الفصل 8

10 0 00

استعادت نبيلة قدرا من هدوئها وثقتها بالله وبنفسها جلست تفكر بإمعان وروية فيما حدث لها إنها لم تنجرف يوما في تيار السياسة كانت تعتقد أن العاملين في حقل السياسة مزايدون أو مخدوعون، القلة مخلصون، ولهذا لم تلق بالا إلى الحركات الحزبية التي تشتعل في جامعة القاهرة ، سمعت من إحدى زميلاتها في الكلية أن الاشتراكية هي الحل والأوحد لمشاكل الحياة والمجتمع والقضية الوطنية والفلسطينية والصراع عموما مع الاستعمار وأظهر لها بعض النشرات السرية التي فقرأتها في حياد ثم ردتها إليها دون أن تقتنع بما فيها عموما وقالت لها إحدى الزميلات المحجبات إن الإسلام وحده هو السبيل إلى الخالص والحرية وإلى عالم يسوده العدل والمحبة والإخاء هو السبيل إلى الخلاص والحرية وإلى عالم يسوده العدل والمحبة والإخاء، وإن القوانين والدساتير التي وضعها البشر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتفوق على الشريعة الإلهية التي أنزلها خالق الكون والناس وضربت لها الفتاة المحجبة العديد من التجارب الرائعة التي سجلها التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، وأفاضت في شرح العنت والقهر والكبت الذي يعاني منه الناس وراء الستار الحديدي حيث تبسط الشيوعية سلطانها ومع أن «نبيلة» كادت تقتنع بهذا المنطلق إلا أنها آثرت أن تنصرف عن السياسة ومشاكلها وأن تركز على تنمية حصيلتها الثقافية والفنية والعلمية وأن تخدم وطنها من خلال إخلاصها في عملها كمدرسة تربي الجيل الجديد على الخلق والفضيلة وحب الوطن وسمعت الكثير أيضا عن مبادئ حزب الوفد والسعديين والدستوريين والكتلة وحزب مصر الفتاة أو الحزب الاشتراكي لكنها انصرفت عن ذلك كله ونأت بنفسها عن الصراعات المحتدمة بين شباب الجامعات، ولم يكن معنى ذلك أنها لم تكن تتكلم أو تعلق على الأحداث الجارية وخاصة بعد أن قامت الثورة وان رأيها ينبعث دائما من معتقداتها الخاصة دون ارتباط برأي حزب من الأحزاب القديمة كانت تقول ما تعتقد أنه حق.. ومع كل ذلك التحوط والبعد عن الصراعات إلا أنها وجدت نفسها اليوم في مأزق لم يكن يخطر لها على بال إن اعتقالها لا يمكن أن يكون بلا سبب ترى ماذا فعلت حتى يسوقوها بهذه الطريقة المهينة إلى تلك الغرفة المظلمة الرطبة في مبنى المخابرات العامة؟؟ كانت تسمع في القديم أن الحكومة لها عيون فيكل مكان وأن الإنسان قد يقبض عليه ويقدم للمحاكمة ويرمى في السجن بسبب مزحة أو نكتة تتعرض للرئيس أو للجهاز الحاكم وكانت تسمع أن مجموعة من الناس قد اتهموا بتدبير مؤامرة لمجرد أنهم تناقشوا في السياسة في جلسة عائلية بريئة وتعرض بعضهم للثورة بالنقد الحر النزيه، وتناقل الناس فيما يبنهم قصصا كثيرة عن الاضطهاد والتعذيب بل والقتل أو فصل المواطنين من وظائفهم أو تسريح بعض الضباط من الجيش، أو طرد بعض الوزراء من مناصبهم بسبب نقد عابر، أو نصح سديد لا يروق لأصحاب السلطة لكن نبيلة والحق يقال كانت تكذب هذه الشائعات وترفضها بشدة وتعتقد أن هذا الكلام الذي يدور على ألسنة الناس ما هو إلا تنفيس عن الحق المكبوت وعن غيظ رجال العهد البائد والمستغلين الذين تعرضوا للقرارات الثورية لصودرت أملاكهم أو عزلوا عن مراكز التأثير والسلطة وقرأت الكثير عن الحملة الإعلامية المسعورة التي شنتها الحكومة ضد جماعة الإخوان المسلمين لكنها كانت في حيرة هل تصدق كل ما يكتب أو يقال؟؟ إنها تريد أن تسمع كلام الطرفين حتى تحكم الحكم السلم لا يمكن أن تحكم في قضية وقد سمعت طرفا واحدا هو الحكومة والذي جعلها تشكك في كل ما يقال عن الإخوان إنها رأتهم في الجامعة وهم يدربون كتائب الفدائيين لحرب الإنجليز في القنال وتأكدت من بطولاتهم الرائعة في حرب فلسطين، وخاصة أنها كانت تتبع المحاكمات الشهيرة في قضية «الأوكار وسيارة الجيب» وقرأت شهادات كبار ضباط الجيش عنهم في فلسطين ورأت كيف تحول الشباب بتأثير مبادئهم إلى السلوك الطيب والأخلاق الفاضلة، وأخيرا سمعت بعض ضباط الثورة أنفسهم يعلنون على الملأ فضل «الإخوان» عليهن بل واعترف بعضهم بانضمامهم إلى الجماعة وتعاونهم معها فكيف تتهمهم الحكومة اليوم بالخيانة العمالة والفساد والانحراف؟؟ مع كل ذلك فقد وضعت نبيلة هذه القضية المحيرة على «الرف» والتزمت موقف الحياة أملا في أن يأتي اليوم الذي تظهر فيه الحقائق..

هذا هو فكر «نبيلة» السياسي هو في الواقع «لا فكر» على الإطلاق إنها مجرد متفرجة تتعلق عيناها بالمسرح لترى وتسمع ولا شيء غير ذلك فما السبب في اعتقالها إذن؟؟ هل قالت نكته؟؟ هل علقت بكلمة تسيء أثناء حديثها مع بعض الأقارب أو الصديقات؟؟ أنها لا تذكر مطلقا أنها أخطأت أو قالت شيئا يعرضها لتلك المعاملة السيئة ودمعت عيناها حينما تذكرت الصفعة التي هوى بها المخبر على وجهها. كانت تعتبر وجهها منطقة مقدسة حرام .. لا يصح أن يستبيحها أحد، لكن رجلا تافها حقيرا استباح وجهها وصفعها عليه صفعة قوية لو كان بيدها الأمر لقطعت يده ليس هناك قانون في الأرض ولا في السماء يسمح بذلك، وتذكرت نبيلة تلك القصة التي كانت تحكيها للطالبات عن عدل عمر بن الخطاب، حينا علم أن «جبلة بن الأيهم» أحد أشراف العرب قد صفع أعرابيا فقيرا على وجهه فأصدر عمر حكمه بأن يقتص الأعرابي من جبلة.. لكن جبلة فر إلى أرض الروم تاركا وراءه الأهل والمال والدين والعار أيضا..

يا إلهي!! كم من الصفعات تكال للبشر اليوم على أرضنا؟؟ إذا كنت قد صفعت بلا جريمة أعرفها فما بال التعساء المساكين الذين اتهموا بمحاولة اغتيال الرئيس وبقلب نظام الحكم بالقوة؟؟ لا شك أنهم يقتلون أو يعذبون كما يشيع الناس...»

لم تهتدي نبيلة إلى سبب معروف تغزو إليه ما يجري لها الآن.. إن قلبها ينبض بقوة ورأسها يكاد ينفجر لقد بكت كثيرا وفكرت كثيرا دون طائل وشعرت بالظمأ الشديد بحثت حولها فلم تجد ماء دقت على باب الزنزانة في عنف فلم يستجيب أحد عادت تدق الباب وهي تصرخ فلم يسعفها أحد ارتمت خائرة القوى على بلاط الغرفة القاتمة التي تبدو أمام عينيها كالقبر الموحش المخيف..

انتقلت إلى الركن الشرقي داخل الزنزانة وجلست على الأرض ومدت ساقيها وأسندت رأسها إلى الخلف طال الانتظار القتل وأغمضت عينيها ونامت على الرغم منها هي لا تدري كم من الوقت نامت يبدو أن النوم نعمة كبرى في بعض الأحيان كانت تلك الفترة نوعا من الهروب المريح من آلام الواقع ومرارته لقد قالت لنفسها قبل أن تنام «ليتني أموت» يبدو أن النوم هو الموتة الصغيرة كما يقولون واستيقظت نبيلة من نومها مذعورة على صياح وضجيج وسمعت مفتاح الباب وهو يدور بعنف محدثا صوتا مميزًا..وما إن فتح الباب حتى وجدت امرأة ممزقة الثياب وجها ملئ بالكدمات والجروح حافية القدمين تحاول أن تخفي ثدييها وراء ثوبها الممزق كما لاحظت خدوشا واحمرارا في صدرها وعينيها ويديها وقدميها.. ودفعها المخبر في فظاظة وغلظة فارتمت واهنة القوى على البلاط دارت بنظراتها صوت نبيلة قاست الغرفة الضيقة بعينيها المحتقنتين ثم أجهشت بالبكاء .. هبت نبيلة واقفة وخطت نحها ثم ضمتها إلى صدرها في حنان وحب فازدادت السجينة بكاء وهي تقول: «منهم لله.. ربنا ينتقم . ربنا أقوى منهم .. سلمت أمري إليك يا رب..» وبكت نبيلة هي الأخرى وامتزجت الدموع وبعد دقائق أخرجت نبيلة منديلا صغيرا أبيض، وأخذت تجفف الجراح النازفة لزميلتها التي لا تعرف عنها شيئا . نظرت إلهيا في امتنان بادلتها نبيلة نظرة كلها عطف وحب وتقدير تمتمت نبيلة:

«من أنت؟؟»

- «سلوى أحمد عبد الكريم الصافي »

- «وماذا جرى يا أختي؟..»

- «مثلما يجرى لعشرات الألوف المضطهدين كل يوم..»

- ثم أجهشت سلوى بالبكاء وهي تقول:

- «تصوري. حاولوا هتك عرضي. في أي قانون؟؟ في أي شريعة هذا؟»

- « غمغمت نبيلة:

- «هذا لا يصدق»

- «ألا تعرفينهم؟؟»

- «لم أكن أعرفهم .. لحساب من يجري ها ..هنا.. فوق ثرى هذا البلد.»

- هتفت سلوى في غضب

- «لحساب الشيطان..»

- عادت نبيلة تنظر إلى وجه سلوى وجراحها وثيابها الممزقة وقالت:

- «يبدو أنهم ضربوك كثيرا..»

- «كل ما فعلوه أهون من هتك العرض . حتى الموت أهون...»

- استغفرت نبيلة الله وقالت:

- «لكن لم كل هذا ؟؟»

- «شيء غريب حقا.. تصوري أن كل ذنبي هو أن لي زوجا يدرس الدكتوراه في الهندسة النووية في ألمانيا.. هم يريدون القبض عليه، وأرغموني كي أكتب له الخطاب تلو الخطاب كي يحضر.. وكانوا يتسلمون الرد، هددوه باعتقالي. بل بقتلي إذا لم يسلم نفسه.. لم يكن له جريمة سوى انتمائه لجماعة الإخوان.. رفض زوجي أن يعود لأنه يعرف كل ما يجري هنا...

- الصحافة في أوروبا وأمريكا تكتب التفاصيل الكاملة التي ترتكب في حق الأبرياء والشرفاء هل يقدم زوجي نفسه للموت.. مستحيل .. ولما يئسوا منه اعتقلوني .. انتزعوا ولدي الصغير مني .. عمره ثلاث سنوات.. قذفوا به إلى الشقة المجاورة لشقتنا .. أنا لا أعرف مصيره الآن..

- يا حبيبي يا بني ... يا ترى كيف أنت الآن يا صابر..»

- واجهشت سلوى بالبكاء، أخذت نبيلة تربت على رأسها وظهرها في حنان ودموعها تنسكب في صمت على خديها ...وبعد لحظات التفتت إليها سلوى قائلة:

- «وأنت من تكونين؟؟»

- «نبيلة عبد الله.. مدرسة مواد اجتماعية..»

- «ولماذا قبضوا عليك؟؟»

- «والله لا أعلم .. صدقيني يا أختي...»

- «أتكونين من الأخوات المسلمات ؟؟ لا أظن..»

- «ولماذا لا تظنين ذلك؟؟»

- «معذرة . فإن للأخوات زيهن الخاص.. مثل هذه الطرحة. والثياب الطويلة.. والأكمام الضافية...»

- ابتسمت نبيلة قائلة:

- «الحمد لله . إذن فسأكون بريئة من هذه التهمة..»

- «إذن ألك اتصال بأحزاب شيوعية...»

- «انتفضت نبيلة في غضب وقالت:

- «أعوذ بالله، أنني أكره أسلوبهم ومعتقداتهم التي يخلطون فيها بين المتناقضات..»

- «هذا شيء محير .. »

- وساد بينهما صمت عميق، ثم نظرت سلوى إليها في شك وهمست

- «حذار أن تكوني مجندة من قبل المخابرات الاستدراجي...»

- قالت نبيلة في عتاب:

- «أتظنين ذلك؟؟ لقد بكي قلبي من أجلك..»

- «احتضنتها سلوى وقبلتها وهي تقول:

- «آسفة... نحن في عالم يشك فيه الأب في ابنه. عالم من ذئاب.. لقد انطمس وجه الحقيقة والجمال.. كل شيء قبيح قبيح قبيح.. لم يبق إلا الأمل في الله...»

- تنهدت نبيلة في حسرة وقالت:

- «لم أنضم لحزب من الأحزاب .. ولست ضد أمن الدولة.. ولم أكن جاسوسة.. نحن نجهل الكثير حتى عن أنفسنا...»

- وسمعا ضجة في الخارج، كان الليل قد أقبل ودار المفتاح في ثقب الباب، وانجلى عن وجوه شرسه متبلدة توحي بالمقت والخوف، إنهم أبشع من زبانية جهنم وقال أحدهم في برود:

- «نبيلة عبد الله...»

- هبت واقفة وقالت وقلبها يدق:

- «نعم...»

- صاح صوت أجش:

- «قولي: نعم يا أفندم.. تعلمي النظام وإلا..»

- «نعم يا أفندم»

- «تحقيق...»

- «ماذا؟؟»

- «قلنا تحقيق .. تفضلي...»

- نظرت إلى سلوى تحاملت سلوى على نفسها وأمسكت بيد نبيلة تشد عليها، ثم قبلت رأسها وهي تقول:

- «الله معك..»

- ضحك رجل من الرجال الواقفين ضحكة شيطانية وقال:

- «يبدو أنكما على صلة قديمة..عظيم..»

- قالت سلوى:

- «أبدا والله...»

- صاح الرجل:

- «هيا.. لا تضيعي وقتتا .. كلكن بنات الشيطان..»

- وسارت خلفه، كانت تتعثر في خطاها، تذكرت سلوى والجراح والكدمات ومحاولة هتك العرض، وشعرت لأول مرة في حياتها أنها أقرب ما تكون لله وأنها تحبه ويحبها لن يتخلى عنها، وناجت ربها في ضراعة:

- «علمك بحالي، يغني عن سؤالي... رحمتك يا إلهي...»

الفضل الثامن

وقفت في غرفة التحقيق حائرة، تنظر إلى هذا فلا يكترث لها، ثم تنتقل إلى آخر فلا يعيرها التفاتا، وتحاول أن تسعل أو تتنحنح كي تشد انتباه الثالث فيهملها والناس يدخلون ويخرجون في صمت أو بعد تبادل كلمات مقتضبة كصوت خفيض أنها تشعر بالهوان، كما تشعر بالقلق، كان جمالها يدير الرؤوس وكانت ثقافتها الواسعة تفرض الاحترام لها في أي مجتمع تأتي إليه، ولهذا كان اعتزازها بشخصيتها ورأيها دون صلف أو غرور، ومن ثم أحبت الناس وأحبوها أما هنا فلا قيمة للإنسان الإنسان الذي كرمه الله وأسجد له الملائكة وقال عنه ربه «ولقد كرمنا بني آدم..» يبدو أن العالم قد مسخ دون أن تدري هي والبديهيات التي مارستها وتعلمتها تنطفئ اليوم وتتوارى ويحل محلها قيم جديدة.. ألا ما أتعسها من قيم!!

شعرت بالغيظ، ونفذ صبرها، هذا الموقف المزري لابد أن ينتهي بأي طريقة وبأي ثمن، خطت في ثبات إلى الأمام، وقصدت الرجل الجالس في الوسط، يبدو أنه أكبرهم سلطة،وانحنت برأسها أمامه حينما كان منكبا على أوراق أمامه وقالت:

«معذرة.. أنا هنا منذ الصباح .. ماذا تريدون مني.؟؟»

رفع إليها عينين ساخرتين وقال:

- «فيم العجلة؟؟»

- «إنني إنسانة أحس وأتألم..»

- ابتسم وعاد ينظر إلى أوراقه وهمت أن تقول شيئا، لكن يدا امتدت إليها من الخلف وجرتها إلى حيث تقف في البداية وعندما التفتت وجدت شابا نحيلا يرتدي قميصا أبيض وسروالا ضيقا وقال:

- «تعلمي النظام..»

- «أي نظام، ترموننا كالكلاب دون طعام أو شراب أو حتى مجرد السؤال...»

- قال في ابتسامة سخيفة سمجة:

- «الريجيم يفيدك كثيرًا..»

- رفع الرجل الجالس في الوسط رأسه، وقال:

- «نبيلة عبد الله..»

- «أفندم..»

- «لدينا تقارير تفيد بأنك توجهين نقدا عنيفا للنظام، وتزعمين بأنه لا حرية حقيقة في البلد وأن لك صلاة مريبة بجمعية الإخوان المسلمين وأنك..»

- «كذب..»

- سدد إليها نظرات حادة وقال:

- «لدينا وقائع وشهود أيضا..»

- «فلتواجهني بهم..»

- «لم أنته من كلامي بعد يا آنسة.. ثم إننا كفيلون بأن نجعلك تعترفين بنفسك دون شهود واعتقد أنك رأيت سلوى الصافي التي كانت معك في الزنزانة.. لقد سمعنا كل أحاديثكم من خلا الميكروفونات السرية الموجودة إلى جواركم.. وواضح أنك كنت متعاطفة معها تمامًا.. وهذا أكبر دليل على نواياك...»

- قالت في حدة:

- «في أي عصر نحن؟؟ أنني لم أرها قبل ذلك»

- «نحن في القرن العشرين.. والتصنت على المكالمات التليفونية وأحاديث الناس يحدث في أمريكان نفسها بلد الحرية.. إننا نعرف عنك كل شيء أنت مثقفة فلنختصر الطريق قولي لنا كل ما تعرفين»

- دقت الأرض بقدميها وقالت:

- «أنا لا أعرف شيئا على الإطلاق في هذه الأمور..»

- تنهد المحقق في صبر نافذ وقال:

- «سؤال: لمن تقرئين..؟؟»

- « أقرأ أي كتاب يقع في يدي. اقرأ للعقاد والحكيم وطه حسين وشوقي وحافظ ونزار قباني وسارتر وستوفسكي»

- هز المحقق رأسه في سخرية وقال:

- «من دستوفسكي هذا؟؟»

- «كانت روسي»

- «مصيبة جديدة.. تقرئين لكتاب ما قبل الثورة.. وتقرئين للشيوعيين..»

- «دستوفسكي جاء قبل الثورة الروسية...»

- «وتعرفين تاريخه أيضا..؟؟»

- «نعم هذا لا يعتبر جريمة إنه روائي عظيم.. وحكم عليه بالإعدام ولكن القيصر عفا عنه وهو واقف على عتبة المشنقة...»

- ضحك طويلا ثم قال:

- «ربنا يرزقك بقيصر ينقذك من المصيبة التي وقعت فيها...»

- «نظرت إليه في دهشة لكنه عاجلها بقوله:

- «ما هي هواياتك؟؟»

- «هواياتي؟؟ أهي مقابلة إذاعية أم ريبورتاج صحفي؟ أنا لست نجمة من نجوم الفن..»

- «أجيبي على سؤالي»

- «أحب الأدب والموسيقى والرياضة..»

- «ألا تقرئين كتبا في السياسة..»

- «قليلا..»

- «لأنك سلبية... ألا تسمعين خطب الرئيس؟؟»

- «أحيانا..»

- «ما رأيك فيها...»

- « كنت أصفق له دون رياء..»

- «لا يهمنا التصفيق المهم ما يعتمل في قلبك..»

- «أن لا أصفق إلا إذا اقتنع عقلي ورضي قلبي...»

- «ولكنك كنت تنقدين بعض التصرفات في المرافق العامة والوزارات وبعض الكبار..»

- « قالت نبيلة:

- «لو حدث ذلك فإنه لا غبار عليه، لأنه من صميم حقي كمواطنة شريفة، يهمها أن تتطور

- الأمور إلى أحسن دائما..»

- ابتسم الرجل في خبث وقال:

- «كنت واثقا أنك ستكونين عاقلة وتعترفين... وقد اعترفت»

- فغرت فاها في دهشة وقالت:

- «اعترفت بماذا؟؟ أنا لم ارتكب جريمة..»

- هب واقفا من خلف مكتبه ثم دار حولها واقترب منها وهو يقول في ثورة:

- «هناك خيط رفيع بين النقد والتآمر..»

- «لا أفهم»

- «سوف أفهمك.. إنك تعبئين الرأي العام ضد الحكومة وتزعمين أنه مجرد رأي أو نقد .. وتعبئة الرأي العام تعني التحريض والتحريض يدفع إلى التمرد .. إلى الثورة .. إلى اضطراب حبل الأمن في البلاد.. عندئذ تحترق البلاد وينتشر الدمار وتسو الفتن ويجدها الاستعمار فرصة ذهبية، وكذلك الصهيونية فينقضون على بلادنا الحبية هل فهمت الآن يا حضرة المثقفة الجميلة يا من تربين الأجيال وتعلمينهم الأخلاق»

- صرخت نبيلة باكية:

- «لم يخطر ببالي أي شيء مما تقولي.. إنني حسنة النية تماما وأقسم بالله على ذلك..»

- «حسنا لو اعتمدنا على حسن النية لخربت البلد..»

- «لكن الشعوب كلها تنقد حكوماتها ولم يحدث شيء..»

- «إن الذين يحكمون البلد اليوم رجال مخلصون أوفياء فلا موجب لنقدهم في شيء ...»

- هذا حق لم يعطه الله لأحد ..ولا حتى للأنبياء..»

- ابتسم في مكر وقال:

- اشرحي لنا هذه العبارة.

- قال بهدوء عاصف:

- «كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه كان لا يريد الخروج لحرب الأعداء في غزوة أحد لكنهم اعترضوا وأصروا على الخروج.. وخرج وكان يريد أن ينزل في مكان ما في غزوة بدر فأشار عليه أحد أصحابه أن ينزل في مكان ما في غزوة بدر، فأشار عليه أحد أصحابه أن ينزل في مكان آخر قرب الماء فوافقهم.. وعشرات القصص استطيع أن أرويها لك»

- واجهها بعينين لا تطرفان وابتسامة شاحبة وقال:

- «نفس أسلوب الإخوان المسلمين. كنت واثقا أنك على صلة بهم...

- وهذا دليل جديد»

- «صمتت برهة ثم قالت:

- «أنكم تهولون في الأمر وتضخمون الأشياء»

- «الشك وسوء اضن هو سبيلنا للوصول إلى الحقيقة..»

- صرخت دون وعي:

- «أنكم تدمرون أجمل الأشياء في الحياة...»

- «هذا كلام خطير ونقد مدمر للسلطة..»

- «أين هي السلطة..؟؟»

- «نحن..»

- نظرت إلى صورة الرئيس الضخمة المعلقة في مواجهتها لم تكن الصورة تبتسم هذه المرة ترى أين هو الآن؟ ليته يأتي ليسمع ألم يقل ذات مرة لقد خلقت فيكم العزة. .لقد خلقت فيكم الكرامة.. لقد خلقت فيكم الحرية لعله الآن يجلس ناعما هادئا يقرأ كتابا جديدا أو يتصفح مجلة أو يداعب أبناءه، أو يعقد اجتماعات هاما أو يصدر قرارات ثورية، لكن أليس لديه بعض دقائق يزور فيها هذا المكان والأمكنة المشابهة ليرى بنفسه أنها على استعداد لأن تدفع حياتها ثمنا لشيء واحد تأمل فيه ألا وهو أن تسأله:

- ما رأيك فيما يجري هنا الآن لها ولسلوى والآخرين»

- «لو علم الرئيس بهذا الذي تفعلنه لأخذكم بشدة..»

- ضحك الرجل من الأعماق وقال:

- «اطمئني إنه يعرف كل شيء..إننا مجرد منفذين للخطة..»

- «لا أصدق»

- «وهو يثق فينا ثقة مطلقة.. ونرفع إليه تقارير يومية.. إن سر النجاح الذي يتحقق هو التزامنا حرفيا بالأوامر نحن عسكريون أولا وأخيرا..»

- «وأفاق الرجل من غفلته التي يبدو أنه سقط فيها سهوا وقال:

- «لكن ما الذي جعلني أقول هذا الكلام؟؟ لقد انقلب الوضع وأصبحت أنا المتهم.. أليست هذه مهزلة؟.؟. ومع ذلك فإني غير نادم على ما قلت، لأني واثق أنك ستقتنعين في النهاية بمنطقنا من يدري فقد تصبحين واحدة من رجالنا..»

- شعرت نبيلة بالاختناق أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة ازداد لهاثها احتقنت عيناها أكثر وشعر أيضا بما يشبه الدوار، إنها تكاد أن تسقط إعياء، وسمعت ضجيجا في الخارج يا إلهي أهي في حلم أم أنها الحقيقة إنها تسمع صوته .. إنه مبعثو العناية الإلهية.. هذا صوت عطوة الملواني:

- «ما هذه المهزلة؟ هل وصلت بكم النذالة لحد القبض على خطيبتي من أجل تقرير كله افتراء.. كتبه عميل تافه.. هذه المسألة لن تمر بسلام قسما لأبلغ الرئيس بكل ما جرى..»

- كانت تقف شاحبة ترتجف وصدرها يعلو ويهبط وانهمرت دموعها غزيرة أخذت تتشنج تشنجا عاليا وسمعته يقول:

- «أننت هنا يا حبيبتي .. لسوف أخذ لك بحقك.. هؤلاء الحيوانات سوف ألقنهم درسا لن ينسوه..»

- وقدم نحوها وهو فاتح ذراعيه..

- وسرعان ما ألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تنتحب فأخذ يلامس شعرها ويجفف دموعها، ويقبل وجنتها وقد تجمع كل الغضب على وجهه وأخذ يقول:

- «لا تنزعجي يا حبيبتي لقد أخبروني في بيتكم بالأمر منذ ساعة واحدة.. أخبرتهم ناظرة المدرسة كنت مشغولا طوال الصباح بعد الظهر لم أعد إلا متأخرا..»

- أساءوا إلي يا عطوة اخترقوا آدميتي..عاملوني أسوأ معاملة.. لم أكن أصدق أن يحدث هذا في بلدنا الطيب..

- قال في دهشة

- «ولماذا لم تخبريهم أنك خطيبتي؟»

- «قلت لهم فلم يكترثوا..»

- قال المحقق وبدا علو وجهه الجد والاهتمام:

- «وشرفك يا عطة بك لم نكن نعلم..»

- هز عطوة رأسه قائلا:

- «سيكون حسابكم عسيراً..»

- ثم أمسك بيد نبيلة وقال:

- «هيا بنا..»

- هل سنخرج يا عطوة..؟؟»

- «بالطبع هؤلاء الكلاب الذين يزينهم الآن في أمكاني أن أضعهم في السجن لولا جهلهم بحقيقة وضعك..»

- قالت نبيلة في غيظ:

- «كيف يعرفون كل شيء عني ولا يعرفون أني خطيبتك؟

- قال المحقق وهو يحني رأسه في أدب:

- «أقدم عميق أسفي واعتذاري يا أنستي..»

- قالت وقد شردت بنظراتها إلى بعيد:

- «معنى هذا إني إذا لم أكن خطيبتك لقذفوا بي وراء الشمس»

- قال عطوة:

- «بالتأكيد»

- «أليس ها ظلما؟؟»

- «لا تنزعجي يا حبيبتي إن الأخطاء التي ترتكب لحماية أمن الدولة يجب أن نعفو عنها وننظر إليها بعين التقدير وحسن النية.. ولكن أؤكد لك أنك ستأخذين حقك وزيادة .. هيا..»

- ثم رمي أمام المحقق ورقة تفيد السماح بالإفراج عنها موقعة من مدير المخابرات العامة.. مشت إلى جواره ورنت في مخيلتها الكلمة القديمة داخل مفقود والخارج منه مولود..» وتذكرت سلوى .. هذه المسكينة التي تتأوه الآن تحت وطأة الظلام والخوف والإرهاب ترى ماذا يفعلون بها الآن؟؟

- وانحدرت على خدها دمعة غالية..