الفصل 9

10 0 00

في الشارع الرئيس تستعرض المدينة العريقة هويتها ، وحيويتها.. الشارع الوحيد الذي يعرف الزحام ليلاً أو نهاراً ، في أيام العمل ، و في أيام العطلات أكثر ازدحاماً ، في أيام الاحتفالات يصعب المشي فيه .. ربما زاد عدد النساء عن الرجال ، وعدد المتسكعين عن عدد الجادين .. أحدث صيحات الموضة ، وأغرب التقاليع .. كل ألوان البشر ، المتاجر العملاقة ، والمطاعم الرائجة ، والمقاهي المزدحمة ، المعلنون ، والاعلانات بمطبوعاتها وشاشاتها ، المستعرضون لرسوماتهم ، وعزفهم ، ومهاراتهم المختلفة .... وعماد !

طاولة يقترب طولها من ثلاثة أمتار ، وعرضها من متر ، مكتظة (باكسسوارات) السيدات ومنسقة بعناية ، تحتل مكاناً عبقرياً من رصيف الشارع العريض ، تجذب أنظار السائرات بشدة ، الأيدي الناعمة تمتد إلى محتويات الطاولة بشغف ، والأعين الجميلة تفحص محتوياتها بدقة ، وصاحب الطاولة لا تفوته حركة ، ولا تخطيء عيناه يد ، أو تعبير توشي به الوجوه الفاتنة . يساعد تلك في تركيب قرط ، وهذه في اختيار عقد ، وأخرى في تجربة أسورة ، وغيرها في تثبيت خاتم ، كأنه بألف عين وألف يد ، وألف لسان يطري بضاعته ، وجمال الواقفات أمامه ، وأذواقهن ، مداعباته صائبة ، وكلماته ساحرة ، وحركاته مرنة ، ومدربة .

شعره الخشن مازال كثيفاً وإن غزاه الشيب ، بصمة شمسنا واضحة على جبينه ، وأنفه فرعوني ، عيناه ثعلبيتان ، تحت حاجبين كثيفين ، طويل متماسك ، يتسق جسده مع بطن بارزة قليلاً في غير ترهل . يعرف الكثيرين جداً من المصريين والعرب ، خصوصاً من طال بهم المقام في برلين ... عماد !

عن طريق صلاح عرفته فألفته على الفور .. بادلني الحديث من لحظته كأنه صديق قديم . أصبحت زيارتي إلى الشارع الكبير مقرونة بالمرور على عماد .. مداعبة سريعة ، عذبة ثم أتركه لعالمه الثري ، فإذا حانت الفرصة لوقت أطول معه ما تركها هو ولا ضيعتها .

كثيرات جداً اللائي يقبلهن عماد قبلات مختلفة الحرارة والسرعة ، من قبلة سريعة خاطفة إلى قبلة عميقة متأنية قد تتبعها أحضان حارقة ، كذلك أحاديثه معهن ، من عبارة سريعة لاهثة إلى حديث قد يطول إلى دقائق ، تشع حرارته .

أدهشني عدد اللائي يعرفهن عماد وتلك القبلات التي ينثرها نثراً على الوجوه الخلابة فضلاً عن الأحضان المثيرة .

سخر عماد مر السخرية ، كدت أخسر صداقته حين كرر سخريته مني أمام أكثر من صديق مصري ، بعضهم سخر مني أيضاً ، وآخرون عزوا السبب لحداثة عهدي بالبلد المضيف ، أحدهم راهن على أني سأعيش حياتي بالطول والعرض ألتهم كل ثمرة حلوة تطالها اليد ، لكن بعد حين ، يتوقع أن يكون قريباً ، وربما يكون قريباً جداً .

مرارة خالصة أن تكون موضع سخرية أحد ، الأكثر مرارة أن تكون موضع سخرية كثيرين ، ليتني لم أنطق هذه العبارة سبب السخرية وأنا أرى عماد يحتضن ويقبل كل فاتنة متاحة :

عماد : آخرتك جهنم وبئس المصير !

رغم انهماكه في عمله ومداعباته .. أدرك عماد ما أصابني فكف عن سخريته وأخذ يهدهدني :

سامي : لو تُكلم الألمان بالعربية ، هل سيفهمونك ؟ .. لو تكلمت مع أهل قريتك بالألمانية سيعتبرونك مجنوناً .. للمجتمعات لغتها أيضاً ، يعني ثقافتها ، طرق عيشها .. ما أفعله أنا جزء من عملي ، يقبله المجتمع تماماً .. تصور حجم الكارثة لو فعلت هذا في مصر !

وثقافتك ، ودينك يا عماد !

لا تتعجل .. للحديث بقية ، لا تزعل مني .

هذا عماد وذاك صبحي .. الأصل واحد .. الظروف تكاد تكون متشابهة ، لكن شتان ما بينهما .

في قريتي أسرة أعجب كثيراً لشأنها . أبوان كافحا بأظفارهما لتعليم أولادهما ، وتعلم الأولاد .. أولهم أطلق لحيته ، وكثرت قراءاته الدينية ، لا يعجبه من الآراء إلا أكثرها تشدداً ، اعترض على أسلوب حياة أبويه حتى حول حياتهما إلى عذاب مستمر ، فضلاً عن اعتراضه على طرق حياة الآخرين ، انتهى به الأمر إلى اعتزال الناس إلا من كان على شاكلته .

الثاني : اختار الماركسية منهجاً للحياة ، وكثرت وتعددت قراءاته في مؤلفاتها ، موقفه من الدين هو موقف الماركسية ، وتفسيره للعالم ما شرحه منهجها .

أما الثالث فهو بوهيمي ليست له وجهة ، ولا يجهد فكره في قضية .

نفس الأب والأم ، الظروف ، مستوى التعليم ، المجتمع المحيط ، الزمن ، لكن الثمرات مختلفة ، وأي اختلاف .. كثيراً ما شغلني أمر هذه الأسرة محاولاً تفسير تعدد اتجاهات أفرادها .

أحب صبحي ، لكني لم أكره عماد !