محمود صقر يرتمي على بلاط الزنزانة البارد بالسجن الحربي رقم أربعة كلما حاول أن يتحرك شعر بآلام رهيبة في كل أنحاء جسمه، السياط قد تركت كدمات زرقاء، وحمراء على وجهه وعلى راسه الحليق وعلى جلده في كل مكان وهناك بعض الجروح المتقيحة أيضا نتيجة لتوالي الضربات أحيان كثيرة في مكان واحد وبسبب نهش كلاب عطوة بك أو نتيجة للحرق السجائر المشتعلة وهو يشعر أن درجة حرارته مرتفعة وحلقه جاف لكم يتمنى أن يشرع جرعة ماء لكن الزنزانة خاوية تماما إنه يجلس عاريا ويرقد عاريا لأن جسده المتورم الملتهب لا يطيق لمس أي شيء إن عينه تغفو أحيانا قليلة.. يخيل إليه أنه هائم في صحراء موحشة محرقة تدهمه الذئاب من آن لأخر، ويرى السراب من بعيد فليعق فمه بلسانه .. الماء .. الرحمة .. لا مجيب...
لماذا هذا العذاب كله؟ المسألة كانت في رأي محمود بسيطة للغاية لم تكن تحتاج لهذا الرد العنيف المميت... كل ما في الأمر أنه يدعو إلى أسلوب في الحياة والحكم يعتقد يقينا أنه أسلوب يحقق العدالة والرخاء وكان يدعو إلى ذلك لإيمانه بأن الدعوة فرض.. ,خاصة ما يفعله أمر إلهي.. هكذا تعلم في الأزهر، ولما قرأ التاريخ وفكر وقارن وراجع ونظر حوله أيقن أن طريق الله هو الطريق وأن المنهج الإلهي أعدل وأكمل من منهج البشر وأن الخالق أدرى بما يحقق السعادة والخير للمخلوق وأي خروج على هذه العقيدة في رأي محمود زيغ وانحراف وتعاسة.. لا شيء في ذهن محمود غير ذلك لكنه، فوجئ ذات مساء بفيلق من الرجال يدهم بيته ومعهم السلاح العنف الصفاقة دفعوا أباه العالم والشيخ العجوز دفعا فسقط على الأرض وسط الظلام وهو يستعيذ بالله ونزعوا الحجاب عن وجه أمه وإخوته البنات وأزعجوا الصغار والكبار في بيت أبيه وقد قرب الفجر استيقظ الأطفال يصيحون وسالت دموع النسوة.. وتجمع رجال القرية الصغيرة ونسوتها حول المنزل ينظرون صامتين.. الرجل المسلحون ينهرون ويضربون ويقذفون أقذع الشتائم.. والرعب يحط بجنابه السوداوين فوق القرية الصغيرة لأول مرة في حياتهم يشهدون هذا المنظر في بيت من أشرف بيوت القرية وأعظمها تاريخا، وأفضلها برا وعطفا وحبا ... وتمتم رجل في الستين من عمره ذو لحية بيضاء «هذا زمن الشيطان.. نحن في آخر الزمان» أما والد محمود فقد رآهم وهم يجرون ولده المدرس حافي القدمين لا يلبس إلا جلباب النوم على اللحم وهز رأسه في حزن عميق وانحدرت دمعة تعسة من بين أهدابه المرتجفة وقال: «الهرج والمرج من علامات الساعة.. كان الله في عونك يا ولدي المسكين..» ومشي محمود معهم كالمبهور لماذا يفعلون كل ذلك؟ حاول أن يتفاهم معهم فلم يستجيب له أحد، سألهم عن السبب فلطمه ضابط على وجهه قائلا «اخرس يا كلب» وعندما سألهم محمود:
- «هل معكم أمر من النيابة بالقبض علي؟»
- رد الضابط ساخرا:
- «أية نيابة يا روح أمك؟»
- «هذا قانون يا حضرة الضابط..»
- «ملعون أبوك وأبو النيابة وأبو القانون»
- لأول مرة يسمع محمود مثل هذه الكلمات ودون تحفظ خرجت منه الكلمات
- «لسنا في غابة .. نحن في القرن العشرين..»
- صفعه الضابط مرة ثانية ثم جره من طوق جلبابه اليتيم، ودفعه داخل سيارة الشرطة وهو يقول:
- «اخرج منديلا واعصب به عينيك..»
- قال محمود في دهشة.
- «لماذا
- «هذه هي الأوامر .. لا تتفلسف..»
- «ليس معي منديل..»
- «اخلع سروالك..»
- «معقول.؟؟»
- وأسرع أحد الشرطة المخبرين وخرج من جيب جلبابه منديلا ملوثا وهو يقول:
- «معي منديل يا سعادة البيك»
- وعصبوا عينيه لم يعد يرى شيئا، العالم كله من حوله ظلام والصمت لا يقطعه إلا أزيز العربة، وصراخ النسوة في القرية يتناهى إلى سمعه ضعيفا واهنان وكذلك صوت الديكة والمؤذن وهو يلقي بعض التوشيحات تمهيدا لأذان الفجر.. .والمجهول كوحش خرافي بشع يفتح فمه الداكن ككهف سحيق مليء بالحيات والعقارب قلبه يحدثه بأن الأمر خطير، ولكنه لماذا هو خطير لهذه الدرجة؟
- «يا سعادة البك.. اعمل معروفا..أريد أن أعرف جريمتي...»
- «الاشتراك في جهاز سري مسلح لقلب نظام الحكم.. هل ارتحت؟؟»
- «التفت محمود صوب مصدر صوت الضابط وقال:
- «كذب ... من قال ذلك؟؟»
- «لا يحق لك أن تسأل نحن الذين سنسألك وسترى..»
- «كيف يكون سريا وأنا أدعو الناس إلى في الشوارع والمساجد والمدارس في إطار مبادئ تعلمها الحكومة ومع جماعة سمح لها القانون بممارسة نشاطها؟؟»
- نظر الضابط إلي الشاب المعصوب العينين وقال:
- «محاولة قتل الرئيس هل سمح بها القانون؟؟؟»
- «لا تسألني إلا عما يخصني .. أنا لم أفكر أو أدبر أو أحاول عملا كهذا»
- قال الضابط:
- «أتظن أننا كنا سننتظر حتى تفعل ذلك؟؟»
- ورد محمود وهو يضغط على أسنانه في ثقة ممتزجة بالضيق:
- «لن يستطيع أحد إدانتي...»
- قهقه الضابط في سخرية وقال:
- «لقد أدنت نفسك»
- «كيف ؟»
- «ألم تعترف منذ لحظات بأنك كنت تدعو الناس؟؟»
- «ليست هذه جريمة..»
- «أعرفكم.. دائما تجيدون الجدل والسفسطة والحكومة ليس لديها وقت لهذا الكلام الفارغ. أتدري إلى أين أنت ذاهب؟؟»
- قال محمود في لهفة:
- «لا..»
- «السجن الحربي يا حبيبي.. أتعرف معنى السجن الحربي؟»
- «لكني مدني ولست عسكريا حتى ترموا بي هناك...»
- «السلطة أدرى بما يصح ومالا يصح»
- «لكن البلد فيها قانون يا حضرة الضابط...»
- «حسنا.. سوف تخرج من رأسك كل هذه الخرافات عندما يتلقفك عطوة بك والباشجاويش ياسين.. هل سمعت عنهما؟؟»
ومرت الساعات كالحلم الرهيب عالم السجن كله مثل جهنم، لا شيء سوى السياط والشتائم المقذعة وإهدار الآدمية، وصراخ المتألمين، وضراعة المستغيثين.. «يا رب..» هي كلمة العزاء الوحيدة وإن كانت تضيع وسط الضجيج والصراخ وأسئلة المحققين المتلاحقة وإصرارهم على أن يعترف المتهم بما يريدونه لا بما حدث فعلا.. إن المحققين في هذا الوادي الرهيب يؤلفون المسرحية، ويضعون الحوار والسيناريو، ويحددون أدوار الشخصيات، ثم يختارون الممثلين ليعلب كل دوره المرسوم له، وينطق بالكلمات المرفوضة عليه وإن كانت لا تمت إلى الواقع أو الحقيقة بصلة، ووجد محمود نفسه على رأس مجموعة مسلحة هذا ما قالوه له.. إنه على استعداد أن يقبل هذه التهمة الملفقة حتى يريح نفسه من العذاب المضني، والسهر الطويل، والظمأ القاتل، والجوع القاسي وما أن بلغ هذا الحد من التفكير حتى شعر بقليل من الراحة المؤقتة إنه يريد وقتا كي يستريح قليلا من العناء ويفكر في هذه الكارثة التي حطت عليه دون انتظار .. وابتسم المحققون هم يستمعون إلى قوله:
«نعم أنا رئيس المجموعة...»
واقترب منه عطوة بك الملواني وقال في رفق مصطنع:
«إذا لماذا كان العناد الذي لا مبرر له؟؟ الم يكن من الأفضل أن تعترف منذ البداية وتوفر على نفسك هذا العذاب كله؟؟
تمتم محمود في يأس:
«آسف يا أفندم»
- «المشكلة الآن أن إخوانك لا يعترفون بأنك رئيسهم»
- «حسنا ... أحضروهم وسوف أقنعهم...»
- «هذا عين العقل...»
- وحضر الشباب الأربعة وأخبرهم محمود بأنه اعترف بأنه رئيسهم فنظروا إليه في استغراب ودهشة، قالوا له إن هذا مناف للحقيقة لكن محمود هز رأسه في ألم، وأخبرهم أنه يعرف جيدا ما هو بصدده، وأنهم يجب أن يستمعوا إلى كلامه... وانظروا إلى جسده الدامي العاري، وإلى وجهه الممزق المتورم، إلى حاملي السياط من حوله، وكذلك الكلاب الذكية التي تنتظر الأوامر، وعطوة بك بنظراته المتوعدة المهددة التي تشبه نظرات الكلاب المدربة إلى جواره، وامنوا على كلام محمود عندئذ تنهد عطوه بك ف ارتياح وجلس فوق مقعد قريب ثم أشعل سيجارة وهو يقول:
- «والآن... أين السلاح؟؟؟»
- كاد محمود أن يصعق أي سلاح يريدون، إنه لم يقتن قطعة سلاح في حياته، ولم يدخل السلاح بيته في القرية ولا أحد من أسرته، والشرطة فتشت البيت تفتيشا دقيقا مزقت الحشايا والوسائد وكسرت جرار المشي والجبن والسمن، وحطمت الخزائن والصناديق، وبعثرت الكتب والمراجع بما فيها كتب السيرة الحديث والمصاحف، وحفروا الأرض.. فلماذا إذن هذا السؤال الغريب؟؟
- وتمتم محمود في انزعاج:
- «أي سلاح؟؟»
- هب عطوه بك واقفا وهدر:
- «أنا أعرفك وأعرف ما يدور في ذهنك الآن..»
- «أقسم لك إني لا أعرف شيئا عن هذا الموضوع!!»
- «أفهمني .. كيف تكون يا محمود رئيسا لمجموعة مسلحة دون سلاح.؟؟
- طفرت الدموع من عيني محمود وقال»
- «أنا لم أعترف برئاستي لهم إلا استجابة لإرادتكم...»
- «تعني أننا نلفق التهم يا كلب؟؟»
- «يا سعادة البك ليس لدينا سلاح..»
- «أنا أعرف الوسيلة التي تجعلك تعترف..»
- وأشار برأسه وانهالت السياط على الجسد المهترئ الدامي.. وجروا أعضاء مجموعته بعيدًا عنه، وطال العذاب، ومحمود لا ينطق إلا بكلمتين اثنتين «آه.. يارب..» وشرطي طويل نحيف دائم السعال يصرخ فيه وهو يمزقه بالكرباج «انطق يا مولانا.. لا .. لا .. لا تتكلم ...لا أريد منك اعترافا .. إن مثلك لا يصح أن يعيش...» وعلى مقربة من محمود رأى شابا آخر تنهشه السياط والكلاب من كل جانب، والمحقق يقف إلى جواره ومعه القلم والورق، وأثناء الهجمة البربرية على الشاب المسكين يقول المحقق:
- «ولما قالوا لك إن حادثة المنشية صنعتها المخابرات العامة، ماذا كان ردك؟»
- «لم أقل شيئًا... دعهم يكفوا عن ضربي حتى استطيع أن أجيب..»
- «مستحيل .. فلتجيب وأنت على هذا الوضع..»
- «حرام يا بك»
- «حرمت عيشتك وعيشة أهلك يا حيوان .. هيه . وأنت هل ترى أن حادثة المنشية تمثيلية...؟؟»
- «أنا لا أعرف عنها شيئا..»
- «لن أتركك حتى تقول.. تمثيلية أم حقيقة..؟؟»
- «حقيقة يا سعادة البك.. ارحمني .. أنا خلصت .. أنا لست من الإخوان . أنا مظلوم...»
ولم يعد محمود يرى شيئا لقد أغمى عليه، ولا يدري أطال الوقت أم قصر، كل ما يعرفه أنه أفاق بعد أن القوا به في حوض ماء كبير وكانت فرصة نادرة انتهزها فشرب حتى ملأ معدته بالماء، ثم وجد الجنود وقد أحضر محقنا وغرزه في جسده وهو يقول:
«حقنة كافور منشطة حتى تصحو...»
ونظر محمود حواليه فوجد عطوه بك يرمقه بنظرات حانقة، وإلى جواره وقف ضابط طيب برتبة صاغ (رائد) واضعا يده في جيب سرواله، وفوق عينيه نظارة طبية بيضاء تعكس الأضواء على وجهه الأبيض البارد الذي لا ينم عن شيء ذل بال.. والمجزرة من حولهم قائمة على قدم وساق..
الصراخ .. والسياط .. والعويل.. ونظر محمود إلى السماء وقد تناثر في ظلمائها النجم وهتف بصوت مبحوح بالبكاء:
- «أين أنت؟؟»
- «وخيل إلى محمود أنه سمع صوتا نديا رقراقا يقول:
- «أنا معك..»
- وهتف محمود بأعلى صوته والدموع مازالت تخنقه:
- «خذني إليك .. فأنا لا أرهب الموت.. خذني منهم فأنت وحدك حبيبي .... يا رحمن يا رحيم.. إن الغيبوبة التي غشيتني كانت رحمة منك.. لماذا يا إلهي لا تجعلها غيبوبة دائمة؟؟ لم يعد في الحياة شيء يستحق الحياة..»
- وغمغم الطبيب:
- «إنه يهذي»
- قال عطوة بك:
- «سأجعله يفيق حالا»
- ثم أشار إلى حملة السياط، لكن الطبيب أشار بيده قائلا:
- «سيموت ولن تستفيدوا منه شيئا..»
- «إن حياته لا تساوي غزه.. عندي تصرحي بالتخلص من كل عنيد...»
- «لكن اعترافه يا عطوه بك أهم من حياته..»
- «وماذا ترى يا دكتور..»
- «خذوه إلى زنزانته اليوم واستكملوا التحقيق غدا..»
ومن ثم جروه إلى زنزانته الخاوية، حيث البلاط البارد والظلام والوحدة والهذيان والأحلام والذكريات، وحيث يتفرس المظلوم في أرجاء ذلك العالم الضيق باحثا عن قطرة حنان.. وفي نفس اليوم ذهب عطوه بك إلى خطيبته «نبيلة» وهو يمني نفسه بليلة حمرا شهية، فكان أن صدته ووضعت له الشروط التي اعتبرها قاسية ومنقصة لكبريائه وإرادته، وما إن ركب سيارته حتى أخذ يزمجر ويزفر في غيظ وهكذا دخل السجن الحربي، وكان أول شيء فكر فيه هو المعتقل محمود صقر.. إنه في رأيه عنيد .. وهو يكره العناد في كل صوره .. وأشكاله .. وعندما يحطم رأس محمود فسوف يشعر بشيء من الراحة لأنه قهر العناد في إحدى الجولات وبقيت الجولة الكبرى .. مع نبيلة.