الفصل 14

10 0 00

لقد طالت فترة الاعتقال وكان النزلاء يعانون من قلق بالغ بالنسبة لنسائهم وأطفالهم خارج السجن والحكومة لم تسمح لهم بالزيارة حتى مجرد كتابة خطابات عادية تحت المراقبة لم يسمح لههم بها وهناك عدد كبير من المعتقلين ذوي الأعمال الحرة بعضهم مرتبط بالتزامات وعقود قانونية لتوريد بضائع أو إقامة بنايات أو الوفاء بأعمال متنوعة وبعضهم لديه بعض المتاجر التي أغلقت أبوابها، وأصبحت أسرهم بلا مورد رزق ولقد سمح لبعض الموظفين الحكوميين الذين لم يقدموا للمحاكمة وما أقلهم بصرف مرتباتهم عن طريق كتابة توكيل لأحد الأقارب أما الغالبية العظمى وهم من ذوي المهن الحرة فقد وقعوا في حيرة ولا يدرون ما يفعلون وألح المعتقلون على إدارة السجن الحربي كي يسمحوا لهم بكتابة خطابات يدبرون بها بعض شؤونهم في بيوتهم، ولكن أحد لم يستجب لهم، ولم يجد المعتقلون وسيلة مباشرة كي يحققوا ما يريدون وأخيرا فكروا في تهريب خطابات إلى ذويهم لكن كيف يتم ذلك وهم خلف أبواب الزنازين، أو في الساحة الدامية، تحت التحقيق، أو في طوابير العذاب اليومية فضلا عن أن الجنود لا يسمحون لأي معتقل بالحديث معهم أو مناقشة أي أمر من الأمور فالعلاقة بين العساكر والمحبوسين علاقة أمر يصدر ثم التنفيذ وأي تلكؤ في تنفيذ الأمر معناه العقاب الصارم الذي قد يصل لدرجة القتل وقد تكرر حدوث ذلك..

قال الشاعر يوسف:

-« أيها الأحباب . إن هناك قضية ميراث شائكة مرفوعة أمام القضاء، وقد حان موعد نظرها ولا أدري ماذا أفعل..»

قال المعتقل السوداني رزق إبراهيم وهو طالب بكلية الحقوق:

- «قانونا لابد أن يستدعوك للمحكمة...»

- ضحك الشاعر يوسف وقال:

- «حذار أن تتحدث هنا عن القانون يارزق..»

- أما الأخ الفلسطيني عبد الحميد النجار فقد قال:

- «الحمد لله.. بلدي احتلها اليهود، واستولوا على بيتنا وعلى البيارات المثمرة ولم أترك ورائي غير أريكة خشبية أنام عليها وحشية وبطانية ووسادة وقليلا من الكتب ... ولا دخل لي إلا الإعانات التي يتكرم بها أخواتنا في مصر أو هيئة الأمم وعندكم مثل مصري يقول «أيش يأخذ الريح من البلاط..»

- وكان الضابط «معروف الحضري..» يجلس في ركن قصي من الزنزانة، وهو منهمك في تلاوة بعض آيات القرآن التي يحفظها ومن آن لآخر ينهض ليصلي بعض ركعات نفلا وكان معروف يحظى باحترام الجميع وخاصة الشيخ عبد الحميد النجار، لأن «معروف» بطل من أبطال حرب فلسطين المشهورين، وقد كتبت كبريات الصحف العربية عن تضحياته وبطولاته في عام 1948ومع ذلك فهو رجل عف اللسان في غاية من التواضع والإخلاص والرقة قال معروف:

- «إننا نضع أرواحنا على أكفنا ومن يضحي بروحه لا يشفق على مال أو عقار أو أرض .. كل شيء إلى زوال .. فلنترك الأمر لله وليكن ما يكون..»

- رد الشاعر يوسف قائلا:

- «هذا حق. لكن من نعولهم لهم حقوق تجب المحافظة عليها..»

- قال معروف:

- «ومن يتق الله يجعل له مخرجا..»

- هب عبد الحميد واقفا وقال:

- «سمعت أن أحد العساكر مستعد لتوصيل خطاب للبيت وإحضار الرد عليه مقابل خمسة جنيهات مصرية..»

- قال يوسف:

- «خمسة جنيهات؟؟ هذا مبلغ كبير. ومع ذلك فأنا على استعداد لأنه لا يوجد بديل.. ثم إن هناك من اقترض مني سبعين جنيها ولابد أن أخطر أهل حتى يحصلوها.»

- وتكفل الشيخ عبد الحميد النجار بإجراء الاتصالات اللازمة، واستطاع بالفعل أن يتعرف على العسكري نفسه، وتم الاتفاق أن يتم تسليم الخطابات والفلوس لمعتقل يدعي «قوري» وكان «قوري» هذا يهوديا يعيش منفردا في زنزانة مجاورة وكان يسمح له بالخروج منها لتنظيف غرف الضباط والجنود، وإعداد الشاي والطعام لهم، ولهذا يكاد يكون متواجد أغلب ساعات النهار خارج زنزانته، وكان «قوري» شخصية عجيبة فقد حفظ سورة «يس» وقصار السور لكن الإخوان ضبطوه مرة وقد رسم نجمة إسرائيل على باب الزنزانة من الداخل وكتب كلمات بالعبرية فقام أحد مجاهدي فلسطين القدامى بتلقينه درسا لا ينساه وضربه ضربا مبرحا، ومع أن العسكري المناوب تدخل في الأمر وانتقم من المجاهد القديم إلا أن الأخير شعر بارتياح بالغ.. وعادت الأمور إلى مجاريها بعد ذلك فالمصائب يجمعن المصابين وأخيرا أبدى قوري استعداده لتوصيل الخطابات والنقود للعسكري وكانت حماقة من العسكري الذي خان الاتفاق وأمسك بالرسائل ورمي بها في صندوق بريد واحد بحي العباسية دون أن يضع عليها أية طوابع مما لفت نظر ساعي البريد وكانت هناك رقابة شديدة على البريد في تلك الفترة وما أن فتحوا أحد هذه الخطابات حتى وجدوه صادرا من السجن الحربي وسرعان ما فتحوا باقي الخطابات وكانت كارثة إذ أخطر السجن الحربي والمخابرات المباحث العامة على الفور، وأجري تحقيق رهيب مع أصحاب الخطابات واستطاعت السياط وأفانين التعذيب المتنوعة أن تنتع الاعترافات الكاملة وسيق «قوري» ومعه العسكري وجميع من كتبوا الرسائل إلى الساحة الحمراء كان يوما بالغ الصعوبة وقد تصادف أنه يوم «عيد» ووضع الجميع تحت إجراءات قمع مشددة، وبينهم أيضا الشاعر يوسف والشيخ عبد الحميد النجار ورزق إبراهيم والضابط معروف .. كان الثمن باهظا لكن الحكومة سمحت بعد ذلك للمعتقلين بكتابة خطابات مفتوحة بحيث لا يزيد حجم الخطاب عن ثمانية أسطر وبصيغة تكاد تكون محددة اللهم إلا في حالة طلب أشياء معينه من الأهل ضرورية فتكتب باختصار شديد على أن تعرض على الضابط المختص لمراجعتها..

- وبعد أن مرت الأزمة عاد قوري إلى زنزانته ولم يعد يسمح له بمغادرتها

- كانت زنزانة يوسف الشاعر مثل عنبر المستشفى فجميعهم قد استلقوا على الفراش مجهدين متألمين بسبب ما تعرضوا له من ضرب وكان أكثرهم مرحا برغم الجروح والكدمات الشيخ عبد الحميد النجار، وغمغم وهو يمسك بقطعة قطن مغموسة في مطهر الميركريكروم الأحمر:

- «كله بثوابه يا أحباب.. لا تحزنوا .. لست هذه أول «علقة» ولن تكون الأخيرة لم يكن هناك ضرورة لأن أكتب خطابا.. لكن العدوى انتقلت إلى كما انتقلت لأخينا الكبير معروف...»

- قال معروف باسما:

- «لم أكن حريصا على الكتابة إلى الأهل لكني فقط أردت أن اخترق ذلك الحصار الصارم الذي أقاموه حولنا ظلما وقهرا .. يمكن أن تسموه مجرد تمرد صغير .. أنا عدو الاستسلام..

- قهقه الشيخ عبد الحميد فرد الشاعر يوسف:

- «لماذا تضحك؟؟»

- «أضحك لأنك لم تكتف بالخطاب الهام فأرفقت به قصيدة عصماء فكان أن تسلمت ثلاث سياط لكل بيت الحمد لله أنك لم تكتب ملحمتك الشهيرة الطويلة، إذن لسلخوا جلدك ولعل عقابهم كان سيستمر حتى هذه اللحظة..»

- «وضحكوا جميعا برغم الألم، واستطرد عبد الحميد قائلا:

- «وأخونا رزق سامحه الله كتب مذكرة ضافية عن الوضع القانوني للاعتقال وكان يريد أن تصل على يد النائب العام..»

- قال رزق في حماس وقد برقت عيناه بريقا لامعا ملحوظا في وجه الأسمر:

- «كلمة حق يجب أن تقال..»

- «أردف الضابط السجين معروف قائلا:

- «ادعو النائب العام في حاله فعلى الرغم من أنه مطلق السراح إلا أنه يعيش في السجن الكبير..»

- وعاد الشيخ عبد الحميد يكركر وقد أعطى قطعة القطن لرزق كي يستعملها هو الآخر:

- مسكين قوري.. لقد كان يمؤ كالقطة التي تكوي بالنار..» وكان يتلوى تحت وقع السياط وهو مربوط في العروسة ويهتف: تسقط إسرائيل المجرمة .. يسقط ابن جوريون .. أنا مصري .. ارحموني..»

- وأخذ يوسف يترنم ببعض أبيات جديدة من الشعر يضيفها إلى «نونيته» أو ملحمته الشهيرة وأخذ الإخوان يستعيدون الأبيات كي يحفظوها عن ظهر قلب.

- ولم يقف تكدير المعتقلين عند هذا الحد، فقد قام الضابط والعساكر بحملة تفتيشية ضخمة كانوا يسحقون فيها قطع الصابون ويقطعون الأرغفة ويمزقون الملابس بحثا عن «أجهزة لاسلكي » كي يقولون ذلك بسبب إذاعة أخبار السجن الحربي الرهيبة في بعض الإذاعات العالمية في نفس اليوم الذي حدث فيه التكدير ويا ويل من وجدوا معه قطعة ورق أو قلما صغيرا من الرصاص لا يتجاوز بضعة سنتيمترات..

- وهكذا مرت أيام العيد كأتعس ما تمر الأيام، فلا طعام يذكر ولا نوم ولا مشاعر طيبة يمكن تبادلها فيمثل تلك المناسبة فالساعات تمر وهي خليط من الدموع والآلام والجراح والذكريات التي يوشيها الحزن العميق ..

- وبرغم لحظات المرح الخاطفة التي يجود بها الله من فضله على التعساء إلا أن جو التوتر والقلق والخوف كان يلفع السكون الدامي في جنبات السجن الرهيب الذي فاق البستيل بشاعة وهولا..

- ليس العيد لمن لبس الجديد، ولكن العيد لمن خاف يوم الوعيد.

- علق الشيخ عبد الحميد باسما:

- «الحمد لله نحن في أعياد متصلة..»

- وهب رزق إبراهيم واقفا ومد عوده الأسمر النحيل إلى أعلى متشامخا، ونظر صوب النافذة الصغيرة ذات القضبان المتشابكة، وأخذ يرتل في شجن قصيدة المتنبي الشهيرة التي تقول فيها

عيد بأي حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد أما الأحبة فالبيداء دونهمو فليت دونك يبددونها بيد

- وتبللت الأهداب الدموع الخاشعة الصابرة.

- وحاول عبد الحميد أن يبدد جو الكآبة فقال متصنعا المرح:

- أتبكي يا يوسف وأنت شاعر المحنة الأكبر..؟؟»

- قال يوسف بصوت جريح:

- دموعنا صلوات في محراب الحق..»

- وقال رزق:

- أنا لا أبكي خوفا ولكني أصرخ في وجه عجزي العجز قيد بشع لو واجهوني في معركة متكافئة لمت وأنا سعيد النفس.»

- «وساد الصمت فجأة عندما دار المفتاح في ثقب الباب، ثم أطل العسكري بوجهه الكالح الغاضب فهب الجميع واقفين وأدوا التحية العسكرية حسب التعليمات وهم يهتفون بصوت واحد قوي:

- تماما يا أفندم

- قال العسكري:

- خذا هذا معكم..

- وتطلعت العيون ودخل شاب مهترئ الجسم عار إلا من سروال قصير وعلى جسده سطور قصة عذاب مضنية بشعة كان يخطو في ضعف ووهن حاملا «بطانية» رثة ولا شيء غيرها وعندما أغلق الباب قال بصوت واعش ضعيف :

- السلام عليكم

- وعليكم السلام

- وأفسح كل واحد منهم له مكانا وتناول معروف منه البطانية وهم يتمتم:

- «أجر وعافية يا أخي..»

- هز رأسه شاكرا، ثم جلس وهو يلهث..

- وساد الصمت دقيقتين أو ثلاث ثم قال الضيف الجديد

- «أخوكم محمود صقر من منية البندرة»

- قال معروف:

- «أهلا بك.»

- «ولم يطق رزق إبراهيم صبرا فابتدره قائلا:

- «ما هي قضيتك؟؟»

- «لا قضية ..»

- «وتدخل عبد الحميد قائلا:

- «دعة يا رزق يلتق أنفاسه أولا..»

- «لكن محمودا ابتسم فأضاءت ابتسامته وجهه الشاحب المضني وقال:

- «يعلم الله كم أنا سعيد بوجودي معكم لقد أرهقني الحبس الانفرادي أكثر مما أرهقتني السياط. إنه لضل كبير من الله أن أجد من أتحدث إليهم

أنتم السلوى والعزاء والحب لو مت بينكم لكنت في أوج الرضى والاطمئنان.

- قال رزق وهو يمصمص بشفتيه:

- «لقد آذوك كثيرا..»

- «كله في سبيل الله يهون . لم أشعر بالآم السياط إلا في البداية.. وبعدها خيل إلى جسدي كله قد تخدر فاستسلمت وماذا كان بيدي أن أفعل إنها لحظات تنظر حولك فلا تجد إلا الله.. عندئذ تقترب منه . تناديه فيرد عليك.. تشكو له فينزل السكنية على قلبك لعلها أروع لحظات الحياة .. إنها أوقات خلوة واعتكاف على الرغم من الشياطين الذين يحاصرونك بالسياط..»

- وسمع صفير عال فساد الصمت وجاءهم صوت العسكري يصيح من بعيد:

- «اثنان من كل زنزانة للتعيين.»

- «وكلمة التعيين تعني الكمية المسموع بها من الطعام للنزلاء ووثب عبد الحميد ورزق ومعهما معروف لكن عبد الحميد قال:

- لتبق أنت يا أخي معروف والله لن تذهب...»

- «فلم يجد معروف مناصا من أن يعود إلى مكانه..»

- كان الذهاب إلى أخذ «التعيين» ضربا من إنكار الذات أو التضحية فالذين يذهبون لأخذ الطعام أو أي شيء لابد أن يتعرضوا لضربات السياط ولذلك كان يعفي منها كبار السن والمرضى وهذا اتفاق أو عرف بين النزلاء وكان معروف يتضايق لأن زملائه يعفونه من أداء هذه المهمة وكان يصر في كثير من الأحيان على الذهاب إذ أنه واحد منهم، ويجب أن يتحمل مثلما يتحملون فالكل شركاء في المسئولية في المصير وهو يعتبر كل ما يتعرض له من عسف وظلم قربات الله الذي كتب الابتلاء على عباده...

- وعاد رزق بعد ذلك يقول:

- أخي محمود!! هل أنت من قادة الجهاز السري؟؟»

- ابتسم محمود وقال:

- أنا مثلك لكنها أرزاق يا رزق..»

- «يبدو أنك رزقك كثير»

- «هذا من فضل الله . أنا نفسي لم أكن أخفي سرا ولم أفهم إطلاقا سبب ما يفعلونه بي أتراني ارتكب جريمة لا أعرفها؟؟ وأخيرا قلت لنفسي: لا تحاول أن تحلل الأمور تحليلا منطقيا وإلا جننت فلا منطق هنا ولا إنسانية ولا قاعدة ولا قانون..»

- وانكب الرجل على أطباق العدس يأكل في شهية وما هي إلا فترة وجيزة حتى اختفت الأرغفة وخلت الأوعية وغمغم الشيخ عبد الحميد:

- «لم أزل جائعاً.. إن رغيفا واحدا لا يكفي..»

- قال رزق في عصبية:

- أحمد ربك يا أخي .. جوعوا تصحوا..»

- وبلل عبد الحميد شفتيه بلسانه وقال:

- ليتني كنت معك

- قال رزق:

- «مع من ؟؟»

- «مع الدكتور العجمي والكلاب..»

- وابتسم الرجل وابتسم محمود أيضا..»