الفصل 2

9 0 00

خيل إلى «عطوة الملواني» أنه فوق البشر، أن كل شيء طوع يمينه، أصبح لديه المال والرجال والمنصب الكبير والسلطة الواسعة التي حلم بها طويلا، والكلاب الراقية المدربة تدريبا رائعا. إنه يحب الكلاب حبا ملك لبه.

ويشعر بمزيد من الفخر والاعتزاز وهو يرى «لكي» و «توسكا» وذريتهما يتراقصون حوله ويتشممون سرواله ويكادون يقبلون حذاءه ولكما تواثبت الكلاب حوله امتلأ قلبه بالغبطة والسعادة حتى الحيوانات تركع له فما بالك بجنود السجن الكبير... نعم السجن الكبير.. إن عطوة أو البكباشي عطوة هو قائد السجن.. ونزلاء السجن ليسوا من الفئة العادية.. إنهم معتقلون سياسيون يعرفون الكثير عن السياسة والحرب وحقوق الشعب والحريات العامة وشريعة الله.. وعطوة يحلو له دائما أن يسخر من مبادئهم وثقافتهم وأفكارهم إنه لا يكلف نفسه مؤنة التفكير فيما يقولون ولا يحاول أن يناقشهم في معتقداتهم إنه رافض منذ البداية لكل ما يقولون لقد درج في حياته على أن يكون أداة طيعة في يد من هو أعلى منه سلطة.. يؤمر فيطيع عمله منحصر في التنفيذ وهو يكره ما تكرهه السلطات العليا هذه الطاعة العمياء جلبت عليه الخير الوفير، وأغدقت عليه العلاوات والترقيات وجعلته محلا للثقة الكبيرة وأمدته بنفوذ واسع وأصبح اسمه على كل لسان وإن كانت شهرته التي تخطت أسوار السجن وأسوار الوطن إلى العالم الخارجي نابعة من كونه «جلادا» لم يكن يخجل من هذه الصفة أو يشعر بالعار أو تأنيب الضمير كانت مصدر فخر واعتزاز له، وكنت الصحافة وكذلك النشرات السرية التي تهاجمه مصدرا من مصادر الاعتزاز والفخر وكان يتخذها وسيلة لمزيد من التقرب والاندماج مع رجال السلطات العليا في الدولة لقد أصبح واحدا منهم ومصيره ارتبط بمصيرهم وأقدم على فعل أشياء رهيبة دفعته إلى الأبد بكل ما هو شرير وخسيس ولم يفكر في الندم أو التوبة أو التراجع في يوم من الأيام لقد عرف طريقه وسار فيه دون تردد أو خوف إنه من ذلك النوع من الرجال الذين لا يفكرون في مستقبل أو ماض إلا بالقدر الذي يخدم اللحظة التي يعيشها لأن الفترة الزمنية المغلقة التي يعيشها الآن هذه اللحظة التي ليس فيها إلا كل ما يدخل البهجة والرضا على قلبه وماذا يريد أكثر من ذلك؟؟ ها هي الكلاب تتواثب حوله، والضباط يؤدون له التحية في خشوع وخوف والجنود عندما يرونه يتجمدون في أماكنهم ويعلو صوت البوق المميز وتنطلق الصحية المعروفة «كل السجن ثابت» فيقف كل شيء متجمدا تنظر إلى الجميع فيخيل إليك أنك في متحف من متاحف الشمع وبعد لحظات يدب النشاط والحماس في كل الكائنات المتواجدة في السجن ويسود جو من الرعب لا مثيل له ويهتف صوت الجنود «سريعا مارش يا بن الكلب» فتجري طوابير السجناء الأذلاء حليقي الرؤوس والسياط العنيفة تهوي على أجسادهم ووجوههم وهاماتهم ولا تكاد تسمع إلا وقع الخطى المتراكضة أزيز السياط الحاقدة ونباح الكلاب الشرسة التي تطارد الطوابير المرهقة المكدودة «والشمس في قلب السماء ترسل نارا محرقة على صحراء العباسية المترامية الأطراف ورجال المباحث العامة يجلسون في مكاتبهم الأنيقة، وأمامهم المراوح الكهربائية والمفارش الخضراء والمشروبات الغازية المثلجة، أو فناجيل القهوة التركي «سكر مضبوط» وعلب السجائر الأجنبية المهربة متراصة أمامهم وسحابات من الدخان تتبدد سريعا بفعل المراوح، وزجاجات من الويسكي وبضعة كؤوس ومسدسات أنيقة من النوع الفاخر السريع الطلقات وضحكات من القلب تنطلق في تلك الغرف المريحة الجميلة لا تكاد تشعر بأزيز السياط في الساحة الدامية ولا بوق الخطى المكدودة وما تثيره من غبار، ولا بصياح الجنود وهم يقذفون الطوابير بأقذع الشتائم ولا الكلاب التي تنبح وتنهش لحوم البشر مما يطلق صيحات الأنين والصراخ المكتوم...

هذا العالم المنعزل.. البعيد.. الغريب هو دنيا «عطوة الملواني» هو مملكته التي أنس إليها وأحبها...بل عشقها من كل قلبه.. إنه الملك السعيد الذي يعتقد اعتقادا جازما أن كل شيء طوع يمينه ورهن إشارته وهل في الدنيا أعظم من هذا المجد وذلك السلطان؟؟ إن حياة الناس في هذا المعتقل بين أصبعيه يستطيع أن يصدر أمرا بقتل أي سجين دون سؤال أو جواب ودون محاكمة فيتم التنفيذ في الحال هل هناك سلطة أكبر من ذلك؟ ويستطيع أ، يهب الحياة كما يهب الموت .. وعلى الرغم من كل هذه الشراسة وذلك الغرور الذي يتميز به عطوة الملواني في السجن إلا أنه يبدو مهذبا رقيقا في منزله بضاحية مصر الجديدة أو بين أصدقائه من ضباط الجيش وعائلاتهم أغلبهم يقولون عنه إنه لطيف حلو النكتة وفي لأصدقائه وإن كان البعض يؤكد أن له بعض التصرفات الشاذة الغريبة فمثلا سمع أ، في مكان موحش تظهر بعض الأشباح فما كان منه إلا أن أخذ يتردد على هذا المكان في الليل ويظل يتجول فيه ساعات طويلة وذات مرة وضع السيجارة المشتعلة على صدره ليعرف مدى الألم الذي تحدثه النار وهي تحرق الجسم البشري، وحدث أن تبارى مع صديق له في إطلاق النار على رأسه فيضع في المسدس طلقة واحدة وكذلك يفعل زميله ثم يدير الخزانة الخاصة بالرصاص، ويتباريان كل يطلق المسدس على نفسه .. على رأسه.. وبحيلة بارعة استطاع عطوة أن يسقط الرصاصة من مسدسه وأن يملأ مسدس صديقه بالرصاص.. كان أن مات الصديق.. ونجا عطوة وتصرفات أخرى كثيرة وغريبة..

وعطوة رجل متوسط الطول ليس بالقصير ولا بالطويل وإن كان جسمه ممتلئا بعض الشيء أشقر اللون والشعر، في خذه أثر جرح قديم يقال إنه نتيجة إصابة أيام حرب فلسطين التي ذهب إليها عندما دخلت الجيوش العربية لتحريرها عام 1948 ولنظراته بريق خبيث غير مفهوم.

أحيانا تدفق عيناه شرا ورعبا وأحيانا أخرى يخيل إليك أنها تجيش بالمحبة والحنان والصدق كما ينتابه في بعض الأحيان شيء من البلاهة بين أصدقائه وهم يسمرون وقد يجعلونه مادة للسخرية والضحك وخاصة إذا ما دارت الكؤوس وهو لا يغضب من ذلك أو يتمرد أو يحتج إنه يشاركهم الضحك والنكات لدرجة أنه يبدو ساذجا تافها.

ولقد كان ي إمكانه أن يصدر الأوامر للجنود أو للكلاب كي يقوم بدورها في عقاب المسجونين وإسالة دمائهم وإطلاق نداءات الاستغاثة من أفواههم الدامية ولكنه لم يكن يفعل ذلك في غالب الأحيان كان يمسك السوط بيده ويمارس عملية التعذيب والجلد أو يصلب المعتقل على صليب خشبي يطلقون عليه «العروسة» ويربطه بنفسه ثم يتفنن في إيذائه ويتسلى بالدموع والدماء والآهات الكسيرة التي تنطلق في ألم وضراعة وحزن لا مثيل له وبعد أن يؤدي مهمته يذهب إلى مكتبه ثم يشرب القهوة وينفث دخان سجارته في هدوء ثم يدر مفتاح المسجل ليسمع أغنية «شمس الأصيل... » لأم كلثوم .. أو أغنية «يا جمال يا مثال الوطنية» ثم ينظر إلى الصحف في إزدراء ولا يلتفت إلا إلى الصور... ولا يعبأ كثيرا بما يكتب في السياسة لأنه يعتمد في معلوماته السياسية على ما يسمعه من أصدقائه أو ما يلقنه له رؤساءه في الاجتماعات الرسمية وغير الرسمية.

وعلى الرغم من أن عطوة في الخامسة والثلاثين من عمره إلا أنه لم يتزوج بعد... لكنه اقتنع أخيرا بموضوع الزواج عن طريق زوجة لأحد أصدقائه بعد جهد جهيد وبعد أن أحرجوه بقولهم بأنهم جميعا متزوجون وأنه الوحيد بينهم بلا زوجة فوافق في البداية على مضض لأنه كان يأنف من الزاج ويعتبره بلا معنى ولن يضيف إلى حياته جديدا سوى المشاكل والأعباء والقيود، وكان يردد دائما بأنه في وضعه الحالي يشعر بكامل الاطمئنان والسعادة ولا ينقصه شيء وإذا كان الزواج تلبية لنداء داخلي في قلب الإنسان وجسده وفطرته فإنه لا يكاد يسمع صوتا لهذا النداء فضلا عن أنه يرى أن الزواج محصور في اللقاء الجسدي بن الرجل والمرأة وهذا الموضوع في نظره له ألف حل وحل غير الزواج.

لكنه بع أن رأى «نبيلة» شعر بغير قليل من الارتباك واحتقن وجهه وأذناه كما شعر بقلبه يدق كانت قمحية اللون، ناعمة البشرة رائعة العينين ذات وجه مثير ونبرات صوتها آسرة، وعودها الممشوق يوحي بالفتنة والأنوثة والنضرة والعطاء.. لعق شاربه وشفتيه بلسانه ورجفت أهدابه وتمتم «إيه الجمال ده كله»....

قالت نبيلة وهي تضحك وأسنانها البيضاء تلمع خلف شفاه وردية ورأسها الفاحم يتطوح إلى الخلف فيبدو عنقها وأعلى صدرها نابضين بالحيوية والإثارة:

- «نحن لم نتعارف بعد»

- «الكتاب يعرف من عنوانه»

- «ياه.. إذن فأنت تحب القراءة مثلي..»

- «القراءة؟؟ أنا لم أقرأ إلا الكتب المقررة..»

- «ياه هذا غير معقول .. رجل في مركزك ووضعك الرسمي والاجتماعي ولا يقرأ؟؟ أنا لا أصدق..»

- اقرب منها نظرا إلى وجهها في رقة وقال:

- ليس لدي وقت للقراءة أنا أتعلم من الحياة...»

- القراءة هي الحياة... ولسوف نقرأ كثيرا في المستقبل...»

- كان غارقا في فتنة وجهها وجمال عينيها وحلاوة الكلمات التي تخرج من فمها ولم يتابع ما تقول وكان خياله يذهب إلى بعيد وتتلاقى في مخيلته صورة الجسد العاري والكؤوس المترعة، والضوء الخافت والمضاجع الحريرية، والمائدة المكتظة بأطايب الطعام وغمغم وهو يمسك بيدها:

- «سنظل نقرأ معا طول الحياة..»

- «هذا تقريبا ما قلته..»

- «هيا بنا .. اتفقنا»