الفصل 5

10 0 00

جلس عطوة بك في انتظار محمود، وصورة نبيلة تحم في مخيلته بكبريائها وثقتها وعباراتها المنمقة ليس فيها سوى عيب واحد يؤرقه هذا العيب هو أنها لا تطيع الأوامر لكن عذرها أنها جاهلة ولا تعرف قدره لا بأس سوف تعلم فيها بعد، وعاد جنديان يحملان محمودا حملا وألقيا بجسده بإهمال متعمد فوق الرمال، ونظر إليه عطوه بك مدققا وهتف بصوت أجش:

- «محمود»

وفتح محمود عينيه في تثاقل فانفرجت أهدابه عن نظرة تائهة سابحة في ملكوت الله، لم يعد يعنيه شيء، سيان عنده الموت والحياة لقد سلم أمره لله والجنود والضباط من حوله كأنهم صبية يلعبون أو سكارى يتطوحون في مسرح عجيب.. وتذكر مسرح العرائس.. خيل إليه أن هناك خيوطا رفيعة تتدلى من أعلى وملتصقة برأس عطوه وفمه وأطرافه وعينيه.. بل بدت السماء كلها خيوطا مدلاة..وهناك في مكان عال يد آثمة سوداء ملطخة بالدماء شيطانية فتتحرك الخيوط.. ويتحرك الممثلون .. أو العرائس المصنوعة.. فتنطلق أصوات وتصدر حركات .. وتنبح كلاب .. وابتسم محمود ابتسامة خفيفة.. وحاول أن يتكلم لكنه لم يستطع ..

وعاد عطوة يصيح:

- «محمود... تكلم..»

لم يستطيع هذه المرة أن يفتح فمه، بل أغلق عينيه، في الليلة الفائتة رأي أمه في المنام، كانت تطعمه بملعقة نظيفة في يدها الحلوة من طبق أبيض ملئ بالقشدة المخلوطة بعسل النحل. لقد شبع..«اقسم بالله العظيم أنني شبعت .. وحتى الآن لا أشعر بأدنى رغبة في الطعام .. نعم .. وجاءت حبيبة قلبي «أمل».. كانت تلبس زيها الشرعي المعروف... الأبيض .. لم أر منها غير وجهها وكفيها .. وجهها كالملائكة.. عيناها تمطران حبا وحنانا فيورق قلبي المجدب.. وضعت يدها الناعمة على رأس الحليق وابتسمت وهي تبكي .. شعرت بنبض الحياة تدب في كل خلية من خلايا جسدي. قلت لها «من الذي أدخلك هنا؟؟» قالت: «الحب» قلت: لها: «يا أمل لقد زارني النبي..» تطلق وجهها بشرًا واحتضنتني في لهفة وهتفت «ليتني كنت معك» وغبنا لحظات عن الوجود.. ثم استطرد: «قلت يا رسول الله.. نحن نعيش في زمن الشياطين.. قال لي: الشياطين في كل زمان ومكان .. قلت له: يا رسول الله لقد اختلطت السبل واضطربت الأفكار قال: لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا... كتاب الله وسنتي .. وأنت تعرف الطريق يا محمود.. » سمعت منه كلمة «محمود » فاقشعر بدني.. الرسول ينطق باسمي يا أمل.. الرسول يعرفني يا أمل .. لقد هانت كل جبابرة الأرض في عيني .. القنبلة الذرية أصبحت لعبة طفل..قلت له: «خذني معك يا حبيبي» ابتسم ابتسامة لم أر مثلها في الوجود وقال: «ليس الآن.» ورأيت على بن أبي طالب يقدم نحونا ويقول: «آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشية الطريق!!» وفهمت يا أمل وابتسمت .. كنت أسعد إنسان في الكون .. ثم ذهب الرسول . وبقيت وحدي وبرغم حزني لفراقه إلا أنني كنت سعيدا.. سعادة من نوع عجيب» قالت لي أمل: «ليتني كنت معك.. » قلت لها أنت معي دائما يا حبيبتي...»

صرخ عطوة بك مرة ثانية، وهو يركل محمودا بحذائه:

- «تكلم يا محمود.. أنا أعرف هذه الحركات.. رأيت أمثالك كثيرين..»

- لقد قطع على محمود أحلامه الرائعة، ودمر عالمه الجميل وفتح محمود عينيه مرة أخرى إنه يعود ليرى مسرح العرائس والخيوط والدمى التي تتحرك واليد السوداء الملطخة بالدماء.. ورأي هذه المرة الطبيب ذا النظارات البيضاء.. الكارثة أن الطيب هو الآخر قد توجته مجموعة من خيوط العرائس، ومع ذلك قال الطبيب:

- «قلت لك يا عطوة بك لابد من نقله إلى المستشفى..»

- «هؤلاء يا دكتور بسبع أرواح مثل القطط»

- «إنه يأكل ولم يشرب منذ يومين يا عطوة بك.. وهذه الجروح المتقيحة قد تسبب له تسمما دمويا.. ولن تستفيدوا من موته شيئا .. لست أدرى لماذا العجلة؟؟ في بحر أسبوع سوف تتحسن حالته إن عاش ثم يعود للتحقيق وقد تحكم معنويا وجسديا ومن ثم يسلس قياده .. أفهمني يا عطوة بك.. ما كل شيء يؤخذ بالقوة...»

نفر عطوة بك وهو يقول:

- «خذوه إلى الزفت... المستشفى.. في ستين داهية..»

- عاد عطة إلى الساحة الحمراء حيث المجزرة البشرية ولمح شابا طويلا أسمر اللون، سوداني الجنسية فاقترب منه عطوة وقال:

- «أأنت رزق إبراهيم؟؟»

- «أنا أعرف أباك.. كان عليك اللعنة من كبار ضباط الشرطة وكان سمجا قليل الأدب.. عبد زربون...»

- قال رزق في أدب:

- «اذكروا محاسن موتاكم يا أفندم.. كان أبي من دعاة الوحدة بين مصر والسودان، وكرمته مصر، ودفن في مقابر الشهداء..»

- اقترب منه عطوة وهو يكز على أسنانه، ثم صفعه على قفاه وهو يهدر في حنق:

- «أتعلمني الأدب يا حقير؟؟» اضربوه خمسين كرباجًا..»

- وفي ثوان انهالت السياط على «رزق إبراهيم» من كل مكان ودون عدد ثم رفع عطوة يده بعد برهة وقال:

- «كفى..»

- ثم التفت إلى ضابط المباحث المحقق وقال له:

- «هل اعترف هذا الكلب..»

- «نعم يا أفندم...»

- اندفع رزق قائلا وعيناه مبللتان بالدموع:

- «كل ما في الأمر أنهم طلبوا مني ربع جنيه لأسرة سجن عائلها فأعطيتهم المبلغ كصدقة..»

- «ولماذا لا تعطي الإعانة إلا لأسر «الإخوان» المسجونين»

- «وأنا أتصدق على كل من يستحق إن تسير لي ذلك»

- «ولكنك كنت عضوا في الجماعة..»

- «نعم...»

- قهقه عطوة وقال للمحقق:

- «ضموه إلى قائمة الجهاز السري المسلح..»

- «طبعا يا أفندم...»

- «صاح رزق إبراهيم:

- «هذا ظلم..»

- اقترب منه عطوة ثانية وقال:

- «سيان كنت في الجهاز السري أم لم تكن .. المهم أنك من الإخوان المسلمين..»

- «وهل الانضمام للإخوان جريمة؟؟»

- «ألم تعرف بعد..؟؟»

- «لقد كان بعض كبار رجال الثورة أعضاء معنا...»

- «نظر إليه عطوة في اشمئزاز واحتقار:

- «معكم أنتم؟؟ لقد هزلت..»

- «بعضهم حارب معنا في القنال.. وفلسطين.. والرئيس نفسه وقف على قبر الإمام حسن البنا في يوم ذكراه وأشاد بكفاحه العظيم ..واثني على الجماعة..»

- دقق عطوة النظر إليه وقال:

- «أفهم من ذلك: أنك كنت من فدائي القنال وفلسطين...»

- «يشرفني ذلك.. لقد أديت واجبي..»

- وهتف عطوة في ابتهاج:

- «حلو.. هذا اعتراف آخر.. سجل في الأوراق عندكم .. أن ماضية أسود مثل وجهه تمامًا.. إنه يستحق الشنق..»

- وأردف المحقق قائلا لعطوة بك:

- «ولا تنس يا عطوة بك التقارير الأخيرة التي وردت الينا وتؤكد أن السودان يريد أن ينفصل عن مصر، وينشئ جمهورية مستقلة...»

- وصاح رزق إبراهيم:

- «أنتم السبب..»

- «هكذا؟؟ أم أنكم تضايقتم من طرد محمد نجيب رئيس الجمهورية لأن أمه سودانية.. خمسون كرباجًا أخرى يا ابن الكلب...»

- وانهالت السياط مرة أخرى على جسد رزق إبراهيم العاري النحيل.. وتركه عطوة وراءه، وانصرف يتجول بين المتهمين والمجزرة قائمة على قدم وساق، ولاحظ وهو يتجول شابا يصيح ويطلب الرحمة، وواضح من لغة الشاب ولهجته أنه ليس مصريا هو الآخر، فاقترب منه وقال:

- «ما اسمك يا حبيبي؟»

- «عبد الحميد النجار يا فندم..»

- «من أي داهية.؟؟»

- «من فلسطين..»

- «وأنت أيضا من الإخوان؟. ألا تكفي مصيبتكم؟؟»

- «لقد شاركتهم الجهاد في فلسطين.. وكنا نهرب لكم السلاح والمؤن والطعام وأنتم محاصرون في الفالوجا .. واستشهد عدد منا بسببكم..»

- احتقن وجه عطوة، تذكر الأيام السوداء التي عاشها في الحصار، وتذكر ليالي الجوع والأرق والخوف، في تلك الفترة سخط على كل شيء سخط على المبادئ والشعارات والقيادات وحقد على كل الناس الذين يستمتعون بالحياة خارج نطاق الحصار، في أي بلد من العالم، لقد حرم في تلك الأيام من الكأس والمرأة والسلطة وعاش كذئب أجرب يلعق العظام، ويلتقط الفتات يومها قرر –إن نجا- أن يعيش لنفسه... لنفسه فقط، وليذهب كل شيء إلى الجحيم.. المبادئ.. التاريخ.. العروبة..

- الإسلام.. لقد خلق الإنسان- حسبما يعتقد عطوة- ليستمتع بملذات الحياة ويحقق ذاته.. وليفعل أي شيء حتى ينال ما يريد.. لقد علمته الفالوجا أن التضحية هراء، والبطولة كذب، والأخوة خداع، والنصر لا يستفيد هو منه شخصيا شيئًا.. فليكن عبدا لمن يحقق له أطماعه، حتى وإن قتل وإن سرق وإن غدر، وهل ينسى عطوة يوم أن حاول اغتصاب فتاة بدوية هناك أيام الحرب فسجنه قائده وجلده ذلك القائد الأحمق الذي أخذ يحدثه عن الخلق والفضيلة ومخافة الله، وعن هتك العرض باعتباره جريمة لا تغفر .يا لها من أيام سوداء!!

- والتفت عطوة بعد أن أفاق من هواجسه:

- «كنت فدائيا إذن يا سي عبد الحميد؟...»

- «نعم يا أفندم...»

- «هذا أكبر دليل على إدانتك..»

- «أكان من اللائق أن أترك بلدي لتنهشها الذئاب؟؟ وكيف أكون مسلما إذن؟»

- «تستطيع أن تكافح من أجل بلدك كيفما شئت، أما أن تنضم للإخوان المسلمين فهذا شيء آخر..»

- «كيف يا أفندم؟»

- «أنا أعرف جيدا يا عبد الحميد أن دعوتكم فوق الوطنية وفوق كل شيء ولذا أعتقد أن الهدف لم يكن تحرير فلسطين وإنما تدريب كواد مقاتلة لتغزو بها البلدان العربية، وتخضعوها لحكم الإخوان فيما بعد...»

- صمت عبد الحميد برهة وقال:

- «نحن نحارب في سبيل الله، ولم يكن في ذهننا هذا التكتيك...»

- «أتعرف كلمة تكتيك أيضا؟؟»

- ثم ألتفت إلى المحقق قائلا:

- «ألم أقل لك إنه ضالع في الفتنة ومن أرباب السوابق..»

- رد المحقق.

- «تمام أفندم»

- قال عبد الحميد مرتبكا:

- «الأمر كله لا يعدو عن كونه مجرد الدعوة إلى حياة أفضل وأوفر عدلا..»

- قهقه عطوة بك وقال:

- «أتريد عدلا أكثر من ذلك؟؟ اضربوه خمسين كرباجا..»

- هتف عبد الحميد والسياط تهوى على جسده:

- «ما ذنبي يا عالم؟؟»

- فأعطاه عطوة ظهره وواصل جولته في ساحة السجن الحربي، والباشجاويش ينبح بأعلى صوته الأجش موزعا السباب هنا وهناك والجاويش أمين يسرسع بصوته الممطوط وهو يدور بسوطه الطويل دورة كاملة في الهواء ثم يهوى به على أحد الأجسام العارية.. وعبد المقصود وعبد الجواد وبيرم وغيرهم من جنود السجن يصولون ويجلون، ولابد أن يثبتوا جدارتهم وإخلاصهم لعطوة بك، كيف لا وهو يعطيهم «علاوة إجرام» ومكافآت من آن لآخر؟؟؟

- ووقف عطوة أمام سجين يتلوى وهو مربوط في «العروسة» الخشبية التي يصلبون عليها المتهمين ومال عليه قائلا:

- «أحب أن أتعرف على (البك)..»

- يا فندم أنا مظلوم !! أناه في جاه رسول الله..»

- «والسلاح يا ابن القديمة؟؟ أعرفك .. من الجيزة..»

- «السلاح كان أمانة وسلمته لأصحابه...»

- «من أصحابه.؟.»

- «سوف أجعلك تنطق..» ومد عطوة يده بالسيجارة المشتغلة كما هي عادته ووضعها أسفل عينه اليسرى وهو يقول:

- «خسارة فيك لم أشرب إلا نصفها..»

- «سأتكلم..»

- «قل يا بهيم..»

- «السلاح كان يخص الرئيس...»

- «يا وقعة أمك سودا.. لا تذكر هذا الاسم الشريف على لسانك القذر..»

- «تلك هي الحقيقة.. أعطوه لي .. وضعته في مخزن ثم سلمته عند طلبه من فترة طويلة..»

- « لقد أبقيت عندك بعضا منه..»

- «أبدأ .. أسألوه..»

- «نسأل من؟؟»

- «الرئيس..»

- «ثاني مرة ... طيب..»

- ثم ألتفت إلى الجنود:

- «خمسين كرباجا وإذا لم يصبح مهذبا في كلامه أعيدوا الكرة..»

- وانصرف عطوة متجها إلى مكتبه بينما انطلق صوت الميكرفون يردد أغنية يا جمال يا مثال الوطنية...» فصاح عطوة بأعلى صوته:

- «كل السجن يعني مع أم كلثوم..»

- وجرى حاملوا السياط هنا وهناك بين جموع المتهمين يلهبون ظهورهم بالسياط ويحثونهم على تردد الأغنية الشهيرة، وامتزجت الآهات بالدموع وبالغناء وبعد دقائق أغلق الميكروفون وصاح عطوة مرة ثانية.

- «استمروا في الغناء يا حيوانات..»

- وانطلق صوت السجناء مرددا الأغنية الوطنية، كان غناؤهم كالعويل أو الندب، وكانت صورة الرئيس وهو يبتسم ويلوح بيده في شموخ تطل على الجميع من فوق الحيطان .. وقال عطوة وهو يقهقه:

- «تعلموا الفن يا بهايم..»