الفصل 12

9 0 00

ما بين ما قاله صبحي وما قاله عماد أتأرجح ، والموعد غداً .. تفكيري معطل ، والضغط يتعاظم على أعصابي ، يبدو أني لن أنام ليلي .. قصدت الغرفة الظلماء علِّي ألتقي صلاح ، لم يكن هناك ، أعتقد أن الآخرين غير مؤهلين للاستشارة .. مشيت كثيراً في الشوارع العامرة لا أشعر بأحد من الخلق .. عدت إلى غرفتي ، وتفكيري يتحرك حركة بندول الساعة لا يثبت يميناً أو يساراً ، ولا يشير إلى شيء .. تأكدت أني لن أصل إلى قرار حاسم مهما طال الوقت ، فحاولت النوم جاهداً ، أصبحت على هيئة اليوم السابق ، وكان أدائي في العمل كأمسه ، وصاحب العمل يضرب كفيه !

كأني منوم مغناطيسياً ذهبت إلى الموعد لم أتأخر دقيقة واحدة .

بسمة ساحرة على وجه الفتنة دغدغت قلبي الحائر .. سلام حميم ، وقبلة عذبة :

كنت متأكدة أنك في انتظاري .. مؤكد أنك لم تر النوم .

متأكدة !

طبعاً .. لأني لم أذق النوم ، صورتك لم تفارق خيالي ، كنت معي دائماً ، حدثني قلبي أني كنت معك ، وقلبي لا يكذب .

لم أذق النوم ، كدت أجن ، لكنك لم تعرفي أسباب أرقي .

لأنك أحببتني .

لندع الحب جانباً ، أفكر في مستقبل علاقتنا .. إلى أين ؟!

إلى السعادة الحقيقية .

لماذا اخترتني وهناك بالطبع من هم أفضل وأنسب مني ؟!

أنت الذي اختاره قلبي ، ما بيدي حيلة .. صدقني لم أعرف مثل هذا الحب في حياتي ، ولن أعرف ، أنت حبي الوحيد .

دعينا نتكلم بواقعية .. الأمر خطير .

الواقع أني أحببتك بكل جوارحي .. أحببت سمرة النيل على جبينك ، صوتك في أعماقي ، كلماتك الهادئة الرقيقة القليلة .. أعشق كل ما فيك .

واندفعت هياماً وغراماً حتى أطاحت بترددي وقضت عليه ، تغمض عينيها ، وتفتحهما بدلال مدرب ، تغني بعض الجمل بسحر لا يقاوم حتى بادلتها عبارات الغرام ، ومددت يدي إلى يدها أعصرها ، وعيني إلى وجهها ألتهم جماله .. أخذتني تماماً ، لم أشعر إلا بها كأن المقهى خالٍ من رواده ، كأن يد ساحر لمستني فحولتني إلى إنسان آخر يعيش اللحظة فقط لا يأبه بغيرها .. وقفت بإغراء ومدت يدها لأنهض من مكاني وقالت :

لنذهب لمكان أنسب ، لم يعد المكان هنا مناسباً .

إلى أين ؟

قالت بثبات ووضوح :

إلى شقتي يا حبيبي ، أقصد إلى شقتنا ، لن نفترق بعد اليوم ، يكفي ما عانيناه في اليومين السابقين ، ما خلقنا لنتعذب ، لا يتعذب إلا الأغبياء .

استوقفت دينا تاكسي ، وأخبرته بعنوانها ، وأحاطتني بذراعها فأحطتها بذراعي .. بضع دقائق وانتهت رحلة التاكسي ، فهبطت معها إلى الدنيا الجديدة ، أحاول حبس الماضي في قمقم عتيد .. شقة متسقة تماماً مع دينا ، فاخرة ومؤثثة ببذخ وروعة وجمال ، كل ما فيها ينطق بالذوق وحسن الاختيار :

البيت بيتك !

تخلصت دينا بسرعة من معطفها ، وغابت لدقيقة ثم عادت وفي يديها كأسان من النبيذ تناولني أحدهما .. كأنها تمسك بثعبان يشرع في عضي .. تراجعت هرعاً ووردت إلى خاطري على الفور قصة الناسك الذي شرب الخمر فضاجع العاهرة وقتل الطفل ، فقلت مضطرباً :

لا ، لا ، لا أشرب .

نعم ، نعم .. لا يمكن أن أشرب وحدي .. عيب أن تتركني أشرب وحيدة .

إلا الخمر !

أنسيت أنك مع حبيبتك ، أنك في برلين ، تعيش عصرك .. خذ كأسك ، وارفعه وقل في صحة الحب .

لا يمكن ، إلا الخمر ، هذه أم الكبائر !

عم تتكلم يا حبيبي .. نحن الآن خارج الزمان والمكان ، نحن الآن في عالم الحب ، وعالم الحب بلا كبائر .. اشرب وسأتحمل أنا الذنب عنك .

رجوتها ألا تهدم كل شيء ، فادعت أنها لا تهدمني ، بل أنها تعيد بنائي على شاكلة عصرية ، على ما يجب أن أكون عليه ، أنها الأخبر بالحياة العصرية ، فلأترك لها إذاً هذه المسألة .. أنها لا يمكن أن تشرب وحدها .. أن تشرب وحدك يعني أنك تهرب من الدنيا ، أن تشرب مع حبيبك يعني أنك تشرب عسل الدنيا الصافي .. كررت رفض الخمر فأعربت أن هذا يعذبها عذاباً لا تستحقه ، تريد أن تأخذني إلى المتعة وأنا أصر على عذابها .. ثم طلبت أن أشرب ولو جرعة واحدة من أجل حبنا ، من أجلها .. أمسكت بالكأس وقربته من شفتي ومسحت رأسي بحنان ، ثم قبلتني . لمست الكأس بشفتي مرتعشاً كأني اقرب السم ، وهممت بالبصق .. جلست على فخذي وطوقتني بذراع والكأس في اليد الأخرى وقالت :

جرعة أخرى من أجلي .

ثم جرعة ثالثة ، ورابعة .. تلح بشدة ، وبإصرار عجيب ، وملأت الكأس ثانية ، وثالثة .. لعبت الخمر سريعاً برأسي ، وأحسست أن نيراناً تأكل أحشائي أسرعت إلى الحمام أفرغ ما في بطني .. كانت إلى جانبي ، وهدأت من روعي .. جلست تلاطفني ، وقدمت إلى كوباً من اللبن .. هدأت أمعائي .. انقضت على شفتي وأمعنت في تقبيلي ، بادلتها حرارة بحرارة .. أطفأت الأضواء ثم أشعلت ضوء (أباجورة) بلون النيران الحامية !