الفصل 29

11 0 00

قال رزق إبراهيم والكمد الشديد يرتسم على وجهه الأسمر اللامع:

- «لقد طفح الكيل ولا يمكن أن تمضي الأمور على هذا النحو لأمد طويل..»

- قال عبد الحميد النجار وقد بدا عليه التحسن بعد أن استعاد شفاءه الجسدي والتأمت جراحه الكثيرة..

- «دع الزمن الآن..»

- «لماذا»

- «لأن الصراع قد يطول..»

- شرد رزق إبراهيم وقد نصب طوله الفارع وشد عنقه صوب النافذة الصغيرة داخل الزنزانة وهتف:

- «إنني واثق إن شاء الله أنه سيأتي اليوم الذي يساق فيه عطوة الملواني وزبانية إلى هذه الزنازين نفسها لكنهم لن يكونوا مثلنا..»

- رد عبد الحميد قائلا:

- «كيف..»

- «نحن ندافع عن قضية عادلة ولنا مبادئ تظللنا بظلها الحنون في أوقات الهجير الحارقة أما هم..»

- قاطعه عبد الحميد مردفا:

- هم أيضا يعتقدون أنهم أصحاب مبادئ..»

- «مستحيل. هم فئة من المرتزقة وعندما يسقطون ويحاسبهم قضاة الشعب الحقيقيون سيدركون على الفور أنهم انطلقوا من فراغ سيعذبهم الضياع ويؤرقهم الندم وهذا أبشع من الموت نفسه ولا عجب أن ترى بعضهم آنذاك يلجأ إلى الانتحار..»

- وتمتم معروف الحضري الذي لوحظ اعتصامه بالصمت في الآونة الأخيرة:

- «دم محمود صقر وإخوانه لن يذهب هدرا..»

- رد الشاعر يوسف:

- «إنهم في رحاب الله وقد لاقوا الجزء الأعظم وهم ينظرون الآن إلى الدنيا وأهلها نظرة إشفاق..»

- وتراص الرجال في ساحة الحربي الواسعة ووقفوا طوابير ثلاثية منظمة وحضر المدعي العام وعطوة الملواني وغيره من الضباط والعساكر والكلاب ووقف عطوة خطيبا وشرح لهم كيف أن المحاكمات سوف تبدأ بعد غد، وأن كلا منهم سوف يتسلم الادعاء المقام عليه وسيقوم كل مهم بالتوقيع على محضر التحقيق من جديد وحذرهم من الامتناع عن التوقيع أو إنكار أي كملة مكتوبة في محضره وكل من يحاول أن يذكر للقاضي أن الاعترافات قد نزعت منه بالإكراه أو يزعم أنه قد عذب فسوف يلقى الجزاء الرادع ثم أن ذلك لن يغير من النتيجة في شيء فالأحكام موضوعة مسبقا وحتى القاضي نفسه لا يستطيع أن يغير فيها كما افهمهم أنه لا مجال لتوكيل محامين للدفاع عنهم فالمحاكمة سرية وسريعة ولا داعي لضياع الوقت والمال دون فائدة وبطبيعة الحال أكد لهم أن الحكومة لا تظلم أحدا وأن الرئيس يوصي دائما بأن يعطي كل ذي حق حقه وعاد يؤكد على أهمية سرعة المحاكمة حسب الأوامر العليا فلن تستغرق محاكمة كل فرد أكثر من بضع دقائق قليلة لأن كل شيء محدد ومعروف والاعترافات جاهزة والباقي مجرد مسألة روتينية بحتة، وبعد صدور الأحكام سوف يصنف المتهمون إلى فئات البراءات في مكان وأحكام الشاقة مجموعة منفصلة والإعدام في زنازين انفرادية ويجب أن يفتح كل متهم أذنيه جيدا حتى يسمع الحكم الصادر في حقهن وبعدها سوف يرحل المحكوم عليهم بالسجن والأشغال إلى السجون المدنية ولن يبقى في الحربي إلا المعتقلين دون محاكمة وكذلك البراءات وأحكام إيقاف التنفيذ الذين سينضمون إلى المعتقلين لأنه لن يفرج الآن عن أي واحد..

- وأخذ أحد الضباط ينادي المتهمين فردا فردا، ثم يسلم لهم الادعاء أو الاتهام الموجه ضده وبعدها يوقع على المحضر ثم يوقع مقرا باستلام الادعاء وهناك توقيع آخر يقر فيه المتهم بأن الاعترافات جاءت بمحض إرادته دون إكراه نفسي أو بدني وكان بعض المتهمين لا يستطيع التوقيع بسبب إصابات جسيمة في أيديهم فيمسك «الصول» بأيديهم العاجزة بعد أن يضع القلم بين أصابعهم ويحرك اليد واضعا الاسم.

- وعاد المحبوسين إلى زنازينهم وكل واحد يحمل الادعاء المقام عليه كانت الادعاءات تكاد تكون متشابهة أغلبها يقول:

«إنه في غضون شهر كذا عام كذا أتى أفعالا ضد نظام الحكم بالقوة وفي ادعاءات أخرى كان مكتوبا: «شترك في جهاز تمويل سري بقصد الإضرار بمصالح البلاد وقلب نظام الحكم بالقوة..»

مع أن الأمر لم يكن يعد وجمع بعض التبرعات لأسر المعتقلين أو المسجونين الذين فقدوا مصادر رزقهم وخاصة التجار وأصحاب المهن الحرة الأخرى وقد كانت هناك ادعاءات طريفة أخرى حوكم أصحابها بسبب نكتة قالوها أو نقد عابر لوضع من الأوضاع السياسية أو تمني موت الرئيس أو زيارة أسرة من أسر الإخوان وعرض العون الأخوي عليهم..

وتفرق الأحباب في أماكن مختلفة رزق إبراهيم صدر ضده حكم بالسجن عشر سنوات، ومعروف الحضري أخذ حكما مع إيقاف التنفيذ وعبد الحميد النجار عشر سنوات والشاعر يوسف براءة وتعانق الإخوان في حرارة أنها لحظة الوداع وسالت الدموع الطاهرة في صمت..

وقال الشاعر يوسف وهو يتصنع الابتسام:

«على العموم السجون المدنية خير ألف مرة من السجن الحربي، ستجدون الراحة هناك والمحكوم عليه بالبراءة باقون جميعا في قبضة السجان برغم اختلاف المكان ويوم أن يريد الله الفرج فسوف نخرج جميعا..»

وغمغم معروف الحضري:

«البلد كلها سجن كبير..»

«طالبت بتوكيل محامي للدفاع عني وإخطار السفارة السودانية بأمري فرد القاضي قائلا:

«بلاش فلسفة..» وأخذ يسخر مني ويقول: «مصر والسودان بلد واحد»

أما عبد الحميد النجار فقد أردف:

«قلت لهم أعيدوني لفلسطين كي أشارك مع الفدائيين بدلا من سجني هنا وهناك قد أموت وأريحكم مني»

رد رزق قائلا:

«وماذا كان الجواب؟؟»

«تبادل الجالسون الابتسامة على منصة العدالة ثم جرني العسكري من قفاي إلى الخلف..»

وغمغم عبد الحميد قائلا:

«كانت المحكمة تكاد تكون خاوية القضاة والمدعي والكتبة والحرس لم يرنا أو يسمع بنا أحد من الشعب..»

رد معروف قائلا:

«كان الله معنا وهو أقوى الأقوياء»

وانطلقت الصفارات وحمل كل متاعه الضئيل وذهب كل إلى مكانه الجديد حسب التصنيف وفي فجر اليوم التالي حشروا في سيارات حكومية مغلقة نقلتهم إلى السجون المدنية في «طرة» و «قرة ميدان» أو سجن مصر والقلعة والواحات وأسيوط والمنيا وبني سويف وتحرك الركب المقهور مكبلا بالأغلال في حراسة الأسلحة الأوتوماتيكية الرشاشة من ناحية «مقابر الخفير » والشمس لم تكن قد أشرقت بعد، وفجأة هتف أحد الإخوان

«الله أكبر ولله الحمد..»

فانطلقت وراءه الأصوات الهادرة دون وعي مرددة الهتاف بينما ذهل الحراس الخارجون من السجن الحربي واستمر الهتاف يشق الفجر الساكن ويتصاعد إلى السماء الصافية:

الله غايتنا

والقرآن دستورنا

والموت في سبيل الله أسمى أمانينا..

لا إله إلا الله

ولا نعبد إلا إياه

مخلصين له الدين ولو كره الكافرون..

يسقط الظلم ..

الحرية .. الحرية.. يا أعداء الإنسانية..

الحرية .. الحرية.. يا أعداء الروحانية..

وساد الصمت بعد فترة كان في عيون بعض العساكر دموع أنه لأمر عجيب وأطل عليهم من الخلف ضابط مكفهر الوجه بيده مدفع رشاش وقال وهو يرتجف:

افهموا جيدا أنه لا قيمة لهذه الهتافات ولن تعود عليكم إلا بالضرر أنتم من السجن وإلى السجن وما زلتم في قبضة الحكومة وليس لحياتكم ثمن لدي أوامر صريحة أن أحصدكم بمدفعي هذا لكني مشفق عليكم وأخاف عليكم..

وركن الجميع إلى الهدوء وأخذ السجناء يتطلعون من خلال ثقوب العربات وشقوقها إلى الناس والمقابر والبيوت والأشجار أنهم لم يروا هذه المشاهد الغالية منذ فترة طويلة وبدت مآذن القاهرة وقبابها شامخة صامدة صابرة تحت غيش الصبح، وأخذت الحياة تدب في المدينة الكبيرة والطيور تمرح في جو السماء وتبعث بأنغامها المميزة وبدا جيل المقطم كصدر ضخم حنون يحتضن المدينة المتثائبة..

وعندما وصلت مجموعة منهم إلى سجن «قرة ميدان» القريب من القلعة فتح الباب ودلفوا إليه واحدا أثر آخر يحيط بهم العسكر المدججون بالسلاح ثم أغلق الباب عليهم وتنهد قائد الشرطة بعد أن ابتلعهم السجن في ارتياح وقال:

«الحمد لله»

ثم التفت على عساكره وقال:

«اسمعوا يا أولاد حذار أن يفتح أي واحد منكم فمه لقد انتهت مهمتنا ولا دخل لنا بشيء»

قال جندي من شرطة المحافظة:

«والله العظيم مساكين يا بك قلبي يتقطع شباب مثل الورد يا خسارة!!»

صاح الضابط الكبير:

«انتباه يا عسكري..»

وانتفض العسكري كمن أصابه مس كهربائي وشد عوده، وأدى التحية في حزم، وهتف:

«تمام يا فندم..»

«قلت لكم ألف مرة أنا عبد المأمور ولا دخل لنا في السياسة وما تعلمه الحكومة هو الصحيح نحن وراءنا مسئوليات ولنا عيال حرام عليكم يا حيوانات..»

وأشعل الضابط سيجارة ثم لوح بيده في ضيق وقال

«انصراف..»

وعاد يقول:

«قفوا أنتم هنا حتى أسلمهم السجناء في الداخل وأجعل مدير السجن يوقع بالاستلام الله لا يعيد مثل هذه المأمورية مرة أخرى أعوذ بالله وارتدى السجناء بدل السجن الزرقاء وسجلوا أسماءهم ووظائفهم السابقة وعناوينهم وسلموا أماناتهم وهي عبارة عن قروش قليلة وقطع ملابس محدودة ثم ساروا في طابور طويل صوب الزنزانة المعدة لهم وتمتم رجل منهم:

ما قدر يكون وليس من المكتوب هروب.. وسجننا خلوة فاللهم أقبله منا قربانا في سبيل دينك يا مالك السماء والأرض..»

وكان من نصيب عبد الحميد النجار ورزق إبراهيم أن ذهبا إلى سجن أسيوط المركزي والطريق من القاهرة إلى أسيوط بالقطار طويل وفي كل محطة من المحطات يقف فيها القطار بالوجه القبلي أو الصعيد كانت توجد حراسة مشددة من بلوكات النظام وكانت هتافات المسجونين السياسيين كما يسمونهم تشق عنان السماء مطالبة بالحريات العامة معلنة سخطها على أسلوب الحكم وداعية إلى العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله والناس يقفون خلف «كردون» العسكر ملوحين لهم والدموع تترقرق في عيون الكثيرين، وما أن وصلوا إلى السجن قال أحد الإخوان الزجالين منشدا:

ودورنا على سجن أسيوط

ولبسونا بدلة وزعبوط..

وجابوا لنا الشاويش عطعوط

ربنا يقبل مننا

ونخش الجنة كلنا

ورد عليه زجال آخر:

وردونا على سجن قنا

والصبر حادي ركبنا

زودوا في الدعوة حبنا

ربنا يقبل مننا

ونخش الجنة كلنا

وقال الزجال الأول:

ودخلونا «قرة ميدان»

مظاليم والله في كل مكان

وشخط فينا الشاويش سمعان

ربنا يقبل مننا

ونخش الجنة كلنا..

وأخذ السجانة يستمعون إلى الأزجال وهم يخفون ابتسامتهم ودهشتهم ومصمص أحدهم بشفتيه قائلا:

لا حول ولا قوة إلا بالله أول مسجونين أراهم في حياتهم يدخلون السجن وهم يضحكون ويغنون يبدوا أنكم لا تشعرون بالمصيبة التي حلت بكم يا خسارة على شبابكم..»

واحتشد كل عشرين في زنزانة كبيرة وألقوا بأجسادهم المرهقة من طول السفر على جسده ونام رزق إلى جوار عبد الحميد النجار وهمس:

- «فيم تفكر..»

- قال عبد الحميد:

- أفكر كيف يأتي أهلي من «غزة» إلى هنا لزيارتي أنه سفر طويل للغاية ألا تعتقد أننا يا رزق سببنا لأهلينا الكثير من المتاعب..»

- «قال زرق.»

- «سوف ينالهم ثواب كبير أنهم يشاركوننا أحزاننا»

- وتنهد عبد الحميد قائلا:

- ترى كم عاما سنبقى هنا؟؟»

- كله بثوابه..»

- «يخيل إلى في بعض الأحيان يا رزق أنني سأقوم وأحطم جدران السجن وأنطلق إلى الدنيا الواسعة وأنعم بالحرية السجن شديد الوطأة يا رزق والأيام ستمر علينا ثقيلة قاتلة..»

- وسمعهم أحد السجناء غير السياسيين وكان يجلس قبالتهم فتدخل قائلا وهو يبتسم في هدوء:

- «في البداية ستتألمون لكن الأيام ستمر وستتعودون على السجن وتألفونه وعندما تذهبون إلى ورش النسيج للعمل في الصباح وتنتهون منها في المساء سوف لا تشعرون بمرور الوقت أنا سجين منذ عشر سنوات مرت سريعة على الرغم من أني قاتل..»

- صرخ رزق قائلا:

- «قاتل؟؟»

- «نعم أخذت بثأر أخي..»

- ودارت المناقشات بين المسجونين العاديين والمسجونين السياسيين وكانت هذه المناقشات بمثابة تعارف بين الطرفين وما هي إلا ساعة حتى أخلد الجميع للنوم.