الفصل 19

10 0 00

عاد عبد الحميد إلى زنزانته مهدما يكاد يسقط إعياء ألقى السلام على الإخوان وهو يحاول أن يبتسم لكن ابتسامته كانت بيتا من الشعر المعبر في صدق عن ذكريات ليلة طويلة لم ينم له فيها جفن، وأدرك الجميع ما يعانيه أخوهم من كرب وأسى وهو يتذرع بالصبر والرضا وارتمى إلى جوار محمود صقر لاهثا كانت ثيابه ملوثة بالدماء وخطوط سوداء تسجل على رأسه وجسده قصة العسف الذي لا يرحم وامتد الصمت والقلق احتراما لآلام إنسان لكن رزق إبراهيم عادة لا يطيق والصمت ولا الصبر أما معرفو فقد فهم كل شيء بعد نظرة شاملة، وعادة إلى التمتمة وقراءة القرآن بينما أغمض محمود عينيه وهو يتذكر أيام التحقيق الرهيبة والشاعر يوسف كانت عينها تدوران في محجريها وتكادان تثقبان السقف قال رزق:

«ثيابك مبتلة..»

رد عبد الحميد..

- أغرقوني في الفسقية حتى أفيق..»

- «لهذه الدرجة..»

- «إنهم عادة يفعلون ذلك لمن يعمى عليه..»

- «أعرف لكن ماذا أقول؟؟ لقد انتهى التحقيق معك منذ فترة طويلة..»

- قال عبد الحميد وهو يكز على أسنانه من الألم:

- «ملحمة كتبها الله علينا وهل لتحقيقاتهم نهاية؟

- «هذا أمر غجيب..»

- «يا رزق قصتنا معهم قصة الحياة والموت نحن أو هم هكذا يتصورون لأمكان لكلينا في الدنيا أنهم لا يريدون أن يسمعوا من أحد كملمة لا»

- «وأخذ عبد الحميد يروي لهم قصة المنشورات السورية بكاملها وكيف أن استدعاءه كان مجرد احتياط إذ أن المنشورات وزعت في دور العلم الأزهرية وهو طالب بالأزهر ثم شرح لهم تطورات التحقيق وكيف قرر أن يضحي بنفسه لإنقاذ الأبرياء المساكين وخاصة الفتاة وفاء التي جازوها جزاء سنمار وكان الجميع مشدودين إلى روايته المثيرة التي لا تكاد تصدق وغمغم عبد الحميد في نهاية حديثه قائلا:

- وهكذا أصبحت على رأس تنظيم سري جديد وعلى رأس مجموعة تخطط لقلب نظام الحكم في البلاد الأمر الذي لم أفكر فيه في يوم من الأيام..

- كان معروف مستغرقا في سماع القصة وهو مضطجع على فراشه وفي النهاية اعتدل في جلسته وقال:

- «لا أوافقك على هذا يا عبد الحميد..»

- قال عبد الحميد وهو ينظر إليه في حيرة:

- «إننا بذلك نعطيهم ورقة ليعلبوا بها ويدينونا أمام الرأي العام بالتأكيد سينشرون ذلك اليوم في الصحف وسيضيفون عليها من وحي خيالهم ما يثير الناس..»

- «ليفعوا ما شاءوا فسيان عندي أن أكون مجرد معتقل مشتبه في أمره أو متهم تثبتت إدانته وحكم عليه بالسجن ولا شك أن الذهاب إلى السجون المدنية عقب الحكم علينا أفضل من البقاء هنا.. وعندما يريد الله لهذه الغمة أن تنجلي فسوف تشمل عفوه المعتقل والمحكوم عليه بالسجن والحقيقة أن الحكومة لا تؤمن بفرق بين الاثنين.

- قال معروف وهو يشير بسبابته:

- «الأمر ليس كما تتصور..»

- «كيف يا معروف..»

- «لا يصح أن نقول سوى الحقيقة..»

- ابتسم عبد الحميد في شيء من الضيق:

- «لقد اعتبرته تضحية..»

- «إني أختلف معك..»

- «لقد أرادوا يا معروف هتك عرض وفاء..»

- «ليست مسئوليتك..»

- «والتعذيب كاد يودي بحياة البعض..»

- وما ذنبك أنت يا عبد الحميد.؟

- «أحسست أن الله يرضى على عملي..»

- «علم هذا عنه وحده أعرف أنك شريف النية والأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى لكن الصمود في وجه الافتراء واجب كان يجب أن تصمد..»

- «وإذا مات أحدهم أو مت أنا؟؟»

- «الأعمار بيد الله..»

- «وران الصمت على الجميع كانت العيون مضطربة قلقة والرؤوس تغلي بالحيرة والغضب والثورة ورزق إبراهيم لم يطق الجلوس بل ظل واقفا طول الوقت يروح ويجئ في الزنزانة الضيقة ومن آن لأخر يتوقف ثم ينظر إلى معروف تارة وإلى عبد الحميد تارة أخرى.. - وعاد معروف يقول:

- لقد فعل محمود صقر ذلك تمسك بالحقيقة ماذا لو اعترف بحيازته للسلاح أعتقد أنهم كانوا سيدسون السلاح في بيته، وينسبونه إليه زورا يجب أن نصفعهم بالحقيقة مهما كانت النتيجة..»

- قال عبد الحميد في حيرة.

- وماذا أفعل الآن؟؟»

- قال معروف:

- «الأمر واضح..»

- «كيف..»

- «أن تسحب كل أقوالك تنكرها جملا وتفصيلا والسبب بسيط وهو أن ذلك لم يحدث وأنك ما قلت تحت وطأة الخوف والتعذيب ولك أن ترفض التوقيع على المحضر حتى لو شنقوك..»

- «قال عبد الحميد في شيء من عدم الاكتراث:

- «الاعتراف تحت الضغط والإكراه البدني أو النفسي لا قيمة له قانونا »

- رد عليه الشاعر يوسف قائلا:

- دعك من القانون والزفت يا رزق..

- وابتلع يوسف ريقه ثم قال في شرود:

- «إن الإنكار يعني الحيرة بالنسبة لهم سوف يدركون أن هناك مجموعة من الناس تعارضهم وتوزع المنشورات المعادية لهم وهذا يبعث الرعب والخوف في قلوبهم لأنهم لم يضعوا أيديهم على ذلك التنظيم إن صح التعبير..

- دعهم يتعذبون بالحيرة والقلق والخوف مثلما نتعذب..»

- «إذن فالتحقيق لن ينتهي وقصة العذاب ستطول»

- قال معروف في يقين:

- «ومن قال أنهم سيكفون عن ارتكاب المظالم؟ إن ماضيهم الأسود وتماديهم في المظالم يدفعهم دائما إلى مزيد من الحماقات إنهم لم يتراجعوا عن خطتهم لأن تراجعهم قد يقضي عليهم وهو لا ينظرون إلى الأمر على أنه حق أو باطل بل ينظرون إليه من حيث نفعه لهم أو إضراره بهم قوم بلا ضمائر..»

- قال عبد الحميد وقد تنادى جبينه بالعرق:

- «ليكن ما يكون قدر الله وما شاء فعل..»

- قال معروف:

- «يجب أن تتخذ قرارك منذ الآن..»

- «لا مجال للتردد إنني مقتنع بما تقول..»

- وفجأة دق الباب هب الجميع واقفين اقترب رزق إبراهيم من الباب سمع صوتا يعرفه جيدا أنه صوت أخيهم إسماعيل أحد المعتقلين الذين يسمح لهم بالتجول في أنحاء المعتقل للقيام بخدمة العساكر بدلا من قوري اليهودي، وقد كان إسماعيل ذكيا بارعا يستطيع أن يجذب إليه أي إنسان لحسن تصرفه وقوة شخصيته وسرعة بديهته كما كان قادرا على اكتساب الثقة في أقصر وقت قال إسماعيل:

- «يا إخوان»

- رد رزق قائلا:

- «نعم»

- «استمعوا إلي جيدا.. لقد علمت اليوم أن رجال الأمن قد ألقوا القبض على تنظيم إخواني جديد قوامه ستمائة فرد. أننا على أبواب مزيد من المحن استعينوا بالله واصبروا والعاقبة للمتقين..»

- حاول رزق أن يسأل ليعرف مزيدا من المعلومات لكن إسماعيل كان قد فر إلى زنزانة أخرى ليحمل إليهم النبأ المثير حتى يأخذوا حذرهم ويستعدوا لما يحدث عادة في مثل هذه الظروف وقال رزق:

- «لم كين هناك داع لمثل هذه التنظيمات الجديدة الآن ..أنها سوف تجلب علينا مزيدا من الوبال أعني الكوارث..»

- قال معروف باسما:

- «كان البعض يظن أن الإخوان المسلمين انتهوا إلى الأبد.. ورأيي الشخصي أن القافلة تسير وأن المعركة مستمرة وأن الصراع قائم ما قات الحياة فعلى الرغم مما أتوقعه من عنف وظلم بالنسبة لنا إلا أنني أشعر بغير قليل من السعادة»

- وهز الشاعر يوسف رأسه قائلا:

- كتب الله لأغلبن أنا ورسلي تلك آية من القرآن أكدها الله وقال أيضا: «وكان حقا علينا نصر المؤمنين ..» الشرط الوحيد للنصر هو الإيمان ويا له من شرط!!

- والواقع أن الإخوان في السجون والمعتقلات قد قابلوا هذا النبأ بمزيج من الدهشة والإشفاق والأمل أيضا أنه يعني حسبما قال معروف أن المعركة دائرة، ولم تكتب السطور الأخيرة فيها بعد، وهذا يؤكد للطغاة أن التمادي في العنف قد يخلق مزيدا من الأعداء ومزيدا من المقاومة.

- وعلى الرغم من الآلام التي يعاني منها عبد الحميد لا أنه أراد أن يبدد غيوم القلب والأسى التي أظلت الإخوان وفي نفس الوقت أراد أن ينسى نفسه ما سوف ينتظره من دعوة إلى التحقيق وما يجره عليه من أحزان لهذا قال:

- «لو قدر لي الإخلاص لتزوجت من وفاء على الرغم من أنها صفعتني على وجهي..»

- قال رزق في حدة:

- «أتتزوج من صفعتك؟»

- ضحك عبد الحميد وقال:

- «هذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعلها تعتذر لي...»

- قال الشاعر يوسف موجها الحديث لرزق إبراهيم::

- «أتعتقد أن هناك من تجرؤ على الزواج من «إخواني» في مثل هذه الظروف؟

- قال رزق في إصرار:

- «النساء يعشقن البطولة..»

- رد يوسف:

- «لكن الحكومة تسميها خيانة..»

- «دعك من أكاذيب الحكومة..»

- «الناس يصدقون ما يكتب في الصحف..»

- «أنت لا تعرف النساء يا يوسف إلا من خلال أوهام الشعر إن لهن منطقهن الخاص والحب لديهن لا يقوم على أسس مفهومة أنا مثلا أحبتني فتاة بيضاء كاللبن الحليب على الرغم من سواد وجهي الزائد..»

- وضحك الرفاق ضحكة وقورة إلا معروف فقد أخذ يقهقه بصوت عال، عندئذ قال رزق إبراهيم:

- «لم تضحكون؟؟ أقسم بالله أن ذلك قد حدث لقد كانت تطاردني في كل مكان..»

- قال يوسف:

- ولماذا لم تتزوجها..؟؟

- لم تكن محجبة ثم إن فتاتي في السودان..

- قال يوسف:

- سوداء؟؟

- نعم..»

- «أهي جميلة..؟؟»

- «منتهى الجمال ومتعلمة أيضا بل ومحجبة وأبوها من رجال طائفة الختمية المشهورين..»

- قال يوسف مداعبا:

- «أخاف أن يطول بك المقام هنا، وعندما تخرج تجدها قد تزوجت ولعلك تجد على كتفيها طفلين أو ثلاثة وربما تسمى أحداهما جمال أو عطوة..»

- «انقلبت سحنة رزق فقلب عينيه وأخذ يهز رأسه في غضب وقال:

- «نساؤنا لا يفعلن ذلك..»

- قال يوسف في سخرية:

- «بل يفعلنه في كل مكان على ظهر الأرض..»

- تدخل معروف قائلا:

- لا تنزعج يا رزق فالنساء مختلفات فيهن الوفية المخلصة وفيهن الغادرة وعلى العموم فقد أعطاهن الشرع الحق في الطلاق إذا طالت غيبة الزوج لفترة طويلة مخافة الفتنة وهذا فهم واقعي معقول لطبائع النفوس..»

- وجلس رزق وكأنما هبط من السماء كان يحلق فيها مختالا سعيدا ثم وضع رأسه بين يديه وقال في أسف.

- «أنني أكاد أرها كل ليلة في منامي..»

- قال معروف:

- «إن أصحاب المبادئ يضحون بأشياء كثيرة غالية لأنهم باعوا الدنيا وأملا في عفو الله ورضاه.»

- قال رزق في شيء من الخجل:

- «اسمح لي يا معروف ..وزوجتك أنت؟»

- ابتسم معروف وقال:

- «قلبي يحدثني أنها قد تكون ضمن التنظيم الجديد الذي قبضوا عليه حديثنا أنها تكاد تشبهني في العقيدة والسلوك نحن شركاء في الحياة والمصير..»

- وأغفى عبد الحميد وانبعث غيظه رتيبا هادئا وأدرك الإخوان ذلك قال معروف:

- «كفوا عن الحديث إن أخاكم لم ينم أمس يبدو أنه قد تعب كثيرا فلنعطه الفرصة للراحة أمامه صراع طويل في مكاتب التحقيق.. فليحفظه الله..»

- وعاد الصمت المشحون بالقلق يغلف المكان من جديد..