مضت أيام ومحمود صقر نزيل «الشفاخانة» هكذا يسمون المستشفى في السجن الحربي وكان المعتقلون في البداية يضحكون لهذه الكلمة إذ أنها خارج السجن الحربي وكان المعتقلون في البداية يضحكون لهذه الكلمات إذ أنها خارج السجن تطلق على المكان الذي يعالج فيه الفلاحون حميرهم وبمرور الوقت أصحبت كلمة «الشفاخانة» مألوفة تماما لديهم وكانت هناك طوابير يومية للمعتقلين لم تكن للرياضة وتعلم النظام وإنما كانت للانتقام إذ يجري المعتقلون ما يقرب من أربع ساعات جريا سريعا أو كما يقولون في الجيش «سريعا مارش» ليس هذا فقط بل أن الجنود يقفون بالسياط حول مسار الطابور ويلهبون الظهور والرؤوس بل والوجوه أيضا بسياطهم مما أفقد بعض المعتقلين عيونهم وكان لابد أن يسقط البعض إعياء على جانبي الطريق وهم يلهثون وبعضهم يقع مغشيا عليه فينزلون فوقهم بالسياط كي يقفوا ويستمروا في الجري لكن أغلبهم كان يستسلم للسياط بسبب عدم القدرة نهائيا على مواصلة المشوار الطويل أما كبار السن والعجزة وذوو العاهات والمصابون بالفالج والعمياء فكان يشكل لهم طابور خاص يطلق عليه «طابور الشفاخانة» ولم يكن من الضروري أن يكون هؤلاء المرضى نزلاء في المستشفى وكان عدد المسجلين في طابور الشفاخانة يزداد يوما بعد يوم وفي أحد المرات كان عطوة بك يتجول في أنحاء السجن الحربي ويتفقد رعايا مملكته التعسة فرأى طابور «سريعا مارش» لكنه وجد «طابور الشفاخانة» بسر في بطء فوقف فجأة وصاح بأعلى صوته:
- «من هؤلاء؟؟»
- فرد الصول ياسين:
- «طابور الشفاخانة يا أفندم»
- «كل هؤلاء شفاخانة..؟؟»
- «نعم يا أفندم»
- «كلام فارغ.. الجميع طابور واحد..«سريعا مارش»....»
- وسرعان ما انتقل إليهم حضرة الصول بكرباجه وأخذ يقول:
- «سريعا مارش يا ابن الكلب أنت وهو...»
- وما هي إلا لحظات حتى انضموا لطابور الأصحاء وكان مشهدا مبكيا أن مرضى القلب والضغط والشلل وذوي العاهات يحاولون الجري.. تلهبهم السياط وبعضهم يسقط أو ينكفئ وامتلأ المسار بالضحايا العاجزين عن مواصلة الرحلة الشاقة وبعضهم أصيب بنوبة قلبية وواحد لفظ أنفاسه الأخيرة، كان ينظر بعين دامعة إلى السماء وصدره يعلو يهبط ويحاول أن يقول بصعوبة بالغة «يا رب» وآخر أخذ يتقيأ دما. وكان منظرهم وهم يهرولون وقد ارتدوا معاطفهم أو جلابيبهم البلدية وعمائمهم يوحي بالأسى والحزن وكان الطبيب يقف إلى جوار عطوة بك واضعا يده اليمنى في جيب سرواله دون أن ينطق ببنت شفة، والتفت إليه عطوة بك ضاحكا وهو يقول:
- «ألم أقل لك إنهم بسبع أرواح مثل القطط؟؟»
- قال الطبيب:
- «هذا يشكل خطرا كبيرا بالنسبة لحياة بعضهم فالقلوب المصابة بالذبحة الصدرية أو الجلطة لا تتحمل هذا الجهد..»
- رد عطوة بك ساخرا:
- «ولماذا تحملت قلوبهم الانضمام للأجهزة السرية، والاستعداد للتضحية بأرواحهم في سبيل الله؟؟ هذا هو سبيل الله.. فليستشهدوا..»
- قال الطبيب:
- «أغلبهم مجرد معتقلين مشتبه في أمرهم وإلا لكانوا قد قدموا للمحاكمة..»
- «لا فرق بينهم يا دكتور.. كلهم إخوانجية أولاد صرمة..»
- «من الناحية الإنسانية يجب أن...»
- قاطعة عطوة بك قائلا:
- «لا تتكلم عن الناحية الإنسانية وحياة والدك .. إنهم حيوانات هيا بنا إلى الشفاخانة لنمر على المرضى هنا.. أخاف أن تكون إنسانيتك تجعلك تبقي فيها من لا يستحقون..»
- ومضى عطوة صوب المستشفى وتبعه الطبيب صامتا..
- عندما دلف عطوة بك للعنبر الأول تجول بنظارته متفحصا الوجوه واقترب من أحد النزلاء ثم دقق في وهتف:
- «من ؟؟ محمود صقر؟؟ الله يخرب بيتك .. صرت مثل الحصان.. أنتم شياطين .. وتأكل أيضا بشهية؟؟ يا بختك يا أخي..»
- نظر إليه محمود بعينيه الصافيتين كان عاريا إلا من سروال قصير حتى لا تلصق الملابس بالجروح، وعدد كبير من الجروح قد التأم والميكروكروم الأحمر المطهر يغطي كل جسده، وتوقف محمود لحظة عن المضغ وظل محملقا في عطوة بك لحظات، ثم أخذ يلوك الخبز والجبن ببطء في فمه، كانت التورمات في وجهه قد خفت إلى حد كبير، ومن ثم اتضحت ملامح وجهه وقال الطبيب هامسا في أذن عطوة بك
- «لقد نجا بأعجوبة نصف ما تعرض له كان كافيا لأن يؤدي بحياته..»
- قال عطوة
- «لا تخف عليهم يا دكتور.. عمر الشقي بقي..»
- ثم اقترب عطوة منه أكثر وقال:
- «على الله تكون عقلت يا محمود يا صقر..»
- لم يرد محمود، وإن توقف عن الأكل ووضع الجزء الباقي من الرغيف وفوقه قطعة الجبن الصغيرة إلى جواره في هدوء وأحنى رأسه واستطرد عطوة يقول:
- «اعتقد أنك الآن قد شفيت ويمكننا مواصلة التحقيق.. أليس كذلك يا دكتور.؟؟»
- دق قلب محمود إشفاقًا هو يعلم معنى كلمة التحقيق إنها السياط والحرق بالنار والركلات والصفعات وسيل السباب والشتائم البذيئة والادعاءات الكاذبة التي لا أصل لها، ليته مات منذ البداية إن العناء الذي يتعرض له يبدو أنه لا نهاية له من أين نبتت فكرة حيازته للسلاح في ذهن عطوة بكل، إنه لا يملك سلاحا وزملاؤه في القضية لم يذكروا شيئا عن ذلك وكل الشواهد والقرائن تبرئ ساحته من هذه التهمة، «يا ويل البريء الذي يدخل السجن الحربي..» نعم صدق محمود فيما يقول لأن المتهم عنده ما يقوله من الاعترافات ومن ثم يستطيع أن يضع حدا للعذاب القاسي الذي يتعرض له ولا بأس بعد ذلك أن يقدم إلى المحكمة ويحكم عليه بالموت أو السجن المهم أن يكون لهذا الإرهاب الدموي نهاية حتى ولو كانت الموت لكن البريء ماذا يقول ؟؟ أيخترع القصص ويؤلف الجرائم ثم سنسبها إلى نفسه زورا وبهتانا..؟
- «إن جلد قدميه منزوع تماما بسبب الضرب والجروح ومن المستحيل أن يمشي على قدميه..»
- قال عطوة باستهتار:
- «بسيطة.. نستطيع أن نحمله على محفة إلى مكاتب التحقيق..»
- رد الطبيب هامسا في آذن عطوة:
- «إن أي إصابات جديدة سوف تقضي عليه..»
- «وماذا في ذلك؟؟ لن تخرب الدنيا بعده.. كلب وخفي..»
- «يا عطوة بك قضيته لا تسحق ذلك كله.. إنها غير ذات موضوع...»
- ابتسم عطوة وقال:
- «أنت طبيب أم محام؟؟»
- «أنت تعرف..»
- «وملاذا لا يعترف ويخلص نفسه..؟؟»
- كانت الشمس تغمر المكان برغم صغر النوافذ والقضبان المتشابكة التي تغطيها وتذكر محمود رحمة الله وفضله عليه، لقد جاء إلى المستشفى وهو في أمس الحاجة إلى بعض المضادات الحيوية وإلا فتكت الميكروبات وسمومها بجسده واعتذر الطبيب لعدو وجود أية حقنة بنسلين وهي أبسط الأشياء، بل لم يجد قرصا واحدا من أقراص السلفا ديازين، وذات يوم فوجئ محمود بالتومرجي يحضر له عشرة حقن بنسلين ستربتوميسين وغمغم محمود لحظتها.
- «من أين؟؟.»
- «اسكت ولا تسأل»
- «بربك .. أريد أعرف..»
- «اشتراها لك إخوانك في السجن الكبير عندما علموا بالأمر.. بل اشتروا لك ولغيرك .. أحضرت مائة حقنة، وأتدري كم ثمنها؟»
- «كم..؟؟»
- «مائة جنيه..»
- «وكيف استطاعوا أن..»
- «لا تسأل قلت لك اشتروها من الخارج .. لقد كلفتهم كثيرا الحقنة التي ثمنها أربعة قروش دفعوا فيها جنيها..»
- «لكن ليس مع أحد من المعتقلين نقود..»
- قال التومرجي في ضيق:
- «اتعالج وأنت ساكت.. هل تجري معي تحقيقا؟؟»
- وتذكر محمود الليالي التي عانى فيها من الحمى والهذيان والأحلام المختلفة بل أن أذنيه التقطتا ذات مساء وصوتا إلى جواره يقول: «إن لله وإنا إليه راجعون.. أشهد أن لا إليه إلا الله، وأن محمدا رسول الله.. أديروه صوب القبلة وتشهدوا عليه جميعا...» لكنه لم يمت لم يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها.. ألا يفكر عطوة بك ورؤساؤه العظام أنهم سوف يموتون يوما ما وسيتركون هذه الدنيا بكل ما فيها من سلطان ومجد ومال؟؟؟
- وأفاق محمود من أحلامه كان الطبيب يقف ساهما وعطة بك يفكر فيما قاله الطبيب وغمغم عطوة بك:
- «في القصر الجمهوري يظنون أن محمود يخفي شيئا هاما..»
- «قال الطبيب:
- «الظن شيء .. والحقيقة شيء آخر..»
- «وماذا أفعل؟؟»
- «تستطيع أن تقنع المسئولين الكبار بوجهة نظرك أنت هنا على بينة من الأمر أكثر منهم..»
- «لا وزن لرأي أن ظنهم فوق يقيننا..ولا عبرة بما تقول..»
- وخطا عطة خطوات بعيدا عن مكان محمود وإلى جواره الطبيب واستطرد عطوة يقول:
- «لا حيلة لي في الأمر .. إما أن يعترف بالسلاح ويدل عليه أو يموت حتى يصبح السلاح بلا يد تشغله..«لا حيلة لي في الأمر .. إما أن يعترف بالسلاح ويدل عليه أو يموت حتى يصبح السلاح بلا يد تشغله..»
- «وإذا لم يكن لديه سلاح يا عطوة بك»
- «هز عطوة كتفيه دون اكتراث وقال:
- «لن نخسر شيئا..»
- «بل سنخسر روحا..»
- «وماذا في ذلك.. مجرد ذرة في محيط.. حبة رمل في كون هائل من التلال الرملية .. لن يختل نظام الكون إذا مات محمود يا دكتور..»
- «قتل النفس بغير حق جريمة..»
- «الحق هو ما يقرره أصحاب السلطة لا نحن هم أدرى بأمن الدولة يا دكتور لا تجعلني أغضب وأضعك في زنزانة أنت الآخر أو على الأقل أطلب نقلك..»
- وعلى الرغم من الطبيب وجد نفسه يقول:
- «يا ليت!!»
- ثم التفت إليه عطوة كمن تذكرا أمرا هاما وقال:
- «أنسيت أنك اقترحت أثناء تعذيبه الإبقاء على حياته، حتى نستفيد منه مستقبلا ولعله يعترف إذا ما بدأنا معه نفس الإجراءات بعد شفائه؟؟»
- «لم أنس يا عطوة بك»
- «ماذا إذن؟؟»
- «لقد فكرت طويلا..»
- «فيم..؟؟»
- أعني أنه ليس هناك إنسان يضحي بحياته كي يخفي قطعا من السلاح إن التعذيب العاتي الذي نعرض له كان كفيلا بأن يجعله يخرج كل ما في جعبته من أسرار ولهذا أعتقد أن كل من ماتوا هنا لم يكن لديهم جديد ليقولوه..»
- وهرول أحد الجنود صوب عطوة بك ودق الأرض بقدمه وأدى التحية وهو يقول:
- «تليفون يا أفندم..»
- كان عطوة بك ينتظر مثل هذا التليفون الهام، ولهذا أسرع خارج ونسي وراءه محمودًا ونسي الطبيب الذي تنهد في ارتياح وعاد الطبيب صوب محمود وأخذ ينظر إلى وجهه الشاحب وعينيه الصافيتين وتمتم:
- «كيف حالك..؟؟»
- «الحمد لله.. أشكرك يا دكتور..»
- «على ماذا؟؟»
- قال محمود والدموع تبلل أهدابه الطويلة:
- «سمعت طرفا من الحديث وما لم أسمعه استطعت أن أفهمه..»
- قال الطبيب في جد وهم يرسم على وجهه علامات البرود القاسي:
- «ماذا سمعت.؟؟»
- دار محمود بنظراته الشاردة داخل العنبر وقال:
- «كان جدي رحمة الله من المتصوفين، وكان يردد أبياتا من الشعر الصوفي في حب الله والوجد الفاني في العبادة والذكر، سمعته مرة يقول:
قلوب العاشقين لها عيون ترى مالا يراه الناظرونا أجنحة تطير بغير ريش إلى ملكوت رب العالمين
- ووضع الطبيب يده برقة وحنان على كتف محمود وقال:
- «محمود أنت شاب لو سجنت عاما أو أعواما فسوف تخرج إلى الحياة إن عاجلا أو آجلا.. ولهذا من الضروري أن تبقي على حياتك.. »
- قال محمود:
- «ماذا تقصد يا دكتور؟؟»
- «لو كنت تعرف شيئا عن السلاح فلتبادر بالإرشاد عنه ثمنا لحياتك..»
- نظر إليه محمود بعينيه الصافيتين؟. قال
- «أنت تعرف الحقيقة..»
- «لكنهم لن يصدقوك يا ابني»
- «وماذا أفعل؟؟»
- هز الطبيب رأسه في حيرة وأسف ولوى شفتيه قائلا:
- «لا أدري ..»
- لو كانت مكاني ماذا تفعل يا دكتور؟ أقسم لك لو كان في استطاعتي أن أخرج واشتري سلاحا ثم أخبئه في مكان ما لفعلت كي اعترف عليه وأرشدهم إليه حتى يكفوا عن تعذيبي لكن ما حيلتي..»
- كاد الطبيب أن يبكي لكنه تماسك وعض على شفته السفلى في عصبية ثم رفع يده عن كتف محمود ومسح بها على رأسه العاري، وغمغم هو ينصرف خارجا:
- «ربنا معاك..»
- أمسك عطوة بك بسماعة التليفون في توتر هتف:
- «ألو .. نعم مفهوم.. في الإسكندرية تقول؟؟ في أي فندق؟؟
- فندق مصر؟؟ آه.. في أي داهية هذا الفندق؟؟ .. متأكد ؟؟ طيب .. بلغ سلامي لعبد المجيد بك.. أشكره كثيرا . اسمع خد بالك .. راقب الفندق بدقة.. سامع؟؟ مع السلامة.. لا تتحرك حتى احضر بنفسي.. آه بنفسي .. باي بابي يا جميل..»
- وضع عطة بك السماعة كان منفعلا لكنه كان سعيدا أخذ يجفف العرق المنهمر على جبينه الأشقر ثم أشعل سيجارة وأخذ يجذب أنفاسها في تلذذ وغرور، وأخرج زجاجة ويسكي في درج المكتب وصب لنفسه كأسا جرعها دفعة واحدة وسمع أحد الضباط المباحث من خلفه يقول
- «من يشرب وحدة ي.»
- قاطعه عطوة قائلا:
- «تعالى اطفح .. أعرفك ..دنيء .. وشحاذ.. وابن كلب..»
- واختلطت الضحكات المسعورة..
- لقد عرف عطوة كل شيء عن «نبيلة» فعن طريق عيونه وجواسيسه استطاع أن يعلم أنها سافرت إلى الإسكندرية وحطت رحالها في مكان مجهول الخبيثة أرادت أن تهرب منه إن قلبه يؤكد له ذلك، كما علم أيضا أن الطيب المعالج أشار بالاستجمام لفترة نقاهة لا تقل عن أسبوعين إن له مع هذا الطبيب حسابا عسيرا فيما بعد.. وعن طريق الاتصال بأصدقائه من رجال المخابرات في الإسكندرية أمكنه أن يدبر الأمر معهم وكانت المشكلة سهلة بالنسبة لهم، مجرد أمر بسيط بتكليف كل صاحب فندق أو بنسيون بالإبلاغ عمن نزلوا عنده.. وهكذا لم يستغرق الأمر يومين أو ثلاثة ووضع يده على المكان الذي ينزل فيه «الغزال الشارد» على حد قوله.. وقرر عطوة أن يسافر فجر الغد في قطار الصحافة ثم عدل عن ذلك وقرر أن يسافر في سيارته الخاصة التي أهدتها له السلطات العليا تقديرا لخداماته وتعبيرا عن الشكر لوفائه والتزامه وعزم على أن يقودها بنفسه وبذلك تكون نبيلة إلى وجواره عندما يتنزهان في النهار وعندما يقضيان سهراتهما الشائقة في الملاهي ودور السينما..
- وفتل شاربه الأصفر وهو يقول:
- «أنا عطوة والأجر على الله.. أن وراءك والزمان طويل..»
- استدعي عطوة بك نائبه قائلا:
- «اسمع لن أحضر للعمل غدا.. أوصيكم بالكلاب.. لو خدش واحد منهم أو مرض فلن أرحم أحدا..»
- قال نائبه:
- «والتحقيقات ...؟؟»
- «تستمر كما هي ولا يغلق أي محضر حتى أعود..»
- «وباقي المعتقلين؟؟»
- «أغلقوا عليهم أبواب الزنازين طوال اليوم..»
- «ألا يخرجوا لدورات المياه والمراحيض..»
- «كلامي واضح لا خروج من الزنازين ولن يحدث لمعتقلين شيء إذا اعتكفوا نصف يوم في حجراتهم..»
- واستطرد ساخرا:
- «وهم يعشقون الاعتكاف ليعبدوا الله...»
- وخرج عطوة إلى الساحة الحمراء نفس المشهد الذي لم يتغير منذ زمن طويل اللهم إلا تغيير الأشخاص إنه لا يكاد يرى شيئا، فخياله ينطلق إلى بعيد حيث الثغر الوادع وماء البحر الأزرق وشارع كورنيش الإسكندرية الجميلة والليالي الحمراء تحت الأضواء الخافتة والدافئة.. إنها أروع بكثير من الشاطئ والمناظر الطبيعية وشعر بقدر غير قليل من الارتياح والثقة بالنفس وثقته بنفسه مستمدة من الإمكانيات الواسعة المسخرة له، لقد استطاع معرفة مكانها وسوف يفاجئها هناك سيحاصرها بسلطانه ونظراته وذراعيه وسيعتصرها اعتصارا ولو استطاع أن يلتهمها لا لتهمها كما تفعل بعض القبائل في المناطق البدائية المختلفة لو لم يكن مصريا لكان واحدا من أكلة لحوم البشر لا شك أن هؤلاء الناس لا يعانون من أية عقدة قد يسيرون عراة وقد يأكلون لحوم البشر. ويفعلون ما يحلو لهم.. أية سعادة تلك ذات مرة رأى جنديا يعذب معتقلا نعم هو يذكر ذلك تماما.. لم يكتف الجندي بالسياط الذي في يمينه.. ورأى عطوة مشهدا غريبا لقد انقص الجندي على أذن المعتقل طالب الطب «محمود الشاوي» ونهشها بأسنانه وسعد عطوة يومها أيما سعادة وأعجب بالجندي إعجابا شديدا، فأسرع إليه وقدم له مكافأة خمسين قرشا، وأمر بأن يرقى إلى رتبة أعلى لقد أضاف إلى ذراعه شريطا وفي اليوم التالي تحول عدد كبير من الجنود إلى «عضاضين» وكانت نكتة طريفة ضحك لها عطوة ورفاقه وأخيرا وضع حد لهذا التصرف بقوله:
- «إنكم أيها العساكر يجترئون على حق كلابي الكلاب وحدها هي المسموح لها بالعض لأنكم لا تتقنون هذا الفن مثلهم أو تتلذذون به» وعاد عطوة في المساء ليعد العدة للرحيل إلى الإسكندرية..