الفصل 27

12 0 00

قرية «منية البندرة» بلدة صغيرة تنام في سكون على صدر الأرض الخضراء التي تخترقها خط للسكك الحديد وسكانها قوم طيبون يحترفون الزراعة وتربية المواشي شأنها شأن آلاف القرى في وادي مصر وأغلب الناس فيها يعيشون كأسرة واحدة متلاحمون دائما في السراء والضراء يجتمعون في أيام الأفراح ويتبادلون العزاء في مناسبات المآتم ويتراصون إلى جوار بعضهم البعض في المساجد ويتعاونون في مواسم الزراعة ويعطف الفقراء منهم على الأشد فقرا وجيل الشباب الذين يتلقون العلم في المدارس يحلمون دائما بحياة أفضل يسودها الرخاء والعدل فعلى مقربة منهم توجد اقتطاعيات الباشوات وبعض الأمراء لكن البون شاسع بين هؤلاء وأولئك ويوم أن سيق محمود صقر إلى المعقل حزن الرجال وأغلب نساء القرية كن يذرفن الدموع واحتشد عدد منهن في بيت أم محمود يواسينها ويدعون للعزيز السجين بالفرج القريب فمحمود هو ابن القرية كلها يكتب لهم العقود والرسائل وأوراق البيع والشراء والقروض والإيجارات ويفتي للناس مثل أبيه في أمور دينهم ويعطي الأطفال الدروس الأولية كي يلتحقوا بالمدارس أو المعاهد الدينية ويجمع لهم التبرعات كي يرمموا المساجد الآيلة للسقوط أو يساعد المحتاجين منهم ويرافقهم لدى السلطات الحكومية لحل مشاكلهم المختلفة ويجلس معهم..على المصاطب يناقشهم شئون دينهم ودنياهم ولهذا كان أمر اعتقاله أمرا مؤثرا في نفوسهم لدرجة كبيرة كان يؤمن أن الخطب والشعارات وحدها لا تكفي لإصلاح الحال واللجوء إلى العمل الجاد المخلص في إطار الثقة والتعاون يؤدي في النهاية إلى حلول واقعية برغم الإمكانيات الصعبة المتاحة وانشغال الحكام بأمور أخرى غير مشاكل الجماهير المطحونة بالفقر والقلق والعذاب وفوجئت القرية بعدد كبير من رجال الشرطة يدهمونها ماذا جرى مرة أخرى؟؟ لقد أخذوا محمود قبل ذلك، فمن يريدون هذه المرة؟؟ أنه زمان عجيب وتراص الناس على جانبي الطريق يرمقون الضباط والعساكر وهم يدقون الأرض بأحذيتهم الثقيلة ويثيرون الغبار مدججين بالسلاح، وعلق «قباني » القرية قائلا:

- «ماذا جرى؟؟ هل اختبأ في قريتنا جواسيس أو تجار مخدرات..؟؟»

- وقالت امرأة عجوز:

- «ما هذا الزمان.»

- ورجل من فقراء الصوفية يهتف في شوق:

- «وحدوه هو الباقي كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام يا حي تب على كل حي..»

- وساد الهرج والمرج وعمدة البلدة يهرول مرتديا جلبابه الصوفي وعمامته البيضاء وإلى جواره الخفراء يشقون الطريق المزدحم إلى بيت محمود صقر كان الناس في حيرة من أمرهم لا يكادون يفهمون شيئا الجميع يعرفون أنهم قبضوا على محمود قبل ذلك فماذا يريدون هذه المرة؟؟ هل يريدون اعتقال أبيه أو أمه أو أحد من إخواته؟؟

- ودخلوا بيت محمود وقلبوه ظهرا لبطن، وقال مجموعة من الناس؟؟

- «ماذا حدث يا حضرة العمدة..»

- رد الرجل المرهق الخائف قائلا

- «لقد هرب محمود من السجن يا بهائم..»

- وسرعان ما انتشر النبأ في حارات القرية الضيقة وسادت الناس موجة من الفرح لا توصف وزغردت بعض النسوة وقهقه رجل معروف بإدمانه بعض المخدرات وقال:

- «عفارم والله عفارم يا محمود.. تعيش البطن إلي ولدتك ورب العزة رجل ابن رجل والنبي بطل أشجع من أدهم الشرقاوي..»

- وهمس رجل كان معروفا بميوله حزبية قديمة ومن عشاق الوفد المصري وزعيمه النحاس باشا همس:

- «هذه الأيام السوداء لم نر مثلها مطلقا كان أيام الإنجليز أرحم..»

- أما الشيخ العجوز أحمد صقر والد محمود فقد انهمرت دموعه وقال:

- ولدي لا يهرب من قضاء الله أنا أعرفه..»

- رد عليه قائد القوة المسلحة:

- «الحكومة لا تكذب وكلامك فيه خداع وكذب..»

- «حاشا لله يا ولدي.. ابحثوا كيف شئتم قلبي يحدثني أنه لم يهرب..»

- جذبه الضابط في غلظة قائلا:

- «تكلم أين محمود؟؟»

- «أقسم بالله لا أعرف عنه شيئا منذ أخذتموه.. أنتم مسئولون..»

- ضحك الضابط ساخرا:

- «أتحاكمنا؟؟»

- «وهل فينا من يجرؤ على ذلك..»

- «حسنا فلتخبرنا عن أسماء جميع الأقارب والأصدقاء هنا أو في أي بلدة أخرى..»

- «لماذا؟؟»

- «لنبحث عنه لديهم..»

- ابتسم الشيخ في مرارة وقال:

- «قريتنا كلها أقرباء..»

- «أتسخر منا؟؟»

- «وأصدقاء ولدي كثيرون..«وأصدقاء ولدي كثيرون..»

- وصمت الشيخ برهم ثم قال:

- «حاولت مرارا أن أزوره في سجنه فلم يسمحوا لي في أي شرع هذا؟؟»

- «أنتم لا تسحقون الرحمة، أنسيت ما فعله ابنك؟؟»

- «أقسم أني لا أعرف شيئا«أقسم أني لا أعرف شيئا»

- نظر الضابط في احتقار إلى الشيخ وقال:

- «كان يريد قتل الرئيس..«كان يريد قتل الرئيس..»

- «ولدي يقتل؟؟ مستحيل لقد تعلم منذ نعومة أظافره أن المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله..مسلم حرام دمه وعرضه وماله..»

- قال الضابط:

- «اسمع كلامك أصدقك وأرى أفعالك أستغرب..»

- ثم التفت على العساكر

- «جروا هذا الرجل إلى السيارة..»

- قال الشيخ أحمد:

- «أنا لماذا؟؟»

- «سوف نجري معك تحقيقا حول هروب ابنك ثم تعود »

- «أمري لله..»

- وسار الشيخ في الموكب المسلح يتوكأ على عصاه والدموع تتساقط على لحيته البيضاء وتقدم رجل من أهل القرية وقال في حماس:

- «خذوني مكانه الرجل رجله في القبر..»

- ورنت على وجهه صفعة الضباط الحانق وانهال العسكر ركلا ولكما حتى طرح على الأرض والناس في ذهول مما يجري وانصرف رجال الشرطة وصرخت عجلات السيارات وأخذ الناس يتجادلون ويثرثرون وقالت امرأة تطل من نافذة قريبة:

- «نحن في آخر الزمان..»

- وقال أخرى في بيت مقابل:

- الشيخ أحمد من رجال الله.. هو خير القرية وبركتها يا ويلنا من بعده..»

- وغمر القرية حزن عميق كانت الصبايا يملأن الجرار في صمت وكان من عاداتهن قبل ذلك أن يترنمن بالأهازيج والأغاني الشعبية وذهب الفلاحون إلى حقولهم غارقين في الأسى والكمد، وأصدر العمدة أوامره لأهل القرية بألا يتحدث أحد في السياسة على الإطلاق أو يذكر موضوع محمود صقر على لسانه وحذرهم من السخط أو إظهار أي شعور عدائي لأن الأوامر صريحة بالقبض على كل من تسول له نفسه الدخل في أحاديث تمس هذا الموضوع من قريب أو بعيد وأي «مشاغب» سوف يبلغ عنه ومن ثم يلحق بمحمود وأبيه...

- وعاد الشيخ بعد يومين كأيبا حزينا حليق الذقن وتهامس الناس «حليق الذقن ؟ يا للكارثة..» وارتسمت على وجوههم علامات الاستفهام ولم يجرؤ على سؤاله أحد سوى زوجته التي ضربت على صدرها في استغراب وقالت «يا ندامتي.!! لماذا فعلت ذلك يا أبو محمود؟؟» سالت الدموع على الخد الأعجف المغضن وتمتم الشيخ: «لا حول ولا قوة إلا بالله ..أمروا أحد المخبرين السريين بحلقها لي رغم أنفي.. قلت له هذا حرام هذه سنة عن رسول الله وأنا رجل كبير ولم يكترث لتوسلاتي قال لي هذه «فقهنة..» شعرت على الفور أنهم قوم لا يستحون من الله ولا يحترمون كرامة الإنسان ويكرهون الرجل المؤمن الشكوك تساورني يا أم محمد أخذوني إلى جميع الأقرباء ليفتشوا عن محمود الهارب لاحظت أن التفتيش لم يكن جديا كان مجرد إجراء شكلي بحث قلبي يحدثني أن ما يفعلونه مجرد تمثيلية رخيصة ساقطة تساءلت ما معنى ذلك؟؟ قلت لنفسي أن وراء الأمر سرا لا أعرفه وكيف يهرب محمود من السجن الحربي وحوله الأسوار العالية، والأسلاك الشائكة والجنود المدججون بالسلاح ليل نهار؟ أنه أمر محير الله وحده يعلم أنا لا أفكر في لحيتي الآن فغدا ينبت شعرها من جديد لكن ما أفكر فيه هو محمود

- ووضعت الأم المسكينة يدها على خدها المبلل بالدموع، وأخذت تنظر إلى الفضاء اللامحدود، ولا تكاد ترى أمامها سوى شبح محمود الغالي الحبيب الذي كان دائما مطيعا صالحا لكل الناس وغمغمت بحزن:

- «أشعر أنه قريب مني أحيانا أراه أمامي أعرف أنها خيالات وأوهام لكنه لا يفارقني أنني أعتقد لا أدري لماذا أن محمود قد ترك السجن الحربي قد يكون مختبئا في الحقول أو لاجئا لأحد المساجد أو لعله هنا في البيت أم تراه في مخبأ سري تعرفه..«أمل؟؟» لماذا لا نسأل «أمل» ..ما رأيك...؟؟

قال الشيخ وهو يجفف دموعه:

«مازلت تحلمين..»

وسادت فترة صمت قالت الأم بعدها:

«يا شيخ أحمد اسمعني لماذا لا تذهب إلى الرئيس نفسه وتشرح له الأمر لعل قلبه يرق لحالنا وهو لو عرف حقيقة محمود لوضعه فوق رأسه أنه زين الشباب..»

«أنا لا ألجأ لغير الله..»

«أعرف .. لكن الله لم يسجنه.. الذي سجنه هو السلطان..»

قال الشيخ:

- «استغفري الله.. كل شيء بأمر الله..»

- «وهل يرضى الله أن يظلم محمود؟؟»

- «الله اسمه العدل فكيف يرضى الظلم لعبيده..»

- «لم أعد أستطيع أن أفهم الأشرار يحكمون ويمرحون والأحياء يساقون إلى ظلمات السجون فكيف تفسر هذا؟

- هب واقفا وشد عوده المنحني ودق الأرض بعصاه وقال:

- «وإذا أحب الله عبدا ابتلاه..»

- قالت:

- «لماذا؟؟»

- قال:

- «امتحان..»

- «امتحان؟؟»

- نعم ومن ينجح يدخل الجنة والدينا رحلة عابرة لحظات حلم نائم ثم يأتي بعدها الحياة الأخرى الحقيقية حيث الخلود والنعيم لعباده المؤمنين فلماذا نخاف الأخرى الحقيقة حيث الخلود والنعيم لعباده المؤمنين فلماذا نخاف وتزيغ قلوبنا؟؟ الدنيا بكل ما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة قومي إلى صلاة العصر يا امرأة فليس لنا من عدة أو سلاح سوى التقرب إلى الله بطاعته ومحمود وديعة بين يدي من لا تضيع عنده الودائع..»

- وأجهش الرجل باكيا من جديد..

- قالت الأم وهي تنظر على زوجها في دهشة:

- «لماذا تبكي..»

- «لا أعرف كل ما يمكنني قوله هو أنني اشعر بحنين طاغ إلى لقاء المولى عز وجل من عرف الله حق المعرفة أشتاق للقياه»

- ثم أخذ الشيخ يتطوح برأسه يمنة ويسرة وقد أغلق عينيه الدامعتين ويترنم بأبيات من الشعر منسوبة لرابعة العدوية:

فليتك تحدو الحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب ويا ليت ما بيني وبينك عامر وببني وبين العالمين خراب فإن صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

- وأطلقت الأم صرخة عالية وهي تقول:

- «ولدي مات..»

- لم يلتفت الشيخ إليها وظل يكرر الأشعار مغلق العينين والدموع على خديه وهرول الناس من كل صوب عند سماعهم صرختها وملئوا ساحة الدار وهرول الناس من كل صوب عند سماعهم صرخاتها وملئوا ساحة الدار الواسعة وتجاوبت مع الصيحة طيور البيت وحيواناته وبدت الحيرة في العيون وقال «القباني؟» المعروف بذكائه ودهائه وإطلاعه على الصحف اليومية.

- «هل جاءت أخبار جديدة..»

- لكن الشيخ أحمد لا يجب أنه ما زال يطوح رأسه يمنه ويسره ويردد الأشعار الصوفية:

أحبك حبين: حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواكا وأما الذي أنت أهل له فكشفك لي الحجب حتى أراكا

- وساد الصمت المقدس وخيم جو من الحزن غريب وغمغم رجل طب «الشيخ واصل» وفهم الحاضرون ما تعنيه هذه الكلمات من شدة القرب من الله وصفاء الروح والانسلاخ عن مفاتن الدنيا وبهارجها أما القباني..

- فقد همس: «أخاف أن يكون الشيخ قد أصابه مس من الجنون إن الكارثة لا تحتمل لقد عرفت أن من يقتلوه في السجن يزعمون أنه هرب.. اللهم أكفنا شر مصائب هذا الزمان. أنها فتنة لا يعلم إلا الله مداها..»

- ووقف الناس حائرين، أنهم لا يدرون ماذا يفعلون هل يقدمون العزاء كيف؟ ليست هناك أخبار مؤكدة هل ينصرفون؟؟ لكن الرجل المسكين الذي ظل يعلمهم ويرشدهم ويفتي لهم طوال ستين عاما في حالة يرثى لها، فكيف يتركونه على هذه الحال؟؟

- ولم يخرجهم من حيرتهم إلا صوت شيخ الخفراء الذي قدم مهرولا وقال بصوت أجش آمر:

- « انصرفوا إلى بيوتكم والله لو علمت الحكومة بما يحدث الآن لأشعلت النيران في القرية وأبادتها عن آخرها استحوا يا أخل «منية البندرة» وكونوا عقلاء»

- ولما لم يتحرك أحد، عاد شيخ الخفراء يقول:

- «إن كنتم تحبون الشيخ أحمد وتريدون أن تفرجوا عن محمود فلتطيعوا الأوامر فالضرر أولا وأخيرا لن يصيب غيره..»

- ونظر المحتشدون إلى شيخ الخفراء أنه واحد منهم ويرون على وجهه علامات الأسى المكبوت ويدركون عن يقين أن قلبه معهم وإن كان يحمل سلاح الحكومة وينفذ أوامرها الطائشة وتسرب الناس واحدا إثر آخر..

- وخلا البيت أو كاد ولفه سكون غامض يشع رهبة وعذابا..

- وتوقف الشيخ عن الإنشاد ثم جفف دموعه وحوقل واستغفر الله ثم نظر بعينه الكليلة إلى زوجته قائلا:

- «لقد مات..»

- «صرخت في ذعر:

- «ولدي؟؟؟»

- أسرع قائلا:

- «لا .. إن ولدك لا يموت الذي مات هو الشيطان..»

- وبتلع ريقه قائلا:

- «إن من يستبيح دماء الأبرياء والحرمات ويتحدى إرادة الله المولى يصبح في عداد الأموات ون كان يدب على الأرض ويأكل ويشرب ويخطب على المنصات العالية وتصفق له الحشود..»

- قالت الزوجة في غضب:

- «ليذهبوا جميعا إلى جهنم فأنا أسأل عن ولدي..«ليذهبوا جميعا إلى جهنم فأنا أسأل عن ولدي..»

- «هو حي يرزق..»

- «الله يطمئن بالك يا شيخ..«الله يطمئن بالك يا شيخ..»

- وأخذ الشيخ أحمد يتلو:

- «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون..»

- حاولت أن تفهم ما يقول فلم تستطع أن الأمور تزداد غموضا وإظلاما أمام ناظريها وشعرت أم محمود بالإنهاك والتعب فاضطجعت على حصيرتها لكنها تذكرت أن زوجها لم يقرب الزاد حتى هذه اللحظة، قالت بصوت خفيض:

- «ألا تأكل؟؟»

- «تكفيني جرعة ماء..»

- «هل أطعموك هنا.. في دار الحكومة..»

- «أطعموني ؟؟ نعم شربت الكأس حتى الثمالة كما يقولون وخير الزاد التقوى يا امرأة..»

- ونامت القرية الصغيرة في ضوء القمر كانت ترقد على صدر الخضرة كبقعة سوداء ونعب بومة يمزق السكون والديكة كفت عن الأذان.. وامتلأت السماء بالخفافيش والذئاب تعوي جائعة وسط الحقول المترامية وصفير القطار ينطلق في الأوقات المحددة وقبيل الفجر انطلق صوت الصوفي الفقير نديا مؤثرا في الحارات والأزقة:

يا نائما كيف المنام يطيب الموت حق والفراق صعيب

- وخرج الشيخ كعادته عند مطلع الفجر ليؤم الناس في الصلاة ..

- لكن الشيء الغريب الذي حدث ستبقى تردده القرية عشرات السنين.. فقد نوى الشيخ للصلاة وكبر ثم أخذ يتلو فاتحة الكتاب، ثم تبعها بآية الاستشهاد وصمت وطال الصمت ولاحظ الواقفون في الصف الأول أن الشيخ جلس فجأة دون أن يركع ثم مال على جانبه الأيمن وأخذ يستشهد تقدم نحوه بضعة نفر ثم نظروا في وجهه وقال واحد منهم:

- لا حول ولا قوة إلا الله لقد لقي الرجل مولاه وهو بين يديه يؤدي الصلاة..»3

- وساد الهرج والمرج على ضوء ذبالة الضوء الواهنة التي تضيء المسجد الصغير واختلطت التكبيرات بالبكاء وعمت الدهشة الحضور وقال. القباني

- «لقد ودع الشيخ عالما التعس وهو في أشرف بقعة في ضيافة الرحمن يا أهل منية البندرة أقيموا للرجل الصالح صريحا واكتبوا على شاهده «هذه بقية السلف الصالح..»

- وصحت القرية عن بكرة أبيها وغص المسجد بالناس كل يريد أن يقبل الشيخ ويلتمس البركات ويلقي النظرة الأخيرة وسرى النبأ إلى القرى المجاورة وتدفق الناس في كل صوب وحدب وكأنهم في موكب للحجيج وانسالت أفواج الطرق الصوفية حالة البيارق الخضراء والأعلام يدقون الطبول وينشدون الأناشيد الصوفية وأصبح في القرية حشود هائلة لم تحدث في تاريخا الطويل وهرع الناس إلى أجمل بقعة وسط الحقول وأخذوا يشقون الأرض بالفؤوس ويضعون أساس بناء الضريح، لم يكونوا يفكرون أن الأضرحة ليست من السنة، كان ما يفعلونه مجرد تعبير عفوي عن الحب والولاء لرجل عشقوه بمحض إرادتهم وهو لا يملك مالا يذكر ولا سلطانا ماديا ولم يتقلد طول حياته منصبا حكوميا بارزا، بل عاش واعظا فلاحا ومات واعظا فلاحا لكن حبهم له كان أقوى من كل الدنيا:

- وفجأة سمعت أصوات الطلقات في أجواء القرية وتلفت الناس لقد جاءت حشود كبيرة من العسكر وأخذوا يلهبون الخلق بالسياط وقبضوا على البعض وساقوهم إلى عرباتهم الحكومية وسرعان ما تفرق الناس في كل الأنحاء وانطلقوا في الحقول الخضراء الواسعة وعادة الرهبة والسكون والغضب المكبوت وحمل نعش الفقيد أربعة من الخفراء يحرسهم العسكر ودفن الشيخ أحمد في مقابر الأسرة كانت جنازة عسكرية بحتة..

- وانطلقت الشائعات في كل مكان عن كرامات الشيخ وأخذ الناس يرونها ويتناقلونها في إعزاز وإعجاب والصوفي الفقير أخذ هو الآخر يؤكد أنه رأى المعتقل محمود صقر يشارك في حمل أبيه لوضعه في النعش وبعضهم يؤكد أن أقواما غرباء أحاطوا بالميت من كل جانب ويفسرون ذلك بأنهم لا شك من ملائكة السماء لأنه لم يستطع أحد أن يتعرف على شخصياتهم وكان الزائرون يفدون كل مساء لزيارة القبر ويقبلون ترابه ويسكبون الدموع مما اضطر السلطات لفرض حراسة عليه لمدة أسبوعين وكانوا يسوقون كل من تسلل زائرا إلى حجز القسم كي يتلقى العقاب الرادع ثم يفرجون عنه..

- ولم يعد الناس يذكرون اسم الشيخ أحمد صقر إلا ويسبقونه بلقب «ولي الله..»