسي وغير ذلك من الوظائف الحساسة بالإضافة على تشديد الرقابة عليهم وضرورة التدقيق على كل ما يؤلفه كتابهم قبل طبعه..

- وروجت الصحافة المصرية للدستور الجديد المؤقت وأجريت التحقيقات الصحفية المصورة مع كبار الممثلين والفنانين والراقصات عن مشاعرهم عند صدور الدستور وعند اختيار الرئيس كأول رئيس جمهوري منتخب في الاستفتاء الكبير وأشاد المحررون بحياة الحرية والكرامة والاستقلال..

- لكن الشيء الذي لم يخطر لنبيلة على بال قد حدث فعلا كانت تسير في غبش الليل قبيل العشاء عائدة من مكتبها وكانت تسير مسرعة كعادتها ورأسها يدور بالعديد من الأفكار لقد دأبت على إدمان الحوار الداخلي بينها وبين نفسها بعد أن اندمجت في القراءات المتنوعة وكانت تسارع بتسجيل خواطرها وأفكارها في دفاترها الخاصة وكلما تعمقت في القراءة لكما وجدت نفسها في حاجة ماسة إلى المزيد إن حياة الفكرة رحبة لا نهاية لها..

- وفي أثناء سيرها في ذلك الشارع الجانبي الذي تسكن قرب منتصفه أفاقت من شرودها على طلقات رصاص متتابعة وقفت لحظة ودارت بنظراتها في خوف ووجت شبحا يتوارى مسرعا أدركت على الفور بغريزتها أن شيئا خطيرا يحدث جرت بأقصى ما تستطيع من قوة وما أن دلفت إلى الداخل وهي تلهث حتى أخذت تتحسس جسدها لم تكن تصدق أنها قد نجت كيف لم تصيبها رصاصة؟؟ تقاطر اعرق على جبينها ودخلت غرفتها في الطابق الثاني شابة كانت أنفاسها تتلاحق قالت الأرملة التي تسكن معها هي وأولادها الثلاثة:

- «ماذا جرى لك يا ست نبلة. »

- قالت وهي تقذف بحقيقتها وأوراقها على المكتب الخشبي الصغير

- «لا شيء»

- ثم ألت بجسدها على المقعد وسرعان من انفرجت باكية:

- هرولت نحوها السيدة وداد هي وأولادها في ارتباك:

- تكلمي يا ابنتي هل حاول بعض الشباب الطائش اختطافك؟؟

- جففت نبيلة دموعها واستعادت رباطة جأشها ثم قالت:

- «أشكرك كوني مطمئنة لم يحدث شيء مما تفكرين فيه..»

- وبعد دقائق تناولت التليفون ثم طلبت عبد العزيز السيسي وسرعان ما عاد الرجل مع زوجته واصطحباها للخارج وفي بيته روت له نبيلة القصة كاملة كان الأمر خطرا ومحيرا واضح أنها مطاردة سياسية خبيثة في ظل الدستور الجديد وهذا يحدث في بعض الأحيان في كثير من الدول لكن المشكل أن «نبيلة.» لم تستطع أن تدلي بأية أوصاف للرجل الذي حاول اغتيالها وبعد ساعة عقد اجتماع عاجل في بيت عبد العزيز حضره نخبة من الإخوان الثقاة وبعد أن تدارسوا الأمر اتخذوا بضعة قرارات أهمها عدم إبلاغ السلطات الداخلية عن الحادث فقد يكون لذلك أثره في تغيير سياسة الحكومة إزاء السياسيين المهاجرين عموما إلى الدولة لأهم في الكويت لا يريدون أن تحدث مثل هذه الأمور في بلدهم ومن القرارات أيضا انتقال نبيلة إلى مسكن آخر وتكليف أحد الإخوان بحراستها في المكتب وأثناء تنقلاتها وعدم السمح لها بالتنقل وحدها مع اتخاذ باقي الاحتياطات الأمنية اللازمة وعمل التحريات اللازمة نحو ذلك «الشخص المجهول»

- عندما جاء موسم الحج توافد عدد غير قليل من الحجاج المصريين إلى الكويت وكان من بنيهم عدد من الإخوان الذين سبق اعتقالهم استطاعوا بجهودهم الشخصية وبعض الوساطات أن يأخذوا موافقة للحج فانتهزوا الفرصة وتحولوا إلى عدد من الدول العربية ورفضوا العودة إلى مصر وكان لهؤلاء الإخوان الكثير من الأخبار والتقارير التي استقبلها عبد العزيز السيسي ورفاقه بكثير من الاهتمام وعلمت نبيلة بالأمر، فكانت جد مشوقة للالتقاء بهؤلاء الإخوان والاستفسار منهم عن مجريات الأحداث بعد سفرها..

- وأثناء عملها في الفترة المسائية كانت تقرأ كتاب «الإسلام في القرن العشرين» للكاتب الكبير عباس محمود العقاد وكانت تسجل بعض الفقرات في بطاقات صغيرة كانت نبيلة مشدودة بقوة إلى تلك الصفحات التي يتحدث فيها الكتاب عن الإسلام كقوة غالبة وقوة صامدة والأخيرة تصور صمود الإسلام أمام تيارات العداء العالمي والتاريخ الرهيبة وازدياد أنصاره برغم كل ذلك.. وجاءها صوت يقول:

- «السلام عليكم»

- ورفعت رأسها وجدته واقفا قبالتها بهامته الشامخة وابتسامته الصافية هزت رأسها ثم فركت عينيها وهتفت وهي تكاد تتهادى:

- «من الدكتور سالم؟؟ غير معقول.»

- سالت الدموع على خديها صافحا في ود لم تستطع أن تتكلم أدرك أن الموقف قد أغرقها في طوفان من المشاعر الهادرة حاول أن يخفف وطأة المفاجأة فأخذ يقول:

- «دعوت لك الله في البيت الحرام وعلى صدر جبل «عرفات» الحنون وأنا أصلي المغرب والعشاء قصرا في المزدلفة وفي المشاهد الخالدة في كل مكان طاهر مقدس..»

- يبدو أن كلماته أتت بنتيجة عكسية فقد انفجرت باكية بحرقة حاول أن يمزح فقال:

- «وكنت أقذف الشيطان بالجمرات وصورة عطوة الملواني وسادته الطغاة تنتصف في خيالي خيل إلى أن إحدى الحصوات ارتدت وأصابت عينه..»

- وأخذ يضحك وأخذت هي الأخرى تضحك والدموع في عينيها وسادت فترة صمت دقت نبلة الجرس ودخل أحد العاملين بالمكتب حاملا القهوة ثم قالت نبيلة:

- «كيف حال أبي..»

- بدا الألم على وجهه حاول أن يهرب من نظراتها فلم يستطع وحاول مرة أخرى أن يقول كلمات غير حقيقية فلم يطاوعه لسانه وفي لحظات قرأت كل شيء على وجهه هبت واقفة خلف مكتبها ثم استدارت نحوه وأمسكت بكتفه قائلة:

- «أريد أن أعرف الحقيقة..»

- غمغم:

- «كلنا في نفس الطريق سائرون والبقاء لله وحده..»

- ولم تدر نبيلة ماذا جرى لها بعد ذلك وعندما فتحت عينيها وجدت الموظفات العاملات بالمكتب إلى جوارها والدكتور سالم واقف بالباب، وكانت الزميلات يمسحن على وجهها ورأسها ويخففن دموعها..

- بعد أسبوع التقت نبيلة بالدكتور سالم الذي شغل وظيفة طبيب بمستوصف حولي بالكويت كانت الساعة قد شارفت الثانية بعد الظهر، وركبا سيارته الجديدة قال ببساطة وهو ينطلق مسرعا:

- «شكرا للأستاذ السيسي فقد أقرضني ثمن هذه السيارة..»

- ثم التفت إليها قائلا:

- «على فكرة لقد دعاني على مائدة الغداء اليوم وأخبرني أن أحضرك معي ولهذا كلمتك في التليفون..»

- وسادت فترة صمت كان جسدها يرتجف برغم الحر الشديد وبأسلوبه البسيط نفسه استطرد:

- كلمت أباك قبل أن يختاره الله إلى جواره..»

- «فيم»

- ابتسم ثم قال:

- «قال لي لا مانع لدي بشرط أن توافق نبيلة..»

- «لا أعرف عما تتحدث..»

- وفجأة أخذ يقهقه وشاركته نبيلة الضحك ومال نحوها قائلا:

- «ألا تقبلين الزواج مني.»

- قالت:

- وكيف أتزوج معزولا سياسيا؟؟

- قال:

- «وماذا يفعل المعزول السياسي؟؟»

- قالت:

- «لا أدري»

- «يتزوج معزولة مثله.

- وأخذا يضحكان من جديد

- وقال سالم:

- «وعبد العزيز السيسي في مقام أبيك وأبي..»

- طأطأت رأسها قائلة:

- «أجل»

- عاد يقول:

- «وسنبدأ معا من جديد رحلة أخرى»

- ردت قائلة:

- «لقد بدأنا منذ التقينا أول مرة..»

- «وأنا لا أخف المستقبل الخوف من الغد موت وعذاب لقد أسدل الستار على فصل واليوم نبدأ قصة جديدة»

- هزت رأسها قائلة:

- «نعم فالأسوار والأسلاك الشائكة لم تزل هناك والكلاب المسعورة تنبح وصراح الضحايا مازال صداها يطن في أذني..»

- غمغم:

- «الأيدي التي بنت الأسوار تستطيع أن تهدمها والكلاب عمرها قصير وهي ليست مشكلة لأنها حيوانات مسخرة أما الضحايا فهم أحياء عند ربهم يرزقون وإيمانهم بالنصر كإيماني بالله لأنه سبحانه هو الذي وعدنا به...»

- «أشعر بجوع شديد..»

- قال وهو بيتسم:

- «وأنا أيضا..»

- تمت