لم تكد تمر عدة أيام حتى كانت «نبيلة» قد استعادت اتزانها ورباطة جأشها ومن ثم استطاعت أن تعود إلى مدرستها وهي تحاول دائما أن تظهر بالمظهر العادي وكأن لم يحدث شيء لقد استقبلتها الطالبات بتصفيق وحماسة بالغة أحست أن القلوب الصغيرة تحبها وتقف إلى جوارها، وأنها لم تتخل عنها لحظة واحدة وهذا وحده رصيد كبير قد لا يملأ جيوبها ولكنه يغذي روحها وقلبها أنها لم تفقد الأمل مطلقا في هذا الجيل الجديد أما الناظرة سامحها الله فقد قابلتها بشيء من الخفاف لم تعهده فيها بل حدثتها في شيء من الثورية واللباقة عن ضرورة النقل إلى مدرسة أخرى لأن المدرسة تعيش قديم في هدوء وسلام ولا دخل لها بمشاكل المبادئ السياسية، وقد تضايقت «نبيلة» من هذا التلميح الذي فهمته لأول وهلة وقالت وهي تبتسم: «لن يجرؤ أحد على نقلي من هذه المدرسة وأنا واثقة تماما مما أقول» نظرت إليها الناظرة في دهشة ثم اعتصمت بالصمت أما المدرسات فغالبيتهن لم يشرن إلى الموضوع من قريب أو بعيد وإن كانت نظراتهن تشي بالفضول الذي يغمر قلوبهن قليلات أولئك اللاتي أخذن يحاصرنها بالأسئلة الكثيرة وكانت نبيلة تجيب في إيجاز إجابات عائمة لا تشفي الغليل وعلى الرغم من خوفهن إذا أقمن علاقات وطيدة معها إلا أنها حظيت بمزيد من الاحترام أما «عطوة» فقد كان يطاردها مطاردة رهيبة حتى يتم الزواج في أقرب فرصة ممكنة وكانت نبيلة تجارية في لهفته فتصطحبه لشراء المجوهرات والملابس وخاصة فستان الفرح وتبدي مزيدا من الاهتمام به وتمنيه بأحلى الأماني وهو غارق في أحلامه الجنسية التي لم يستطع إروائها بعد ومع ذلك فقد كانت تعد أوراق السفر إلى الكويت وتلتقي مع الدكتور سالم بل وصل بها الدهاء لدرجة أن أخذت خطابات توصية من عطوة لمدير الجوازات وللمسئولين عن السماح بالسفر بحجة مساعدة إحدى قريباتها كما أنها استطاعت الحصول على إذن خروج ولهذا أشرعت بحجز مقعد لها في الطائرة الكويتية دون أن يعرف أحد من أهلها أو زميلاتها في العمل بعزمها على السفر والحق أن الدكتور سالم قد ساعدها مساعدات ذات قيمة وزودها بالتوجيهات اللازمة وخطابات التوصية التي تيسر لها الإقامة هناك والحصول على العمل المناسب بل أعطاها مبلغا من العملة الصعبة التي لم يكن من السهل الحصول عليها في تلك الفترة وعزمت نبيلة على زيارة سلوى قبل أن ترحل بيوم واحد ولم تكن خائفة فلو فرض وشاهدها أحد المخبرين فسوف تلمح له أنها من معاوني رجال الأمن ويكفي أن تذكر اسم عطوة فيفتح لها الباب على مصراعيه تسللت إلى هناك حوالي الثامنة مساء كان قلبها برغم شجاعتها واطمئنانها يخفق كالعادة، إذا كانت هي في هذه الحالة من القلق والاضطراب فكيف تكون سلوى المسكينة ودقت الباب وبعد فترة وجيزة لاح لها الوجه الذابل الشاحب وقد غارت العينان أكثر من ذي قبل والأهداب مبللة بالدموع والرعب ينشر ظلاله على الملامح المرهقة الحزينة والطفل النائم الهزيل على كتفها
هتفت نبيلة:
«كيف حال صابر»
- «كما ترين تفضلي بالدخول بالله عليك لا تمكثي طويلا..»
- دخلت نبيلة وهي تقول:
- «هل جد جديد..»
- قالت سلوى وهي تجلس وقد فاضت دموعها فجأة
- «السجن كان أهون من هذه الحياة..»
- « ما معنى ذلك.؟؟»
- أخذت سلوى تجفف دموعها وتقول:
- «أنهم يأتون إلي كل يوم والضباط المسئول يطلب مني طلبا غريبا ..»
- «غمغمت نبيلة هؤلاء الكلاب الأقذار لا يكفون عن الرذيلة والعبث..»
- وعادت سلوى تقول:
- «تصوري لقد طلبوا مني أن أرفع قضية طلاق ضد زوجي..»
- «مستحيل..»
- «هذا ما حدث مرارا وتكرارا والضابط يقول أنه معجب بإخلاصي ووفائي ويقول إن زوجي لا يستحق هذا الوفاء كله لأنه خائن لوطنه لا يفكر في مستقبل أسرته ويؤكد لي أنه قد تزوج من ألمانية وأنجب منها طفلا وقدم لي صورة تضم زوجي وزوجته الجديدة والطفل بل يدعي أن «أبو صابر» يشرب الآن الخمر ويراقص النساء والأعجب من ذلك أن الضابط عرض علي الزواج..»
- كانت نبيلة مذهولة مما تسمع، وانطلقت تقول:
- «لا تصدقي حرفا مما قال..»
- قالت سلوى
- «والصورة..؟؟»
- «مزورة»
- «كيف؟»
- «الخدع التصويرية أمر معروف ما أسهل أن يضموا صورة إلى صورة وبشيء قليل من الحيل والرتوش مع إعادة التصوير يمكن أن نستخرج الصورة التي نريد..»
- قالت سلوى..
- «ولماذا يفعلون ذلك؟
- «أسلوب من أساليب تدمير حياة الناس والقضاء عليهم .. ... التعذيب البدن وسيلة والتمزيق النفسي حيلة خسيسة وبذر الشكوك بين الناس يضعف من قوة الروابط الإنسانية وينزع الثقة من القلوب وهكذا يسيطرون بأبشع الطرق.»
- «يا لحيرتي ماذا أفعل يا ربي..»
- قالت نبيلة في قوة دون تردد:
- «الصمود..»
- «الصمود؟؟» كدت أنهار..»
- «لن يستطيعوا أن يفعلوا لك شيئا..»
- قد يجرونني إلى السجن..»
- «ألم تقولي إن السجن أرحم مما أنت فيه؟؟»
- «هذا هو شعوري الحقيقي لولا صابر ليتهم يسمحون ببقائه معي.»
- هزت نيلة رأسها في أسى بالغ وقالت وهي تصر على أسنانها
- «الكلاب..»
- «وما قيمة الشتائم؟ أنها لن تهدم عروشهم..»
- أجل
- رفعت سلوى رأسها إلى السماء وقالت:
- «ليس لنا سواه..»
- «غمغمت نبيلة..
- «ونعم بالله..»
- وسادت فترة صمت قالت بنيلة بعدها:
- «وقد أغيب عنك فترة طويلة ستكونين في بالي دائما علم الله أني لم أكن أرغب في البعد عنك.. لكن ثقي أن الفرج قريب ولن أتخلى عنك مادمت حية هذا وعد..»
- قالت سلوى وهي تخطف يد نبيلة وتقبلها.
- «أين ستذهبين ؟؟ علم الله كم أحببتك منذ أن رأيتك لأول مرة في تلك الزنزانة القاتمة..»
- احتضنتها نبيلة وقد سالت دموعها هي الأخرى وقالت:
- «ستعلمين كل شيء في حينه.. وفراق الأجساد قد يكون غير ذي قيمة المهم أن تلتقي الأرواح ثم لا تحمل هما من الناحية المادية سوف أدبر كل شيء..»
- وهامت نيلة بنظراتها في الأفق الصغيرة وقالت:
- «وستلتقين بزوجك يوما ما .. وستنسيك حلاوة اللقاء مرارة الفراق القديم وسيكون الماضي مجرد ذكرى... وستكون أسطورة الكفاح الشريف أحلى أغنية تترنمان بها..»
- وعادة نيلة إلى هيامها مرة أخرى وقالت:
عين فابكي من بغي أو من طغي علل الظلم بشتى العلل علل الظلم بشتى العلل إنما الناس على أيامنا
- هم كما كانوا بعصر الجمل
لا أعرف قائل هذا الشعر أنه شاعر مجهول لكن كلماته تلمس شغاف قلبي لا شك أنه شاعر ذاق مرارة الألم والحرمان والظلم ..
وأخت سلوى تجفف دموعها وتقول:
«كانت الحياة حلوة رائعة وكنا سعداء نصلي لله شاكرين ونمرح ونأكل ونحلم وفي يوم كالح مشئوم انطفأ المصباح عبثت به ريح مجنونة فسقطنا في هوة العذاب..»
قالت نبيلة:
- «الشياطين تحرق الحب..»
- «لماذا؟؟»
- «لأنهم شياطين..»
- «هذا حرام..»
- قالت نبيلة
- «إن استطاعوا أن يطفئوا المصابيح فلن يطفئوا الشمس أبدا..»
- واختطفت نبيلة حقيبتها وهي تغالب انفعالاتها ثم احتضنت سلوى في قوة وهي تقول بصوت بيحه البكاء:
- «إلى اللقاء»
- ثم قبلت صابر النائم، وانصرفت مسرعة...
- سارت في الشارع الطويل المليء بالحفر والبرك والمطبات، كان ضوء المصابيح الكهرباءية عليلا يكاد يحتضر وبعض تلك المصابيح قد أتلف وأصيب بالعمى، وكانت نوافذ البيوت مغلقة يجاهد الضوء في التسلل خلالها والسماء من فوقها تمتد كصحراء غطاها ضباب أسود ومن بعيد يتناهى إلى سمعها صوت مذيع يقرأ الكلمات في حماسة جوفاء الحية امتلأت بالزيف والخواء والأسى، ومع ذلك فهي عاشقة لهذه البلاد تحبها برغم ما يحتدم فيها من صراع دام ومظالم طاغية تحب حزنها الوقور الذي يدثره الجلال والصبر تحت صمودها الصامد الذي لم يتفجر بعد، ترى من بعيد بشائر الفجر الفضي المقدس والمآذن العالية الخالدة تصدح بالتكبير والتهليل كل شيء إلى زوال، ولا يبقى إلا وجه الكريم الذي لا يقهر ولا يموت، ما أتفه غرور الإنسان إنه مجرد ذرة مجنونة في هذا العالم الواسع اللانهائي ومهما جنت البذرة فماذا تستطيع أن تفعل؟؟ أيمكنك أن تدمر ملايين الكواكب التي تبعد عنا مئات الملايين من السنين .. عطوة وأمثاله مجرد بصقة مصدور على وجه الإنسانية لشيطان مريض.. وصرخت بأعلى صوتها دون وعي:
- «يسقط الظلم ..»
- أفاقت من هواجسها وجدت.رجال أعمى يتوكأ على عصاه توقف الأعمى ومال بوجهه المجدور صوبها وقال:
- «مظاهرة؟؟»
- نظرت إليه كان على وشك أن يخوض في بركة قذرة من الماء اقتربت منه وأمسكت بيده تدله على الطريق النظيف هتف:
- «من»
- «قالت في اقتضاب:
- «مظلومة..»
- قال هو يهز رأسه:
- «ربنا يستر عرضك يا بنتي..»
- ثم تنحنح وقال
- «هناك مظلوم غيري..»
- قالت:
- «يا ما في السجن مظاليم..»
- السجن أهو فيه يأكل الإنسان ويرب وينام..»
- قاطعته قائلة:
- «وقد يقتل..»
- «حياتنا بالموت أشبه..»
- عادت تقول:
- «كيف تعيش؟؟؟»
- «اقرأ القرآن على القبور وأحيان أتسول»
- فتحت حقيبتها ثم أخرجت ورقة مالية دسته في يده قائلة:
- «خذ هذا...»
- تلمسه بيده جيدا وهتف في دهشة:
- «ما هذا جنيه؟؟»
- ولما لم تجب رفع الجنية إلى شفتيه وقبله شاكرا وهو يقول:
- «هذه كرامة أنت ملاك من السماء لا شك يقول الناس عني أنني صاحب كرامات بالتأكيد أنت ملاك لقد قدمت عشرات الالتماسات للرئيس ولوزارة الشئون الاجتماعية وللأوقاف دون جدوي...»
- ثم هتف بأعلى صوته:
- «حي.. قيوم..»
- ومضى في طريقه وهو ينشد:
لا تظلمن إذا كنت مقتدرا فالظلم شيمته يفضي إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
وانسابت دموعها وهي تسارع الخطى في الشارع الطويل أين هذا الشعر من شعر نزار وكبار الشعراء في عصرنا أن شعرهم أشبه المساحيق الزائفة على وجه المتصابيات من العجائز ترى من قال هذا الشعر؟؟ أيه أيضا شاعر مجهول على الأقل بالنسبة لي..
عليها أن تأخذ تاكسي قبل أن يغلق الدكتور سالم عيادته لابد أن تلقى عليه كلمة الوداع وتشكره على ما قدم لها من عون وفي وقت قصير أمكنها أن تصل إلى هناك الجو هادئ ساكن بارد صعدت الدرج في لهفة قلبها أيضا يدق لماذا يدق في هذه الأيام بالذات؟؟ دقت الجرس استقبلها «التومرجي»
في شيء من الفتور قالت:
- «هل ذهب الطبيب إلى بيته.؟؟»
- نظر إليها في حزن وصمت وبقى جامدا في مكانه هتفت في خوف:
- «تكلم»
- قال في جفاف:
- «غير موجود»
- «أين هو»
- «لا أدري..»
- أمسكت بخناقه وهتفت في عصبية.
- «يجب أن أعرف»
- «اعملي معروفا لا تخربي بيتي»
- «ما معنى ذلك؟؟»
- «أخذوه كان يفحص مريضا أخذوه هو المريض..»
- «اعتقلوه..»
- هز رأسه وقال:
- «كما اعتقلوا أخاه من قبل..»
- تجمدت الدموع في محجريها ظلت واجمة برهة جاءها صوت التومرجي يقول في توسل:
- «انصرفي قبل أن يراك أحد..»
- قالت وهي تلهث:
- «وأنت ماذا ستفعل؟؟»
- «لا أدري رزقي ورزق عيالي على الله..»
- أخرجت خمسة جنيهات من حقيبتها ودستها في يده، وأسرعت تهبط الدرج وهي تتلفت يمنه ويسره وعادت إلى الشارع رأت من خلفها رجلا فارغ القامة يلبس معطفا رمادي اللون أمسك بيدها وقال:
- «البطاقة..»
- أخرجت البطاقة في هدوء وأعطتها له فأخذ ينقل منها بعض البيانات قالت له:
- «لماذا كل هذا ؟»
- «ماذا كنت تفعلين في العيادة؟»
- «مثلما يفعل أي مريض..»
- «وماذا قال لك التومرجي..؟؟»
- «قال إن الطبيب مشغول..سافر .. ولا يعرف متى يعود هذا إهمال كبير كيف يسافر طبيب دون سابق إنذار ويترك مرضاه هكذا في حيرة؟»
- ابتسم المخبر وقال:
- «البلد مملوء بالأطباء..»
- «متشكرة . هذا صحيح..»
- ومضت ملهوفة الخطى الأرض ترتجف بالرعب والثعابين هنا من نوع غريب ولا يعرف لبيات الشتوي إنها تفح طول العام وألقت تحية المساء على أهل البيت الساهرين ثم ذهبت إلى غرفة نومها ثم أغلقت الباب ..
- قالت الأم وهي تتململ إلى جوار المدفأة:
- «مسكينة يا نبيلة لست أدري ماذا جرى لها..»
- تنهد الأب في ألم وقال:
- «أنها تتصرف بطريقة غريبة في هذه الأيام»
- ثم قال بعد صمت قصير:
- «من يدري لعلها تتحسن بعد الزواج»
- قالت أمها في ثقة:
- «لا أظن أنها ابنتي وأنا أعرفها كان هذا الزواج شؤما عليها وعلينا ربنا يلطف ..»
- هدر أبوها غاضبا:
- «ماذا تريد أكثر من ذلك؟؟ عطوة لدية المركز المرموق والمال والصحة أنه كالثور.»
- قبل أن تنام نبيلة أعدت حقيقة ملابسها وأوراقها وتأكدت من حقيبة اليد ولم تنس المصحف الصغير الذي قدمه لها الدكتور سالم هدية قبلت المصحف تذكرت وجه سالم الواثق الباسم المؤمن وقادها استرسالها إلى التفكير إلى حيث هو الآن...ترى ماذا سيفعلون به؟ الصورة الكئيبة تلح على ذهنها السياط العروسة الدماء الصراخ المحققون.. ترى هل ستنطفئ ابتسامته الواثقة في هذا الأتون المشتعل بالحقد والكراهية والدمار؟؟ وألقت بوجهها على الوسادة وهي تشهق باكية وتقول:
- «يا إلهي هذا كثير لماذا لا تحرق الظلم والظالمين هذا ليس بكثير عليك وأنت القاهر القادر..»
- وفي الرابعة صباحا نهضت من فراشها دون أن تذوق للنوم طعما واغتسلت وصلت الفجر ثم مشت بهدوء وخفة وفتحت الباب وأمام البيت وقفت تنتظر التاكسي كان البرد يثلج الأطراف لكنها كانت تشعر بقدر كبير من الثقة والاطمئنان إن الله لن يخذلها لقد نسيت أن تودع أمها وأباها وأهل منزلها لا بأس فهم في قلبها دائما وقد تركت لهم رسالة كما تركت رسالة أخرى موجهة إلى عطوة الملواني قائد السجن ومر الوقت وكأنها تحلم دخولها المطار ومرورها من باب الجوازات وعيون الضباط التي تتفحص كل مسافر وتدقق النظر في جواز سفره التفتيش الجلوس على المقعد في الطائرة كان الوقت يمر بطيئا ثقيلا مرهقا للأعصاب الدقائق كأنها سنوات هي لا تصدق أن الطائرة سوف تحلق بها في السماء الشاهقة يحبو عليها ضوء الشمس الوليد.. وكأنها لعب صغيرة والطريق كالخيوط السوداء الرفيعة لم تستمع جيدا لما قالته المضيفة من خلال مكبر الصوت عن تمنياتها للركاب بالرحلة السعيدة ولم تكترث للإرشادات التقليدية من عدم التدخين وعن ربط الأحزمة وعن سترة النجاة وقناع الأكسوجين.
- وغاصت الطائرة في قلب السحب تنهدت في ارتياح غريب شعرت بسعاة لم تر لها مثيلا في حياتها الطائر الحبيس قد انطلق من قفصه إلى الآفاق الشاسعة الحلوة الحرية والصفاء أشرق النور فجأة فملأ رحاب روحها وجسدها عيناها تترعان من ذلك النور الإلهي ولم يعكر صفو هذه الأحلام الجميلة إلا صورة سلوى في بيتها الحزين وصابر على كتفيها وصورة سالم ومعطفه الأبيض وقد شاب بياضه بقع الدماء الطاهرة والحيوان عطوة وحوله الكلاب وبيده السوط ذلك الكابوس المرعب يطاردها وهي في قلب السماء بين السحب البيضاء على أجنحة الحب الكبير الطائر إلى الآفاق الرحبة..