الفصل 28

10 0 00

ومرت الأيام والليالي على السجن الحربي وهو يطفح بالأسى والعذاب والشهداء يتساقطون واحدا إثر آخر والزبانية قد ألفوا العسف وأجادوا استعمال السياط كانوا يتفننون في الإيذاء ويتسابقون في إلحاق الأذى بكل معتقل وعطوة الملواني يزداد جحودا وتحيرا وفي كل يوم يأتي إلى السجن إيراد جديد والغيان يستشري ويمتد وانتشرت أخبار الإرهاب العسكر في كل مكان وانعكس ذلك كله على تصرفات الناس وسلوكهم في كل مدينة وقرية وكان أغلبهم يعتصم بالصمت ويخاف أن يناقش ذلك الانحراف مع أسرته أو أصدقائه وأصبحت خطب المساجد توزع من قبل الحكومة على الخطباء الرسميين حتى لا يتناول أحدهم موضعا من الموضوعات المحرمة وما أكثر تلك الموضوعات وامتلأت كتب المناهج الدراسية بالتسبيح باسم الحاكم وبطانته ولقن الصغار الأناشيد الحماسية التي تمجده وتضعه في مصاف الآلهة وأنشى للحكومة حزب جديد، احتشد فيه خلاصة المنافقين والانتهازيين والمخدوعين كما ضم إليه خلق كثير بحكم وظائفهم أو خوفا من اتهامهم بالسلبية أو انتمائهم للثورة المضادة كما سارع إليه آخرون لحموا مكاسبهم ويحافظوا على أوضاعهم الاجتماعية والسياسية أو الوظيفية، واختفى من الساحة السياسية كل من حام حول شك أو تجرأ على إبداء رأي معتدل برئ وطفح على صدر الصحف أسماء جديدة لا تتصف بأية أصالة فكرية أو سابقة جهاد قديمة ضد الصهيونية والاستعمار لقد تشوه وجه الحياة ي مصر واختلت القيم والمعايير وأصبح الاعتصام بالمبادئ الأصيلة والقيم العليا ضربا من الهوس والحماقة والسذاجة ولجأ الناس إلى سلاح النكتة الشعبية يعبرون بها عما يعتمل في نفوسهم من حنق ورفض وكانت النكات تتناقلها الألسن خفية وكأنها مخدرات أو عملة صعبة يحرم تداولها وكان الناس يضحكون من أعماق قلوبهم وهم يستمعون لهذه النكات اللاذعة وكان هذه هو الشيء الوحيد الذي عجزت الحكومة عن مقاومته ولجأ كثير من الناسي إلى الاعتزال والوحدة اتقاء لشر الفتنة وكان الله وحده هو الذي يستطيعون أن يتجهوا إليه بشكواهم ودعائهم وظلماتهم وحاول البعض أن يهرب بعقيدته إلى خارج البلاد سواء في أوربا وأمريكا أو في بعض البلدان العربية وبعضهم ذهب في بعثات إلى الخارج ولم يعد أو سافر ليؤدي فريضة الحج ثم هرب إلى دنيا الله الواسعة واشتد الضيق بالناس وكانوا يرددون دائما لا ملجأ من الله إلا إليه..

أما والد نبيلة عبد الله فقد عاد إلى بيته بعد أن خرج من المستشفى على أن يغير من أسلوب حياته بعد النوبة القلبية الأولى التي مرت كان عليه أن يأكل طعاما معينا وأن ينام مبكرا وينأى بنفسه عن الأعمال المجهدة والانفعالات النفسية الحادة وإلا تعرضت حياته للخطر وأصبح أهلها وذووها في خوف دائم بعد الكتاب الذي نشرته عن مدرسة الإرهاب الذي يجثم على قلب مصر ووضعت الأسرة كلها تحت المراقبة وأصبح استدعائهم لمبنى المباحث العامة والمخابرات أمرا مألوفا في أي وقت كما منعوا من الاشتراك في أي نشاط اجتماعي أو سياسي وطبقت عليهم قوانين «العزل السياسي» التي طبقت على الكثيرين من أبناء الشعب وخاصة أولئك الذين حفلت حياتهم بالعمل الوطني المشرف أو حققوا نجاحا مرموقا في عالم الفكر والاقتصاد وبعض أقارب نبيلة فصلوا من الكليات العسكرية دون ذنب جنوه ولم يرتكبوا وزرا سوى قرابتهم التي لا دخل لهم فيها من أسرتها حتى أخذ الناس يتبرؤون منهم ويهربون من لقائهم ولا يقبلون زيارتهم حتى لكأن منزلهم أصبح مستعمرة للجزام..

وحينما ذهب مبعوث نبيلة وعبد العزيز السيسي إلى مصر أخذ يبحث عن سلوى وأبنها صابر لكنه لم يعثر لها على أثر في بيتها وأخذ يجمع المعلومات من هنا وهناك حتى صدم بالحقيقة المؤلمة لقد أجبروها على طلب الطلاق من زوجها وأرغموها بأن تكتب الافتراءات والأكاذيب عن وجها وفرقوا بينها وبين ولدها صابر ولاحقوها بأبشع التهم والأكاذيب الافتراءات وأشاعوا عنها الخيانة والإثم والفجور ولم يتركوها في يوم من الأيام دون تفتيش أو اعتقال أو تعذيب حتى أصابها اليأس ولم تعد تستطيع النوم وعافت الطعام والشراب فكان أن انهارت أعصابها وأصيبت بحالة يرثى لها من الجنون فكانت تمشي في الشارع تحدث نفسها وتبكي وتضحك ولم تعد تهتم بمظهرها فتلبس الثياب الممزقة القذرة وتمشي حافية وتترك رأسها عارية وشعرها مهملا وذات صباح قدمت سيارة حكومية ثم نزل منها اثنان وألبسوها «قميص الجنون» وهو بلا أكمام ثم ساقوها إلى عالمها الجديد وهي تقهقه وتبكي وتهتف باسم صابر فشيعها الناس بالدموع الصامتة الخفية..

وعندما فكر مبعثو نبيلة في زيارتها بمستشفى الأمراض العقلية أفهمه بعض المخلصين أن في ذلك مخاطرة كبيرة لأنها تحت الحراسة المشددة هناك، وكل من يزورها يجب أن يأخذ تصريحا من وزارة الداخلية وفي ذلك ما فيه من مغامرة خطرة قد تؤدي بصاحبها إلى السجن..

قالت أم نبيلة لزوجها وقد انتصف الليل ونام كل من في البيت:

«لماذا لا نرحل عن هذه الديار؟؟»

قال عبد الله وقد اغرورقت عيناه:

- «الوطن غالي يا زوجتي..»

- «ما معنى الوطن ؟؟ أنعيش في ذل ورعب ثم تحدثني عن الوطن..»

- «اهدئي يا امرأة فإن ما يحدث اليوم خلل طارئ لا دوام لشيء إلا لوجه الله الحاكم يقوي ويتمرد ويفرض سلطانه مؤمنا أن ذلك هو الصواب لكنه ينسى أن سنة الحياة تجري عليه وأنه سيشيخ ويموت وينسى أن الصواب لي حكرا على فرد وأن الله وحده هو الحق وأن هناك ملايين من البشر قد أوتوا عقلا أكثر منه عمقا وصدقا ويا ويل من يقع بين براثن الغرور..»

- قالت الزوجة في امتعاض:

- «أصابني الملل..»

- «الصبر جنة المظلومين..»

- «لقد قاطعنا الناس..»

- ابتسم وشرد بنظراته إلى بعيد وقال:

- «أقسم لك أن الناس يشدون على يدي في حماسة وحب ويقولون بلغ السلام لست الكل نبيلة حماها الله ورعاها تصوري أن هذه الهمسات هي أروع وسام نضعه على صدورنا.»

- لوحت بيدها في غضب قائلة:

- «وما قيمة هذه الهمسات؟؟ ولماذا يفعلوا مثلها.»

- طأطأ رأسه في أسى وقال:

- «الناس يعانون من مصائب جمة وليسوا على استعداد لمزيد من الكوارث..»

- ودارت الزوجة بنظراتها في أنحاء الغرفة الهادئة وقالت:

- «كثيرا ما ساءلت نفسي: ما السبب في كل ما جرى؟؟»

- «الصراع أبدي دائم يا امرأة»

- «لا أنني أقول بأن معرفتنا بعطوة الملواني كانت هي بداية المتاعب...»

- «وهل كل المضطهدين عرفوا عطوة؟؟»

- «لا أعرف..»

- «هز رأسه كحكيم أرهقته الأحداث والسنون وقال:

- «من يري لعل هذا بداية الخير..»

- أشاحت بيدها مستنكرة وقالت:

- «والنبي تسكت خير من أين يأتي الخير..»

- «السماء لا تمطر والأرض تجود بالزرع والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة..»

- وسادت فترة صمت قالت الأم بعدها:

- «الوطن هو الحب والأمن والأمل والعدل وعندما تختفي هذه الأشياء فلا معنى لكلمة الوطن..»

- سعل ثم قال:

- «لا تتعبي نفسك فلن يسمحوا لنا بالرحيل إلى أرض لقد أصبحت أسرتنا بكاملها في «القائمة السوداء»

- قالت في دهشة:

- «وما معنى القائمة السوداء..»

- «معناها المشبوهون الممنوعون من السفر خارج الدولة..»

- «بأي قانون؟؟ بأي حق؟..»

- «لا تتحدثي عن الحق والقانون.. لقد طلبت السفر للحج فقالوا لا تتعب نفسك ممنوع...»

- دقت على صدرها في فزع وقالت:

- «حتى بيت الله؟ الفريضة هذا افتراء»

- «مصلحة أمن الدولة فوق كل اعتبار..»

- بصقت في ازدراء وقالت:

- «لا تذكر هذه الكلمات فإنها تصيبني بالغثيان..»

- لكنه أمسك بيدها في سعادة وقال:

- «لقد أرسلت خطابا لنبيلة ردا على خطابها.»

- «مع من»

- «مع الرجل القادم من الكويت الذي لم يفصح عن اسمه والذي سلمنا رسالتها في الأسبوع الماضي..»

- دمعت عينا الأم وقالت:

- «يا حبيبتي يا ابنتي ... وهل تغني الرسائل عن مشاهدة وجهك الحلو..»

- «لا تحزني فغدا نلتقي..»

- «متى »

- «الجواب عند الله..»

- «ثم استدار إليها فجأة وقال:

- «هل مزقت خطابها؟؟»

- «أنا؟؟ كيف ؟ أنه قطعة منها فكيف أمزقه؟؟»

- قال:

- «اعقلي يا امرأة لو أمسكت به المباحث لوقعنا في مصائب لا حصر لها ..»

- «اطمئن فلن يعثر عليه أحد

- «وما قيمة هذه الأوراق لا تتمسكي بأشياء تجلب علينا المتاعب.. فلو أمسكوا به لقالا من أوصله وكيف وصنعوا من ذلك قضية جديدة سموها خيانة وطنية وجاسوسية وتآمر..»

- «لا تتعب نفسك فلن يعرف مكانه الجن الأزرق..»

- اضطجع على سيره واسترخى ثم أغفى وبقيت أم نبيلة جالسة تفكر ومن آن لخر ترفع أكف الدعاء إلى الله وتشكو إليه ظلم العباد، وفساد البلاد، والطغيان الذي لا يرحكم وأفاق عبد الله من إفاءته فجأة ونظر حواليه وهو يتمتم: «خير إن شاء الله . خير إن شاء الله.» ونظرت الزوجة إليه وهو يمسح على وجهه ولحيته وهمست:

- «وماذا»

- قال وهو يشير بيده مؤكدا:

- «لكأنه حقيقة أي والله يا أم نبيلة ..رأيتها ي منامي تعانقني في حرارة وتقبل رأسي ووجهي ويدي وكنا نبكي من شدة الفرح والفرح في المنام تفسيره الفرج يا أم نبيلة.. وتكلمنا كثيرا..»

- وتنهدت الأم وقالت:

- «وكيف عبرت الحدود والشياطين يقفون لها بالمرصاد؟؟»

- عاد يهز يده في حماسة:

- «لا تسخري مني يا امرأة..»

- «دائما نحلم حياتنا كلها أصبحت أحلاما»

- «هذا من رحمة الله يا أم نبيلة.. أقسم لك أني صحوت من نومي وأنا أشعر بكامل السعادة لقد ارتويت كنت أشعر بظمأ شديد لرؤياها..»

- وقفت ثم توكأت على عصاها وقالت:

- «عطوة الملواني يهددنا دائما ويقول أننا سندفع الثمن غاليا..»

- «لماذا تفكرين في هذا المجرم؟»

- «إنه لا يقتل إلا السجناء العزل..»

- «وابنتك ماذا تلك من سلاح..»

- «تملك الآن الحرية والكلمة الشجاعة وبهذا تستطيع أن تفتك..»

- خطت إلى الخارج في تباطؤ وهي تردد:

- «ما زلت سادرا في أحلامك..»

- وتألمت الأسرة أشد الألم عندما علموا بنبأ مغادرة نبيلة الكويت ورحيلها إلى تركيا لقد بلغتهم الخبر خفية بواسطة رسالة تسلمتها إحدى صديقات نبيلة من زميلة لها تعمل في الكويت واستبد القلق بالأب المسكين وبكت الأم في حرارة لقد أدركوا أن طغيان الظلم يستطيع أن يمد يده إلى بعيد.. خارج الحدود وأن يلاحق أعداء النظام بالمنغصات والمكائد لقد ظنوا في البداية إفلات ابنتهم من يدي الجهاز البوليسي القاسي سوف يضمن لها الراحة ويحقق له الأمن، وها هي النتيجة أيمكن أن يكون الصدام مع الفساد ومجابهة الظالم بكلمة الحق حماقة من الحماقات..

- وعادت الأم للبكاء والنحيب وركن الأب للصمت لكن إلى متى يظل صامتا يجب ان يقول شيئا على الأقل لتهدأ الأم المسكينة ويرتاح بالها ولو لقدر بسيط تنحنح ثم قال متصنعا الجد:

- «يا زوجتي لا تنزعجي .. إن ابنتك ليست وحدها.»

- «من يواسيها في غربتها يا عبد الله.»

- قال بصوت قوي:

- «خالقها سبحانه كلنا عبيده..»

- ولما لم تجب استطرد قائلا:

- «وابنتك معها خلق كثير من الرجال الأشراف أصحاب المبادئ وهم منتشرون في كل أنحاء الدنيا..»

- «حتى في تركيا يا عبد الله...»

- «نعم في تركيا أنسيت أنها كانت بلد الخلافة الإسلامية الزاهرة..»

- لا أعرف شيئا عن ذلك ولكنهم حسب ظني يتكلمون بلغة غير لغتنا وليس لنا فيها أقرباء ولا معارف ولا...»

- قاطعها قائلا:

- «ابنتك متعلمة وناضجة وتعرف كيف تتصرف..»

- «شردت إلى بعيد وقالت:

- «الدنيا واسعة يا عبد الله والغربة غدارة والوحدة مرة ولا تنسى أنها ليست رجلا هي بنت يا حبة عين أمها..»

- قهقة عبد الله عاليا وهو يقول:

- «أفيقي يا امرأة النساء الآن يحملن السلاح ويخضن الحروب ويتقلدن مناصب الوزارات صدقيني قد تكون هناك امرأة بألف رجل النساء اليوم غيرهن في زماننا الغابر»

- تمتمت قائلة:

- «رحم الله أيام زمان مضى المرأة للبيت ولا دخل لها بالسياسة ولا المتاعب ليتها كانت مثلي..»

- «هذا أمر لا حيلة لنا فيه يا امرأة والدنيا تطور دائم والعلم نور..»

- «ولم يجلب علينا علمها غير الأحزان.»

- وأذن الفجر في مسجد قريب وسارا صوب دورة المياه للوضوء كان السكون يغلف المكان والقلوب تضرع إلى الله وبعد دقائق قليلة كان عبد الله يؤم زوجته في الصلاة وعند القنوت كانت الدعوات تنطلق خالصة صادقة تدق أبواب السماء والأم تردد من خلفه كلمة «آمين» مبللة بالدموع المقدسة..