الفصل 28

10 0 00

أسمع علي الدنيا بكاءه .. فريق طبي أخرجه في مشهد مهيب .. استقبله الفريق أحسن استقبال كأنه مولودهم . أمسكوه من قدميه وفي حوض غسلوه ، أخذتني الشفقة عليه ، والشوق لأرى ملامحه .. جاء علي إلى الوجود يحمل ملامحي المصرية : لون البشرة ، تقاطيع الوجه .. أحسست أن فرحتي به ليست كاملة .. نسيت دينا كل متاعبها والآلام المبرحة وأخذت تحتضنه وتقبله .. طبعت على جبينها قبلة أردد في نفسي متوجساً: أصبح ارتباطي بك أبدياً ، فهل ستكونين على العهد ؟

مستشفى الولادة فخم ضخم ومريح جداً .. هنا تتجلى الحضارة في أبهى صورها ، تعلي من شأن الإنسان وتشعره بقيمته : الإمكانات ، النظافة ، الانضباط ، المعاملة الراقية ، الخضرة في كل أرجائه والزهور ، كل ما في المستشفى يسير بسلاسة وتلقائية . على أعلى المستويات .. استبعدت صورة مستشفى الولادة بالمنصورة على الفور من مخيلتي حينما خطرت لي . المقارنة غير منطقية تماماً ليس على مستوى التقنيات فقط ولكن للأسف على مستوى المعاملات الإنسانية .

ابني هبط إلى الوجود يحمل الجنسية الألمانية ، رغم أني مصري ، فأمه تحمل الجنسية الألمانية . لك الله يا صديقي ، ولدت في مصر لأب فلسطيني وأم مصرية وعشت فيها منذ ميلادك لا تعرف بلداً غيرها ، وتعدى عمرك الخامسة والعشرين ، وناضلت كثيراً للحصول على الجنسية المصرية ولا فائدة عوملت في المدارس والجامعة كأجنبي .. يوم أن اقترحت عليك أن تسافر معي خارج الوطن رفضت خشية ألا يسمحوا لك بدخول مصر إذا شابت الأحوال السياسية شائبة ، لا أنسى أبداً نبرة الحزن في صوتك ، والآلام الغائرة وقد عكسها جبينك ، وألف آه من علامات الانكسار !

أصبح ساكنوا الشقة ثلاثة ، ربما كان علي الأكثر تعبيراً عن وجوده ، يبكي طلباً للرضاعة ، أو رغبة في التخلص من إفرازاته ، لمغص يؤلمه ، ولأسباب لا نعلمها ، بكاؤه في عمق الليل خاصة ينخر الأعصاب نخزا ، يمكن تحمل أعتى الأصوات ولا يمكن تحمله .. دعوت الله أن يجزي والدي عني خيراً.

لم يلتقم علي ثدي أمه في شقتها مرة واحدة ، رجوتها أن ترضعه ولو لأسبوع واحد فرفضت رفضاً قاطعاً ، وادعت أن إرضاع الأم عمل بدائي يصيب ثدي الأم بالترهل ، اللبن المعد صناعياً يكفي وزيادة لتغذية الطفل كأحسن ما يكون .. نظرت إليَّ شبه ساخرة وأنا أشرح لها أن المسألة ليست غذاء فقط ، حين ترضع الأم طفلها تمنحه الغذاء ومشاعر الأمومة النبيلة ، تغذيه بجزء من مكوناتها محمل بحنان لا مثيل له .. الأم أيضاً بالرضاعة تتعمق مشاعرها الأنثوية .. إرضاع الأم لطفلها أعظم عمليات التبادل في الوجود .. قالت بثقة بالغة :

الألمانيات ، والغربيات عموماً لا يرضعن أطفالهن .. الأطفال هنا أصح ألف مرة من الأطفال في بلادنا .. اطمئن .. الألمان أحرص على صحة الأطفال ، هم لا يفعلون دوماً إلا الصحيح.

أطفالاً كنا نلعب في الشارع ، ابن جارنا وقد بلغ الرابعة من عمره كان يتركنا لدقائق جرياً إلى ثدي أمه يمتص ما فيه ثم يأتي إلينا عدواً ، ليكمل لعبه .

أسبوع واحد وتبحث دينا عن حاضنة لطفلها .. سألتها أية حاضنة يا دينا ؟ الأم أولى بحضانة طفلها ، ما يدريكٍ إن كانت أمينة في عملها أم لا .. أية مشاعر أمومة يمكنه أن يشعر بها معها .. ستعطين الحاضنة أجراً فلتوفري هذا الأجر ولتفرغي لتربية ابنك .

نفرت بغرابة وسألتني إن كنت أعيش في برلين أم على هوامشها ، لا أرى بالضبط ما يدور فيها ، وكيف يعيش الناس ، ناصحة أن أخالط الناس هنا جيداً لأعرف كيف يفكرون ، كيف يربون أطفالهم، أن راعية الأطفال وظيفة رائجة ، الطلب عليها لا تخلو منه إعلانات صحيفة من الصحف المحلية .

ثم هدأت نبرتها قليلاً وأوضحت أن راعية الأطفال لا تتقاضى أجراً حقيقياً ، هذا العمل تقوم به الفتيات المغتربات الدارسات ، مقابل المأكل والمسكن ومصروف جيب يسير .

بضعة أيام وجاءت راعية الأطفال ، لا تقل عن دينا جمالاً ، وترتدي (شورتاً) ساخناً : فتاة بولندية جاءت للدراسة في جامعة برلين ، وتتعلم حالياً اللغة الألمانية .

همست في أذني دينا : إنها جميلة ، ومثيرة .. ستعيش معنا ، يعني هذا أن هناك احتمالات كبيرة أن أنفرد بها في وقت من الأوقات ، ألا تغارين .

ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت : النساء يغفرن ، قد تكون تجربة نافعة ، مغامرة مثيرة ، أنت في بلد المغامرات ، هذه فرصة عظيمة لك فلا تضيعها ، لا تعش على هوامش برلين .

بادلتها الابتسامة وقلت : أنت التي وضعت البنزين إلى جانب النار ، فأنت إذاً المسئولة عما قد يحدث.

تغيرت ملامح وجهها ، وأخذت تتأمل طالبة العمل ، وبحذق صرفتها ، وأتت بإفريقية .. لم تكن الافريقية جميلة ولا حسنة الهندام .. عملت لأسبوع .. ضاقت بها دينا سريعاً لا أدري لماذا ؟

انجليزية متواضعة الجمال ، بسيطة الملابس ، نحيلة إلى حد غريب ، لكنها نشيطة تقوم بعملها على أحسن وجه ، لا يسمع لها صوت ، لا تُرى إلا وهي تقرأ ، أو تعتني بعلي ، أو نائمة ، لكن وجودها على أية حال حد من حريتنا .

في هدوء وبحرص بالغ شرحت لدينا ما يعتمل في صدري : الطبيعي أن تعتني الأم بطفلها ، الأفضل للطفل أن تحتضنه أمه ، الدولة تمنح الحاضنة سنة تفرغ تدفع الدولة خلالها ما يعادل دخل الحاضنة تقريباً ، فلماذا تضيعين هذه الفرصة ؟

قالت وبهدوء أيضاً : العمل مسألة مبدأ ، لا أتصور نفسي قعيدة ، العمل حتى بلا أجر أفضل لي ، ولو كنت أملك نصف أموال الدنيا .. العمل بالنسبة لي أمر غير قابل للمناقشة .. إذا كنت أعطيك حقك ، وعلي يجد من يقوم بشأنه ، والعمل يحقق توازني النفسي ، ويمنحني الثقة والأمل فلماذا لا أعمل؟!

قلت : نساؤنا لا يعملن ، يقمن بإدارة شئون البيت ورعاية الأطفال ، وهذا يكفي وأكثر .قالت : من قال أن نساءكم لا يعملن ، أنسيت نشأتي في بيئة مشابهة لبيئتك حيث النساء يشاركن الرجال أعمالهم ، ومنهن من يقمن بأعمالهن الخاصة لمساعدة أسرهن ، ومنهن من يكفلن أسرهن . ثم إننا نعيش الآن في برلين .

كدت أسب برلين ، وثقافة برلين ، ويوم زواجي من دينا ، وأدركت انها ستحتفظ بعملها كما سبق وتشبثت بحملها ، وأنها ضلع أعوج لو حاولت تقويمه حتماً سينكسر .

سريعاً عادت دينا إلى عملها بشوق العائد إلى وطنه بعد غياب طويل ، الموال الصباحي الطويل أمام المرآة استعداداً للخروج لم يتغير منه حرف ، ولم يتسارع ايقاعه لحظة ، على العكس مال إلى الإبطاء والاستعادة والتجويد ، تتعقب آثار الحمل بعناية بوليسنا السياسي ، لم يضايقني اشتراكها في ناد للياقة البدنية لاستعادة حيوية عضلاتها ، خاصة عضلات البطن ، قدر ما أسعدني ، إذ يعني هذا أنها لا تفكر في الحمل ثانية ، أو على الأقل لا تسعى إلى حمل قريب .. الملابس الرياضية التي استحضرتها كانت عبارة عن (تي شيرت) قصير ، (وشورت) أقرب إلى السخونة ، أو ساخن بالفعل ، تضايقت بشدة حين أبديت ملاحظاتي ، واتهمت ثقافتي المتخلفة معربة أنه في الأندية الرياضية يلبس الناس هكذا ، أن الناس هنا مختلفون عنهم في بلادنا النائمة حيث يهتاج الناس لمجرد رؤية ملابس سيدة معلقة في الشرفات للتجفيف ، أن هذه ملابس رياضية في بلاد تقدس الرياضة ، وليست ملابس للسرير ، أو ملابس شاطئية .

قلت مخففاً من حدة الموقف : يا أم علي ، هل يروق لعلي أن يرى أمه بهذه الملابس ؟

أسرعت قائلة : بالطبع سيفخر بأن أمه رياضية ، رشيقة ، وجميلة .

يبدو أني في حاجة لمراجعة ثقافتي ، كل ما في داخلي يصطدم بعنف بما يدور في تلك البلاد الغريبة ، يبدو أني قادم من عالم آخر ، لا يستطيع التواؤم مع هذا العالم المختلف ..فهل أنا على الحق ، وأن ما يدور بداخلي هو الصحيح ؟ .. الصراع الداخلي محتوم ، تظهر آثاره : صداع لعين يدك رأسي . كلما حاولت تقييم موقفي حال ذلك الصداع القوي بيني وبين ذلك .. أصبح تفكيري مشوشاً ، وقدرتي على التركيز غائبة ، وشعور بالضيق يتلازم مع الصداع الشديد.

شهر ، شهران ودينا تبالغ في زينتها يومياً ، وراعية طفلنا الانجليزية المنشأ والثقافة لا أثر (للمكياج) على وجهها ، حتى أحمر الشفاة لم أره يوماً على شفتيها.. لا أكاد أشعر بوجودها .. كلما حاولت لفت نظر دينا إلى المبالغة في زينتها قاطعتني وأظهرت الضيق ، وقد تتبع ذلك باتهام ثقافتي ، تسألني إن كنت أكره أن تكون امرأتي جميلة قلت : لتكن أجمل العالمين داخل منزلها .. تضحك وتقول وخارجه أيضاً ..

ستخسرينني يا دينا

لن تستطيع يا حبيبي فأنا أجري في دمك .

الإنجليزية ، لا تعرف حتى أحمر الشفاه .

مالي وهذه المعقدة ، إن هي إلا فلاحة أو راعية بقر متخلفة ، ومكتئبة .

إن كانت كذلك فكيف تتركين طفلك بين يديها ؟

الحق أنها تقوم بعملها خير قيام .. تمتع بشبابك .. دعنا نغتنم الشباب ! نلبس ، نأكل ، نشرب ، نرقص ، نتنزه وحياتنا ربيع .

يمكننا أن نفعل ذلك وأكثر حسب تعاليم ديننا ومفاهيم هويتنا وثقافتنا .

أسير في الشارع كخيمة سوداء متحركة ، حاملة قائمة طويلة من الأوامر والنواهي ، أهذا هو الاستمتاع على طريقتك ؟

من قال ذلك ؟

قاطعتني بسرعة قائلة :

سأفعل ما تريده مني ، لكن في الوقت المناسب .. أنا مشفقة عليك ، استثمر شبابك ، طارد النساء لتثير غيرتي ، أتوق للغيرة عليك ، الغيرة تغذي الحب ، تقويه ، هي ملح المحبين .. لا فائدة ، ها هي قد أعلنت أنها على ما هي عليه ، لابد إذاً من وقفة حاسمة وسريعة .

هاهي تستعد للخروج إلى العمل ، عطرها الأخاذ يملأ المكان ، كنت مشغولاً ببعض شأني أستعد أنا أيضاً للذهاب إلى العمل ، جاءت إليّ تلقي سلامها فصرخت :

ما هذا الذي تلبسينه ؟

أجمل فستان عندي ، ألم ألبسه من قبل ؟

يا أم علي .. صدرك ونصفك الأسفل تقريباً خارج خدمته .

المودة يا سامي .. أنت في برلين .

أقسم أنكِ لن تخرجين به .

دعني ، سأتأخر عن العمل ، لا تكن متزمتاً .

أقسم ثانية .. أنت زوجة لرجل .

أمرك (يا سي) السيد .. أمرك يا سيد الرجال .

وغيرت ثوبها ، لكنها استبدلته بما لا يقل عنه إثارة .

ما هذا ؟ أتسخرين مني ، أتريدين قتلي غيظاً .

أمرت يا حبيبي فنفذت أمرك ، دعني أذهب ، سأتأخر .

أم علي لا تخرج عارية .

عارية !

وألف عارية ، ماذا يغطي منكِ هذا الذي تلبسينه ، ولمن تظهرين لحمك العاري ؟

قليل من الاحترام أرجوك .. أنا ألبس لنفسي ، أتزين لنفسي ، أنا امرأة .. دعني أرجوك .

أسرعت خارجة وصفقت الباب .

أشباح الظنون والتخيلات تتراقص أمامي ، تغيظني وتمعن .. صوت بكاء علي يصل إلى أذني .. صفقت الباب وخرجت ألعن كل شيء !