حياتنا سلسلة من المتاعب لكن تستحق أن نعيشها .
قد يتلكأ زمننا الخاص أمام حدث بعينه ، لكن سيره حتمي ، وعليه فإن كل النوائب تبدو
محتملة .
أعزي نفسي ، مستلقياً على ظهري في البيت الذي شهد مولدي . أحياناً تفقد كلمات العزاء معناها كاملاً ، وقد تفقد جزءاً منه صغر أو كبر ، وقد تصبح باهتة باردة ، لكنها على أية حال أفضل من لا شيء .
أغمض عيني فتتراءى لي صور للعزاء واحدة تلو الأخرى :
ذابت خجلاً ، وقبل أن يتكلم صديقي سبقته لتقول أنها تؤمن الآن تماماً بصحة ما يعتقده : أن الزواج قدري كالموت ، فأنت لا تعرف من ستتزوج ، ولا متى ، ولا كيف .. قد يهيم المرء حباً بامرأة لسنوات طويلة ، تبادله نفس المشاعر ، ويعدان معاً كل ما يلزم للزواج إلى ما قبل اللحظة الأخيرة ثم ينتهي كل شيء ... قد تطاردك الجميلات فتعزف عنهن ، وتتزوج ممن ينقصها كل الجمال لسبب غريب وتافه .
الزواج قدري فثمرته أطفال في الغالب الأعم ، وقد كتبت أسماؤهم في اللوح المحفوظ مقرونة بالطبع بأسماء الآباء والأمهات .
كانت السيدة المحنكة الظريفة قد تندرت مداعبة صديقي ابن أخيها يوم عرسه متسائلة :
أخلت الدنيا من الجميلات ، أو نصف الجميلات حتى تتزوج هذه؟!
ثم أردفت : سأريك زوجة ابني .. سيكون وجهها كالبدر في تمامه ، واسعة العينين ، حمراء الخدين ، دقيقة الأنف ، صغيرة الفم ، عذبة الصوت ، نحيلة الخصر ، رشيقة القوام ، ملفوفة الساقين ، ولون كعبيها في لون التفاح .
في عرس ابنها كانت العروس خالية تماماً من الجمال .. زوجة صديقي أجمل منها بكثير!
**********
مؤذن مسجدنا الورع تزوج من مشبوهة لها تجاربها الفاجرة مع الكثيرين ، وبعض الأصدقاء ، يوم دخوله بها قامت القرية ولم تقعد ، والدهشة في عيون الجميع . سقته الشقية المر بألوانه ، والإهانات بكل شكل . صبره عليها يغيظ ، يقول ببلاهة قول أحد السابقين :
أخشى أن أطلقها فيبتلى بها غيري !
قصصاً كثيرة اختلقها الناس عن هذه الزيجة عن علاقات مشبوهة بينها وبينه قبل الزواج تسهل للناس ابتلاع الزيجة ، والآخرون يعزون الأمر للقدر .
**********
نجار متجول جاء إلى قريتنا للعمل بضعة أيام ، فتزوج سريعاً من إحدى النساء واتخذ من القرية موطناً ، قيل أنه ترك في قريته زوجة وأطفالاً وكذلك في قرى كثيرة ، والأمر في أذهان الناس قدر مقدور ، وكأننا لعبة في كف القدر يتسلى بنا ، يلون أيامنا بدمائنا وأعصابنا .
لطاما جلدت ذاتي ، أقتل النفس لوماً أن تزوجت دينا .. إذا كنت قد تزوجتها بسلطة القدر فلماذا اللوم وجلد الذات ؟
أخذت أقلب ظروف زواجي من دينا على كل وجه . كثيراً ما كنت أبدأ من الصفر لأصل ثانية إليه ، بعد سهد طويل ، وعذابات قاسية ثم أبدأ من جديد في دائرة شيطانية !
أجد أن عشرات العوامل قدد تكاتفت معاً ، وتكاثف وطؤها ، في أقل زمن ممكن ، لو تخلف عامل واحد منها ، أو امتد الزمن يوماً أو بعض يوم ، لما حدثت هذه الزيجة .
ماذا أسمي هذا ، إن لم أسمه لعبة القدر ؟ لا أستطيع تبرئة نفسي ، فليس القدر وحده المسئول ، ولست وحدي أيضاً !
هل نفضت دينا عن رأسي ، وطردتها من حياتي بعد طلاقها وعودتي من برلين إلى قريتي ؟.. لا أظن .. أتخيلها قادمة بحسنها الخلاب ، وعطرها الفواح من بلاد الغرب ، فيرقص القلب ، وتسترد كل أوصالي عافيتها ، وتتبخر على الفور ذكرى كل مشكلة وجدت بيني وبينها وتترسخ كل ذكرى جميلة ، وكل دفء أسطوري في حنايا القلب .
أتخيلها وهي ترتدي أزياء نسائنا فيزيد جمالها ولا ينقص ، وتفيض بهجتي فيضان الأنهار .. حينها قد تصبح أزياء نسائنا عالمية تلهث وراءها أعرق بيوت الأزياء .
أي وقع على القلب سيكون لو رأيتها تحمل على رأسها مأكلاً ومشرباً تمشي إلى حقلنا الأخضر حيث أعمل تتبختر ، وفي يدها ابننا الجميل ، فلذة الكبد ، وبهجة القلب .
قد تكون الحقيقة أحياناً أكثر جموحاً وأبعد مدى من كل خيال .
ربما تدق بيديها الجميلتين هذا الباب يوماً !
مثلها لا ينسى ، لكن حياتي معها على ما كانت عليه ، ما كان ينبغي لها أبداً أن تدوم ، أو تطول يوماً واحداً .