الفصل 15

10 0 00

كانت نبيلة مندهشة لتصرفات عطوة أنه أنموذج غريب من الرجال لم تر له مثيلا في حياتها يبدو أنه يمتلك من السلطة مالا يخطر لها على بال وإلا كيف عرف مكانها؟ وكيف أنقذها من براثن الطغيان يوم أن اعتقلوها ثم ما الذي يمده بذلك المال كله؟؟ لقد لاحظت أن حافظة نقوده ممتلئة بالأوراق المالية كما علمت بعد ذلك أنه غافلها ودفع لها بالفندق عشرين جنيها تحت الحساب وتتمنى الزواج منه واليوم أصبحت لا تطيق وجوده إن لم تكن تخافه وهذا تطور لا يشر بخير لقد أخذ يتضح لها أن إمكانية الحياة معه أصبحت شبه مستحيلة لكن كيف تفلت من بين براثنة؟ لقد ضمنها يوم أن أفرجوا عنها وهذه نقطة هامة لا يمكن تجاهلها ثم أنه يستطيع أن يلحق بها وبأهلها الأذى إذا أراد ذلك بسبب السلطات الواسعة التي يتمتع بها ونظرا لصلاته الوثيقة مع علية القوم، وانطلاقا من مبادئه وأفكاره المدمرة التي لا ترحم إن الأمر يحتاج إلى مزيد من الحنكة والصبر والدهاء ولا يفل الحديد إلا الحديد ولم تعد نبيلة تشعر بالاطمئنان والسعادة اللتين سعدت بهما يوم أن وصلت إلى الإسكندرية إن الفندق لم يعد يروق لها ولابد أن تبحث لها عن ملجأ أمين آخر فمن الممكن أن يأتي إليها عطوة في أي وقت ولها غادرت الفندق في منتصف الليل وأخذت باقي حسابها وذهبت إلى إحدى صديقتها في حي «محرم بك» لتقضي بقية الأجازة المرضية هناك والحق أنها سعدت إلى جوار صديقتها وقضت معها أوقات ممتعة لا يعكر صفوها أي شيء اللهم إلا الذكريات المريرة والقلق الذي يتنابها من قوت لآخر بخصوص المستقبل وحان وقت العودة إلى القاهرة كان يوما لقد وجدت عدوة جالسا هناك احتضنتها أمها في حب وأخذت تغمر وجهها بالقبلات أما أبوها فقد قبل رأسها في حنان ودعا بالستر وبقية الأهل والأطفال أخذوا يتسابقون إلى الترحيب بها وإبداء أعظم المشاعر نحوها لقد غرقت في حب خالص يبعث على الرضا والأمل..

أما عطوة فقد بقي جالسا في مكانه يرقب المشهد المثير باهتمام بالغ، ومالت نحوه قائلة:

«كيف حالك يا عطوة..»

قال وهو يشبك يديه ويضعهما تحت ذقنه:

كما ترين طال انتظاري حتى أصابني الملل وخاصة عندما ذهب إلى الإسكندرية مرة أخرى فلم أجدك بالفندق..»

- «بالتأكيد فلم يكن من المقبول أن أتركك هذه المدة دون أن أعاود الاطمئنان عليك..

- طأطأت رأسها قائلة:

- آسفة

- «تحاولين الهرب مني دائما لست أدري لماذا؟؟»

- «لا تظن ذلك يا عطوة أنا لم أكن أقرأ الغيب لو علمت أنك ستحضر لانتظرتك..»

- سدد إليها نظرات غاضبة وقال:

- «تعلمين..»

- «أنت شكاك وكيف أعلم؟؟»

- «بذكائك...»

- أدركت أنها لابد أن تفعل شيئا كي تكسب ثقته ورضاه، حتى تدبر أمرها بهدوء.

- ومن ثم اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه وهي واقفة إلى جواره وقالت:

- «أين سنذهب الليلة...»

- ابتسم في سعادة وقال:

- «بالتأكيد لن نذهب إلى السينما...»

- «أعرف..»

- قال

- «إن فندق «مينا هوس» فيه جلسة لطيفة للغاية..»

- لم تكن تحب الفنادق كثيرا أنها تضيق ذرعا بالباقات المنشاة وملابس السهرة ووالحركات المرسومة والأضواء الخافتة والكؤوس وطبقة الأثرياء الذين يمرون الأوراق المالية الكبيرة على الموائد دون اكتراث لا تدري تماما لماذا لكنها تشعر بتأنيب الضمير وبالضيق لكن لابد أن تخطط وتدبر للخلاص منه ولن يتم ذلك إلا إذا جعلته يطمئن إليها تماما ويثق فيها ثقة مطلق وهب عطوة واقفا وهو يقول:

- «لماذا لا نذهب الآن؟؟»

- قالت أمها:

- «يجب أن تستريح من عناء السفر.. ويمكنكم الذهاب في المساء..»

- ودهشت الأم عندما سمعت ابنتها تقول:

- «بل أريد الذهاب يا أمي عطوة وحشني جدا..»

- اتسعت ابتسامته بينما قالت الأم:

- لكن..

- قال عطوة:

- «لكن ماذا يا حماتي؟؟»

- «طأطأت الأم رأسها قائلة في الاستسلام:

- «لا شيء»

- وعلقت نبيلة قائلة:

- «غدا سأذهب إلى المدرسة ولن أفرغ من العمل واستدراك ما فات أسبوع ولذا لابد أن أخرج الليلة.»

- قال عطوة:

- هذه المدرسة كالعقلة في الزور. لماذا لا تستقلين..؟؟»

- «ذلك سابق لأوانه..»

- كانت تجلس إلى جواره في سيارته الأنيقة وبعد مسيرة دقائق قالت:

- «عطوة..»

- «عيون عطوة..»

- «لا أستطيع أن أرد لك طلبا..»

- «أتقسم على ذلك.»

- «وحياتك عندي..»

- وضعت ذراعها حول عنقه وقالت:

- «أريد أن أزور سلوى..»

- «سلوى...؟؟؟ من هذه..؟؟»

- «المعتقلة التي كانت معي...»

- التفت إليها في دهشة قائلا:

- «وما الذي جعلك تفكرين فيها الآن؟...»

- أرادت أن تستثير كبرياءه، فقالت:

- «ولقد وعدتها بذلك وقلت لها: إن خطيبي من الكبار فلم تصدقني..»

- ضحك عطوة وقال:

- «إنه نوع من التباهي والافتخار.. اعرف.. فأنا خبير بمشاعر النساء حسنا فلنذهب إلى السجن الحربي أولا..»

- قالت نبيلة:

- «هل هي هناك.؟..»

- «لن نستطيع أن نعرف مكانها إلا من هناك..»

- إنها في المخابرات العامة..»

- «هذا مكان مؤقت لا يجلس فيه المعتقل إلا وقتا قصيرًا..»

- وانطلق بسيارته عبر «البوابة الكبيرة» الجنود يدقون الأرض بأحذيتهم الثقيلة ويرفعون أيديهم بالتحية، والأبواب المغلقة تفتح على الفور والبروجي ينطلق ونبيلة تنظر إلى كل ذلك في دهشة كان قلبها يدق ترى كيف حال سلوى الآن؟ لقد أحبت هذه الفتاة.. ورق قلبها لها، ولا يكاد يمر يوم إلا وتفكر فيها...

- عندما بلغت السيارة ساحة الحربي صدمت نيلة بما رأت لم تكن تصدق هذا رجل معلق من قدميه ورأسه متدلي إلى أسفل وهناك حبل يمر على بكرة صغيرة يجذبه الجندي فيرتفع الضحية ثم يرسل الحبل فتسقط رأس المسكين في حوض ماء فيتملل وتنبعث فقاعات الهواء إلى سطح الماء ويكاد يختنق وندت عن نبيلة صرخة عالية وهي تقول:

- «ما هذا الرجل سيموت..»

- قال عطوة بصوت أجش:

- «اصمتي لا تفضحينا أنه يأبى أن يعترف ..»

- «هذه وحية أتوافق على ذلك يا عطوة؟»

- «هذه أوامري..»

- «مستحيل»

- الأمر يتعلق بأمن البلاد ومصر محاطة بالأعداء من كل جانب..»

- وحانت منها التفاته إلى الساحة الكبيرة فوجدت المجزرة قائمة على قدم وساق السياط تعلو وتهبط والصراخ والأنين والاستغاثات تملأ المكان والأجساد العارية تنزف دما أحمر .. أطالت النظر لحظات .. ثم سقط مغشيا عليها..

- وقهقه عطوة، وقال وهو يحملها إلى مكتبه:

- «النساء رقيقات القلوب.»

- واستدعى لها الطبيب على الفور..

- كانت الكلاب تنبح وتنهش...

- وأصدر عطوة أوامره بالتوقف.. فساد الصمت والهدوء. وانصرف الجنود وبقى المحققون والمعتقلون في أماكنهم ،وما إن حقنها الطبيب حتى أفاقت بعض دقائق .. نظرت حولها فوجدتا العيون تحاصرها .. هتفت..

- ما هذا الذي تفعلون؟؟»

- قال عطوة:

- هذا يحدث دائما .. في كل عصر ..وكل مكان..»

- «يا لتعاسة الإنسان..»

- ضحك عطوة وقال:

- «من أي فلم سمعت هذه العبارة.. لابد أنك سمعتيها من يوسف وهبي ممثلنا الكبير..»

- ثم أمسكت بذراع عطوة قائلة:

- لماذا تعيش في هذا المكان يا عطوة..؟؟ هل هذا هو عمل الجيش الذي أنت أحد ضباطه..»

- قال عطوة وهو يشعل سيجارة:

- «بالطبع فالجيش اليوم يحكم ويحارب ويحفظ الأمن ويرعى كل نواحي الحياة في مصر . ألم تسمعي عن الثورة..؟؟»

- قالت في استغراب!!

- «الثورة..»

- «نعم.. فالثورة هي تغيير شامل في كل شيء لقد فشل السابقون ونحن نصحح مسار الأحداث..»

- أشارت بيدها إلى جموع الواقفين في الساحة الحمراء وقالت:

- «هؤلاء لم يكونوا حكاما سابقين...»

- «أجل.. لكنهم يعترضون..»

- «وماذا في ذلك؟؟»

- «فيه الخيانة والغدر وضياع البلد..»

- «من قال ذلك يا عطوة..؟؟»

- «نحن »

- «من انتم؟؟»

- «أبناء الشعب المكلفون بحمايته...»

- «هؤلاء التعساء هم أيضا أبناء الشعب..»

- أمسك بيدها وضغط عليها في حب وقال:

- «لو قال غيرك هذا الكلام لذبحته.. لا تقولي هذا الكلام أمام أحد من حسن حظك أن الرفاق انصرفوا فخلا لنا الجو.. حذار أن تشيعي مثل هذه الأفكار المدمرة..»

- أغمضت عينيها وصمتت وجاءها صوته:

- «أتشربين شيئا..»

- متشكره .. أشعر بالغثيان.. هيا بنا...»

- «ماذا؟؟ ألا تريدين رؤية سلوة..»

- «أين هي..

- «انتظري لحظات...»

- وخرج عطوة ليبحث الأمر أطلت عبر باب المكتب المفتوح الأذلاء يقفون منكسي الرؤوس كسيري النظرات يظلهم الحزن والأسى، وبعضهم ملقى على الأرض دون حراك وغمغمت قائلة: «يا إلهي .. أيمكن أن يكون هذا طريق الرخاء والحب والحرية..؟؟ أي مجنون يمكن أن يقول هذا الكلام؟؟

- وكيف يصدق عاقل ذلك؟؟ يخيل إلي أن خيوط مؤامرة كبرى تنسج في هذا المكان ولا يمكن أن يكون الهدف منها سوى تدمير روح الشعب، ودفعه دفعًا للكفر بالمثل العليا.. يا للمصيبة.. لم أكن أعرف شيئا عن هذا كله، وأنا التي تدرس التاريخ للجيل الجديد وتعلمهم معاني الشجاعة والحرية والعدل وتثني على الثوار ودورهم التاريخي الرائع؟؟ أي جريمة كنت أرتكب؟؟ وهل استطيع بعد الآن أن أقف في الفصل وأقوم بنفس الدور؟؟ لقد كنت أعيش في وهم كبير لقد طار النوم عن عيني تخدع الناس والحكام يكذبون وأغلب الناس يضربون في التيه حيارى بعد أن ضلوا الطريق وفقدوا المعالم، وضاع الهدف..»

- ودخل عطوة وهو يقول

- «لن تري سلوى..»

- هبت واقفة في رعب وقالت:

- هل ماتت؟؟

- «لا لقد أفرجوا عنها.. وهذا هو عنوانها..»

- وألقى أمامها بشريط صغير من الورق وما أن أمسكت بالورقة وأخذ تقرأ ما فيها حتى قال:

- «حذار أن تزوريها..»

- رفعت رأسها قائلة:

- «لماذا ؟؟»

- «لأنها موضوعة تحت المراقبة...

- «ما معنى ذلك؟؟»

- «معناه أن كل من يحاول الاتصال بها يعرض نفسه للشبهات والخطر وقد يقبضون عليه..»

- هزت رأسها متفكرة.. ثم فتحت حقيبة يدها ودست الورقة فيها وهي تقول:

- «لكن أحدا لن يمسني بسوء ما دمت خطيبة عطوة..»

- انتشى بهذه الكلمات وقال:

- «بالضبط.. لكن سأقول لهم إنك من أنصارنا..»

- «ماذا تعني..»

- «أعني أنك عين لنا..»

- «قل لهم ما شئت..»

- أمسك بكتفها وقال:

- «ليس الأمر بهذه البساطة، أنك ستدفعين الثمن، سيكون على عاتقك مهمة كبرى..»

- «ما هي؟؟»

- «أن تكتبي تقريرا مفصلا عن كل ما يدور بينك وبين سلوى ستكونين بذلك من جهاز المخابرات الذي يخدم الرئيس..»

- «نظرت إليه وهي لا تكاد تصدق وقالت.

- أترضى أن تكون زوجتك جاسوسة.»

- «قهقه عطوة وقال:

- إنك بذلك تؤدين واجبا مقدسا لخدمة الوطن..»

- نظرت إلى الساحة الحمراء عبر الباب المفتوح الرجال يقفون تحت الشمس شبه عراه هذه صفحة دامية من صفحات التاريخ صفحة كتبت حروفها بمداد الدم وبحبات العيون والقلوب وسمعت عطوة يقول:

- «في البداية يبدو الأمر غريبا شاذا ستجدين صعوبة لا شك .لأنك لم تتعودي مثل هذا العمل ولأنه يرتبط في ذهنك بأحط الخلق والسلوك حسنا جميعنا في أول الأمر كنا هكذا لكن الزمن كفيل بتغير أفكارك وستكونين في منتهى السعادة عندما تتأكدين أنك تؤدين دورا هاما من أجل حماية الرئيس والوطن..»

- تناولت حقيبتها وأخفت دمعة بللت أهدابها وقالت

- «هيا بنا .. أريد أن أنام.. »

- «ومينا هاوس؟؟»

- «لابد من تأجيله للغد..»

- «إنك دائما متقلبة الرأي وهذا يغيظني..»

- «أرجو أن تقبل عذري...»

- «سأقبله لا من أجل خاطرك.. لكن لأن هناك اجتماعًا هامًا سيعقد الليلة على مستوى عال ولابد من حضوري..»

- أمطرت السماء مطرًا خفيفًا كالدموع، وكانت السحب تبدي تجهما واضحا يوحي بالحزن والفراق والوداع، والناس يهرولون في الطريق وكأنهم يفرون من البرودة والمطر اللذان يلاحقانهم أينما ساروا .. وسلوى قابعة في قلبها تبكي وتنظر بعينين خائفتين والرجل معلق من قدميه يتدلى عاجزا مقهورًا يرى الموت أمام عينيه المتورمتين..وهناك الكلاب تنطلق في خفة ورشاقة كرشاقة الجنود والضباط وهم ينفذون الأوامر وتطلعت نيلة عبر النافذة المبللة بالمطر صوب السماء لكن الصورة كنت غامضة متجهمة لا تنبئ عن شيء واضح أو توحي بأمل باسم..