الفصل 26

11 0 00

السحب السوداء تتجمع في أفق حياتك يا نبيلة من جديد والأرض تهتز تحت أقدامك يا مسكينة حتى لكان أديم الأرض بركان يوشك أن ينفجر والنوم يا نبيلة أصبح قليلا.. متقطعا .مرهقا .. مليئا بالكوابيس والأحلام التي تنهك القوى والروح العالم برغم رحابته قد أصبح ضيقا مملا لا راحة فيه ولا سعادة وملايين الكتب يا نبيلة تلك التي تغرق الأسواق أغلبنها لا حركة فيه ولا حياة والخوف يسيطر على الحروف والأقوياء في هذا العالم يا نبيلة حفنة من الأشرار أو العصابات وكأن بينهم جميعا حلفا باركه الشيطان لشن حرب شعواء على الخير والعدل والفضيلة ولا خلاص لهذا العالم إلا أن يولد من جديد..»

هذا ما كانت تحدث نبيلة به نفسها بعد الأزمة الحادة التي تهدد حياتها اليوم وفي اليم التالي عادة إلى عبد العزيز السيسي تقول:

- «لكأني بالعالم قد عاد إلى جاهليته وأصبح في حاجة إلى نبي جديد..»

- ابتسم عبد العزيز كعادته قائلا:

- «وماذا سيقول هذا النبي للبشر؟؟»

- «يقول الحقيقة..»

- استغفر الله.. الحقيقة ماثلة في كتاب الله وهو الرسالة الأخيرة للبشر، وموضحة في سنة نبيلة محمد صلى الله عليه وسلم كل ما يمكن أن يقال إن الناس في غفلة وجهل وما عليهم إلا أن يعودوا إلى النبع الصافي بعد أن أرهقهم التيه وكاد يقتلهم الظمأ هم في حاجة إلى الصدق إلى الإيمان.»

- توترت أعصابها وأخذت تفرك أصابعها ثم غمغمت:

- «القضية الأولى هي الحرية..»

- «بل الإسلام..»

- «وكيف ندعو إليه ونحن محاصرون بالأسوار والسلاح وعصابات السياسة..؟؟»

- قال عبد العزيز:

- «تدعين إليه بين زميلاتك وطالباتك وأسرتك تستطيعين فعل ذلك دون أن تتكلمي..»

- «كيف..»

- «بالسلوك يا أخت نبيلة. .السلوك الصحيح هو أعلى صوت إعلامي عرفه تاريخ الدعوة الإسلامية...»

- «والكلمة..؟؟»

- «لابد أن تقال في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة..»

- قالت نبيلة في إصرار:

- «إذا تحققت الحرية، استطاع كل فرد أن يقول ما شاء.. ونحن بدورنا سيفتح الطريق أمام دعوتنا وتصور أن الحروب التي خاضها المسلمون في الأوائل كانت من أجل تحرير الناس حتى يسمعوا دعوة الله..ولهم الحق في أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا لا إكراه في الدين..»

- قال عبد العزيز وقد أسره منطقها:

- «كلامك فيه الكثير من الصحة الحرية التي نريد لابد أن تكون لها إطار أي أن تكون من خلال التصور الإسلامي لكل نواحي الحياة..»

- وسادت فترة صمت قال عبد العزيز بعدها:

- «عندما نقول «الحرية.» سوف يتساءل الناس: أية حرية تقصدون؟؟ العالم الرأسمالي ينادي بالحرية والشيوعيون يهتفون للحرية واليهود يقولون الحرية الحرية في كل مكان وهكذا يا أختي الفاضلة ترين أن الحرية لا تنبت من فراغ أنها جزء من كل أنها وليد شرعي للمبادئ الخالدة أو البناء الفكري المتكامل والباب الرئيسي لدخول هذا البناء هو الإيمان...»

- هبت نبيلة واقفة وقالت:

- «وكيف ندعو وعدونا يواجهنا بالسياط والرصاص؟»

- «بالحكمة والموعظة الحسنة..«بالحكمة والموعظة الحسنة..»

- هتف:

- «الحكمة مع من؟؟ مع القتلة السفاكين؟؟»

- «نعم مع كل الناس...»

- «إذن لماذا رفع الإسلام سيفه؟.؟»

- «بأمر الله وفي ظروف معينة..»

- تململت في وقفتها تلك وهتفت:

- «لا علاج للسرطان سوى الاستئصال.»

- «العلاج الحاسم هو الجراحة..»

- «ومع ذلك فالجراحة مقصود منها أن يشفى المريض..»

- «أنا أقصد استئصال السرطان نفسه..»

- «أعرف..لكن في إطار المفهوم الذي نعرفه عن القصاص: العين بالعين..»

- كانت هناك جهود مكثفة تبذل من أجل إبقاء نبيلة بالكويت والتغلب على مشكلة مغادرتها للبلاد بشتى الوسائل وكانت نبيلة تنتظر على أحرمن الجمر لكن أمرا هاما قد فتح ثغرة للفرح في قبلها ألا وهو كتابها لقد أثار ضجة أكبر مما كانت تتصور وتم توزيعه بسرعة غريبة بل وطلب الناشر إذنا بإعادة الطبع كما طلب السماح له بنشر عدد أكبر من النسخ إن الناس قد استقبلوا كلماتها بما يستحق الناس متعطشون للحقيقة هي لا تنكر أن هناك من ثاروا ضدها وحاولوا تفنيد كتابها بل اتهموها بتزييف الحقيقة والجنوح إلى الخيال والافتراء وادعاء البطولة بل أن بعض الصحف هاجمتها بشدة سواء في بيروت أو الكويت أو الشام، وأباح لنفسه البعض أن يريمها بتهمة الخيانة والعمالة وزعموا أن وراءها جهات أجنبية أمبريالية ترمي على تشويه سمعة الزعيم ومجلسه الموقر لشد ما تألمت نيلة في البداية لكنها قالت: «هؤلاء الذين يحاربونني إما مأجورون أو مخدوعون.»

- والغريب أن بعض هؤلاء المعلقين طالبوا بطردها من البلاد لأنها لم تحترم أصول الضيافة ولا طبيعة العلاقات الدولية والمجاملات الدبلوماسية وهكذا احتدمت المناقضات وفكرت نبيلة أن ترد على هؤلاء وتكيل لهم الصاع صاعين لكن الأستاذ عبد العزيز السيسي نصحها أن تعتصم بالصبر لأن نقطة الدفاع الوحيدة هو إنكارها لنسبة الكتاب إليها حتى يستطيعوا أن يوقفوا الإجراءات الخاصة بمغادرة البلاد كان عبد العزيز يفكر في إنقاذها بأية طريقة ولا يعتقد أن ذلك خطأ يذكر وخاصة أن الكتاب قد صدر، وبلغ الهدف المقصود أما هي فقد كانت تري أن الصدق يجب أن يقال مهما كان الثمن وأنها لابد أن تتحمل كل ما كتبه الله عليها من تضحيات وتتقبل المخاطر والمسؤولية بشجاعة وتتحدى إرادة الضغط والإكراه والخوف والمجاملات لأن الخائفين لن يحققوا نصرا ولهذا قالت نبيلة في حدة:

- «أستاذ عبد العزيز.. اسمح لي. نحن هنا نأكل التفاح ونركب المرسيدس، ونرتدي أفخر الثياب المستوردة ونخاف على مراكزنا وأموالنا وأمتنا الاجتماعية. ثم نزعم أننا نخوض المعركة..»

- قال عبد العزيز في ثقة:

- «نحن نؤدي التزامات نحو المعركة ولا ضير بعد ذلك أن نأكل ونشرب وننام فالحياة مستمرة والصراع واقع لو احتج الأمر أن نأكل القديد ونرتدي أبسط الثياب لفعلنا أن هناك اعتبارات عديدة يجب أن نضعها في الحسبان وخاصة أن لنا تنظيما يجب الالتزام بتوجيهاته..»

- وخرجت نبيلة من قلقها وهواجسها وآلامها كالمعدن النفيس بعد أن تخلص من شوائبه في وهج النار لم تعد تخاف هي الآن سعيدة أنها تستمتع بجهادها وهي على استعداد لأن تدفع الثمن من راحتها ومستقبلها بل من حياتها أن التضحية أروع ما تكون عندما تصبح خالصة لوجه الله والأرزاق على الله والآجال مكتوبة ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها..

- وكم كانت دهشة عبد العزيز عندما فتح الصحف في أحد الأيام فوجد في إحدى الجرائد المحايدة صورة لنبيلة عبد الله وحديث طويل لمندوب الصحيفة دق قلبه المريض في عنف تقاطر العرق على جبهته شعر بضيق في التنفس أخذ يجري على السطور في لهفة يقرأ شيئا ويغفل شيئا آخر يا إلهي ماذا تقول:

- «إنني واحدة من آلاف البشر المعذبين لم أكن من الإخوان المسلمين أنني أدعو المتحمسين للثورة وبعض رجال القضاء والمحاماة في العالم العربي أن يشكلوا وفد منهم ويطلبوا من الحكومة المصرية السماح لهم بزيارة المعتقلين في المعتقلات والسجون وفي السجن الحربي وسجن القلعة بالذات ومقابلة.. المسجونين سياسيا إنني أتحدى أن توافق الحكومة المصرية كا أدعو منظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الإنسان للتدخل وإعلان الحقيقة أمام الناس ن القضية ليست قضية الدعوة الإسلامية فحسب ولكنها قضية إنسانية كبرى لا تصدقوا كل ما يقال في الصحافة الرسمية وأجهزة الإعلام المختلفة أنا لا أخاف شيئا ولست أملك سوى عقيدتي وقلمي وذكرياتي المريرة...وأرض الله واسعة لقد وهبت نفسي لله ومرحبا بأي شيء أقدمه في سبيل مبدئي إن الأمر لا يعلق بشخصي ولا بوطني فالإسلام وهو ديننا وقضايانا مع الأعداء قضايا خطيرة ومصرية ولن نستطيع أن نخوض معركة حاسمة مع أعداء العالم العربي والإسلامي إلا إذا كنا شعبا شريفا كريما حرا مؤمنا ومدرسة الإرهاب في أي مكان من العالم لن تصنع رجالا شرفاء سوف يتخرج منها الخائفون والمنافقون والأنانيون وستصدر لمجتمعنا الإسلامي جراثيم الفساد والعفن الأخلاقي والموت المعنوي هذه صرختي أطلقها على الملأ قبل فوات الأوان أنا التي ألفت الكتاب أنني أطلب من الإنسان مهما كان لونه وجنسه ودينه ومبادئه على كل أرض أن يدافع عن حق الإنسان وأن يعلن رفضه لكل الإجراءات الاستثنائية والسلطات المطلقة كونوا أنصارا للحق والحقيقة....»

- راتجفت يده وهو يقرأ دمعت عيناه أنها تقول الصدق هي أشجع منا جميعا فلا نحن نأكل التفاح ونركب المرسيدس ونجامل أصحاب القرار والسلطة وتكتفي ببضع نشرات وكتب بلا مؤلف ونرسل بعض المال لأسر الشهداء والمسجونين القضية أكبر من ذلك أترى تكون نبيلة على حق ونحن قد حصرنا جهادنا في أضيق الحدود؟؟

- ومع ذلك فقد استقبلها بشء من عدم الرضا في اليوم التالي وقال

- «التصرفات الفردية مضرة وفيها خروج على الالتزام الجماعي»

- «هناك حقوق للجماعة على لكن هناك أشياء أخرى تخصني كفرد»

- «ماذا تعنين؟؟»

- «حياتي ملكي .. وقد نذرتها لله وسأرحل قبل أن يقولوا لي ارحلي ..»

- قال عبد العزيز شاحب الوجه:

- «قد يغتالونك في مكان آخر. في بيروت مثلا أو أوربا نحن أدرى بأساليب مخابراتهم المنبثة في كل مكان..»

- قالت في إصرار:

- «فليكن..»

- «ليس هذا قرار سهلا إن قضيتنا واحدة والحفاظ على أرواحنا في هذه الفترة أمر ضروري..»

- «إنهم يقتلون السجناء العزل في الحربي بكل بساطة..»

- «لكننا هنا ولسنا في الحربي. .نحن الألسنة التي تدافع عن الشرفاء المحتجزين..»

- «الأمر يحتاج إلى شيء أكبر من ذلك ما سمعت ولا قرأت في تواريخ العالم في معارك بلا دماء ولا نثر بدون تضحيات الخوف مقبرة الأمل..»

- نظر عبد العزيز إليها طويلا . كان وجهه شاردا جامدا في البداية ثم انفرجت أساريره وابتسم ثم ضحك وضحك..

- قالت:

- «ماذا؟؟»

- قال وهو يجفف دمعة أفلتت على الرغم منه:

- «أنت على حق..»

- وصمت برهة ثم أخرج قرصا سرعان ما وضعه في فمه وتبعه بجرعة ماء بعد أن سمى الله وحمده وقال:

- «المهمات الكبرى كنا نكلف بها الرجال القادرين..»

- «ولماذا لا تشارك النساء..»

- «لكن دوره ولم يحن الوقت بعد لكي نكشف لك عن كل شيء حقا نحن نأكل التفاح ونركب المرسيدس وجهادنا دون المطلوب لكن..»

- قاطعته قائلة:

- «إنني آسفة. .لم أكن التجريح كنت ثائرة...»

- «لا بأس نريد أن تتحكمي في ثورتك دائما الأحداث علمتنا الحذر والخبرات التي هزتنا في عنف وأرهقت شبابنا قد مدتنا برصيد هائل من المعلومات إذا كنا نأكل التفاح اليوم ونركب المرسيدس فلا ننسى أننا أكلنا حبوب الحنطة الجافة وحشائش الصحراء ونحن نحارب الصهيونية في فلسطين والانجليز على ضفاف قناة السويس وسرنا حفاة على الشوك حتى دميت أقدامنا وخضنا مجاري المياه في أشد الليالي برودة وكان الموت يترصدنا في كل لحظة..»

- وبدأت الدموع في عينيها فابتسم عبد العزيز قائلا:

- «ألا تقرئين قول الله: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟؟»

- وعاد الشحوب إلى وجهه مرة أخرى وشرد قليلا ثم قال:

- «اسألي زوجتي أم أيمن ذات مساء شعرت بأن السرير الذي أنام عليه مريح وناعما ولين تذكرت إخواني وهم نيام على بلاط السجن يأكلون العدس والخبز فتسللت من الفراش وألقيت بجسدي المريض على أرض الغرفة لماذا لا أ:ون مثلهم لكن آه ماذا أقول؟؟ هناك أشيا أخرى غير المظاهر إن نومي على البلاط لا يعني مطلقا أنني أصبحت مثلهم هناك أشياء أخرى لا يحسها إلا السجين الذي يعيش تحت جناح الموت الأسود والإرهاب والسخريات المريرة والقلق كيف أعايش هذه الأحزان وأنا آمن مطمئن بين زوجتي وأولادي، وجيوبي عامرة بالمال وأستطيع أن أنام وأستيقظ وأقبل أطفال وأخرج والتقى بالأصدقاء؟؟

- طأطأت نبيلة رأسها في أسى قالت:

- «أكرر تأسفي..»

- «لا عليك يجب أن نتكلم بوضوح لقد تعلمت في حياتي الكثير من التجارب والكتب لكنك تجربة جديدة حية أقوى من أي كتاب دبجته يراع كاتب لقد تعلمت منك الكثير..»

- قالت في خجل:

- «العفو»

- «تلك هي الحقيقة..»

- وأصبح موضوع نبيلة عبد الله مادة مثيرة في الصحف في تلك الفترة بعضهم أيدها ف آرائها وبعضهم عارضها بشدة وآخرون كتبوا مطالبين بخروجها من البلاد والواقع أن الأستاذ عبد العزيز السيسي استطاع بذكائه وصلاته القوية مع بعض الشخصيات الطيبة أن يصلوا إلى حل وسط ومن ثم اتفقوا أن تسافر فعلا لمدة شهر في أي مكان ويعلن عن ذلك رسميا ثم يمكنها بعد ذلك أن تأتي خفية دون ضجيج أو إعلان وفعلا شدت نبيلة الرحال إلى استامبول وتركيا حسبما نصحها الإخوان..