الفصل 3

11 0 00

الشيء الذي يضايق «البكباشي عطوة» أشد الضيق وأعنف هو أن يرفض له طلب، الحياة العسكرية علمته أن يصدر الأمر فيجاب على الفور، والأمر عنده لا يحتاج إلى تكرار، حتى هو نفسه بالنسبة للرتب العالية في الجيش لم يتعود أن يعصي لهم أمرا لقد تمت خطبته لنبيلة وهو يعتقد أنه ربح بذلك معركة كبرى، أو كسب أروع صفقه له في لعب الورق الذي يدمنه لكن الشيء الذي آلمه هو أنها ترفض الاستجابة لعبثه لقد أراد أن يقتصها بسرعة جذبها إلى فنفرت منه حاول تقبيلها فتمنعت جرها إلى السير فانتزعت نفسها منه انتزاعا وهو يلهث صرخ فيها كوحش مفترس...

- «ما معنى ذلك...؟؟»

- «أتسألني أنا.؟؟ أسأل نفسك..»

- «خطيبتك نعم.. لكن لست زوجتك»

- «أنا أكره اللعب بالألفاظ.. أنت لي سواء هذا أم ذاك»

- «الفرق كبير بين الاثنين..»

هدد ككلبه الشرس:

- «أنا لا أطيق الاعتراض..»

- «لنتفاهم...»

- «لم نلتق لنتفاهم..إنك تهددين أجمل أوقاتنا بغبائك...»

- بدا على وجه نبيلة الامتعاض وفكرت في الخروج لكنها تمالكت أعصابها وقالت:

- «أتحب الموسيقى؟؟»

هتف في حدة:

- «لا موسيقى ..ولا زفت..»

- «أنت إنسان متحضر...»

- وابتسمت نبيلة، واتقربت منه محاولة ترضيه، لكنه دفع يدها في غضب وقال:

- «العلاقة بيننا ليست موسيقى .. ولا قراءة ولا كلام فارغ من هذا القبيل .. دعك من الأوهام .. أنا رجل عملي...»

- وبرغم ثورته فقد ضحكت وقالت:

- «نزار قباني عنده حق...»

- قال في سخرية:

- «ومن يكون نزار هذا.؟؟»

- «شاعر»

- دق الأرض بقدمه وقال:

- «موسيقى !! شعر !! كفى تخريفا...»

- نظرت نبيلة عبر النافذة المظلمة ثم هامت بنظراتها في أرجاء الغرفة وقالت:

- يقول نزار

ثوري على شرق التكايا والسبايا والبخور ثوري على شعب يراك وليمة فوق السرير

قدم نحوها وطوقها بذراعه القوية وأنفاسه تتلاحق وقال:

- «لا أفهم شيئا مما تقولين.. ولا تنطقي بكلمة ثورة وإلا علقوك على (العروسة) أو شنقوك...»

- خلصت نفسها منه برفق عندما رأته يحاول تقبيلها وقالت:

- «أعوذ بالله.. وأنت؟؟؟ ألست من الثوار؟»

- «نعم هو ذلك..»

- قالت نبيلة في فخر:

- «وهذا هو الذي جعلني أحبك...»

- رفع هامته في استعلاء وقال:

- «ثورتنا ثورة رجال.. ولا نضيع أوقاتنا إلا فيما يفيد. .لكنك تفكرين وتتصرفين بعقلية رجعية بحتة..»

- ضحكت نبيلة وقالت:

- «هذا كلام يقال في الخطب للجماهير..»

- «ما معنى ذلك..؟؟»

- «معناه أنك لن تمسني إلا في ظل الشرعية .. يعني على سنة الله ورسوله..»

- وقف مبهوتا للحظات ثم هز رأسه في دهشة، وعاد إلى الخلف ليتناول علبة السجائر ثم أشعل واحدة ونفث دخانه في غيظ وقال:

- «لا أريد أن أسمع كلمة الشرع أو الشريعة أو السنة.. أنا أمقت هذه الكلمات...»

- فغرت فاها دهشة وقالت:

- «أعوذ بالله .. أنت مسلم..وأبوك عالم من علماء الدين .. فكيف تجرؤ على مثل هذا القول..؟؟»

- ذهب إلى مقعد وثير قريب، ثم صب كأسا شربها دفعة واحدة وتجشأ ثم قال:

- «هذه الكلمات أو الألفاظ لها مدلول واحد عندي.. العصيان أو الثورة المضادة ..وأمن الدولة فوق كل اعتبار..»

- ضحكت وأخت تضرب الأرض بقدمها وهمست:

- «أتحسبني من الإخوان المسلمين...»

- بان الغضب في عينه وقال في ضيق:

- «لنترك الحديث في السياسية...»

- «وهل يغضبك يا عطوة أن نؤجل ما نفكر فيه إلى أن نعقد القرآن..»

- هتف في ملل:

- «عقد القرآن مجرد ورقة لا تساوي شيئا..»

- «لكنه الباب الذي يدخل منه الشرفاء...هي التي تفرق بين وضع ووضع ... بين حلال وحرام..»

- صب كأسا ثانية، وهم بشربها لكنها أسرعت إليه وأمسكت بيده وحاولت منعه من الشرب فقال:

- «دعيني وشأني .. الحلال هو ما أريده»

- «لست إلها يا عطوة...»

- نظر إليها طويلا، ثم هز رأسه وقال:

- «يبدو أننا لن نتفق..»

- لم ترد عليه، تناولت حقيبة يدها ثم هرولت خارجة، وهي تقول:

- «لن أعود هنا مرة ثانية إلا بعد أن تقتنع بما أقول...»

- تركته وحده، سحق بقية السيجارة في المطفأة الزجاجية ذات اللون الأزرق، دار بنظراته المجنونة في أنحاء الغرفة ذات الستائر الحمراء وقع بصره على المقعد الذي كانت تجلس عليه، آه.. لقد نسيت كتباها .. قد نحو الكتاب وأخذ يتصفحه، إنه مكتوب بالفرنسية، اول أن يقرأ العنوان فلم يستطيع على الرغم من أنه درس اللغة الفرنسية في المدرسة الثانوية لأربع سنوات، رمي الكتاب على السجادة القاتمة اللون ذات الفراء الأحمر، ثم داسه بقدمه ثم بصق عليهن وتمتم قائلا:

- «لم يزل في هذا العالم كثير من الأغبياء .. نعم أغبياء لأنهم يعيشون بين صفحات الكتب أكثر مما يعيشون في الواقع... هؤلاء الأغنام الذين أسوقهم بالسياط في السجن الحربي، وأمزق في أجسادهم سبب نكبتهم الكبرى أنهم يقرءون ... نعم لقد كنت على حق حينما منعت عنهم الكتب نهائيا.. لكن هذه المجنونة كيف أمنعها من القراءة..؟؟ اللعنة عليها وعلى كلية الآداب التي تخرجت منها.. وعلى مهنة التدريس التي تعمل بها...»

- دق الجرس فدخل خادمه الصامت إنه ليست خادما بل مجرد جندي مراسلة دربه عطوة على سلوك معين يلتزم به «أنا لا أرى ولا أسمع» تلك هي الفلسفة التي التزم بها «عويس» الجندي القادم من أقصى الصعيد، والذي استطاع أن يكون هو الطباخ والغسال والخادم في بيت سيده.. صاح عطوة:

- «أنت يا حمار .. ناد السائق يجهز السيارة...»

- هز عويس رأسه في صمت ثم انصرف بالخطوة السريعة كما عوده قائده، وتوجه عطوة بسيارته إلى السجن الحربي الطريق يعص بالسيارات والمشاة والضجيج، كل شيء ينساب في حركة متداخلة متصادمة وكأن الأمر طبيعي نظر عطوة عبر زجاج النافذة إلى الشارع في ازدراء ولوى شفتيه من هؤلاء الذين يراهم؟؟؟ أنهم حثالة المجتمع ليس فيهم رجل واحد له ثقله هل يعرف هؤلاء البلهاء الذين يسيرون في الشوارع ضاحكين أو صاخبين أو صامتين من يكون «عطوة الملواني» عطوة الذي يركع تحت أقدامه أساتذة الجامعات وكبار الأثرياء، وقدامى الباشاوات والبكوات والوزراء في السجن الحربي وهم يتضرعون إليه طالبين العفو ذارفين دموع الندم؟؟ هل يعرفون من يكون عطوة بالنسبة للسلطات العليا خاصة وبالنسبة لأمن البلاد عامة؟ لو يعرفون من يكون حقيقة لاصطفوا على جانبي الشارع هادرين بالهتاف الصاخب، والتصفيق الحار، ولحنوا رؤوسهم إجلالا واحتراما، ولزغردت النسوة في الشرفات ولأطلق الأطفال والصبية الأناشيد الحماسية للترحيب به ولامتلأت الشوارع بالوافدين من القرى والأقاليم يحيون شخصه الفذ، ويغمغم عطوة في غيظ «ناس أوباش.. بهائم» وفجأة تعترض طريق سيارته فتاة تعبر الطريق لكنها تمرق كالغزال النافر، بينما يضغط السائق بقدميه فتبطئ السيارة في السير وتهتز هزة عنيفة، فيصرخ عطوة في السائق

- «دسها يا حمار..»

- «حرام يا بك..»

- «حرمت عيشتك أنت وأهلك...»

- ثم رفع عطوة يده وهوى بها على قفا الجندي السائق الذي لم ينطق ببنت شفه، واستمر في سيره وقد تبللت أهدابه بنذر دموع وتذكر عطوة نبيلة.. إن خيالها يحاصره أعنف من ذلك الحصار الذي شقي به في «الفالوجا» بأرض فلسطين أيام الحرب الأولى بين العرب واليهود إنه يفكر في مصدر القوة التي تمتلكها «نبيلة»...هي مجرد امرأة لا أكثر ولا أقل، وكم من النساء بعن أنفسهن بالمال، أو أغراهن المنصب والنفوذ أو حملن إليه حملا بالتهديد والوعيد عن طريق رجاله وجنوده، كن هذه الفتاة التي لم تتجاوز عامها الرابع والعشرين تبدو خلقا آخر إنه بشعر أمامها بالعجز والحيرة والغيظ أيضا لقد فكر أن يطردها ويركلها بقدمه لكن نفسه لم تطاوعه، وفكر أن يضربها لكنها من أسرة مثقفة وهم ذات مرة أن يصفعها لكن يده لم تتحرك كأنما أصيب بالشلل وحاول أن ينساها لكنها فرضت نفسها عليه فرضا بحيث لم يستطع الإفلات من سطوتها وسلطانها وهو الذي كان يعتقد في نفسه أنه أقوى الأقوياء، وجبار الجبابرة، فكيف استطاعت امرأة أن تسلبه إرادته، فتملئ عليه شروطها وتحقق ما تعزم عليه بمجرد كلمة أ, موقف عادي.. إنه لا يطيق هذه التصرفات منها لعنة الله على ذلك اليوم الذي عرفها فيه.. أترى تكون قد سحرت له؟؟ إنه لا يؤمن بالسحر ولا بالعفاريت لكن ما يراه من نبيلة يجعله يشك في كل معتقداته وأفكاره القديمة والكارثة أنها تتكلم عن الحلال والحرام، وعن الشرع وسنة الله في هذا العصر.. في إمكاني أيتها المجنونة أن ألصق بك تهمة بشعة، مجرد تقرير بسيط، يقول كاتبه إنك تقومين بنشاط معاد لأمن الدولة.. أو أنك على اتصال بجهات أجنبية.. أو إنك عميلة صهيونية أو أمريكية..

وسرعان ما يقذفون بك في زنزانة حقيرة سوداء لا ماء فيها ولا هواء ولا فراش وثير .. وتعيشين مع الوحدة والعذاب والخوف ولا يكاد يمضي وقت قصير حتى يذهب عقلك إلى الأبد.. ما أغباك..إنك لا تعرفين من أنا...

حسنا .... لسوف آخذك مرة إلى السجن الحربي لتري بنفسك وتعرفي من أنا.. أقسم أن آخذك إلى هناك.. مجرد نزهة بسيطة.. سترين من حولي الكلاب والجنود والمعتقلين والضباط.. وسترين العصا السحرية التي أشير بها فيتحول السجن كله إلى مجزرة هائلة .. أروع مجازر القرن العشرين وسترين المجاهدين في سبيل الله... أبطال الكفاح القدامى الذين أزعجوا التاج البريطاني قديما... وهم يجرون تعساء ممزقين تنزف منهم الدماء والدموع يجللهم الذل والشقاء ..عندئذ تعرفين من هو عطوة الملواني.. وما هي مكانتي بن البشر وفي التاريخ عندما يكتبون التاريخ الذي نصنعه بأيدينا...»

وما أن فتحت البوابة السوداء الكبيرة، المكتوب فوقها «المنطقة المركزية- السجون الحربية» ما إن فتحت حتى نفخ جندي في البوق، وصاح آخر بأعلى صوته:

«كل السجن ثابت»

حتى ران الصمت والجمود وتحولت ساحة السجن إلى متحف من الشمع ولم يعد يسمع غير هدير السيارة وهي تدلف صوب مقر قيادة السجن الحربي، ثم تتوق وينزل منها عطوة والشارات الحمراء والذهبية تحلى قبعته وسترته ويخرج وهو منحن ثم يرفع هامته إلى أعلى فيؤدي الضباط التحية في قوة ونشاط ويخطو عطوة بعد أن يجيبهم كنصف إله.. ويستقبله ضابط المباحث العامة بالتحية والضحكات الأخوية المألوفة . وكلمات النفاق والمرح السمح فيصافحهم ويجلس إلى مكتبه منتفخ الأوداج، ثم يشعل سيجارته ويصمت قليلا ويقول:

هية ..هل اعترف الولد الأزهري القادم من (منية البنذرة)

فيرد أحد الضباط الصغار.

- «أما زلت يا جناب الباشا متذكرا اسم بلده؟»

- «نعم ...واسمه محمود صقر»

- «ما شاء الله يا جناب الباشا.. ربنا يكملك دائما بعقلك المعجزة...»

- وعاد عطوة يسأل:

- «هل اعترف؟؟»

- «لا .. إن رأسة كالحجر...»

- « احضروه إلي .. لسوف أحطمها..»

- «أوامر جديدة بالانتهاء منه..»

قهقه عطوة قائلا:

- «أوامر؟؟ أوامر لي أنا؟؟ كل شيء متفق عليه.. احضروه فورا دون إبطاء..»

- فهرول الضابط ومعه بضعة جنود خارج المكتب...