صرت أكره الصباح !

10 0 00

أول ما تفيق أمي من سباتها تسرع إلى الوضوء والصلاة ... أول لفظ يتلفظ به والدي بعد نومه : أصبحنا وأصبح الملك لله ، اللهم هبنا خير هذا اليوم وخير ما بعده ، وابعد عنا شر هذا اليوم وشر ما بعده .

أول ما تفعله دينا ، الهرولة إلى مرآتها ، أهم ما في حياتها ، أول ساعة في صباحها تقضيها أمام المرآة ثم تلبس الملابس إياها ، وتتعطر بأحد عطورها الفواحة ، وتخرج .

أي خير أنتظر ، وأي شر أدعو الله أن يبعد عني ، وأنا أبتلع كلماتي ، أنظر إليها خارجاً تنثر عطرها وفتنتها ممهورة بوقع أقدامها أينما حلت .

يقتلني الصمت ، تعذبني انفعالاتي ، وأنتظر يائساً .. ماذا أنتظر ؟ .. كل يوم تزداد المسافات بيني وبينها بعداً .. أتقوقع منسحباً إلى داخلي .. أهملت مظهري ، وفقدت شهيتي إلى الطعام ، فنقص وزني ، وبرزت عظام وجهي ، وزهدت في فتنة دينا ، كما زهدت الحياة بكل مظاهرها .

كفت دينا من محاولاتها لإعادتي إلى تيارها وواصلت السباحة بعنفوان في بحرها .. قلت الكلمات التي نتبادلها ، وخمد الوهج الذي كان بيني وبينها ، فوقعت العلاقة الحميمة في فخ الروتينية : وفقد عش الزوجية الجزء الأعظم من بهجته ، أتكاسل عن العودة إليه بعد العمل ، ولا تسرع هي أيضاً إلى العودة .. صقيع سمج تسلل حثيثاً إلى العش الذي كان دافئاً متوهجاً ، تكررت الطعنات النافذة إلى أنوثتها .. تتهيأ لليل كما كانت : أكثر الملابس فتنة ووهجاً ، أكثر الزينة تألقاً ، وأكثر العطور نفاذاً ، ودلال يعرف لأنوثته قدرها ، وأضواء حالمة والنتيجة مخيبة تماماً للآمال ، فأنا شبه غائب ، أحاسيسي مخدرة ، وأجهزة استقبالي خارج الخدمة ، أصبحت اللقاءات الحميمية قليلة وفاترة .. ربما كان عدمها أفضل .

متكاسلاً أجر قدمي جراً عائداً من عملي . ينتهي عمل دينا قبل عملي بساعة .. لم أجدها .. عما قليل ستأتي . أن تتأخر ساعة أو أكثر قليلاً صار أمراً عادياً .. شعرت ببعض الراحة لعدم وجودها .. مرت ساعة أخرى وتلتها ساعة .. تلقفتني شياطين الظنون ككرة بين أقدام لاعبين مهرة .. ترى أين هي الآن ، ومع من ، وماذا تفعل ؟ .. التقت بمن ، وكيف كان اللقاء وماذا دار ؟ .. الوقت تحسبه ساعة الانتظار بعقاربها الباردة الملولة .. أدور حول نفسي ، أقف ، أجلس ، أقف ، أفكر في الخروج للبحث عنها .. أعدل عن الفكرة ، أحاول احسان الظن بها .. تموت المحاولة سريعاً ربما قبل ولادتها .. يأخذني سوء الظن كل مأخذ .. تتدافع الدماء الساخنة إلى رأسي ، يتزايد ضغطها .. تضيق أنفاسي ، وأشعر بالاختناق ، كأن روحي تنتزع انتزاعاً .

دار المفتاح دورته وفتح الباب ، عيناي تقذفان الشرر ، وأحرف كلماتي المهتاجة تتصادم ودينا في هدوء قاتل ، تنظر إليَّ واثقة وتطلب الهدوء فما هي بالطفلة الصغيرة تغرقها الشوارع ، وما حدث زلزال ، ولا قامت القيامة ، كل ما في الأمر أنها قابلت أحد الأصدقاء القدامى الأعزاء الذي لم تره منذ سنوات ، دعاها إلى مقهى فشربا القهوة معاً وتشعبت بينهما الأحاديث .. اعتذرت أن تأخرت قليلاً .

يا الهي ، ما هذا الذي تقول ، وبأية طريقة ؟ .. أكاد أجن ، يقتلني ذلك الهدوء المريب ، وتلك الثقة الجليدية ، والبراءة المميتة وسألت بهدوء كريه عما بي وماذا حدث حتى أهتاج كل هذا الهياج ، علام ، وماذا فعلت ؟

ماذا فعلت ؟ تقولين أحد الأصدقاء القدامى الأعزاء ، رجل أو شاب ، صديق قديم ، عزيز ماذا يعني هذا ، وأيه علاقة كانت بينكما ؟

قلت لك صديق ، ألا تفهم ما تعني الكلمة ، أليس لك أصدقاء ؟ ألا تعرف معنى للصداقة ؟

بأي معنى للكلمة ، وبأية ثقافة ، عربية أم غربية تعنين ، بالطبع تعرفين عندما تقول الألمانية هذا صديقي .

اطمئن صديق بالمعنى العربي ، أعرف ماذا حدس لك ظنك .

ليست هناك صداقة بهذا المعنى بين رجل وامرأة ، بين شاب وفتاة .

الناس يا سامي لا يفكرون بأعضائهم التناسلية .. في هذا المجتمع توجد صداقة بين الجنسين ، صداقة لا علاقة لها بالجنس ، وصداقة كالزواج لكن بدون عقد .. اطمئن هذه العلاقة من النوع الأول .

ألم تجالسيه وجهاً لوجه ، تتأملين وجهه ، ويتأمل ملامحك ، ألم يطر جمالك ؟

ما يجلس الناس معاً ظهراً لظهر ، ومن حسن الذوق أن يطري جمالي .

أأنت ثملة ، أم تقصدين جنوني .

لا هذا ولا ذاك .. اخرج من قوقعتك ، افهم المجتمع الذي تعيش فيه ، لا تفكر بمثل هذا التخلف .

أكاد أجن ، أضرب رأسي بقوة ، قلبي يتقافز ، أسمع دقاته العنيفة .. أأسحق رأسها ، أم أسحق رأسي .. أحاول السيطرة على انفعالاتي حتى لا أرتكب جريمة .

أنت عربية ، مسلمة كما تقولين . العربية المسلمة لا تجالس أجنبياً عنها .

هو ليس أجنبي .. إنه كما قلت لك صديقي .

يا الهي أنى لنا أن نلتقي ، تتكلم بمنطق عالم ، وأتكلم بمنطق عالم آخر ، تثق بصحة منطقها ، وكلي ثقة بصحة ما أقول .

كلمة أجنبي تعني أنه ليس زوجها وليس من محارمها ، لا يحق للمرأة العربية المسلمة ، أو المسلمة أن تجالس أجنبياً عنها .

اعذرني لم أعرف أن ذلك سيضايقك بهذا الشكل .. صدقني كانت جلسة بريئة .

ربما كانت بريئة من ناحيتك ، من قال لكِ أنه كان بريئاً . ماذا يعني أن يطري الرجل جمال امرأة ؟

اطمئن ، هو من أفضل من عرفت ، أعدك أن لا أجالس أحداً بعد ، لا تعط الأمر أكثر من حجمه ، حياتنا أصبحت لا تطاق . أعتذر لك .. حياتنا تتحطم بأيدينا يا سامي ، من الغباء أن نحطمها اقترب مني أكثر ، افهمني ، وسأقترب منك وسأفهمك هناك اختلافات كثيرة بيني وبينك لكن بالتفاهم وسعة العقل والقلب يمكن أن نحتويها . أحببتك ، صدقتي أحببتك ، لولا هذا الحب ما تحملت ما دار بيننا .

تقتليني بسكين بارد ، وتتكلمين عن الحب !

ما قصدت أبداً إيذاءك . اعتذرت لك .. أرجوك . الموضوع لا يستأهل حتى مناقشته .. دعنا من هذا ، قم احلق ذقنك ، والبس كما كنت تلبس ، لنخرج سوياً ، نستقبل الحياة معاً ، ونعيد أيام السعادة .. سأعوضك عن كل ما حدث لك .. لتكن ليلتنا سعيدة .. لدينا القدرة على صنع السعادة ، ولسنا أغبياء حتى نحطم حياتنا بأيدينا .

جذبتني من يدي ، قبلتني واحتضنتني ، أحسست بصدق رغبتها ، واليقين في كلماتها .ربما كانت ثقافتي متقادمة .. ربما كانت خبرتي بالحياة والأحياء أقل .. ربما عجزت عن فهم المجتمع الذي أعيش فيه وأحاول أن ألوي عنقه ليخضع لأفكاري .. ربما كانت غيرتي الحمقاء طفولية لا تعرف الحدود .

في قريتي الفلاحات يعملن جنباً إلى جنب مع الفلاحين ، يشاركن ربما بأكثر من نصف أعمال الزراعة .. من ترد صون عرضها ستصنه وإن عملت مع ألف رجل ، ومن تفرط في عفتها ستفرط ولو كانت خلف آلاف الأقفال .

دينا التي يمكنها أن تجد رجلاً عند ناصية كل شارع ، وفي أي ميدان اختارتني ، وتحملت كثيراً صدي وشرودي وإهمالي .

التي تتعامل من خلال حرفتها مع رجال ورجال فضلتني وعاشت معي ، وتريد العيش .. ربما كان العيب عيبي ، وسبب كل هذا العذاب نابع من داخلي ، ومن سوء فهمي .

لماذا لا أقبل على الحياة هنا ، لماذا أتجنب معظم الناس كأني أخشاهم ، مم أخاف ، ولأي سبب أعتزل الحياة أو أعيش على هامشها كما أعيش الآن .

تهيأت للخروج ، قضينا أجمل الأوقات ، وأحسسنا بسعادة غامرة ، وتفتحت شهيتنا ثانية للحياة .. أكملنا سهرتنا في عشنا كأجمل ما تكون السهرات وأصبح الصباح وعلامات البهجة والارتياح على وجهينا .. لم أكره ذلك الصباح !