الفصل 26

11 0 00

شحوب اعترى وجه دينا ، له ملاحة الأعين المسبلة وحزناً أضاف الجلال إلى جمالها . نقص وزنها قليلاً فتألق قوامها أكثر .. حركتها أقل .. ما رأيتها قبلاً شاحبة ، أو حزينة ، أو قليلة الحركة .. داخلتني بعض الشفقة عليها .. بهدوء شديد أحضرت كأسين وملأتهما بخمرها ، ناولتني كأساً ، تنهدت بحرقة وطفقت تفرغ لهيبها :

أهنت عليك ، وهانت أيامي ؟ ، بهذه السهولة تتركني وتنساني . لم تتركني هذه المرة وحدي ، تركتني وبعض منك في أحشائي .

أتدري لماذا حملت عامدة ؟ لأني لا أستطيع تخيل حياتي بدونك ، لأني خشيت أن تتركني بمثل هذه السهولة وبلا سبب إلا تخيلاتك وأوهامك أردت أن أربطك بي ـ أم نضال صديقتي المصرية المتزوجة من لبناني نصحتني قائلة : المصريون لا يرمون أبناءهم ، أحرص الناس على نسلهم لو أردتِ الاحتفاظ بسامي إلى الأبد لن يربطه بكِ إلا الإنجاب . الإنجاب سيجبره قسراً ورغم أنفه على الارتباط بك .. حباً فيكِ ، ورغبة في طفل أو طفلة منكِ ، نتوحد به أو بها معاً وإلى الأبد . تعمدت الحمل .. ظننت أنك ستطير فرحاً ، وستعتبر ذلك أجمل المفاجآت ، ظننتك ستحملني وترفعني عن الأرض ، وتضمني وتقبلني ، وتضعني حانياً على سريري ، وتأمرني ألا أتحرك ، تطعمني وتسقيني بيديك ، فإذا بك تصدني بقسوة ، وترميني بلا رحمة ، كأنك تقتلني بسكين بارد وبتشف .. تأكدت أنك لا تحبني ولا ترغب على الإطلاق في الإنجاب مني الآن أو بعد عامين أو بعد عشرة أعوام ، لذا قررت الاحتفاظ بالحمل ذكرى حبي الأول والأخير .. انتظرت يوماً ، أياماً أن تطرق بابي ، أن يرق قلبك ولا فائدة .. أعرف أني سيئة الحظ ، وأن سعادتي لن تكمل أبداً .

أعرف أن موقفك من حملي لن يتغير ، لتعلم أن احتفاظي بحملي هو احتفاظي بك . لو أني أكرهك لتخلصت من حملي في الحال . أقسمم أني أحبك حتى وإن لم يعرف الحب قلبك .. اختارك قلبي دون كل الرجال ، ألا يكفيك هذا ؟ جميلة ، حنونة ، مخلصة ، وتحبك ماذا تريد بعد ذلك ؟

أراك قلقاً كأنك تجلس على أشواك تريد أن تتركني ، وتترك ما أودعت في أحشائي ، إذا استراح ضميرك ، وعقلك ، وقلبك لذلك فلتذهب ، وسأتحمل قدري .. أراك لم تمس كأسك ، اطمئن لم أضع فيه ما يخدرك أو يضيرك .. لتذهب إن أردت .

وبكت بقوة ، ينتفض جسدها ، وتفيض دموعها غزيرة كالمطر .. رق لها قلبي بشدة اقتربت منها ، أجفف دموعها ، وأهدهدها بحنان ، وقبلت جبهتها ، ومسحت على شعرها .. أيقنت تماماً أنها لن تفرط في حملها مهما كان ، وأن المسألة مسألة وقت ليخرج مولودنا إلى الحياة ، سواء تركتها أم لم أتركها .

أعتذر لكِ يا دينا .. كل ما في الأمر أنكِ قررت وحيدة وهذا ما لم نتفق عليه ، أخطأتِ في هذا ، وأنا سامحتك .. هيا لنحتفل الليلة معاً بالوافد الجديد .

في لحظات انقلب حزنها فرحاً ، وهبت لتحتضنني وتقبلني بجنون ، تسقط دموعها بغزارة لكنها لم تكن دموعاً للحزن .. تهزني وتسألني أكثر من مرة : أحقاً تعني ما تقول ؟!

وخرجنا للسهر معاً ، وعدنا لنكمل سهرتنا وقد زال شحوبها ، وحزنها ، وعادت إليها حيويتها ، وفاضت أنوثتها دافئة ومعطاءة ، سخية وحالمة .

عادت لأيامي معها بعض بهجتها ، فهي كعادتها تظهر في الليل على أجمل صورة ، تبدو كعاشقة ولهانة : المكياج الحاذق ، الملابس الأكثر إثارة ، العطور المحفزة ، تعبيرات الوجه الحالمة ، والجو الأسطوري يلف كل هذا بعبقرية ساحرة .. استمتاعي بكل هذا لم يكن في الغالب كاملاً قبل الزواج لاعتبارات عدم الشرعية ، بعد الزواج وما قبل الحمل لخوفي من استمرار ثقافتها الغربية ، وبعد الحمل لخوفي أن يكون ما تحمله أنثى ، ابنة تربيها دينا وفي برلين !

كنت أسير في الشارع الرئيس ، خصوصاً في أيام العطلات والاحتفالات حيث يظهر الشارع كمعرض للفتنة ، كل تعرض فتنتها على طريقتهاوبلا حدود ، كل أنثى هرعت إلى الشارع الرئيس تستمتع بعرض مفاتنها وتمتع الناظرين .. التي خرجت بصيدها ، والتي تقصد أن تصيد أو تصطاد .. البنطلونات الضيقة تجلو مواضع الفتنة وتضيف .. الشعور الملونة بكل ألوان الطيف ، وأشكال لا نهائية معلقة عليها تجذب الأنظار .. قصات جميلة غريبة ، وعجيبة ، وشعور قد أزيلت إلى فروة الرأس واستبدل الشعر بألوان مجنونة .. رسوم (التاتو) على كل أجزاء الجسد ، على الذراعين ، على الصدر ، على الفخذين ، تظهر من فتق في بنطلون أو شورت على المؤخرات .. النهود فائرة ، متصلبة ، أو مصلوبة شبه عارية .. (الشورتات) الساخنة .. فتحات الفساتين المتوغلة تظهر وتخفي مع كل خطوة .. بعض الشاذات ينتحين جانباً في الشارع الفوار وتفور أجسادهن ، قبلاتاً ساخنة وأحضاناً نارية وهياماً مغيب .. النظرات الفاجرة للجالسات على المقاهي تتبعها القبلات المفترسة للمرافقين .. الواقفات أمام دور السينما الإباحية يتفحصن إعلاناتها ليتخذن القرار .. الزائرات (للبوتيكات) الجنسية التي تعرض فيما تعرض نماذج مختلفة الأشكال والأحجام للعضو الذكري .. طوال سيري في الشارع الكبير أرى حواء هي الأكثر شبقاً وجموحاً ، وكسراً للحدود .

يا ويلي ، ما الذي يمنع أن تكون ابنتي من دينا على نهج اللائي أرى بأم عيني ؟ من العاريات صدورهن تماماً لا يرتدين إلا كورقة شجر في المسابح ، والحدائق العامة يستقبلن الشمس ، من المتزلجات على الجليد في صالاته يظهر نصفهن الأسفل شبه كامل ، من المتسابقات للقب ملكة الجمال يعرضن أجسامهن كاملة للمحكمين والمحكمات ، من لاعبات الكرة الطائرة (بالميني شورت) ، من لاعبات الكرة الطائرة الشاطئية (بالبكيني) ؟ ربما كانت دينا أحرص أن تكون ابنتها في مقدمة هؤلاء .. يا ويلي .. من ألقى بي إلى عش الدبابير اللاسعة الهائجة ؟

وماذا لو كان المولود ذكراً ؟ أيعجبني منظر هؤلاء الذكور ، والوشم على أجسادهم ، مثقوبة آذانهم ، أزياؤهم عجيبة ، تسير سفنهم حثيثاً نحو الأنوثة ، والمخنثون تتزايد أعدادهم يوماً بعد يوم ، وتتزايد بالتالي نواديهم ، وصحفهم ، ومجلاتهم ، وأفلامهم ، تعرض عمليات بتر رجولتهم على شاشات التليفزيون وفي مختلف وسائل إعلامهم ، يفخرون بخنوثتهم ، ولا يستهجنهم أحد !

كارثة حقيقية إن لم تتغير دينا ، قادمة حتماً إن بقيت على صورتها .. ملعونة أم الحضارة ، وكل حضارة يكون هؤلاء الشباب والشابات نتاجها .

أذكر محاضرة ألقاها صبحي يوم أن كان المسجد مسجده ، عن الحضارة الغربية .. يومها كان أكثر تألقاً وانفعالاً ، انتفخت عروق رقبته ، واحمروجهه ، وارتفع صوته .. وصف الحضارة الغربية بأنها حضارة الجنس والخمور ، والمخدرات ، ولحم الخنزير ، والزنا ، والقمار ، والكلاب ، والشواذ ، والشاذات ، وتغيير خلق الله ، ومحاربة الفطرة التي فطر الله الناس عليها .. الحضارة التي حولت الناس إلى قطيع بهيمي يأكل كما تأكل الأنعام ويمارس الجنس على المشاع كما تمارسه الحيوانات .. هنا زادت انفعالاته وتلا قول الله تعالى [ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ] ثم قال : الحيوانات لا تعتاد الشذوذ أيها الأخوة ، الحيوانات لا تقتل من أجل القتل ، الذئب لا يفترس ذئباً ، الحيوانات لا يستعبد بعضها بعضاً من أجل نفط أو مواد خام ، أو سوق تباع فيه منتجاتها ، الحيوانات لا تكذب و تروج لكذبها ، لا تلقي بالحبوب في البحر حتى ترتفع أثمانها . لا تغتال كل من يحاول النهوض ببلده من قادة العالم الثالث .

صحيح أن تلك الحضارة غزت القمر ، وتسعى إلى غزو الكون كله ، صحيح أنها حققت تقدماً علمياً يفوق الأحلام ، صحيح أنها أنتجت من وسائل الترف ما جعل المواطن العادي يتمتع بما لم يتمتع به ملوك عصر سابق ، لكن تلك المنجزات كالمال الوفير في يد أرعن ، كالقوة القاهرة ملك يمين أحمق . سحقت هذه الحضارة الانسانية في الانسان، من يستطيع أن ينكر أن نفس البدوي أقوى من نفس ابن تلك الحضارة .

تصوروا أن كانت تلك الحضارة نتاجاً للمسلمين ، لو كانت كذلك ما رأيت جائعاً ولا عار ، ولعم الأمن والسلام والرخاء ، ما رأيت شعوباً تباد لتسلب ثرواتها ، أو أقلية تسحق تطهيراً لعرقها ، ما رأيت النساء أشباه رجال والرجال أشباه نساء ، ما رأيت تلك التجارة المهينة بلحوم النساء ، لرأيت الأرض أشبه بجنة النعيم . يا اخوتي خسر العالم كثيراً بانحطاط المسلمين .

لك الله يا صبحي فقد خسرنا أيضاً كثيراً بانهيارك !