الفصل 10

9 0 00

كان عطوة صغيرا حينما حدثت تلك الحكاية إنه لا يمكن أن ينساها، دائما ترد على خاطره، ذات مرة أحضرت له أمه لعبة من اللعب الجميلة، كانت عبارة عن سيارة صغيرة عندما يضغط على نتوء أسود صغير فيها كانت السيارة تنطلق وتلف وتصدر عنها أصوات وجرس صغير يدق، وسائق اللعبة الصغير يحرك يديه ورأسه في براعة... وعطوة الصغير يجلس مبهورا أمام لعبته الفريدة يبدو أنه كان دون الخامسة ومن عمره حاول أن يفهم السر وراء هذا اللغز المعدني المثير فلم يستطع سأل الكبار فأخذوا يشرحون له أشياء لم يفهم منها ذرة وأخيرا اخذ لعبته وانزوى بعيدا ثم أخذ يدقها بحجر حتى تفسخت وخرجت من جوفها قطع صغيرة وأسلاك وصفائح أخذ ينظر إليها في دهشة وأخيرا لم يستطع أن يفهم شيئا وحاول تجميع الأجزاء ورصها من جديد وعندما أراد تشغيل لعبته لم يفلح.. بكي جرى إلى أمه .. وإلى إخوته فقالوا له أتها إنها لم تعد تصلح لقد تلفت تماما...

لكنه يريدها كما كانت قالت أمه:

- «لقد ماتت ...ولست في مقدورنا أن نعيدها إلى الحياة..»

- «بكي يومها بكاء مرا هذه الحادثة مرسومة في أعماق عطوة ترد على ذهنه كثيرا وتطفو السمكة الميتة من أعماق النهر، عطوة الآن لا يدري الصلة التي تربط بين لعبته المحطمة وبين نبيلة لكنه يذكرهما معا الحق أن نبيلة أرهقته وضايقته حتى نفذ صبره، إنه لا يعرف ما يدور في رأسها الجميلة عيناها ممتلئتان برموز لا يستطيع فك طلاسمها آلاف الرموز التي لا يفهمها ماذا يفعل؟ إنه لا يقبل الفشل، ولا يقر بالعجز أيحطم رأسها؟؟ أيسحقها كما يسحق عشرات المعتقلين تحت حذائه، أم يقبض عليها ويعلقها على «العروسة» الخشبية ويظل يلهب جسده الطري بالسياط حتى تركع تحت قدميه، وتأتي إليه مستسلمة صاغرة؟؟

- لكن لماذا يحبها هذا الحب برغم تمردها وعنادها؟؟؟ الدنيا مليئة بالنساء الفاتنات مختلف الأشكال والألوان وكلهن يستجبن لنزواته وشذوذه ألا يمكنه أن ينساها كلية، ويعتبرها كأن لم تكن؟ هو في الواقع لا يستطيع أنه يريدها هي بالذات ولو أتوا إليه بكل نساء الأرض لما أشبعن نهمه، ولما أرضين كبرياءه وفضوله، إنه يريدها وسيحصل عليها، لا كزوجة ولكن كخليلة.. لقد أدرك بعد تفكير وترو أن مسألة الزواج خطأ جسيم إنها أشهى وألذ حراما أما اللقاء الشرعي فهو في نظره ماسخ لا طعم له ولا رائحة ولا يثير شهيته وهو واثق أن نبيلة بعد تعرضها للأزمة السياسية بالأمس سوف تجعلها تلقى سلاحها في النهاية.. وخاصة بعد أن تهدأ أعصابها.

- وتعيد تقيم الموقف ليس هناك إنسان غيري يستطيع حمايتها ورد الاطمئنان. والثقة إلى نفسها...

- كان عطوة يجلس في مكتبه بالسجن الحربي، وعيناه ترقبان المجزرة الدائمة كل شيء يجري في دقة ونظام.. التحقيق.. التعذيب ... تسجيل الاعترافات في الأوراق وعلى أشرطة .استقبال المعتقلين الجدد حسبما خطط هو استقبالا غريبا بالسياط والركل والسب والاحتقار وكان سيل المعتقلين لا يتوقف عن التدفق ودخل أحد جنود السجن الحربي وأدى التحية العسكرية لم يكلف عطوة نفسه مؤنة رد التحية بل قال:

- «هيه..»

- قال الجندي:

- «توسكا تعبانه يا أفندم..»

- هب عطوة من مقعده في ذعر قائلا:

- «ماذا تقول؟؟ توسكا؟؟ والله لأخرب بيتك منذ متى..؟؟ »

- قال الجندي وهو يتماسك:

- «كل الكلاب أكلوا إلا هي..»

- «ولماذا لم يخبرني منذ الصباح..»

- ثم اقترب منه عطوة وصفعة صفعة قوية، فلم يتزحزح الجندي من مكانه، بينما قال عطوة:

- «تكلم يا حمار..»

- «يا أفندم حضرتك لم تكن موجودا...»

- «ولماذا لم تكلمني في التليفون.؟؟»

- «لا أعرف الرقم..»

- «لأنك حمار. لم لم تخبر الضابط النوبتجي.. أنت والبهائم التي كنت تعلفها في بلدكم سواء بسواء .. توسكا برقبتك ورقبة مائة مثلك فاهم يا لوح..»

- قال الجندي في حزم:

- «تمام يا أفندم»

- وهرول عطة خارجا من مكتبه وتبعه بعض الضباط والجنود واستدعى طبيب الحربي في عجل وساد التوتر ووقف عطوة أمام مجموعة الكلاب المدربة التي أخذت تجري حوله تتمسح فيه وتعلقه بألسنتها إلا توسكا فقد بقيت راقدة، وعينها تتوسل في ضراعة وأنفاسها تتلاحق وهتف عطوة في خوف:

- «ماذا أصابها يا دكتور.؟.»

- «وقف الطبيب يتأملها لحظة ثم قال:

- «لا أدري.. يحسن استدعاء طبيب بيطري فأنا لا أفهم في الكلاب...»

- ونظر عطوة إلى الكلبة في أسى وأخذ يمسح على جسدها بيد حانية مرتعشة بينما أخذت الكلبة تئن كانسان يتوجع وفجأة طفرت دمعة من عيني عطوة عندما رأي الطبيب ذلك اقترب منه قائلا:

- «لا تخف يا عطوة بك لأول مرة أراك تبكي..»

- قال عطوة بصوت يبحه البكاء:

- «أنها أعز لدى من أي مخلوق يا دكتور..»

- «لهذه الدرجة؟»

- التفت عطوة إلى الضابط النوبتجي وقال:

- «ابحثوا عن أي طبيب بيطري في المعتقل وإذا لم يجدوا فلتعتقلوا واحدا منهم على الفور..»

- تقدم الأومباشي عبد المقصود من عطوة بك.. وأدى التحية وهو يقول:

- «عندنا معتقل في سجن أربعة اسمه «حامد العجمي» أفندم إنه طبيب بيطري..

- «وماذا تنتظر يا جاموسة؟؟؟»

- «إنه في الحبس الانفرادي.. .من الخطرين ... ويجري معه تحقيق هام..»

- دفعة عطوة في صدره بلكمة قوية وقال:

- «أوقفوا التحقيق... وهيئوا له كل سبل الراحة توسكا أهم عندي من أي شيء أخر..»

- «حاضر يا أفندم..»

- وفي دقائق معدودة قدم «الدكتور حامد العجمي» الطبيب البيطري المعتقل كان شاحب الوجه، مطلق اللحية يرتدي سروالا قصيرا وسترة متسخة والكدمات والجروح تعلو هامته وتخطط يديه ورجليه، وكانت عيناه تبرقان بغير قليل من التوجس والقلق.

- وصرخ عطوة:

- «بيطري يا أفندم»

- أسار عطوة بيده إلى الكلبة تقدم حامد نحوها، سمى باسم الله، ثم وضع يده على جسدها وخاصة بطنها ونظر حامد إلي المخلفات التي تحتها وقال:

- «هل أخذت قبل ذلك الطعم الواقي ضد داء الكلب....؟»

- قال عطوة:

- «نعم بالتأكيد كل الكلاب أخذته أمامي...»

- ثم استطرد عطوة بعد لحظة صمت قصيرة:

- تكلم .. هل عرفت مرضها..

- «اطمئن يا أفندم..»

- «هل أحضر لك سماعة أو ترمومتر..»

- «لا داعي لذلك كله يا أفندم.. إنها حمى بسيطة تصيب الكلاب عادة ولن يستغرق علاجها أكثر من خمسة أيام .. أريد ورقة وقلما..»

- أخرج عطوة بك قلمه «الباركر» وجرى أحد الجنود صوب مكتب القائد وأحضر رزمة من الأوراق البيضاء تناولها حامد في هدوء وكتب بيد مرتعشة بعض العقاقير الضرورية لشرائها م الخارج تناولها عطوة، وكلف أحد الضباط بشرائها في أسرع وقت ممكن.. ثم ألتفت عطوة إلى الطبيب المعتقل وقال:

- «لو جرى للكلبة شيء فسأقطع رقبتك ..»

- ابتسم حامد العجمي في مرارة وقال:

- «اطمئن يا أفندم....»

- أمسك عطوة بكتفه النحيل وقال:

- «حامد....»

- «نعم يا أفندم..»

- «أريد أن أخدمك خدمة لن تنساها طول حياتك..»

- «متشكر يا أفندم..»

- «أريد أن أخدمك خدمة لن تنساها طول حياتك..»

- «متشكر يا أفندم..»

- وانتحى به جانبا وقال:

- «سوف أصدر أوامري بألا يعذبك أحد بعد اليوم وسأخرجك من مصيبة القضية التي رميت بنفسك فيها.

- «والله لا قضية ولا يحزنون يا أفندم..»

- اسمعني يا مغفل . .سوف أضمك إلى المعتقلين العاديين.. صحيح لن يفرج عنك لكن يكفي أن ينجو من القضية وتقديمك للمحاكمة..»

- «متشكر يا أفندم..»

- واستطرد عطوة قائلا:

- «سوف أفرد لك زنزانه خاصة وستعيش الكلاب معك.. كي تشرف على طعامها وشرابها وصحتها ... وسأصرف لك غذاء كافيا .. هو نفس غذاء الكلاب لحم وأرز وخضار .. أظن أنك لم تحلم بهذا الفضل كله..»

- وعاش الدكتور حامد العجمي مع الكلاب فترة طويلة نعم خلالها.

- بالطعام الطيب، وهدوء البال والتنزه مع الكلاب في بعض الأوقات هذا في الوقت الذي كان رفاقه المعتقلون وراء الأبواب المغلقة لا يكادون يرون النور إلا في أوقات قليلة، وهمس أحد المعتقلين لزميله قائلا:

- «يا بختك يا حامد ربنا أنعم عليك من حيث لا تحتسب عقبي لنا..

- وحمد حامد الله بعد أن رأى توسكا قد تماثلت للشفاء..

- وكان عطوة أكثر سعادة ورضا، كان يحتضن الكلبة وعشق ويلثمها بشفتيه في حنان والكلبة تهز ذيلها وكأنها تشكوه على الرعاية الفائقة التي لم يحظ بمثلها أحد وأخذ عطوة بك يناجيها ويداعبها:

- «أخص عليك يا توسكا لقد وقع قلبي من الخوف أنت تعلمين أنني أحبك يا توسكا وأني على استعداد لأن أفديك بكل ما أملك.. أنت أعز لدي من أي إنسان أنت يا توسكا لا تقلين عن الإنسان في شيء إن لم تتفوقي عليه.. أنت يا توسكا الوفاء والولاء والحب وأنت الطاعة والاستسلام التام.. عندما أراك ترقصين لي وتظهرين السعادة للقائي أشعر أنك أبعد نظرا، وأصدق حسا وحدسا من أي إنسان حتى فيما يتعلق بأمن الدولة تنهشين لحوم البشر المتمردين «الخائنين» وتمزقين أجسادهم مثلما أبغى... بل وأكثر مما أبغى .. لو كنت مكان المسئولين لعلقت في رقبتك رتبة لواء ... لا بل رتبة فريق.. ولماذا لا أضع لك ربتة «مشير»؟؟ أنت أحق بهذا وأجدر.

- ويوم أن شفيت توسكا أمر عطوة بك بأن يحتفل بهذه المناسبة احتفالا يناسب مقامها فجمع عددا من مشاهير الشعراء والكتاب والفنانين من بين المعتقلين وأمرهم أيضا أن يؤلفوا على الفور قصائد عصماء وكذلك طلب منهم كتابة الأغاني وتلحينها وأداءها في الطابور ووعدهم بيوم إجازة من التعذيب والطوابير القاسية التي كانوا يظلون الساعات الطوال يجرون فيها، حتى تنهار قواهم ويرتمون لاهثين على جنبات الساحة الواسعة الحمراء.. ساحة التحقيق أو الموت أن صح التعبير وعندما وقف شاعر كبير معتقل ليلقى قصيدته بالأمر لم يجد شيئا يقوله، وتلعثم واضطرب فتضايق عطوة واختطف سوطا من أحد الجنود، ثم هوى به على رأس الشاعر قائلا:

- «أشعر يا ابن الكلب.. لقد كتبت مئات الأبيات ضدي وضد الحكومة أنا أعرف ذلك ألم يقل عنا:

متبلدون، عقولهم بأكفهم وأكفهم للشر ذات حنين..؟؟

- والآن ترفض أن تتغنى بشفاء توسكا اقسم بشرفي إذا لم تقل شعرا في توسكا فلسوف ألفق لك قضية وأقدمك للمحاكمة ولماذا ملفقة؟؟ إن القصيدة التي كتبتها والتي تقول فيها تقول .. لا أذكر...»

- ثم التفت إلى أحد الضباط وقال:

- ماذا قال هذا الشاعر يا حضرة الضابط.. أنت تعرف ما قال..»

- تنحنح الضباط وقال:

في ليلة ليلاء من نوفمبر فزعت من نومي بصوت رنين وإذا كلاب الصيد تهجم بغتة وتحوطني عن شمال ويمين.

- قهقه عطوة قائلا:

- «حلوة شمال هذه اسمع إذا لم تقل الآن فسأمزق جسدك بالسياط..»

- قال الشاعر المعتقل...

- «يا أفندم الشعر يحتاج إلى وقت..»

- «وحياة أمك؟؟ أتسخر مني..؟؟»

- «ويحتاج لورقة وقلم وهدوء»

- «قلت لك ألف شعرا في توسكا وإذا فعلت كافأتك..»

- قال الجندي أمين المعروف بقسوته وغلظته وعمي قلبه:

- يعني عندك البضاعة والناس جواعة.؟.؟ انطلق يا بهيم..»

- وتذكر الشاعر المسكين قصيدة شهيرة لأمير الشعراء شوقي في مصرع كيلوباترا تلك المسرحية الشعرية الشهيرة، وكانت القصيدة قد قيلت في وداع روما فحاول الشاعر أن يغير بعض ألفاظها ويدس فيها اسم توسكا فهز رأسه وقال:

- «حاضر.. سأقول..»

- فصفق عطوة بيده في طرب وصاح بأعلى صوته في المعتقلين المتراصين في صفوف كثيرة:

- «صفقوا له .. شجعوه .. الكل يصفق..»

- وهدر المعتقلون بالتصفيق الحاد وارتفع صوت أحد المعتقلين فجأة بهتاف كالرعد

- «عاشت توسكا»

- وضج المكان الواسع بالهتاف «عاشت توسكا» وعاد الهاتف الساخر يقول:

- «توسكا توسكا عاشت توسكا»

- وظل هذا المكان يضج بالهتاف المنغم الصاخب، وعطوة يهز رأسه في سعادة ونشوة لا مثيل هلا وقهقه وهو يقول:

- «والله إن هذه الهتافات لأقوى ألف مرة من الهتافات التي تصدر عن الجماهير المحتشدة في ساحة عابدين عندما يطل عليهم الرئيس كم أنت عزيزة علينا يا توسكا..»

- وساد الصمت من جديد.. وانبرى الشاعر المسكين يصرخ في حماس وصوته مندى بالبكاء والانفعال:

توسكا حنانك واغفري لفتاك أواه منك وآه ما أقساك توسكا سلام من شريد تائه في الأرض وطن نفسه لهلاك العاشقات قلوبهن رفيقة ما نال قلبك لم يكن لفتاك أنيابك الحمراء تنزف قسوة وبرغمنا لابد أن نهواك لا ذنب دنت حبيبى ورفيق الذنب ذنب الوغد من رباك

- بطبيعة الحال لم يفهم عطوة بك كلمة مما يقال، كانت تطربه الموسيقى والقافية المكونة من الكاف والمكسورة وهي لها رنيني أخاذ يبعث على الطرب وكذلك الجنود والضباط الذين لم يكترثوا لما يقال، وإنما ارتسمت على وجوههم ابتسامة بلهاء لطرافة الموقف ولابتهاج قائدهم الذي أخذ يصفق في حرارة ورفع عطوة بك توسكا بين يديه فوق رأسه وهتف هو الآخر:

- توسكا توسكا عاشت توسكا..»

- ورد المعتقلون والضباط والجنود الهتاف بصوت راعد وهم يلوحون بأيديهم في حماس مال أحد الضباط على أذن رفيقة قائلا:

- البك شرب زيادة اليوم.

- أعرف .. رأيته بنفسي في المكتب يتناول الكأس تلو الكأس..»

- «هيه.. لن يأخذ أحد من الدنيا شيئا..»

- وضحك الضابط الصديق وهمس:

- «لا سيأخذ قطعة قطن...»

- وانفجر ضاجكين، خلف ظهر عطوة بك الذي قال بعد أن ساد الصمت:

- «انتباه..»

- ووقف الجميع «انتباه» الضابط والجنود والمعتقلون والكلاب أيضا وقال عطوة بك في إيجاز:

- «يسمح لجميع المعتقلين بالفسحة في الحوش وفي دورة المياه لمدة ساعتين ولا مانع من أن يستحموا ويغسلوا ملابسهم ويوزع على كل معتقل قطعة صابون..»

- وصاح أحد المعتقلين:

- «ودورة المياه يا سعاة البك..»

- وكانت دورة المياه لا تفتح عادة إلا لوقت قصير وغير مسموح لأي معتقل أن يبقى داخل المرحاض أكثر من دقيقتين أو ثلاث وكان هذا الأمر في الموضوعات الشاكة التي تسبب كثيرا من المتاعب والمضايقات للمعتقلين وخاصة المصابين منهم بحالة إمساك مزمن وما أكثرهم وقد لقي هذا الاقتراح تأييدا مطلقا وحماسا شديدا بين الجموع فابتسم عطوة بك وقال:

- «وتفتح دورة المياه أيضا لكن بشرط..»

- وعاد الصمت من جديد وأخذ عطوة بك يتجول بين الصفوف ويقول:

- لا أريد أن أسمع صوتا. أي ضجة أو فوضى سوف تجعلني الغي هذه الميزات كلها أنتم تعرفون من أنا.. مفهوم..؟؟»

- وهدر المعتقلون بصوت واحد مرتفع:

- «تمام يا أفندم..»

- وساد الصمت من جديد، وعاد عطوة بك يقول:

- أين فرقة الغناء لنختتم الحفل؟.؟»

- وتقدم مجموعة من المعتقلين كانوا حليقي الرؤوس كالعادة، الشحوب يكلل هامتهم، والعيون السوداء الصافية الصابرة تبتسم ابتسامات ذات معنى عميق هي السخرية أقرب منها إلى الاحتقار وتراص فريق المغنيين، وكانت آلاتهم الموسيقية عبارة عن «سلطانية» أو «قروانة» من الزنك، يستعملونها في استلام الطعام، وأكواب زجاجية بداخلها حصوة أو معلقة وذلك لإصدار أصوات موسيقية، وقد استعملت القروانات كطبلة هذا بالإضافة على الأصوات التي ستصدر عن الفم والتصفيق وأخذ قائد الجوقة يغني ويقول:

- توسكا يا توسكا يا حبيبة عيني

- ياللي سرقتي النوم من عيني

- خير إن شاء الله

- دا بعدك والله

- والله دار بعدك

- دا بعدك والله

- كان على عيني كان على عيني

وأخذ الحماس عطوة بك، فنحى توسكا جانبا وأخذ يرقص على الأنغام في متعة، وازداد التصفيق وترديد الغناء ولم يستطع المعتقلون أن يكتموا ضحكاتهم.. بينما مال أحد الضباط على صديق له قائلا:

- «البك زودها .. ربنا يستر»

- وصاح عطوة بك فجأة:

- «كل السجن ثابت»

- توقف الغناء .. وران الصمت...نظر الجميع بعيون خائفة صوب الأراجوز الذي كان يتراقص منذ لحظات.. وانتظروا الأوامر، ترى هل تراجع عن وعده؟؟ وعاد عطوة بك يقول:

- «أنتم أوباش. قليلو الأدب.. كل كلب على زنزانته..»

- وفي لحظات كانت السياط تلهب الظهور بما فيهم الشاعر الكبير وجوقة الغناء والموسيقى وفي لحظات أقفرت الساحة إلا من عطوة بك ورجاله وكلابه وأغلقت أبواب الزنازين وجلس الشاعر يوسف في ركن زنزانته ساهما، قال له المعتقل السوداني رزق إبراهيم:

- «فيما تفكر يا صاحب القصيدة العصماء؟؟»

- «هز الشاعر يوسف رأسه قائلا:

- «نيرون يغني وروما تخترق»

- أدرك رزق ما يعانيه أخوه في الله من ألم ممض فقال مداعبا:

- «في مصر أمير الشعراء شوقي وشاعر النيل حافظ وشاعر الشباب رامي، والشاعر البدوي الصميم عبد المطلب، وفي لبان شاعر القطرين مطران خليل مطران، وفي الحربي شاعر توسكا الشيخ يوسف...»

- وضج الجميع بالضحك حتى يوسف نفسه.. وعاد يوسف يقول:

- «إن ملحمتي التي كتبتها عن محنتنا في الحرب ستكون يوما ما على كل لسان في العالم العربي ..لدى يقين أننا سنخرج .. وسيعرف الناس الحقيقة..

- إن الرئيس له وجهان وجه نعرفه نحن ونقاسي منه، وهو الوجه الحقيقي المعبر عن شخصيته وفلسفته ووجه آخر يعرفه الناس حينما يخطب الخطب الحماسية ويسب زعماء العالم وأعراضهم ويهتف بالحرية.. الحرية لمين؟.؟. لقد خبرنا بأنفسنا الحرية التي يريدها حرية المتسلطين والكلاب التي تنهشنا الحرية التي ترغمك حتى على الإبداع فتقول الشعر بالأمر وتغني بالأمر .. لقد قلت الشعر من أجلكم خفت أن يصب عليكم غضبه وسخطه بسببي فقلت أي شيء..»

- قال الأخ عبد الحميد النجار الفلسطيني:

- «معقول أن يغني نيرون وروما تحترق.. أما أن يغني أبناء روما والنار تأكل أجسادهم وبيوتهم فهذا هو الغريب...»

- وهز الشاعر يوسف رأسه وقال:

- «كلام عميق...»

- «وتنهد يوسف وقال:

- «تعالوا نقرأ مأثورات رسول الله..»

- وكان المأثورات عبارة عن مجموعة من الأدعية والابتهالات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتضمنة لبعض آيات القرآن وبعض السور القرآنية مثل سورة الرحمن والواقعة وسورة يس وقصار السور وسمي يوسف باسم الله، وانطلق السبة الجالسون في الزنزانة يقرأون بصوت هامس يرطبه الحنين والطاعة والرضا بقضاء الله وقدره، وتنسكب بعض الدموع والرؤوس تتطوح في حركات محسوبة والقلوب معلقة بالسماء، والعقول تسجد لدى أعتاب الله الملك الحي القيوم الذي لا ينام وأريج مقدس يضوع في جناب المكان وفي الأرواح وبعد ساعة انتهت هذه الجلسة الروحية العذبة وتمتم يوسف، وقد أشرق وجهه بالفرحة الصادقة:

- «نحن في رحلة إلى الله..»

- الطريق شاق طويل والذكريات مريم والأحداث صاخبة رهيبة ورجال يعلقون على أعواد المشانق، وأرواح تزهق دون اكتراث خلف الأسوار.

- والأسلاك الشائكة لا يعلم عنهم أحد شيئا في العالم الكبير والليالي السوداء والحمراء تمر بطيئة متثاقلة يلفعها الرعب والهوان والفارس الأسطوري يحارب الأعداء بالكلمات والشاعرات ويزج بالأبرياء من أبناء الأمة في معارك عشوائية خاسرة ويموت عشرات الألوف في الخارج.. في السجن الكبير ويتوارى الشرفاء والعباقرة وتخرج الثعابين من جحورها لتعزف أغنية الموت، وتعوي الذئاب في جنبات الوادي الأخضر جائعة مسعورة .. تسرق الكروم وتختنق الأطفال، وتحيل جنة الله في أرضه إلى غابة يسودها قانون الوحوش

وتمتم الشاعر يوسف:

«إن أحب الله عبدا ابتلاه..»