ستة أشهر كاملة مرت سخاءً رخاءً ، من نجاح إلى نجاح ، نبتت فيها الآمال ، مدت سيقانها ، وازدهرت أوراقها ، وتفتحت أزهارها .. دفعة جديدة من المال أرسلتها إلى والدي . رغم أنها ضعف الدفعة الأولى فقد كانت فرحتي بالدفعة البكر هي الأكبر .. آن لوالدي وإخوتي وأخواتي أن يعرفوا التنعم كما أعرف ، وأن تنبت الآمال في نفوسهم كما نبتت في نفسي ، أن يتغير مظهرهم كما تغير مظهري .
ستة أشهر أصبحت بعدها طاهي المطعم ، أهم عامل فيه ، فتضاعف أجري ثانية ، وزادت الثقة في نفسي ، ومستقبل الأيام ، أعرف كل شيء تقريباً عن إدارة المطعم ، عما قريب يمكن أن أستأجر مطعماً لحسابي إن أردت لأتحول من عامل إلى صاحب عمل .
ملابس جديدة اشتريتها آثرت أن تكون غالية الثمن وأنيقة ، لكني ارتضيت حجرتي على بساطتها إذ لم أجد فيها ما يضايقني فسعتها مناسبة ، واطلالها على الساحة الواسعة يريحني .. تأملت في المرآة وجهي فدهشت لحجم التغير الذي حدث ، كأن وجهي قد تبدل ، البشرة مصقولة لامعة نضرة ولا أثر لتقطيبات كادت تتيبس ، والعينان تشعان بالأمل ، وجدت شعري قد طال إلى حد لم يصل أبداً إليه فقررت على الفور حلاقته . اتصلت بصالون للحلاقة وحجزت موعداً ، وذهبت في الموعد المحدد .
بالطبع الصالون في غاية النظافة ككل شيء في المدينة الرائعة ، تعمل فيه ثلاث عاملات أقلهن جمالاً أجمل بكثير من معظم ممثلات السينما المصرية .. وجاء دوري .. الفتاة التي ستقوم بالعمل تعكس صورتها المرايا المتعددة المحيطة بمقعدي .. شعر ذهبي طويل وناعم ، قوام ممشوق لدن ، عيون زرقاء واسعة مشعة ، وشفتان رقيقتان شهيتان، وجبين في بياض الثلج ، وخدود حبيبة الاحمرار ، لا أدري إن كان احمرارها طبيعياً أم صنعته يد إنسان ، الظن أنه طبيعي ، رشيقة ، خفيفة الحركة ، نموذج رائع لفتاة أوروبية أنيقة تعرف كيف تبرز جمالها ، وتظهر مكامن أنوثتها .
اليدان الناعمتان تحيطان رقبتي بورق نظيف لاصق ، تغسلان شعري ببراعة ورقة ، تتداولان خصلاته بمقصها بحركات سلسة متناغمة وواثقة .. في المرآة التقت عيني بالعينين الجميلتين .. ابتسمت ابتسامة حالمة ثم قالت :
الأخ عربي ؟
لابد أني أحلم .. إنها تنطق العربية خالية من أية لكنة أجنبية ، صعب جداً أن تكون عربية كدت أجزم أنها أوروبية فرنسية ، قليلات من الألمانيات من لهن هذه الرقة والتناغم الحركي ، قد يكن جميلات مثلها ، صعب أن يكن بهذا السحر وهذه الرقة .
استغرقتني الدهشة ، أدركت أنها تنتظر الإجابة ، وإن لم تتعجلني فأسرعت بالقول :
أنا عربي مصري .. من أنت ؟
عربية مثلك تماماً .
غير معقول !
عربية ، لما رأيتك تأكدت أنك عربي ، وراهنت على أنك مصري ، لذا كلمتك بالعربية مباشرة . أعشق مصر ، وأتمنى أن أرى الأهرامات ، وأبو الهول ، والنيل ، وكل شيء في مصر .
إنها إذاً عربية ، مازلت في ذهولي .. كل ما فيها يؤكد أنها غربية ، بل وممعنة في غربيتها ..
أنا لبنانية ، مسلمة ، واسمي دينا . ما اسمك ؟
سامي .
من أية مدينة في مصر ؟
من المنصورة .
بلد أم كلثوم ، وفاتن حمامة ، أكيد إنك فنان .
فنان ؟ .. أنا انسان بسيط ، ألقت به الظروف إلى هنا .
أنا أحب مصر ، أغانيها ، أفلامها ، شعبها ، روح الشعب المصري ، لهجته ، نكاته ، ليتني أسمع منك نكتة .
أشكرك على شعورك ، نحن نحب كل العرب ، لا تحضرني الآن نكتة ، من يراكِ ينسى كل شيء .
شكراً على المجاملة .. اسمع آخر نكتة ، أرجو أن تكون في مستوى نكاتكم : فضولي قالوا له سنعطيك نصف الدنيا على ألا تتدخل فيما لا يعنيك فقال مسرعاً والنصف الآخر لمن ستعطونه؟!
كلامها يقطر عسلاً ، وطريقتها ساحرة ، وصوتها الفتنة ذاتها .. ضحكت من كل قلبي ، واهتز جسدي ، فأصبحت غير قادرة على قص شعري ، فضحكت ، وتثنت .. ما كل هذه الفتنة ؟!
فكت نكتتها عقداً كثيرة ، وأدخلتني سريعاً إلى عالمها ، فتذكرت نكتة بسيطة ، سريعة :
قال لصديقه سمعتك تضاحك زوجتك وتداعبها ، وتطاردها حين مررت على بيتك ليلة أمس فرد الصديق : والله ما كنت أنا !
ضحك جسدها ببلاغة ، واحمر وجهها فزاد فتنة على فتنة ، استقر صوت الضحك الرقيق في قلبي ، ولا أعذب ، فغرقت إلى أذني في بحر الفتنة ، لا أكاد أشعر بزمان أو مكان .. أكثر من نصف ساعة تحلق لي شعري ، توالت خلال موجات أنوثتها تغمرني موجة بعد موجة ، يزيد تركيز أنوثتها في كل لحظة ، وحواسي مفتوحة عن آخرها . تقترب أنفاسها الحارة تلفحني بلهيب لم أعهده ، تهت في عوالمها السحرية كأني مغيب .. ربما انتظرت أن أقول شيئاً ، أن أمسك زمام المبادرة وما لي عهد بمثل هذا الزمام ، فقالت :
أشعر أني أعرفك منذ سنين ، أتكلم معك رغماً عني .. ماذا حدث لي ؟
أكبر مفاجأة لي ، أنك عربية ، كأني لا أصدق ، أنتِ هائلة !
بصراحة يسعدني أن أتعرف عليك أكثر ، انتظرت أن تقول أنت هذه الجملة .
سبقتني ، كنت أريد أن أقولها .
المهم أنها قيلت ، دعنا نختصر المسافات ، هل تقبل دعوتي غداً بعد انتهاء عملي لنشرب معاً فنجاناً من القهوة على أي مقهي ، للأسف عندي اليوم ما يشغلني ؟
سأنتظر موعدك من الآن ساهراً ، لن أنام !
كأن الأرض فقدت جاذبيتها ، كأني لا ألمسها بقدمي ، كأني لا أدري من أنا ، كأن العالم غير العالم ، والناس غير الناس .. ذهبت إلى عملي حالماً ، هائماً ، لا أشعر بمن حولي ، أخطأت أكثر من مرة في تنفيذ المأكولات المطلوبة مني ، بالكاد كنت أصلح الخطأ قبل أن يشكو أحد ، سؤلت عما بي من صاحب العمل وزملاء المطبخ ، لكني انتهيت من عملي دون حدوث أخطاء جسيمة .. هرعت إلى غرفتي وما في مخيلتي غير صورة دينا ، حركاتها ، صوتها ، دلالها ، كل ما صدر عنها .
موعدها غداً ، ترى ماذا سيدور بيننا ، وما هي توابعه ؟
وماذا بعد ؟ هذا السؤال الذي ثبته الشيخ مليجي في قلبي وعقلي .. ذكر أنه لب طريقة أحد أقطاب المتصوفة ، كان لا يقوم بأي عمل صغر أو كبر ولو كان وقوفه من مقعده إلا إذا سأل نفسه هذا السؤال واطمأن للإجابة فإذا اطمأن أقبل على عمله بحماسة ، وإذا لم يطمئن حسم الأمر ولم يفعل .. وماذا بعد ؟
هل أريدها صديقة ؟ .. ما هي صورة تلك الصداقة ؟ : أهي حياة زوجية كاملة تنقصها الشرعية أم أية صداقة ؟ : صداقة تتيح لك أن تقابلها ، تجالسها ، تسيح معها في المدينة ، شوارعها ، ميادينها ، وملاهيها ، تحكي لها ، وتحكي لك ، تسامرها ، وتسامرك ، تسبح في تلك العينين الجميلتين ، والوجه النضر ، ثم تقبلها قبلة خفيفة ، وتفترقان .. أيمكن أن يقف الأمر عند هذا الحد ؟ .. هل هذا ما تريده هي ؟ وهل يستريح لك قلب بعد ذلك ؟!
الإشارات كلها حمراء ، إشارات كل حياتي ، ثقافتي ، ديني كلها حمراء !
هل أريدها زوجة ؟ .. انتفضت لهذا السؤال .. لا ، وألف لا .. أنا قروي مسلم يتمنى أن تكون زوجته على شاكلة أمه ، يغبط والديه على حياتهما الزوجية السعيدة رغم شظف العيش ، وكثرة الشواغل والهموم ، ودينا من ألفها إلى يائها غربية ، لا ، ليست كمعظم الغربيات ، إنها من أكثرهن شططاً .. ليتها تشبه في كثير أو قليل زميلاتي في الجامعة ، أو حتى أكثرهن جموحاً !
وماذا بعد ؟ .. يوجب عليّ الاقتداء بهذا المتصوف ألا أذهب لهذا الموعد ، أن أنساه تماماَ كأنه لم يكن ، أن أحسم الأمر ابتداءاً ، أن أقتله في مهده .. داعبت صورتها خيالي .. كيف يمكنني أن أنسى موعدها ، أو أتجاهله ، قمت من مكاني أجوب غرفتي على غير هدى .. لست مستريحاً أبداً لهذا اللقاء ، وما لي قدرة على تجاهله .. كأن سفينتي فقدت الاتجاة في بحر هائج لا أستطيع تمييز الأفق من الماء .. ظللت أفكر وأفكر وكأني أفكر في اللاشيء ، يائساً من قرار صائب !
فلأذهب للقاء دينا ، وليكن ما يكون !