الفصل 15

10 0 00

مر يومان على هروبي من سجن سجانته جميلة ، حاولت خلالهما جاهداً أن أصل ما انقطع بيني وبين ما كنت عليه ، أن أعود ذلك الإنسان البسيط ، الذي حدد هدفاً متواضعاً ، بخطة أكثر تواضعاً ، يعود بعدها إلى قريته ليعيش حياته دون أدنى تعقيد .

ذهبت إلى درس صبحي .. انفردت به ، وفي عبارات مقتضبة ، خجلة ، ومفككة شرحت له قصتي . أنصت الرجل باهتمام ، لم يسألني عن أية تفاصيل .. بطبيعة الحال القصة متكررة ، وقائعها تكاد تكون واحدة ، انبرى صبحي يقيم الوضع ، يشرح ، وينصح :

خيراً فعلت يا بني .. هروبك من هذه الشيطانة يعني أن لك نفساً لوامة ، ومازال للخير فيها مكان .. لتستغفر لذنبك ، ولتبكِ على خطيئتك ، ولتعلم أن الله يفرح بتوبة عبده ، وأن الله يغفر الذنوب جميعاً . ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) .. إن صحت توبتك فسيبدل الله سيئاتك حسنات .

ولتعلم أنك الآن في امتحان أصعب ، فشياطين الغواية لا تستسلم بسهولة ، لها أساليبها وطرقها الخبيثة .. قد خبرت طريق الغواية وتعرف جاذبيته ، وكيف تزينه الشياطين .. الأمر ليس سهلاً يا بني ، لكنه ممكن ، وممكن جداً . إنه مرتبط بمدى صدق توبتك ، وقوة إرادتك ، فإذا صدقت توبتك ، وقويت إرادتك فيد الله معك ، وتوفيقه حليفك . ابتعد عن كل شخص أو مكان يذكرك بما كان ، فإن وجدت في نفسك ضعفاً وأنك لابد منجرف إلى الطريق إياه فلتعد إلى قريتك غير آسف ولا وجل ، فإنك إن انزلقت إلى طريق الغواية لن تخسر آخرتك فقط ، بل ودنياك أيضاً .. يا بني توبتك إن شاء الله مقبولة ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له .. كم استرحت لكلمات صبحي وشفيت نفسي .

ما يقرب من أسبوع وأنا أستميت لأجمع أوصالي ، أبحث عن صفاء فقدته وافتقدته ، لكن فراغاً رهيباً يمتد ويمتد يكاد يأكلني ، تضيق غرفتي بي ، وتضيق نفسي ، ويضيق العالم ، بالطبع هو الفراغ الهائل الذي خلفه هروبي من الشيطانة الجميلة .. أشغل أوقاتي بقراءة لا تغني ، وتفكير يتقطع ، لكني كنت أقاوم عازماً على التخلي عن ذلك الإدمان الذي عايشته شهوراً ثلاثة .. أغرق نفسي في العمل ، أسيح في جنبات برلين مبتعداً عن عماد .. زرت بشارة مرات عديدة ، والشقة الظلماء بكل من فيها ، والفراغ يزيد ، وأنا أقاوم .

أتأهب للخروج من باب المطعم متوجهاً إلى غرفتي .. مفاجأة بعثرتني ، أحاول التماسك بلا جدوى ، إنها دينا بشحمها ولحمها بكامل زينتها ، وفوح عطرها .

أهلاً يا دينا .

أمازلت تذكر اسمي ؟

مثلك لا ينسى .

شكراً .. ماذا فعلت لك حتى تتركني هكذا ؟

لنجلس في أي مقهى لأشرح لكِ الأمر ، أنتِ تتكلمين بعصبية أرجو أن يكون حديثاً هادئاً ، عقلانياً .

عقل ! وهل تركت لي عقلاً ، أقسم أننا لن نجلس إلا في شقتنا ، أقصد شقتنا سابقاً .

لا داعي لوجودنا في الشقة .. قدرنا أن نفترق ، وأنتِ قادرة على التحمل .

لن أكمل حديثي إلا في شقتنا سابقاً ، لا تجعل صوتي يعلو أكثر ، نحن في الشارع ، لن آكلك لن أغتصبك ، ماذا بك ؟

الأفضل أن نجلس في مكان عام .. صدقيني : الأفضل أن نفترق .

هدأ صوتها ، وسقطت بعض دموعها وقالت بتأثر عميق :

أرجوك لا تهدر كرامتي أكثر .. هذا آخر طلب أطلبه منك .

وانسابت دموعها .. جذبتني من ذراعي ، تجرني جراً ، حتى لفتت بعض الأنظار .. تلومني هذه النظرات ، تشفق على الأنوثة المجروحة ، على تلك الدموع المتساقطة . يبدو أن دموع النساء لا تسقط على الأرض ولو كانت دموع تماسيح . ساقتني النظرات اللائمة ، وكلمات أصحابها الخرساء ، واستجداء دينا المهين ، والدموع .

دخلنا إلى العش السابق .. أغلقت الباب ، وانقضت عليّ تحضنني وتمطرني بوابل من القبلات ، وسيل من الدموع وأنا كلوح من ثلج لا أحرك ساكناً .

تركتني ، وبكت هيستيرياً ، كما بكت بعد أول لقاء لي بها .

رحت أهدئها فارتمت على صدري ، تضغط عليه كأنها تحتمي به ، وقالت وبكاؤها يفتت كلماتها :

لجأت إليك لأبدأ حياة جديدة ، ووهبتك نفسي ، حياتي ، وقلبي .. تصورتك المنقذ فهربت مني ، وهدمتني ، حرام عليك ، والله حرام .

واستمرت في بكاء يقطع القلوب .. وشرعت تحكي حكايتها بصوت أجهز عليه البكاء .. رجوتها أن ترجيء الكلام بدعوى أنها مرهقة الأعصاب .. سيأتي الوقت المناسب .. الغريب أنها لم تذكر شيئاً عن حياتها في أشهرنا معاً ،وما سألتها .وما عنّ لها أن تحكي .. وعدتها أني سأظل معها حتى تهدأ ، وأن سألتقيها على المقهى إياه أشرح لها أسباب ما أقدمت عليه .

سيطرت على صوتها وقالت :

أنت الآن ضيفي ، وأنا كما تعلم لست بخيلة ، أعلم أنك خارج من عملك ، أعددت الطعام قبل أن آتي إليك لنأكل معاً خبزاً وملحاً كما تقولون في مصر .

عفواً يا دينا ، أنا في عجلة .

ماذا وراءك ؟ ما بالك تمسح بكرامتي الأرض .

لكن ...

قاطعتني قائلة :

دخول الحمام ليس كالخروج منه ، أما تقولون ذلك في أفلاكم ، وكلامكم ؟ .. سنأكل معاً ، وسنسهر سوياً .. اقبل دعوتي بحق أجمل أيام عمري .

وقامت من فورها ، نشطة كأنها لم تنتحب ، وأتت بالطعام والشراب .. أكلنا وشربنا ، وأسرفت في تدليلي .. ثم أتت بالخمر اللعين ، فنفرت كما نفرت أول مرة .. أخذت تلح وتلح وتتحايل .. شربنا .. وشربنا .. أشرق الصباح وأنا بجانبها .

انتكست انتكاسة مريض أشرف على الشفاء .. أحسست أن المرض تمكن مني ، وأصبح الأقوى .. أن الضربة أعنف .. شعرت بوهن المدمنين أمام مخدر أدمنوه ، ويلعنونه في اليوم ألف مرة .

تركت التصاريف للأحداث والظروف .

لبست دينا ثياب الخروج وخرجت قبلي إلى عملها ، وتركت مفتاح شقتها معي .. وخرجت بعدها .. عند انتهائي من العمل وجدتها أمامي .. كانت وجهتنا واحدة !