الفصل 22

9 0 00

أصبح من المألوف في الأيام الأخيرة أن يندلع العنف الدموي في السجن الحربي، فيساق المعتقلون إلى الساحة في الصباح بعد تناول طعام الإفطار ثم يبدأ الطابور القاسي، الذي يقطع الأنفاس بالإضافة إلى سياط الزبانية وسيل الشتائم الذي يتدفق من أفواههم دون حساب وانطلاق الكلاب المدربة خلف التعساء لتنهش لحوم البعض أو تنشب أظافرها في أجساهم مع ما يبعثه النباح من توتر وهياج في صفوف العساكر ومن ثم يتبارون مع الكلاب في القسوة وفي وسط الساحة يقف عطوة بكل الملواني بشعرة المنتفش الأصفر واضعا يديه في جيوب سترته ومن حوله تنطلق طوابير العذاب وكأنه مركز الدائرة وبالطبع فإن هذه الطوابير اليومية عامة لجميع المعتقلين تضم المتهم في قضية وغير المتهم وفيها من اعتقل ظلما ومن اعتقل بسبب انتسابه إلى الجماعة في يوم من الأيام أما الذين يقفون في المساء في ساحة التحقيق فلهم عقاب آخر بالإضافة لما يلاقونه في الصباح مع باقي المعتقلين وكان من المعروف أن زيادة العنف واتساع نطاقه في الآونة الأخيرة راجع إلى ما يطلقون عليه التنظيم الجديد وهو في الواقع ليس تنظيما سياسيا أو دينيا بالمعنى الدقيق ولكنه عبارة عن مجموعة من أهل الخير قاموا بحصر الأسر التي سجن عائلها وتركها دون مورد رزق ومن ثم أخذوا يجمعون بعض التبرعات في الخفاء ثم يقدمونها سرا إلى ربات البيوت المساكين حتى يستطيعوا الأنفاق على أطفالهم فيوفروا لهم لقمة العيش الضرورية ومصاريف المدرسة، وإيجار السكن واستهلاك الكهرباء وهي أشياء لا يمكن تأجيلها وقد فوجئ المحققون بعدد غير قليل من تلاميذة المدارس الذين كانت تتراوح تبرعاتهم شهريا بين خمسة قروش وعشرة كما لم يثبت أن بينهم من تآمر أو أعاد تشكيل الجماعة المنحلة ولهذا أطلق المحققون على هذا التنظيم «الجهاز التمويل» وقد كان رد الفعل لهذا التنظيم لدى الحكومة عنيفا وصارما وكان غضبهم لأحد له وعندما أخذ أحد المتهمين يشرح لهم كيف أن هذا العمل البريء هو إنساني محض، ولا صلة له بأية مؤامرات ولا تدبير انقلابات أو مجرد نوايا مبيتة، سخر منه المحققون وأفهموه أن للحكومة رأيا آخر إذ أن هذا التجمع يعني أن هناك عاطفة ما تربط بين الأفراد وأن هذه العاطفة التي تعني الترابط والحب والإبقاء على الود القديم لها خطورتها ومن ثم فإن التجمع قد يتطور ويتحول إلى تنظيم سري مسلح بستري السلاح ويدبر المؤامرات ويسفك الدماء وقال آخرون من المتهمين ليس هناك قانون لا في مصر وحدها- بل في جميع أنحاء الدنيا يدين جامعي التبرعات بالخيانة العظمى وخاصة أنه قد ثبت اشتراك غير المسلمين في دفع هذه التبرعات لمن يعرفونهم من أسر إخوان ومن ثم عوامل أعضاء التنظيم الجديد معاملة بشعة لا تقل عن مثيلاتها في بداية محاكمات الإخوان بعد حادث المنشية وبعد إعدام عدد من المتهمين وإذا كانت المحاكمات الأولى شبه علنية وينشر عنها في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة بطريقة متعمدة لطمس الحقائق والمبالغات إلا أن هذه المحاكمات الجديدة كانت سرية تماما وتجرى وسط ثكنات الجيش دون جمهور أو محامين.. كان «القاضي..» الشهير «اللواء صلاح حتاتة» يجلس وعلى الجانبين عضوان ثم هناك إلى جوار المنصة يجلس الكتبة ومن الأمام يجلس بعض المتهمين وخلفهم الحراس الذي قاموا من بعض مواقع الجيش ولا يعرفون شيئا عما يجري أمامهم فلم يكن يسمح لهم بالكلام مع أحد أو الرد على أي استفسار.

في هذا الجو المكفهر بالسجن الحربي كانت تحدث أمور محزنة، لقد كان المعتقلون بدون محاكمة يظنون أن أيام العنف والعذاب قد ولت بعد تلك الفترة التي قوها وراء الأسوار، ولهذا فإن تجدد التعذيب والإيذاء بصورة لا تقل قسوة عن الماضي قد تسبب في خلق مصاعب جديدة لهم فهناك بعض المعتقلين لم يتحملوا ذلك العنت كله ومن ثم ظهرت حالات مرضية من نوع جديد فالمعتقل «نور الدين» قد أصيب بالمعمى وقد شخصه طبيب السجن على أنه «عمى نفسي» والسجين «سعد زهران» قد أقعده الشلل النصفي فلم يعد يستطيع السير أو النهوض ولم تفلح السياط في جعله يتحرك من مكانه وقد شخصه طبيب السجن أيضا على أنه «شلل نفسي» وهكذا زادت حالات الصرع والتشنجات العصبية والجنون والانهيار مما جعل عددا آخر يتمنى الموت العاجل للخلاص من هذه الضغوط النفسية والجسدية والهائلة ولم يعزل هؤلاء المرض في مستشفى أو حتى في أماكن خاصة بهم بل تركوا في زنزاناتهم وسط المعتقلين ليضيفوا إلى همومهم آلام أخرى من نوع جديد وعلى الرغم من الصمود العام العجيب الذي أبدته غالبية المعتقلين إلا أن نفرا قليلا منهم رأى أن الأزمة قد استحكمت وأن الأمور تنتقل من سيء إلى أسوأ وتساءل هؤلاء: لماذا لا نتفاهم مع الحكومة؟؟ ووجد هذا التساؤل استنكارا من الغالبية العظمة ورفضوا ذلك المبدأ مهما كانت دوافعه النبيلة التي ترمي إلى إنقاذ البقية الباقية ووقف مهرجانات التعذيب المحزنة وإنقاذ المرضى من الضياع الأبدي وكذلك حماية الأسر من الضياع والانهيار الأبدي لم يكن هذا التيار الرامي إلى التفاهم برغم صغره قد يئس من الخلاص أو ضعفت لدية قوة العزيمة أو تراخت قبضته على المبادئ التي تشبث بها وإنما الهدف هو لون من المهادنة حتى تخف وطأة العنف ويستجمع المحبوسون شتات فكرهم ويلتقطوا أنفاسهم وقد دارت المناقشات الحامية خلف الأبواب المغلقة ليل نهار لكن معروفا قال في يقين:

أيها الإخوان .. أنتم واهمون.. فالحكومة سوف ترفض أي تفاهم لأنها في موقع السيطرة والقوة وواضح أن تصرفات المسئولين تعني شيئا واحدا هو القضاء علينا سواء قضوا علينا بالتصفية الجسدية أو بالتدمير النفسي أو بذر بذور الشقاق بين صفوفنا أو إثارة الاضطراب الفكري لدينا حتى نتنكر لعقيدتنا وماضينا النضال في سبيل الله تلك هي خطة الحكومة ولن تتخلى عنها مهما فعلنا وليس أمامنا سوى الصبر واللجوء إلى الله والتمسك بمبادئنا مادمنا على طريق الحق الذي رسمه الله ورسوله وللجوء لغير الله شرك فاستعينوا بالله واصبروا والعاقبة للمتقين ولا تنظروا إلى نتيجة المعركة اليوم من خلال الصعاب والهزائم التي منينا بها ليست معركة المبادئ يوما أو شهرا أو عاما أو أعواما أنها معركة دائمة ونتيجتها لم تظهر بعد إن أعتى النظم قد تنهار في ساعات .. والحكام الباطش الجبار قد يلفظ أنفاسه وهو جالس يضحك أو يلعب الشطرنج أو يوقع قرارات هامة فالأعمار بيدي الله ثم من نحن؟؟ نحن نتحرك في حيز زمني محدود في الدنيا قد يتسع هذا الحيز وقد يضيق لكنه على أية حالة محدود ففيم الانشقاق والوجل واللهفة؟ إن زلزالا واحدا يدمر عشرات الألوف من البشر والمباني في ثوان.. فلنترك أمر الحياة أو الموت لله ولنترك أيضا أمر الرزق لله وصدق حبيبنا رسول الله إذ يقول: «لا راحة في الدنيا.. ولا حيلة في الرزق ولا شفاعة في الموت..» أو ما معناه لقد كنا نقوم بتبليغ الرسالة ونحن خارج الأسوار ونحن الآن في هذه العزلة المريرة نؤدي نفس الرسالة بصورة أروع..»

لم يفكر أحد في أن يرد على معروف كان رزق إبراهيم يستمع إليه في لهفة ويتابع كل كلمة بقولها وكان الشاعر يوسف رشاد في الظاهر لكن عبارات معروف كانت تتجسد في خياله شخوصا وأحداثا وموسيقى أنها بناء خالد لقصيدة من الشعر الذي تظل الأجيال تردده عبر القرون وكان عبد الحميد برغم الجروح والكدمات والآلام يتمثل الحروف والكلمات أما محمود صقر الذي شفيت جراحة أو كادت فهو الآخر يجلس صامتا وابتسامة من نوع عجيب ترتسم على محياه الشاحب وفي عينيه يلمع بريق سحري يشد إليه القلوب والأرواح وطال الصمت وأخذ كل يسبح في عالمه الخاص محمود صقر يتذكر أمل أنه ظمآن والكأس المتلألئ في يديها يفيض بالري وعب الحميد يتذكر المسكينة بعذابها وارتياعها أثناء التحقيق في منشورات سوريا إن قلبه يخفق لذكراها: «آه عندما أخرج إلى الدنيا من جديد فلسوف أذهب غليه يا ربي أنني لا أعرف عنوانها هذا لا يهم أنني أتصور أن بإمكاني أن أعثر عليها وقلبي سوف يدلني عليها لكن أيمكن أن تتزوج من طالب علم فقير ولا جئ فلسطيني قد يطرد من مصر إذا خرج؟؟ ومتى يخرج هاهو الباب القائم مغلق تماما وخل الباب أسوار وأسلاك شائكة وأبراج عالية يقف فيها الحراس متيقظين بمدافعهم الرشاشة ونداءاتهم التقليدية تتابع واحد تماما .. اثنين تمام.. ثلاثة تمام... وهكذا .. أنهم لا ينامون لكي حبيبة القلب هناك بعيدا وهو يشعر أنها قريبة منه وتعيش معه في قلبه..»

من فضل الله علينا أنهم لا يستطيعون اقتحام عالم الأحلام وإلا لأقاموا ضد كل واحد منا ألف قضية وقضية ثم ما هو الفرق بين الواقع والحلم؟؟ إن كلا منهما نوع من المعايشة مثلا... قلبي كان يدق في محضرها وها هو يدق الآن لمجرد تذكرها أين الخط الفاصل إذن بين الواقع والحلم؟؟ إن الحلم واقع هأنذا استطيع أن أراها.. ألمسها . وأكلمها وتكلمني ونختلف ونتفق كما يحدث في واقع الحياة لست مجنونا لكني حقيقة لا أجد فرقا كبيرا بين الواقع والحلم كلما استدعيتها في خيالي جاءت كل شيء نستدعيه في خيالنا يأتي توا ..دون حاجة إلى بساط الريح أو خاتم سليمان .. يا قلبي أيها المعجزة الجارفة من أي شيء خلقت أنت معجزة من معجزات الخالق..» وانطلق الصوت من الخارج:

- «المعتقل عبد الحميد النجار . المعتقل عبد الحميد النجار دق الباب يابن الكلب..»

- في ثواني كان عبد الحميد يقف خلف باب الزنزانة ويدقه في عصبية:

- «عبد الحميد النجار يا فندم.. زنزانة 47 يا فندم»

- كانت أقدام العسكري تدق الأرض خارج الغرفة وبدأ عبد الحميد مستسلما راضيا بقضاء الله وعيون الإخوان تنظر إليه في إشفاق وقلوبهم تدعو له، ومعروف يمسح خفية دمعة انحدرت على وجنتيه وغمغم معروف وهو يتصنع الشجاعة وعدم الاكتراث:

- «الله معاك يا عبد الحميد»

- ونصب رزق إبراهيم عودة الفارع الأسمر وقال:

- «شد حيلك..»

- والشاعر يوسف غمغم:

- «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا..»

- أما محمود صقر فقد بقي صامتا والابتسامة الغريبة تضيء محياه الشاحب والنظرات الصافية تتألق في الظلام كان عبد الحميد يقرأ «آية الكرسي» وارتفع صوته قليلا عندما بلغ عبارة «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه » ثم عاد للقراءة بصوت غير مسموع إلى أن دار المفاتح في ثقب الباب السميك ..

- وخرج عبد الحميد ثم أغلق الباب مرة أخرى وبعد هنيهة جاءهم صوت معروف:

- «فلنقرأ المأثورات .. هيا..»

- عندما وصل عبد الحميد إلى الساحة وجدها مكتظة بالبشر، صفوف متلاصقة من المتهمين أو من يمت إليهم بصلة خاصة الأوامر تتلاحق والصيحات تختلط وأساليب متنوعة وعجيبة في فن الإيذاء والتعذيب هذا عصر التخصص ولا عجب في أن يصبح التعذيب فنا قائما بذاته له خبراؤه وفلاسفته وله أصوله المدروسة التي استخدمت فيها التكنولوجيا وعلم النفس شعر عبد الحميد بالضياع والشتات في ذلك الجو الصاخب لكن العسكري من خلفه يأمره «يمينا سر... شمالا سر.. للخلف در. للخلف در.. سريعا مارش..» لكن هناك نداءات متشابهة وعبدا لحميد لم يعد يستطيع أن يفرق بين أوامر سجانه وغيره من السجانين الآخرين وسمع عبد الحميد أحد العساكر يقول: «الجهاز الجديد أطار برجا من رأسي» رد زميله: «برجا واحد.. ؟؟ يبختك!!» وأخذ عبد الحميد يلف ويدور كالسكران وأدرك العسكري ما يعانيه عبد الحميد من حيرة وشتات فأمسك بذراعه في غلظة وقال له وهو يشير بسبابته:

- «أترى ذلك المكتب؟؟ هناك على الشمال.. أجر..»

- وطوقه بضربة سوط شديدة فجرى عبد الحميد صوب المكتب ووصل إلى الباب وهو يلهث كان نفس الضابط الذي أجرى معه التحقيق السابق جالسا خلف مكتبه وذهل عبد الحميد إذ سمعه يقول في رقة:

- «تعالى يا عبد الحميد يا ابني ..اجلس..»

- تردد عبد الحميد في الجلوس فالكرسي نظيف ومريح وأنيق وثيابه متسخة ملوثة بالدماء القديمة وقال الضابط المحقق الذي يلبس الزي المدني وهو يحاول أن يبدو مداعبا خفيف الظل:

- «والله أتعبتمونا يا عبد الحميد الله يتعب قلوبكم .. أنا لا أستطيع أن أفهمكم .. شياطين؟؟ جن؟؟ مجانين؟؟ أبعد هذا كله تشكلون جهاز سريا جديدا؟؟ لقد كنا على وشك الإفراج عنكم لكن ماذا نفعل؟؟ تأبون إلا أن تفسدوا كل شيء بتصرفاتكم الخرقاء.. لماذا لا تجلس يا بني ؟؟ أجلس ولا تخف..»

- جلس عبد الحميد في طرف المقعد خائفا وقلبه يدق، وجسده كله يرتجف أنه مقدم على محنة جديدة فإنكاره للواقعة السابقة والاعترافات التي أدلى بها قد يقضي عليه، في الزمن القديم كان مدرسه في الابتدائية يقول له «الصدق منج» لكنه يرى الآن العكس تماما، الصدق معناه الموت هذا عالم الأكاذيب والظلم وانقلبت الحقائق والبديهات رأسا على عقب وحانت من عبد الحميد التفاتة إلى الخارج فوجد عطوة بك بنفسه يمسك سوطا وينهال على أحد المتهمين الجدد يا إلهي إن عبد الحميد يعرفه، هذا هو الطالب «سليمان حجر» في معهد التربية الرياضي العالي بالهرم ترى ماذا فعل أنهم يكادون أن يقتلوه.

- وفجأة سمع عبد الحميد صوتا يقول له:

- «نحن نشكرك يا عبد الحميد على ما قدمته من عون للعدالة..»

- فالتفت عبد الحميد إلى الضابط المحقق فوجده صامتا لا يتكلم ومنهمكا في تصفح بعض الأوراق مم يعني أن غيره هو الذي يتكلم ودار عبد الحميد بنظراته في جنبات غرفة المكتب فرءاه لأول مرة رجلا جالسا خلف مكتب آخر وأمامه ضوء مبهر ينبعث من «أبجورة» مكتب وكان اتجاه الضوء صوب عبد الحميد وكان من القوة بحيث لم يستطع عبد الحميد أن يتبين ملامحه جيدا وعاد الصوت الرجل الضعيف يقول:

- «لم يبق أمامنا سوى شيء واحد يعتبر في غاية الأهمية بالنسبة لنا، وأعتقد أن بإمكانك معاونتا فيه وأعدك بشرفي أن نفرج عنك فورا..»

- ابتسم عبد الحميد عندما سمع كلمة «بشرفي» دائما يقولون ذلك ودائما لا يوفون بالقسم أنها مجرد حروف خاوية لا معنى لها أو عملة زائفة لا قيم لها قال عبد الحميد:

- «لا أفهم ما تريد»

- خرج المحقق الجديد من خلف مكتبه واقترب من عبد الحميد قائلا:

- يجب أن نعرف حلقة الاتصال بين الإخوان سوريا وإخوان مصر وكذلك الأردن والعراق والضفة الغربية والسعودية والكويت إن أمكن..»

- ابتسم عبد الحميد وقال:

- «يبدو أنكم لا تعرفون من أنا»

- أنت عبد الحميد النجار البطل الفدائي..

- أنا لست مرشدا عاما للإخوان المسلمين ولا عضوا في مكتب الإرشاد ولا في الهيئة التأسيسية أنا مجرد فرد عادي فكيف أعرف هذا كله؟؟»

- قال الرجل وق كشر عن أنيابه

- عندما تريد الحكومة شيئا لابد أن تحصل عليه مفهوم..»

- وقف عبد الحميد وسدد إلى المحقق نظرات ثابتة وقال:

- «القصة كلها مخترعة»

- اكفهر وجه المحقق ونهض المحقق الأول هو الآخر من مقعده ودار نصف دورة واقترب من عبد الحميد وعيناه تتقدان شررا:

- «ماذا تقول؟»

- «أقول أن المنشورات السورية لا أعرف عنها شيئا..»

- «إن المكتوب فيها أنت الذي قلته وقد سجلناه بصوتك أتريد أن تسمعه مرة أخرى؟»

- ابتلع عبد الحميد ريقه وقال وشفتاه ترتجفان:

- لقد أكرهتموني على تلفيق ما قلت..»

- «أكرهناك؟ ممن تعلمت هذه الكلمة..»

- «لقد أردت أن أنجو من الضرب..»

- جره المحقق من طقه وهزه في حنق قائلا:

- «قل غير هذا الكلام»

- «لا أعرف شيئا من هذه المنشورات..»

- «من الذي حرضك على هذا الإنكار بعد الاعتراف الكامل؟؟»

- طأطأ عبد الحميد رأسه قائلا:

- «لا أحد لسبب بسيط..»

- ما هو

- «كان يجب أن أقول الحق..»

- «أي حق.. كلام الأمس أم اليوم..»

- «لقد اخترعت القصة بأكملها حتى أستريح وأجد فرصة للنوم..»

- صفعه المحقق صفعة قوية وقال:

- «وماذا نقول لرئاسة الجمهورية لقد أرسلت إليهم اعترافاتك كاملة وأبدوا اهتماما بالغا بالأمر»

- ودخل عطوة الملواني ووقف برهة يستمع للحوار الدائر بين عبد الحميد والمحققين وأدرك على التو أن المتهم ينكر ما سبق أن أعترف به وقال عطوة:

- «اتركوه لي، وسوف أجعله يعيد اعترافاته ويسجلها بخط يده، بل ويضيف عليها جديدا»

- وقال المحقق الأول

- «لا حل غير ذلك وإلا فضحونا وسخروا منا في الرئاسة..»

- وأشار عطوة إلى عبد الحميد وهو مكشر عن أنيابه..

- «قدامي .. لسوف أعلقك كالذبيحة حتى تعترف أو تموت..»

- وقال المحقق الثاني:

- «أرى أن تستدعوا رفاقه في الزنزانة حتى نستجوبهم فقد يكونا أحدهم قد حرضه على الإنكار..»

- وبعد دقائق كان عبد الحميد معلقا من قدميه عاريا كما ولدته أمه والسياط تنهال عليه من كل جانب بإشراف عطوة نفسه كان عبد الحميد يئن يصوت واهن، وقد أسلم أمره لله وأصبح الموت بالنسبة له أمرا غير ذي بال بل أصبح أمينة إن عبد الحميد يستغفر الله فالحياة هبة أو نعمة من نعم المولى عز وجل ولا يليق بالمؤمن أن يتخلص منها لأنها من الله ولله وما عليه إلا أن يصبر ويصمد اقترب منه عطوة وانحنى إلى أسفل حتى بلغ أذن عبد الحميد وقال:

- «ستموت يا عبد الحميد تكلم قبل فوات الأوان..»

- قال عبد الحميد بصوت باك:

- «أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة..»

- «لقد سمعت مثل هذه الكلمات من قبل أنها تزيد من ثورتي..»

- «وكيف أثبت أني مظلوم؟.؟»

- «نحن لا نظلم أحدا..»

- «أنا؟؟»

- صرخ عطوة:

- «أنت ابن كلب ..كذاب..»

- «الله وحده يعلم ما بي..»

- «لا شأن لله فيما نحن فيه..»

- قال عبد الحميد:

- «استغفر الله يا عطوة بك..»

- عادة عطوة يصيح:

- «اضربوه..»

- الأنين والألم الذي لا يحتمل اللحظات الطويلة الرهيبة ورأسه إلى أسفل لم يعد يستطيع أن يرى شيئا هناك غشاوة على عينيه رأسه تكاد ينفجر شعر بقطرات ساخنة من الدم تتساقط من أنفه أنه ينزف أهذه هي النهاية عبد الحميد واثق أن الله الآن وفي أي وقت يرى ويسمع كل شي اختلطت الأشياء في ذهنه المتعب المكدود لكن حقيقة واحدة تتألق في رأسه هذا وقت الصلاة ليتهم يتركوني كي يؤدي الفرض آه أن لديه فكرة لماذا لا يصلي وهو هكذا «الكعبة من أمامي نويت الصلاة الله أكبر » وأخذ يتمتم والسياط تهوي على جسده وهو لم يعد يشعر بشيء وتمتم في النهاية «إنك حميد مجيد .السلام عليكم..»

- واقترب منه عطوة:

- «ألن تتكلم؟؟»

- لم يرد:

- «من أي شيء خلقت؟؟»

- قالت عبد الحميد:

- «من طين..»

- «يا وسخ»

- «سامحك الله..»

- وصاح عطوة في غيظ لمن حوله من العساكر:

- «اتركوه»

- ثم عاد يقول بعد لحظة:

- «فكوا وثاقه.»

- وبعد دقيقتين أو ثلاث كان عبد الحميد ملقى على الرمال يئن ومن بين أناته يهتف في ضراعة: «يا رب.. يا رب.. يارب..»